دراسات سياسية

القومية الوطنيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: التحديات والتحولات

د. رمزي بن دبكة

الأستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا، كوالا لمبور

من الأهمية بمكان التحقيق في قضايا القومية الوطنيّة وشرح علاقتها بالوحدة والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي أصبحت تشكّل تحولاً أساسياً في المنطقة. وأكثر علاماتها وضوحاً هي الأيديولوجيات المتغيرة، وأزمة الهوية الوطنية، والولاءات المتعدّدة والتي قد تعبر حدود الدولة إلى مايجاورها من دول. باتت القومية الوطنيّة ضرورية للوجود في العالم الحديث؛ ومع ذلك، فهو مصطلح لا يمكن تعريفه بسهولة. باختصار، المشكلة الأولى التي نواجهها هي ماذا نعنيه بالقومية الوطنيّة. يرى بريويدلي أنّ هناك صعوبة كبيرة في تعريف واضح  للمصطلح، وأن مختلف العلماء والمؤرخين يعني مصطلحات مختلفة للقومية الوطنيّة. لذلك، هناك تعريفات مختلفة لـ “القومية الوطنيّة” طوّرها علماء العلوم السياسية وغيرهم في مجالات العلوم الاجتماعية، ووفقا لبعضهم ، فإن فكرة الولاء لدولة واحدة، أو للوطن، بالكاد كانت موجودة.

وعلى سبيل المثال، يصف كيدوري القومية الوطنيّة بأنها عقيدة بدأت في أوروبا في بداية القرن التاسع عشر. يرى المذهب أن البشرية تنقسم بشكل طبيعي إلى أمم. الأمم معروفة بخصائص معيّنة يمكن التأكّد منها، وأن النوع الشرعي الوحيد للحكومة هو الحكم الذاتي الوطني الذي يشكّل قالب القوميّة ذاتها. ومن ناحية أخرى، يرى البعض أن القومية هي شعور بالانتماء إلى عدد من الكيانات التي يمكن أن تكون صغيرة أوكبيرة، بدلاً من مجرد ولاء لبلد ما وفقط. وفي فترة ما قبل الحداثة، كان يميل الناس عمومًا إلى النظر إلى أنفسهم على أنهم ينتمون أساسًا إلى المجتمعات التي تشكّلت حول التفاني لمجموعة من المعتقدات والممارسات الدينية مثل الإسلام والنصرانية.

أكد بريويدلي أنه يمكننا التمييز بين ثلاثة مجالات اهتمام مختلفة عندما نحدد القومية: القومية الوطنيّة كمذهب وكسياسة وكمشاعر. كما يرى بأنها حالة ذهنية، حيث يتم الشعور بالولاء الأعلى للفرد بسبب الدولة القومية الوطنيّة. وتعريف آخر قدمه ماكجريجور الذي يجادل بأن القومية، وخاصة في المجتمعات الشرقية، تصوّر الأمة كمجتمع عضوي، توحّده الثقافة واللغة والنسب. سيوضح هذا المقال ويشرح كيف تأسّست القومية الوطنيّة، والتي قد تتأثر بعناصر أخرى مثل الشعور بالانتماء والولاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

كان مفهوم القومية الوطنيّة، الذي يتميز بحدود محددة، وحكومة مركزية، وهوية وطنية مشتركة، موضوعًا مركزيًا في النظام السياسي العالمي. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كان تطور الدولة القومية معقدا ومتعدد الأوجه، شكلته الموروثات التاريخية، والتأثيرات الاستعمارية، والتحديات المعاصرة.

تتشابك جذور نموذج الدولة القومية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع القوى التاريخية للاستعمار. رسمت القوى الأوروبية، من خلال اتفاقية سايكس بيكو وآليات أخرى، حدودًا تعسفية، متجاهلة الحقائق العرقية والقبلية والتاريخية والدينية. شهدت آثار الحكم الاستعماري صعود الحركات القومية حيث سعت المجتمعات إلى إعادة تعريف هوياتها واستعادة الحكم الذاتي. وبعد الحرب العالمية الثانية، اجتاحت المنطقة موجة من حركات الاستقلال، مما أدى إلى إنشاء دول ذات سيادة.

دافع قادة مثل جمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة عن قضية السيادة الوطنية، مما يعكس تطلعًا جماعيًا لبناء دول خالية من الهيمنة الخارجية. ولكن عالم مابعد الإستعمار لم يكن ليعود إلى لماقبله من الإرتباطات القبلية والدينية القوية. إذ إن التغيّر الذي حصل بعد رسم الحدود جعل من الحالة الشرق أوسطيّة حالة خاصة تشبه أوروربا من حيث الدولة الأمة كمفهوم ولكنها تبقى تختلف عن أوروربا كواقع حضاري وديني وثقافي.

بعد ذلك ظهر المثل الأعلى للقومية العربية، الذي يدعو إلى وحدة الدول العربية، كقوة مضادة لنظام ما بعد الاستعمار المجزأ. في حين أن القومية العربية تهدف إلى توحيد الناس على أساس الروابط اللغوية والثقافية المشتركة، إلا أن تنفيذها العملي واجه تحديات. من تنوع الأعراق واللغات والطوائف داخل المنطقة، وجعل من الصعب صياغة هوية عربية متماسكة. ومما زاد من صعوبة توحيد المنطقة على أساس القوميّة العربية، هو تغييبها للجانب والعنصر الديني في الصياغة. إذ هي بمثابة عروبة بلا دين وهذا ما زاد من تفكّك المنطقة بسبب الشعور بالتغييب والاقتصار على الجانب اللغوي الغير معبّر وحده عن حقيقة المنطقة. كما حطّمت حرب الأيام الستة عام 1967 وغيرها من الحقائق الجيوسياسية الحلم العربي، مما سلّط الضوء على قيود الأمّة العربية الموحدة. تحول التركيز اللاحق نحو توطيد الدول القومية للوطنيّة الفردية، حيث تصارع كل دولة مع تحدياتها وخاصة المتمثلة في بناء الدولة باعتبارها شيأ جديدا في المنطقة.

