مؤلفا هذا الكتاب هما أستاذان في الاقتصاد، رونالد فيندلي، أستاذ في جامعة كولومبيا وله العديد من المؤلفات منها: «الاقتصاد السياسي للفقر، اللا مساواة والنمو الاقتصادي» و«التجارة والتخصص» و«النمو الاقتصادي في برمانيا: رؤية وإستراتيجية». أما كيفن اورورك فهو أستاذ في معهد دبلن للاقتصاد ومن مؤلفاته: «العولمة والتاريخ».

هذا الكتاب الجديد «القوة والوفرة» يؤرّخ في الواقع لفترة ألف عام من تاريخ الاقتصاد ما بين عام 1000 وحتى اليوم. وقد حظي هذا الكتاب بترحيب كبير من قبل النقّاد والمختصين، بل واعتبره العديدون بمثابة «مرجع» منذ غداة صدوره. ذلك أن المؤلفين يحاولان أن يشرحا على مدى ما يزيد عن 600 صفحة الأسباب العميقة لكون أن بعض البلدان عرفت الثروة والغنى بينما ظلّت بلدان أخرى فقيرة خلال الألفية الماضية.

هذا كتاب إذن في التاريخ الاقتصادي، وذلك بمعنى أنه يجمع بين مشربين أساسيين هما التاريخ، بالمعنى الأشمل للكلمة من حيث تعرّضه إلى دور النزاعات والحروب في تحديد مسيرة التاريخ وفي قيام الإمبراطوريات والأمم، وليس في قيامها فحسب وإنما أيضا في انحسارها أو انهيارها. المشرب الثاني هو بالطبع ما يتعلق بالمسائل الاقتصادية. ويقول المؤلفان بالربط بين التجارة الدولية والتطورات الجيوسياسية التي عرفها العالم بصورة عامة.

ومن خلال هذا يقومان بالتأريخ للألفية الماضية من زاوية التكامل بين «الاقتصاد والقوّة». ويتم التأكيد في الشروحات المقدمة على أن ازدهار التجارة أدّى آليا إلى زيادة مداخيل البلدان والإمبراطوريات وخلق أشكال من التواصل بين السكان المعنيين ودمجهم في إطار تدفقات التبادل. هذا كله في سياق حركة عامة كانت حاسمة في تحديد «المنتصرين» و«المهزومين»، (الرابحين) و(الخاسرين).

لكن بالمقابل إذا كانت التجارة قد شكّلت عاملا جوهريا في تحديد القوة، فإن القوة حددت بالمقابل إلى درجة كبيرة مستوى المبادلات التجارية. هكذا أصبحت الإمبراطوريات الكبرى بمثابة مناطق عرفت «تسهيلات» كبيرة من أجل ممارسة التجارة. كما كانت فترات الهدوء والسلام العالمي عاملا في ازدهار المبادلات التجارية والتي تقلّصت بشكل «طبيعي» في فترات «تجزئة الإمبراطوريات» وفترات الانقسامات والحروب في العالم.

هكذا يشرح المؤلفان تاريخ الألفية الماضية على ضوء التداخل بين تطور التجارة وتطور القوى، ومما يشكل رؤية جديدة تقترب في أحد وجوهها من مفاهيم مدرسة «الحوليات» لقراءة التاريخ، وهي المدرسة التي كانت قد تشكّلت في فرنسا خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، والتي أكّدت على ضرورة فهم أحداث التاريخ على ضوء السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والطبيعية التي أنتجتها.

ومن السمات المتفرّدة لهذا الكتاب هو أن المؤلفين لا يحصران رؤيتهما للتطور التاريخي من خلال التركيز على الثورة الصناعية التي كانت أوروبا مهدها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

إنهما بالطبع لا ينكران الدور المركزي الذي لعبته لكنهما يوليان انتباههما أيضا لدراسة الفترات التي شهدت خلال الألفية الماضية ازدهار حضارات وإمبراطوريات أخرى، وهكذا يكرّسان العديد من الصفحات لدراسة آليات الجمع بين التجارة والقوة في العالم الإسلامي وآسيا والهند والإمبراطورية المغولية.التقدم لم يخترعه الأوروبيون.

ولم يكن تاريخ العالم في حالة انتظار حتى وصل الامبرياليون الأوروبيون كي يفرضوا على العالم قوتهم ومنظومة قيمهم. إن مراكز ثقل العالم قد انتقلت تبعا للمناطق التي شهدت ازدهار الاقتصاد والتجارة. ولا يتردد المؤلفان في هذا السياق عن التأكيد أن العالم الإسلامي كان في فترة العصور الوسطى مركز ثقل عالمي على الصعيد الاقتصادي خاصة في منطقة حوض المحيط الهندي.

ويركز المؤلفان في تحليلهما للتجارة العالمية خلال الألفية الماضية على مسألة الفرق الكبير في الأسعار بالنسبة للسلع والمنتوجات الأساسية التي كان يتم تبادلها في الأسواق العالمية خلال كل فترة من الزمن، وذلك بين السعر في مواقع الإنتاج والسعر في مناطق الاستهلاك. ومن خلال دراسة هذه الفوارق الكبيرة تتم دراسة السياسات الاقتصادية التي تبنّتها مختلف القوى الكبرى في مختلف الحقب.

وإذا كان مؤلفا هذا الكتاب يوليان أهمية خاصة في تحليلاتهما للمسائل المتعلقة بالرسوم الجمركية وبالحصص في الأسواق العالمية وبالاحتكارات على صعيدي الاستيراد والتصدير، وذلك في منظور تحديد درجة مستوى التبادل التجاري الحر بين البلدان، ودرجة الإجراءات الحمائية التي تتخذها البلدان المعنية ومدى تأثيرها على تطورها وعلى نموها الاقتصادي، فإنهما يوليان أيضا الأهمية لدراسة دور العوامل المساعدة أو العوامل المعيقة للتجارة الدولية وفي مقدمتها مصاعب ومخاطر النقل.

هكذا يرى المؤلفان أنه لا تكفي رؤية الرسوم الجمركية التي فرضتها بريطانيا خلال القرن التاسع عشر لـ «استنتاج» مدى ارتباط ازدهارها آنذاك بحرية التجارة. ذلك أنه ينبغي عدم نسيان أن أسعار النقل قد انخفضت كثيرا في تلك الفترة وتقاربت أسعار السلع على الصعيد العالمي كثيرا . بتعبير آخر يؤكد المؤلفان على ضرورة أخذ مسألة الاندماج الاقتصادي العالمي كـ «عملية متكاملة» وعدم الوقوع في «الانتقائية».

ومن ميزات هذا الكتاب الذي يخص 1000 عام من التاريخ «الاقتصادي»، وبالتالي «الإنساني» للبشرية، هو أنه عمل جامع إذ يتعرّض المؤلفان لجميع المسائل الكبرى في هذا التاريخ الاقتصادي الإنساني.

ومن الملفت للانتباه هو الحرص على أخذ المسافة المطلوبة للتمتع بأكبر قدر ممكن من الحيادية والموضوعية عند التعرض لكل مسألة بكل تعقيداتها وحيثياتها. وهذا ما يبدو بوضوح من خلال معالجة مسألة التجارة المثلثة على مدى العديد من صفحات الكتاب. أي التجارة التي كانت تنطلق من أوروبا وصولا إلى إفريقيا تم التوجه نحو القارة الأمريكية العالم الجديد.

كان العبيد يشكلون السلعة الرئيسية التي يتم نقلها من الشواطئ الإفريقية حيث أقام الأوروبيون مراكز تجمع كبيرة للعبيد على شواطئ غرب القارة ليتم نقلهم منها إلى أميركا. ويحاول المؤلفان في هذا السياق الإجابة على السؤال التالي: هل كانت التجارة المثلثة (أوروبا، إفريقيا، أمريكا) في أصل (التكدّس) الذي سمح بازدهار أوروبا؟

ويرى المؤلفان أن توفيق أوروبا بين امتلاك شروط القوة عبر الثورة الصناعية وتوسيع مجالها التجاري، وبواسطة استخدام تلك القوة عندما اقتضى الأمر، هو الذي جعلها تحتل المرتبة الأولى على صعيد التطور الاقتصادي خلال القرن التاسع عشر. وكان فهم بريطانيا لقواعد التداخل بين القوة والنشاط التجاري هو الذي جعلها لفترة من الزمن تحتل مكان الصدارة على صعيد القارّة الأوروبية.

ويشرح المؤلفان في هذا الإطار دور الإمبراطوريات الاستعمارية، وخاصة السيطرة على القارة الأميركية، في ازدهار أوروبا إنما التي أصبحوا يطلقون عليها اليوم لقب «القارة العجوز»، خاصة بعد خروجها منهكة من الحرب العالمية الثانية. إن المؤلفين يقدّمان رؤية توليفية حيال المواضيع الكثيرة المطروحة فيما يخص المنعطفات الأساسية التي شهدتها الألفية الماضية.

ولكنهما يؤكّدان في كل مرة أن الآراء المقدّمة سابقا لا تقدّم سوى إجابات جزئية، إذ ليس هناك أية مسألة تاريخية قابلة للاختزال في إجابة بسيطة. وفي المحصلة يؤكدان على مدى تحليلاتهما، وعبر هذه التحليلات، على وجود تداخل كبير بين التجارة والحرب والسلام خلال الألفية السابقة.

وبعد الخوض في كمّ كبير من المسائل والظواهر يؤكد المؤلفان في خاتمة كتابهما على ثلاثة أحداث أساسية ساهمت في «صياغة» تاريخ الألفية الماضية رغم أنها تبدو دون رابطة بينها وهي الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر وأثره على عدة مناطق في العالم… ثم عملية (دمج) العالم الجديد بالعالم القديم في بدايات القرن السادس عشر، والحدث الثالث يتم تحديده بـ «الثورة الصناعية» في القرن التاسع عشر.

كتاب علّق عليه أحد كتّاب مجلة «الايكونومست» بالقول: كتاب جديد وطموح بالنسبة لجميع أولئك الذين يريدون الوصول إلى معرفة أفضل لمسار التطور خلال الألفية الماضية.

*الكتاب:القوة والوفرة

التجارة والحرب والاقتصاد العالمي خلال الألفية الثانية

*الناشر: جامعة برينستون 2007

*الصفحات :624 صفحة من القطع المتوسط

تحميل الكتاب الجزء الاول

تحميل الكتاب الجزء الثاني