بن ضيف الله بلقاسم

يُعد تحليل السياسات الخارجية للدول الكبرى والقِوى العظمى، من أبرز الموضوعات التي لقيت اهتماماً واسعاً بالدراسة والبحث من جانب خبراء العلاقات الدولية، منذ ظهور «علم العلاقات الدولية» كحقل معرفي قائم بذاته أواخر عشرينيات القرن الماضي، بتأسيس «دائرة الدراسات الدولية» في جامعة «آبريستويث» (Aberystwyth) ببريطانيا سنة 1919؛ نظراً إلى عِظم تأثيرها في تحديد طبيعة التفاعلات القائمة على مستوى المسرح السياسي – الأمني والاقتصادي الدولي من جهة، والطبيعة المتفردة لعمليات صنع القرار فيها وتنوع الفواعل الرسمية وغير الرسمية المشاركة في تحديد توجهاتها من جهة أخرى. وتعد السياسة الخارجية لكلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي والصين الشعبية، أبرز النماذج التي خُصت بهذا الاهتمام في مرحلة الحرب الباردة.

غير أن نهاية الصراع الأيديولوجي «الدوغمائي» بين المعسكرين؛ الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي بانهيار «جدار برلين» في 9/11/1989، حَصر هذا الاهتمام في السياسة الخارجية الأمريكية – بوصفها الطرف المنتصر في الصراع -، من خلال تركيز التحليل على ثنائية الأهداف والأدوات (الوسائل)، والعلاقة القائمة بينهما، إذ يجد المستقري لواقع السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في هذه الفترة، بغض النظر عن اختلاف التوجهات الفكرية والانتماءات الحزبية للإدارات المتوالية على سدة الحكم في البيت الأبيض؛ أن أدوات (وسائل) تنفيذها لا تنفك أن تتحدد وفق اعتبارين اثنين، هما: مدى أهمية، وأولوية أهداف السياسة الخارجية المحددة بالنسبة إلى الأمن الوطني الأمريكي. ودرجة تأثير القضايا الداخلية والخارجية في التوجهات الفكرية للإدارة الحاكمة، وتقديرها لأيٍّ من الأدوات المتاحة لديها، هي الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف. ما يتجلى بوضوح في فترتي حكم كلٍّ من بيل كلينتون وجورج بوش الابن.

تأكيداً لمنطق سيادة قيم وأيديولوجية المنتصر في فترة ما بعد الحرب، عمدت إدارة الرئيس كلينتون منذ استلامها مقاليد السلطة عام 1992 – بعد إدارة الرئيس جورج بوش الأب -، إلى نشر المبادئ والقيم السياسية والاقتصادية الغربية الليبرالية – الأمريكية بالأساس – في العالم. خاصة في المناطق التي كانت تُعد معقـلاً للشيوعية إبان الحرب الباردة (كأوروبا الشرقية، الشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية)، كواقع عملي لضمان تحقيق أمنها الوطني المرتبط بالأمن العالمي؛ من منطلق الأطروحة الليبرالية التي تقضي: أن الليبراليات (الدول الليبرالية) لا يحارب بعضها الآخر؛ والمستمدة من أفكار الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في كتابه: مشروع للسلام الدائم التي ضمنها عن اجتهادات فيلسوف عصر النهضة الإيطالي دانتي أليغيري القائل: «إن السلام بين الدول، لا يتحقق إلا من خلال نشر الديمقراطية القائمة على مبدأ الاحترام المتبادل لأفكار واعتقادات وتصورات الأفراد بعضهم تجاه الآخر».

كان الاعتماد على أساليب «القوة الناعمة» بمختلف أشكالها (الدبلوماسية، والدعائية…)، الأرضية التي انطلقت منها إدارة الرئيس كلينتون لتجسيد هذه الأهداف على أرض الواقع؛ وإن تخللها في بعض الأحيان توظيف «القوة العسكرية» (التدخل العسكري في الصومال سنة 1992، والتدخل الديمقراطي في هايتي عام 1994، وقيادة الحملة الجوية الدولية على كوسوفو في آذار/مارس 1999)، كخيار مفروض لتعزيز الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وفق المنظور الأمريكي. فمنطق عولمة مبادئ وقيم الديمقراطية الليبرالية – الأمريكية القائمة على محورية حقوق الإنسان والحرية الفردية؛ فرض على إدارة الرئيس بيل كلينتون إيلاء الأهمية لأساليب «القوة اللينة/الناعمة» على أساليب «القوة الصلبة»، رغم حجم القوة العسكرية التي تمتعت بها الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الفترة مقارنة بالدول الكبرى الأخرى؛ كروسيا الاتحادية والصين الشعبية، والقوة الإقليمية الأوروبية المتمثلة بالاتحاد الأوروبي.

إلا أن «القوة الصلبة» بمختلف أشكالها (العسكرية، والاقتصادية… إلخ)، وجدت لها سبيـلاً للتطبيق العملي في السياسة الخارجية الأمريكية مع وصول جورج بوش الابن إلى الحكم عام 2000، مدعماً بإدارة ينتمي أغلب أعضائها إلى «تيار المحافظين الجدد» الذي تبدو عليه سِماءُ التدخلية، وتغلب عليه نزعة تكريس سياسة القبضة الحديدية واستخدام التفوق العسكري لحماية المصالح العليا للولايات المتحدة، التي تتمشى ونشر قيمها الحضارية – الاجتماعية، وتُحققها. وقد تعززت هذه النظرة مع أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 وما تركته من تصور سلبي لدى صنّاع القرار الأمريكي عن الخسائر وحجم الدمار الذي يمكن أن يُخلفه الإرهاب الدولي «كمهدد جديد لامتماثل» (As a new asymmetric threat) على الأمن الوطني الأمريكي. فأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، تركت لدى الإدارة الجمهورية الحاكمة انطباعاً مضمونه أن السبيل الأمثل والكفيل بتحقيق أهداف الولايات المتحدة في الخارج، والمرتبطة أساساً بأمنها الوطني، كنشر قيم ومبادئ النموذج الحضاري الغربي الأمريكي في العالم، وتأمين إمدادات النفط الذي يعتبر مورداً مهماً في تحريك عجلة الاقتصاد الأمريكي والسيطرة على مصادره؛ لا يتأتى إلا من خلال توظيف «القوة الصلبة» في شكلها العسكري، على المستوى الدولي.

كما أن انتشار ظاهرة الإرهاب الدولي وما يشكله من تهديد للأمن الوطني الأمريكي، فرض على صنّاع القرار بالولايات المتحدة الأمريكية مراجعة عقيدتها العسكرية في مستوييها الدفاعي والهجومي، وهذا مقتضاه أن التحول في طبيعة التهديد يفرض تغيير أسلوب المواجهة؛ بإقرار الانتقال من «استراتيجية الردع» – التي ميزت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية إبان الحرب الباردة – إلى «استراتيجية الاستباق» (Preemption Strategy) لمواجهة المخاطر المتولدة أو التي يمكن أن تتولد عن انتشار ظاهرة الإرهاب الدولي من جهة؛ والانتقال من «احتواء» إلى «تغيير الأنظمة» من جهة أخرى. الأمر الذي فسح المجال لإعادة تأسيس علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع دول العالم وفق معيار «مع أو ضد» الولايات المتحدة الأمريكية في حربها العالمية على الإرهاب الدولي.

بيد أن وصول باراك حسين أوباما إلى الحكم مُمَثـلاً للديمقراطيين سنة 2008؛ أثار العديد من النقاشات والجدال حول أهداف واستراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية لفترة ما بعد فترة بوش الابن؛ وبخاصة بعدما طبع التغيير خطابه السياسي طوال حملته الانتخابية. وقد بدأت حدة هذه النقاشات والجدال تخفُت مع اتضاح معالم استراتيجية إدارة الرئيس أوباما في عامها الأول؛ ففي جلسة التنصيب التي عُقدت في 13 كانون الثاني/يناير 2009 أمام «لجنة الشؤون الخارجية» التابعة لمجلس الشيوخ بالكونغرس الأمريكي، أكدت كاتبة الدولة للشؤون الخارجية هيلاري رودام كلينتون «أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية في فترة حكم الرئيس أوباما ستكون «قوة ذكية»: حيث «سنعمل» على الجمع بين أدوات «القوة الصلبة» و«الناعمة» على نحو يمكننا من التعاطي مع مختلف القضايا المطروحة على الساحة الدولية [والتي لها ارتباط مباشر بالأمن الوطني الأمريكي]، بالأداة المناسبة لتفادي أسوأ النتائج». وهذا ما أكده الرئيس باراك أوباما نفسه، في عدة مناسباتٍ.

استمر العمل بمضمون هذه الاستراتيجية، بعد سنة من تولي ترامب الحكم، في أجزاء كثيرة منها؛ فالولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تُصنف الإرهاب الدولي والصعود الصيني والروسي المتسارع الوتيرة، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، ضمن المُهددات الأمنية المركزية التي تمس بأمنها واستقرارها الداخلي؛ لذلك، صُنفت كأولويات سياستها الخارجية لفترة 2018/2020. وقد أكدت «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي» التي طرحتها الإدارة الجديدة في كانون الأول/ديسمبر 2017، أن سُبل مواجهة تلك المهددات لن يكون إلا من خلال التعامل الذَّكي مع كل حالة على حدة، وتوظيف الأدوات التي تتناسب وطبيعة كل تهديد.

أولاً: مفهوم القوة الذكية في العلاقات الدولية المعاصرة: مقاربة إيتيمو – نظرية

يُعد مصطلح «القوة الذكية»، من أحدث المصطلحات التي أُدخلت قاموس «العلاقات الدولية المعاصرة» خلال السنوات القليلة الماضية، بعد مصطلح «القوة الناعمة». ويرجع هذا المصطلح في أصله، إلى الإسهامات النظرية التي قدمها المنظر الأمريكي جوزيف ناي الابن في مراجعاته لمفهوم «القوة» في العلاقات الدولية من منظور ليبرالي، عبر كتابه الموسوم بعنوان: القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة الدولية عام 2004، وفي كتابه الآخر الذي يحمل عنوان: مستقبل القوة عام 2011، ثم الأعمال البحثية الأخرى التي جاءت فيما بعد للتأصيل للمصطلح؛ نحو تلك التي طرحها تيد غيلن كاربنتر وزبيغنيو بريجينسكي، ومفكرون آخرون.

يرى ناي أن أكثر الاستراتيجيات فعالية لممارسة التأثير في سلوك الدول في عالم اليوم، تتطلب الدمج بين مختلف أساليب القوة الصلبة والقوة الناعمة على حدٍ سواء؛ فاعتماد الولايات المتحدة على قوتها الناعمة للتأثير في سلوك الدول الأخرى على النحو الذي يكفل لها تحقيق مصالحها في البيئة الدولية، بدلاً من أساليب «القوة الصلبة» (في شكليها: العسكري والاقتصادي) أمر مهم، لكنها لا تكف لوحدها في ظل وجود مهددات أمنية صلبة – يصعب التعامل معها عن طريق القوة الصلبة – تمس بشكل مباشر أمنها الوطني، وهذا ما يفرض عليها بالضرورة العمل على دمج أساليب «القوة الناعمة» و«الصلبة» معاً في «استراتيجية واحدة» تكون أكثر فعاليةً في التعاطي مع جميع الحالات والقضايا القائمة في الواقع أو المتوقعة مستقبـلاً، بذكاء، إذ يقول: «[إن] القوة الذكية تعني أن نتعلم بشكل أفضل كيف نجمع/ندمج بين قوتنا الصلبة والناعمة [في مواجهة التهديدات الدولية القائمة والأخطار المتوقعة أو المحتملة]»‏[1].

فالقوة الناعمة أداةٌ فعالة لتحقيق مصالح الدول في عصر المعلوماتية بدلاً من القوة الصَّلبة، إلا أن هذا لا يعني استغناء الدول الكلي عن توظيف القوة الصلبة، فالحروب كما يقول ناي: ستستمر، واللجوء إلى القوة الصلبة ضرورة حتمية تفرضها الأوضاع الدولية القائمة في جميع الأوقات. عليه؛ فإن «القوة الذكية» كمصطلح جديد في العلاقات الدولية المعاصرة والفكر الاستراتيجي الأمريكي المعاصر؛ تعني إمكانية الجمع/الدمج المزدوج بين مختلف أساليب «القوة الصلبة» من جهة و«الناعمة» من جهة أخرى، في «استراتيجية مربحة» – على حد تعبير ناي، تكفل للدول الأسلوب الأمثل في التعامل مع مختلف القضايا الدولية التي باتت تواجهها، والتي يصعب عليها التعامل معها ﺒ: «القوة العسكرية» أو «الناعمة» فقط لطبيعتها الفريدة‏[2]؛ فهي تتضمن الاعتماد على التخطيط الاستراتيجي للسياسة الخارجية، القائم على الفهم الدقيق للواقع الدولي وطبيعة تفاعلاته، وتحديد الأهداف ثم ترتيب الأولويات، وحسن اختيار الأدوات المناسبة للتعامل مع كل قضية من القضايا الدولية القائمة، واتجاهات ارتباطها بأهداف وأولويات السياسة الخارجية للدولة. إذ يقول: «قصة قوة ذكية للقرن الحادي والعشرين هي ليست عن تعظيم القوة أو الحفاظ على الهيمنة. إنها حول إيجاد الطرق لخلط الموارد باستراتيجيات ناجحة في سياق جديد لانتشار القوة وصعود البقية»[3].

عرف المصطلح رواجاً كبيراً بين الأوساط الأكاديمية ومراكز الأبحاث والدراسات الغربية، على رأسها تلك الموجودة بالولايات المتحدة الأمريكية، بعد المقال الذي نشرته نائبة سفير الولايات المتحدة الأمريكية بهيئة الأمم المتحدة أثناء ولاية الرئيس السابق كلينتون الأولى، سوزان نوسل في الفصلية الأمريكية فورين أفيرز أن: «القوة الذكية: استعادة الأممية الليبرالية» (عام 2004). وقد كان المقال في فحواه، نظرة تحليلية نقدية للسياسة الخارجية الأمريكية في ظل حكم إدارة الرئيس بوش الابن، لتفريطها في استعمال «القوة الصلبة» في حربها على الإرهاب الدولي، ما من شأنه – في نظر «نوسل» – أن يدفع إلى نسف مشروع «الأممية الليبرالية» الذي أسسه الرئيس كلينتون، والذي هدف من خلاله إلى تأسيس نظام عالمي ديمقراطي جديد، عبر نشر مبادئ وقيم الديمقراطية الغربية بالطرائق الدبلوماسية، وتفعيل دور القيادة الأمريكية على العالم عبر آلية الشراكة لا الهيمنة، والتفرد بالقرارات الدولية‏[4]. إضافةً إلى الكتاب الرائد الذي نشره مدير معهد كيتو للدراسات الأمنية والسياسة الخارجية بالولايات المتحدة سابقاً، تاد غيلن كاربنتر عام 2008، الذي حمل عنوان: القوة الذكية: نحو سياسة خارجية أكثر حكمةً لأمريكا‏[5] ومن بعده كتاب جوزيف ناي الابن بعنوان: مستقبل القوة عام 2011.

ثانياً: إسهامات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية
في تدويل استعمال المصطلح

يُعد «مشروع القوة الذكية» الذي الذي أشرف عليه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بدعم من مؤسسة ستار (STER) سنة 2008 بقيادة كل من جوزيف ناي الابن وريتشارد أرميتاج – مساعد وزير الخارجية الأمريكي سنة 2001، ورئيس «مركز أرميتاج الدولي»، والمعني بتنمية التجارة الدولية والتخطيط الاستراتيجي وحل المشكلات – أبرز الإسهامات التي ساعدت على بلورة مفهوم «القوة الذكية» بمدلوله الحالي. فقد نظم المركز‏[6] عِدة حلقات نقاش ضمت أعضاء من إدارة المحافظين الجُدد، وأعضاء من الجيش، من جمهوريين وديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي، وسفراء سابقين، وضباطاً عسكريين متقاعدين، أكاديميين، إضافةً إلى أفراد من القطاع الخاص؛ لمناقشة تراجع النفوذ الدولي للولايات المتحدة الأمريكية، في ظل الإعتماد المفرط على القوة العسكرية، والعمل على طرح البدائل التي يمكن الأخذ بها في هذا الإطار‏[7].

خلصت اللجنة في تقريرها الذي أصدرته في نفس السنة بعنوان: «التوقع العالمي لتحديات الأمن العليا لعام 2008»، إلى نتيجةٍ مفادها أن صورة ونفوذ الولايات المتحدة الأمريكية قد عرفا انحداراً كبيراً خلال السنوات الست الأولى من حكم إدارة بوش الابن، ومفروض على الإدارة التي ستتولى الحكم بعدها – إذا أرادت الحفاظ على الريادة الأمريكية – التحول من تصدير الخوف إلى بث التفاؤل والأمل؛ بانتهاج سياسات وتبني استراتيجيات أكثر فاعليةً، بحيث تتعامل مع كل قضية من القضايا المطروحة على الساحة الدولية، والمرتطبة بأمنها، بالأساليب التي تتناسب معها؛ وأن القوة العسكرية وحدها غير قادرة على الدفاع عن المصالح الأمريكية في أنحاء العالم كافة.

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن مفهوم «القوة الذكية»، رغم كونه حديث الظهور والاستعمال في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن سياسات الجمع/الدمج المزدوج بين مختلف أساليب القوة الصلبة من جهة والقوة الناعمة من جهة أخرى، في استراتيجيات عملية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية؛ يرجع تاريخها إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى؛ تحديداً إلى فترة حكم الرئيس تيودور روزفلت عام 1901؛ في أحد تصريحاته حينما قال: «تكلم بهدوء واحمل عصا غليظة». في إشارة منه إلى الأسلوب الذي ينبغي أن تقوم عليه السياسة الخارجية الأمريكية في تعاملها مع الدول الأخرى على المستوى الدولي الإقليمي والعالمي. كما تمكَّنت الولايات المتحدة الأمريكية في عدة مرات، من الدمج بين القوتين في سياساتها الخارجية خلال الحرب العالمية الثانية؛ حيث اعتمدت على القوة الصلبة بشقيها العسكري والاقتصادي في حروبها ضد دول المحور، فضـلاً عن القوة الناعمة لإعادة بناء وإعمار اليابان ودول من القارة الأوروبية (اليونان وتركيا) عن طريق مشروعي «مارشال» و«أيزنهاور» التنمويين – سلطة الأفكار – إضافةً إلى بناء المؤسسات الدولية ونشر القيم الليبراليّة الغربية التي كانت الأسس التي أقيم عليها النظام الدولي بعد تلك الحرب‏[8].

ثالثاً: تبني إدارة الرئيس أوباما لمشروع «القوة الذكية»

خلال عهدتيه الأولى والثانية، تبنت إدارة الرئيس باراك أوباما مفهوم «القوة الذكية» الذي أوصى به مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. فقد أشارت هيلاري كلينتون في كلمتها في 13 كانون الثاني/يناير 2009، أمام «لجنة العلاقات الخارجية» في مجلس الشيوخ الأمريكي – على مَعرَض الاجتماع الذي عُقد للمصادقة على توليها منصب «كاتبة الدولة للشؤون الخارجية» – أن إدارة الرئيس «أوباما» يتعين عليها أن تستخدم ما يسمى: «القوة الذكية» ومختلف الأدوات المتاحة لها، كالدبلوماسية والاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والقانونية، والثقافية، في سياستها الخارجية؛ وأن تختار الأداة أو الأدوات المناسبة لكل موقف من المواقف الدولية التي تواجهها.

حيث قالت: «أؤمن أن الزعامة الأمريكية كانت دائماً مطلوبة، وهي مطلوبة أيضاً، يجب علينا أن نستخدم ما يسمى القوة الذكية وكل الأدوات التي تتوافر لنا – الدبلوماسية، والاقتصادية، العسكرية، والسياسية، والقانونية والثقافية – ثم نعمل على انتقاء الأداة المناسبة أو مجموعة من الأدوات التي تتناسب مع كل وضع [من الأوضاع الدولية القائمة التي تواجهها الولايات المتحدة، أو المحتملة]. وباعتمادها على القوة الذكية، ستصبح الدبلوماسية في طليعة أدوات السياسة الخارجية [الأمريكية]»‏[9].

في المنحى نفسه الذي اتخذه الرئيس أوباما من خلال محتوى المقال الذي نشره في فصلية فورين أفيرز تحت عنوان: «تجديد القيادة الأمريكية» قُبيلَ أشهرٍ قليلةٍ فقط من توليه منصب الرئاسة. فقد أكد فيه أن التحديات التي استجدت على مستوى البيئة الأمنية الدولية بعد الحرب الباردة، على مختلف الصعد؛ تفرض على الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة مراجعة حساباتها في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، بتبني سياسات أكثر حكمةً عن تلك التي تميزت بها في فترة حكم الرئيس جورج بوش الابن؛ عبر تشجيع العمل على التحول من منطق «الحاجة إلى المعرفة»، إلى منطق «الحاجة إلى مشاركة الآخرين في المعرفة». ومنه، الاعتراف بعدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على مواجهة مهددات الأمن القائمة والتحديات المحتملة على نحو متفرد؛ ما يستدعي بالضرورة بناء تعاون مشترك وتفاهم مع الآخرين والاعتماد على قدراتهم، وتنسيق العمل معهم لحماية وضمان أمنها الوطني‏[10].

تَأَكَّد هذا النهج، من خلال ما جاء في مضمون الوثائق الاستراتيجية التي طرحتها المؤسسات الحكومية الأمريكية المختلفة (وزارة الدفاع، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بمختلف أجهزتها، المجلس الاستخباراتي… إلخ)، بعد تولي باراك أوباما لمنصبه بأشهر؛ إضافةً إلى وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» لأعوام 2010 و2012 و2015 على التوالي . الوثائق التي تمحورت كلها حول ضرورة إعادة النظر في الأسس التي بنيت عليها السياسة الخارجية الأمريكية في فترة حكم الرئيس بوش الابن، عبر تفعيل سياسات أخرى أكثر ملاءمة في التعامل مع البيئة الأمنية الجديدة التي عرفتها الساحة الدولية بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001‏[11].

وبوجه عام، يمكن القول: إن «استراتيجية القوة الذكية» التي أنتهجتها إدارة الرئيس باراك أوباما ابتداءً من سنة 2010 في السياسة الخارجية، والتي حددتها هذه الوثائق؛ تقوم على خطوط عريضة تضم‏[12]:

  • ضرورة العمل على الحد من سياسات الهيمنة المطلقة، والجنوح المفرط نحو التدخل العسكري في مختلف مناطق العلم، والعمل على إحياء وبعث دور التحالفات، والشراكات التقليدية، مع إيجاد صيغ الإجماع العالمي لتنمية التقنيات الإبداعية اللازمة في التعامل مع القضايا الدولية ذات التهديد المشترك؛ كالتغيرات المناخية وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وانتشار الجريمة المنظمة العابرة للحدود، إضافة إلى الإرهاب الدولي.
  • إعلاء دور التنمية الاقتصادية لمساعدة الولايات المتحدة على التوفيق بين مصالحها ومصالح الشعوب الأخرى، في جميع أنحاء العالم.
  • الاستثمار في الدبلوماسية العمومية (الشعبية) التي تركز بصورة أقل على الأضواء الإعلامية وتهتم بالاتصالات المباشرة، والتعليم، وأشكال التبادل المختلفة مع الشعوب الأخرى، والتي تضم المجتمع المدني وتستهدفه.
  • مقاومة الجنوح غير المحدود إلى فرض إجراءات الحماية ودعم المشاركة المستمرة لمعالجة مشكلات الاقتصاد العالمي، وهو الأمر الذي يمثل أهمية كبرى للنمو والرخاء بالنسبة إلى الولايات المتحدة، مع الحرص على إشراك الآخرين في ذلك.
  • النأي بالقوات العسكرية الأمريكية عن أي تدخلات أو حروب فردية مباشرة قصيرة أو طويلة الأمد في أي منطقة بالعالم، والاستعاضة عن ذلك بالتدخلات الدولية القائمة على التحالاف الثنائية أو المتعددة، والحروب بالوكالة، فضـلاً عن توظيف الطائرات الجوية في استهداف مصادر التهديد الحربية: كالجماعات الإرهابيَّة… إلخ، عن الهجوم الميداني؛ أو ما يعرف في الاصطلاح المعاصر بأساليب «الحروب الذكية»‏[13].

يُجمع المراقبون الدوليون المختصون بالشؤون الأمريكية بوجه خاص والعلاقات الدولية بوجه عام؛ أن «القوة الذكية» التي تبنتها إدارة الرئيس أوباما، قائمةٌ أساساً على ما يعرف ﺒ «الدبلوماسية الشعبية» (العمومية) المؤطرة بقضايا التنمية، والمدعمة بالقوة في بعدها العسكري (مع عدم استبعاد اللجوء إلى استعمالها في حال اقتضت الضرورة إلى ذلك)؛ كترجمة عملية لنهج التغيير الذي أسس عليه أوباما خطاب حملته الانتخابية، لتترجم فيما عرف بعد ذلك ﺑ «استراتيجية القوة الذكية في السياسة الخارجية الأمريكية». من هذا المنطلق؛ أضحت «الدبلوماسية العامة»‏[14] آلية مركزية في مسعى استعادة المكانة الدولية التي كانت تتبوأها الولايات المتحدة؛ لهذا تعتبر «الدبلوماسية العامة» الأمريكية أكثر كفاءةً لعرض «الرؤية الاستراتيجية» لإدارة الرئيس أوباما في ما يتعلق بالتعاطي مع القضايا الدولية التي ترتبط بالأمن الوطني الأمريكي بصورة مباشرة، مثل ظاهرة الإرهاب الدولي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وحتى بروز كل من الصين وروسيا كتهديد استراتيجي محتمل، مستقبـلاً‏[15]