Print Friendly, PDF & Email

على فرض ان البعض لم يسمع بهرم (ماسلو) حيث وضع العالم ابراهيم ماسلو(1908-1970) وهو عالم امريكي من اصول دينية يهودية هرما بين فيه فكرته عن نظرية الدافعية الشخصية تحت مسمى (“نظرية تحفيز الانسان) او (نظرية الدوافع الانسانية) والتي نشرها عام/1943م ومن ثم قام بتطويرها في كتابه الذي نشره عام/1954م تحت اسم(الدوافع والشخصية).
وهرم ماسلو كما مبين ادناه يتكون من خمسة مستويات من الحاجات او الدوافع وحتى لا نطيل عليكم فان ملخص النظرية التي يقف وراؤها ماسلو هي ان الانسان يحاول ان يشبع الحاجيات التي تمثل اولوية له قبل الحاجات الاخرى وكلما اشبع مستوى معين انتقل الى مستوى اخر وبغض النظر عن النقد الذي وجه للنظرية او اننا من المؤدين لها او الرافضين الا اننا سنقف عن حدود المستوى الثاني من الهرم وهو الذي يمثل حاجات الامان.

وفي قصة ابن السماك مع هارون الرشيد الخليفة العباسي عندما دخل عليه وكان الخليفية العباسي قد طلب كأس ماء ليشرب بها فلما أخذها قال ابن السماك: “على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها، قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله تعالى يا أمير المؤمنين فلما شربها، قال: أسألك بالله لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها، قال: بجميع ملكي، قال ابن السماك: لا خير في ملك لا يساوي شربة ماء، فبكى هارون الرشيد…” ما يؤيد اهمية تلك الحاجيات والتي قد يستواى في البعض منها الغني والفقير.

ان حاجات الامان استنادا لهذا الهرم قد تشمل موضوع الامن الوظيفي والسلامة الجسدية وامن الموارد والممتلكات والامن الاسري والصحي والنفسي والمالي والحماية من الاعتداء وغيرها ان تقديم الحاجيات الفيسولوجية على حاجيات الامان ليس بالضرورة شيئا طبيعيا فالانسان قد لا يجد الطعام لمدة معينة او يجد الشرب لمدة معينة ولكنه لا يتخلى في ان يؤمن نفسه متى ما شعر بالخطر او الخوف او بغربة المكان فلا يستطيع الانسان ان يفكر ولو للحظة واحدة بالتخلي عن احتياجات الامان فبتوفر تلك الاحتياجات يمكن ان الانسان نفسه في ظل اية حماية مهما كانت صغيرة ومن غير تلك الحاجت فلن يكون له وجود او ان يكون لوجوده معنى، وعلى الرغم من النقد الواسع والكبير الذي تعرضت له نظرية ماسلو الا ان ذلك لا يمنع من ان يكون ذلك انموذجا تضعه القيادة الامنية موضع تستطيع معه ان تبني او توجد لها نموذجا مماثلا له ليس من حيث الشكل بل من حيث الفكرة، الا ان على القيادة الامنية معرفة ان هرم ماسلو فيه عيوب خطيرة ومن اهم تلك العيوب التي يجب عليها الوقوف عليه بشكل جدي، ان هي ارادت ان توجد نموذجا خاصا باعمال خدمة الامن:
1- عدم احتواء هرم ماسلو على الحاجات المتعلقة بالمعرفة والفهم والاستكشاف وهذا يتعارض مع اصول عمل خدمة الامن ومجال البحث العلمي الامني، فلا يمكن تصور علوم امنية من غير وجود معرفة واسعة او عدم الاخذ بتلابيب الفهم وتركه لان ذلك سيضعف المؤسسة الامنية بسبب عدم قدرتها على التعامل مع تجارب الاخرين.
2- عدم الاشارة الى الحاجات الجمالية والتي تحوي الجمال والضبط والانضباط ونبذ الفوضى وترك العنف وازالة التوتر، ان الكثير من الحاجات الجمالية تدخل بشكل مباشر في اعمال خدمة الامن والتي يكون عنوانها الرئيسي المحافظة على الامن العام الامن.
ملاحظة: اضاف ماسلو مجموعتين من الاحتياجات بين المستويين الرابع والخامس ولم يصنفهما حسب المستويات، اي بين احتياجات الاحترام والتقدير واحتياجات تحقيق الذات وهما: الحاجة للمعرفة وللفهم، والحاجة الجمالية.
3- الانتقال من مستوى الى اخر بعد اشباع عناصر المستوى، يعني الاكل مقدم على الامن والامن مقدم على العلاقة الاسرية والعلاقة الاسرية مقدمة على احترام الاخرين واحترام الاخرين مقدم على تحقيق الذات وحل المشاكل.
4- عدم وجود نسب متفق عليها بين الجميع تمثل نسب معقولة او حدود دنية او عليا تتأرجح بينها تلك الحاجيات، ان عدم وجود تلك النسب المعقولة توضح الاهتمامات المختلفة والتي تقف خلف حاجات الانسان المختلفة قد تظهر ما يمكن ان يحصل عند عملية اشباع في بعض الحاجات واهمال في حاجات اخرى.
5- ان المستوى الثاني من مستويات ماسلو يتحدث عن حاجات “الامان” وشرح النظرية يتناول مواضيع تخص الامن والامان والسلامة الجسدية، ولعلنا نعطي العذر لماسلو بسبب كونه غير مختص بالعلوم الامنية.
6- ان ماسلو يفترض ان الانسان بعد ان يشبع حاجاته الفسيولوجية يسعى لاشباع حاجيات الامان مثل ان يبحث عن مكان يؤويه ولا ندري كيف يتم التعامل مع الكثيرين من اللاجئين او النازحين او المشردين والذين بدأت اعدادهم تتزايد بسبب الحروب والكوارث الطبيعية او الصناعية والذين يعيشون تحت خط الفقر وعلى سبيل المثال بلغ عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر في الولايات المتحدة لعام/2013م حوالي(45) مليون منهم حوالي(4) ملايين مشرد بينما بلغ عدد اللاجئين والنازحين في العالم لعام/2016م حوالي(65) مليون شخص.

ان الاخذ بفكرة وجود نموذجا مشابه للهرم او اي نموذج يمكن ان تعتمد عليه القيادة الامنية او تتبناه مدراس امنية معينة امر في غاية الصعوبة ولكنه ليس مستحيلا وان عليها اذا ما فكرت بشكل جدي بان يكون لها نموذجا على شاكلة هرم ماسلو ان يتضمن هذا النموذج او ان تاخذ بنظر الاعتبار جملة من المواضيع اهمها:-
اولا- ان الاساس الذي يجب ان يكون عليه النموذج هو ان يجمع بين الجانب المادي والمعنوي وان لا يغفل دور العامل الديني او القومي.
ثانيا- انه بالامكان ان تأخذ الحاجات نسب معينة على ان يجري اشباعها بشكل متزامن.
ثالثا- بيان اثر المعرفة والوعي الامني والتدريب والاستعداد النفسي والمعنوي.
رابعا- الاخذ بالنواحي الجمالية وخاصة في مواضيع التجمعات والممارسات الاجتماعية.
خامسا- تداخل المستويات وقت المخاطر والحروب والازمات.
سادسا- ان يكون النموذج قابلا للتطبيق باختلاف المدارس الامنية.
سابعا- ان يكون النموذج مفتوحا لغرض التعديل من حيث الاضافة او الحذف اي ان يكون نموذجا حركيا يتماشى مع التطور.
ثامنا- الربط بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي واشباع تلك الحاجات فالذي يعيش في ملجأ غير الذي يعيش في قصر.
تاسعا- تاثير الموقع والطقس والموارد الطبيعية او الصناعية على اشباع الحاجات فالذي يعيش في بيئة صحراوية ليس كالذي يعيش في المنطقة القطبية المنجمدة او في المدن الكبيرة.