ويلاحظ كذلك بأنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي فسيفساء من الأعراق واللغات والطوائف الدينية، مما يشكل تحديات متأصّلة لتشكيل وتوطيد القومية الوطنيّة. ففي العراق، على سبيل المثال، يؤكّد السعي الكردي إلى الحكم الذاتي التوتر بين سلطة الدولة المركزية والهوية العرقية. وبالمثل، قد تتحدى الهوية االأمازيغية في شمال إفريقيا في دول مثل المغرب والجزائر الروايات التي تتمحور حول العرب، مؤكّدة على تعقيدات التنوّع العرقي اللغوي مالم يناقش وينسهر في قالب واضح من الوطنيّة.

وفي سياق آخر، لعبت الانقسامات الطائفية، ولا سيما الانشقاق السني الشيعي، دورًا كبيرًا في تشكيل المشهد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط. ففي بلدان مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن، فإن توازن القوى الدقيق بين الطوائف له آثار على استقرار وشرعية الدولة ولكن له آثاره كذلك على القومية الوطنيّة. ولا تزال إدارة هذه الديناميات الطائفية في إطار دولة موحدة تمثّل تحديا مستمرا كما رسّخها المستعمر وأرادها في المنطقة، كما رأينا في العراق ما بعد عام 2003 بترتيباته الهشة لتقاسم السلطة وكذلك مانراه الآن في كل من سوريا واليمن ولبنان. إن المد الشيعي في منطقة الشرق الأوسط له تأثيراته على سلطة الدولة وترسيخيها بحيث تتصدّع الولاءات وتصبح لامكانية ولا علاقة لها بالوطن الأم. فالشيعة مثلا لهم ولاء لإيران كدولة حامية للمذهب عكس الولاء للدولة الوطنيّة السنية وهذا بحدّ ذاته يشكّل تحديا لإنشاء الدولة في الشرق الأوسط على أساس قومي وطني.

وفي القرن الحادي والعشرين، تحدّى صعود الجهات الفاعلة غير الحكومية، بدءًا من الجماعات المسلحة إلى المنظمات عبر الوطنية، نموذج القومية الوطنيّة التقليدي والذي لم يتبلور بعد في مرحلة مابعد الإستعمار. إن ظهور جماعات مثل داعش، التي تتجاوز الحدود الوطنية وتسعى إلى إقامة خلافة عبر وطنية خاصة بها، يسلط الضوء على القيود المفروضة على النماذج التقليدية التي تركز على الوطنيّة للأمن والحكم. ويشكل التجزؤ، السياسي والإقليمي على حد سواء، تحديًا كبيرًا لنموذج القومية الوطنيّة.

فعلى سبيل المثال، شهدت الحرب الأهلية السورية صعود مناطق الحكم الذاتي والجهات الفاعلة غير الحكومية التي تتحدى سيادة الحكومة المركزية. ويؤكّد استمرار الصراع في ليبيا واليمن على هشاشة هياكل الدولة في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية ومنه فإن مفهوم الوطنيّة في الشرق الأوسط أصبح منفكّا عن مفهوم الدولة الواحدة ويتعدّاه إلى دويلات ومناطق نفوذ متعدّدة.

قد تساهم التفاوتات الاقتصادية داخل الدول وفيما بينها في التشرذم الاجتماعي وتحدي تماسك القومية الوطنيّة. وبينما تستفيد بعض بلدان المنطقة من الثروة النفطية، تواجه بلدان أخرى صعوبات اقتصادية، مما يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية. ويمكن أن يؤدي التوزيع غير المتكافئ للموارد والفرص إلى الشعور بالتهميش ويسهم في الحركات القائمة على الهوية التي تسعى إلى الاستقلال الذاتي أو الانفصالية وهذا مايشكّل في تحديا جوهريّا للقوميّة الوطنيّة.

إن تطور نموذج القومية الوطنيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرتبط بالمرونة والتكيّف والتحوّل المستمر. من أعقاب الاستعمار إلى التحديات المعاصرة التي تفرضها الجهات الفاعلة غير الحكومية والصراع الداخلي، تميّزت رحلة المنطقة نحو الوطنيّة بالتعقيد والفروق الدقيقة. إنّ التنقّل في المشهد المعقد للتنوّع العرقي اللغوي، والديناميات الطائفية، والتفاوتات الاقتصادية تتطلّب فهمًا دقيقا لتاريخ المنطقة ورغبة في استكشاف طرق بديلة لبناءات الدولة يمكنها استيعاب نسيجها الغني من الهويات والتطلعات. إن مستقبل القومية الوطنيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد ينطوي على توازن دقيق بين الوحدة والتنوّع، مع نماذج مبتكرة تعكس الاحتياجات والتطلعات المتطورة لمختلف سكانها.

5/5 - (1 صوت واحد)

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى