القيادة السياسية: فكرة سياسية عالمية تنقاد لها القوى السياسية. فالقيادة من زاوية فكرية هي فكرة عالمية أو مبدأ عالمي سواء بالشكل فقط كالرأسمالية أو بالشكل والمضمون والبعد كالإسلام، والانقياد للفكرة هو انقياد لمفاهيمها السياسية وما تستوجبه من أعمال سياسية هادفة وعلى رأسها الدعوة للفكرة عالمياً ضمن خط السير في فهم الفكرة وتنفيذها والدعوة إليها وضمن صفات الفكرة من النقاء والصفاء والتبلور ومن التأثير والتوسع والانتشار وضمن مظهرها الفكري وطابعها السياسي الحاد دون الحيد عن ذلك كله قيد شعرة سواء على صعيد الحزب أو الأمة أو الدولة.
والفكرة القيادية هي فكرة دينامية حيوية تتصل بالواقع لتعالجه وتؤثر فيه ليتكيف بحسبها ويخضع لها ويتشكل وفق تصويرها للواقع، وهذا لا يعني أنها فلسفية وغير عملية لأنها تقاوم الواقع الفاسد وتصبر على محاربته، فما دامت الفكرة تعالج الوقائع المحسوسة وتواكب تغير الواقع وتطوره، فهي فكرة عملية وواقعية ولكنها لا تخضع للواقع الفاسد ولا تتأثر به بل تعمل على قلب هذا الواقع والتأثير فيه مهما تنوع وتجدد وتعدد لينسجم هذا الواقع وفق إرادة الفكرة ويبقى ضمن فلكها ودائرتها ولا يخرج عنها بحال من الأحوال.
والفكر السياسي إن لم يكن فكراً عالمياً أو مبنياً على فكر عالمي فلا قيمة ولا تأثير له، وإن ظهر له بعض التأثير الشكلي، فإن هذا التأثير يكون مؤقتاً وفارغاً من قوة التأثير الحقيقية المؤثرة بالفعل في كيان القوى السياسية. وعليه فمهما كان نوع الفكر وصفته وغايته فلا قيمة له ولا تأثير فيه ولا يرجى منه أية قوة إذا لم يكن فكراً مبدئياً أو مبنياً على هذا الفكر العالمي، سواء أكان هذا الفكر منحطاً ـ كالوطنية والقومية ـ أم استراتيجياً ـ كالاستقلال والاتحاد والتحرير والتنمية والكومنولث وما شاكل ذلك من الأفكار الاستراتيجية ـ لأن هذا الفكر وأمثاله لا يصلح لأن يكون فكراً قيادياً يصوغ قيادات سياسية بالفعل لا بالاسم فقط سواء في التفكير أو العمل أو النظرة القيادية العالمية والسياسية، ولأن هذا الفكر فاقد لما تحتاج إليه هذه القوى من حلول لمشاكلها المتعلقة بالحياة والحكم والعلاقات والمجتمع، ولأنه لا يتضمن المفاهيم السياسية العميقة والمستنيرة والراقية والتي تجعل من القوى السياسية قوى قيادية فكرياً وعملياً وتجسد لديها الوعي الصحيح، والإرادة الراسخة، والإحساس بالمسؤولية عن البشرية كافة، وتتحكم بتصرفاتها الراقية والهادفة، ولأن هذا الفكر غير المبدئي يجعل من هذه القوى قوى تابعة لغيرها وتدور بفلكها وتتلقى الأوامر والنواهي من أسيادها، وتلجأ إليهم ليحددوا لها كيفية التصرف ورسم الخطط وبهذا تصبح هذه القوى مسلوبة السيادة وفاقدة للإرادة السياسية، وعديمة الإحساس بالمهانة والتبعية والذل،فتبقى ضعيفة هشة مسخرة ومطية إلى غيرها إلى حين أن تستهلك فتلقى في سلة المهملات أو يقضى عليها ويؤتى بغيرها وهكذا دواليك، كما هو حاصل مع كافة القوى السياسية العميلة والرخيصة في العالم وعلى رأسهم حكام العالم الإسلامي وسائر الحكام الخاضعين للهيمنة والتبعية الأمريكية والبريطانية، ونظرة عميقة بالبصر والبصيرة لحال الحكام والأحزاب والقوى السياسية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وكندا وأوروبا وأستراليا ونيوزيلندا تري مدى رخص وحقارة ونذالة هذه القوى العميلة والمتآمرة على شعوبها وعلى قضاياها، ونظرة ثاقبة ودقيقة لما هو متوقع لحال القوى السياسية في الصين وروسيا من وقوع تحت الهيمنة والاستعمار الأمريكي بشكل كامل ليدل على قيمة وعظمة الفكرة العالمية للقوى السياسية.
والفكرة العالمية القيادية، هي فكرة عقيدة،وفكرة تشريع، وبعبارة أخرى فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، وعما قبلها وعما بعدها، وعن علاقة الحياة بما قبلها وبما بعدها. وهذه الفكرة الكلية أو القاعدة الفكرية الأساسية عنها تنبثق فكرة التشريع المتعلقة بالحياة، والتي تشكل وجهة نظر القوى السياسية عن الحياة، وتحتوي على الأفكار السياسية عن الحياة، ووجهة النظر هذه أو فكرة التشريع هي التي تفرض على القوى السياسية، تصوير حياتها، وطراز عيشها، وغايتها من الحياة، ونظرتها للأحداث والأفكار والأشياء، وتبرز موقفها، وتبلور لها مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات عن الحياة، وتجسد سيادتها وإرادتها السياسية،وتكيف قاعدتها العملية ـ الفكر والعمل من أجل غاية ـ والفكرة الكلية هي الأساس في كل أمر دق أو جل يتصل بحياة القوى السياسية ووجودها وبقائها وسيرها في معترك الحياة السياسية بالطريق الارتقائي ـ فكرياً وعملياً ـ، وهي الأساس الذي يشكل حضارتها ـ طراز عيشها الناتج عن مجموعة المفاهيم عن الحياة ـ ويميز مجتمعها السياسي الواحد ويصوغ علاقاتها الداخلية والخارجية، ويبرز ثقافتها الخاصة بها، وهي الأساس الذي يبنى عليه كل فكر عالمي عن الحياة مهما تنوع وتجدد وتعدد، ومهما كانت مضامينه وأبعاده ليتخذ الموقف اللازم تجاه هذا الفكر من المواجهة أو الاحتواء أو التجميد، سواء أكان هذا الفكر سياسياً أو فكرياً أو علمياً أو إدارياً. وهي الأساس للدولة في كيانها وجهازها ومحاسبتها وكل ما يتعلق بها وبدستورها وقوانينها، وعن هذا الأساس تنبثق أحكامها العامة والخاصة، وهي الأساس في سياستها الداخلية والخارجية مهما تنوعت وتجددت وتعددت.
والفكرة العالمية بصفاتها الحادة والمثيرة والمبلورة والنقية والصافية وبنهجها الكفاحي الذي يوجب المواجهة والصرامة والصدق والأمانة وقول الحق مهما كانت نتائجه بل واستبعاد التفكير بالنتائج، وبمظهرها الفكري وبطابعها السياسي،وبمضامينها وأهدافها المؤثرة في إطار القوى السياسية وجوهرها وأهدافها، هي القوة العالمية للقوى السياسية العالمية، وهي مصدر قوة تأثيرها في القوى السياسية والقوى العالمية والعلاقات السياسية،وهي التي تجعلها قوى مؤثرة بالفعل مهما طال الزمن أو قصر، إذا ما تجسدت فيها الفكرة بما تحمله من صفات وطابع ونهج ومظهر ومعانٍ وأبعاد،وهي التي تجعلها حية في الأوساط والميادين السياسية، وخالدة خلود الفكرة، ودائمة الوجود والتأثير في حلبة الصراع السياسي بل والتفرد في الحلبة السياسية، وهي الأساس في النهضة ـ فكرياً عن طريق التلقي الفكري العميق والمستنير للفكرة، وعملياً عن طريق الدأب على تطبيق الفكرة والدعوة إليها ـ ومن أجل هذا تحرص القوى السياسية كل الحرص على فكرتها وعلى أسس هذه الفكرة، وتعتبر هذه القضية من القضايا المصيرية التي تتطلب إجراء الحياة أو الموت، لذلك تحارب شعارات التغيير والتبديل للفكرة وما يتصل بها من وسائل تبين مضامينها وأبعادها، وتحارب الشعارات التي تمس صفات وطابع ونهج ومظهر الفكرة، ولا يجري التغيير والتبديل إلا في الأمور الثانوية بعد أن يتأكد بغلبة الظن أنها أمور خاطئة، وبعد أن يتأكد بأن هذا التغيير لا يمس أسس الفكرة ولا يؤثر عليها على المدى البعيد، ولهذا أيضاً يحرص كل الحرص على ربط الفكرة بالإطار السياسي الذي يقوم عليها ربطاً محكماً غير قابل للانفصال، وهذا الأمر أيضاً من القضايا المصيرية إذ به يتم المحافظة على الفكرة من الاحتواء أو التمييع أو التجميد أو التضليل، ويحارب كل من يحاول نزع الثقة والولاء بالفكرة أو بمن يقوم عليها، ويتم خوض المعارك على اختلافها وبكافة الوسائل على أساس الفكرة وأهدافها وما تحمله من مفاهيم وقيم رفيعة دون كلل أو ملل، وتستمر في مواجهة واستهداف أسس فكرة العدو ونزع الثقة والولاء بها وبمن يقوم عليها، وتعالج كل جهة تريد حرفها عن فكرتها أو عن خط سيرها أو تريد إشغالها عن مهمتها الأصلية، وعملها الأساسي الذي وجدت من أجله أو تريد إشغالها بمعارك داخلية، معالجة حسب الفكرة ووفق ما تتطلبه من إجراءات، وتسخر كل الطاقات والقدرات بالاتجاه الذي تريده وفق الفكرة ومستلزماتها من التخطيط والإدارة، وتستمر بالمعارك الخارجية دون توقف بشكل مثير وحاد ومرعب على كافة المستويات الإقليمية والدولية وبشكل هادف وناجم عن وعي وإدراك تامين بدون تسرع ولا إبطاء، وبنظرة عالمية، وبسياسات متشابكة بعيدة المدى وبهذا تكون القيادة للفكرة ومن يقوم عليها قيادة عالمية ـ فكرياً وعملياً ـ.
وأما ما يسبق ذلك من إيجاد رأي عالمي منبثق عن وعي عالمي على الفكرة ومن يقوم عليها، فيجب عدم التأثر بالدعاية الحاقدة أو الإشاعات الكاذبة أو بنتائج استطلاعات الرأي العام وعدم القيام بذلك بالاعتماد على الاستبانات بل يجري التقدير بالاعتماد على المفكرين والسياسيين وعلى الحزب وأجهزة الدولة، ومن البداهة أن يستند هذا التقدير إلى الحقائق والمعلومات، وتجدر الإشارة هنا إلى أن تقدير الرأي العام قد يقوم به مفكر سياسي حتى ولو كان منعزلاً عن الواقع السياسي المتعلق بالرأي، أما تقدير الوعي فإنه يعتمد على المفكرين من الحزب في كل جزء من أجزاء المنطقة التي يراد تحديد وعيها على أفكار معينة، ولا مانع من الاعتماد على أجهزة الدولة، ولكن الرأي الأقرب للصواب بشأن الوعي فإنه يتصل بالمفكرين من شباب الحزب، ومن الشواهد على صحة هذا الفهم ما جرى في الجزائر، فالشعب فيها يريد الإسلام عن وعي، وهذا الأمر لم تستطع أجهزة المخابرات أن تنجح في تقدير هذا الأمر. وعليه فيجب عدم التأثر بكل ما يشاع عن الفكرة وعمن يقوم عليها سواء أكان سلباً أم إيجاباً، فهذه الأمور وما شاكلها يجب أن لا تؤثر في القوى السياسية القائمة على فكرة عالمية، لأن هذه القوى لا تريد من القوى الأخرى المعادية النفاق والمجاملة والتأييد العاطفي أو إيقاف الهجوم عليها وعلى فكرتها بل تريد إثارتها وإجبارها للتحرك نحو فكرتها وللصراع معها للقضاء عليها بغض النظر عن النتائج سلبية كانت أم إيجابية، فمثلاً يجب عدم الاهتمام والتأثر بفكرة عدم إثارة ما يسمى بالشعب الأمريكي من أجل كسب عطفه وتأييده أو من أجل إقناعه بالنموذج الإسلامي عن طريق لسان الحال، بل يجب أن نتقصد إثارته بقوة ونتقصد عقيدته وقيمه وأنظمته وحكامه والرأسماليين فيه لنرسخ فيه الرهبة والاحترام والتقدير للفكرة ولمن يقوم عليها، ومن ثم يتلمس هذا الشعب أننا النموذج الحق للفكرة الحق بلسان الحال ولسان المقال، وإننا نريد إنقاذه من سموم الرأسمالية والرأسماليين، ليتجرع بلسم الإسلام الشافي والهادي.والفكرة الكلية وما ينبثق عنها من أفكار عن الحياة هي الروح للقوى السياسية، وهي سر حياتها وبقائها، وهذه الروح غير قابلة للتجزئة أو التبعيض، لأن حقيقة الروح لا تتجزأ، ولا تتبعض، وعليه ففقد الروح أو الفكرة لا يعني فقط التخلي عنها بالكلية أو فيما يتعلق بعقيدتها، وإنما قد يحصل الفقدان لها بالتخلي عن الأسس المتصلة بها، وعن القضايا المصيرية المتعلقة بها سواء كانت من العقائد أو الأحكام، ومن هنا فالفكرة العالمية هي الأساس في كل شيء يتصل بحياة القوى السياسية لأنها بحق روح الجسد لهذه القوى، والروح لا حياة لها ولا قيمة ولا تأثير إذا انفصلت عن جسدها، أي: عن القوى السياسية، ومن هنا كان التلازم والعضوية غير القابلة للانفصال بين الروح وبين الجسد، أي: بين الفكرة وبين من يقوم عليها، ومن أجل هذا تداوم القوى السياسية على تجسيد فكرتها في كيانها بشكل دائم ولا تتوقف عن ذلك مهما كانت الظروف والأحوال وتستمر على ذلك إلى قيام الساعة،وتحرص على تجسيدها كاملة غير مجزئة في القوى القيادية من أبنائها المخلصين إخلاصاً خالصاً ليكونوا قادة مبدعين فكرياً ونموذجاً لغيرهم عملياً، وهذا يستلزم أن يدركوا الفكرة بعمقها واستنارتها، ثم يدركوا الطريقة التي تم الاعتماد عليها في فهم الفكرة، وفي الوصول إلى الحقائق، ثم الطريقة في إنشاء الأفكار الجديدة، وتحرص هذه القوى كل الحرص على تنقية جسدها من الخلايا العفنة بشكل دائم، وتستمر في عملية صهر الشعوب التي تعتنق فكرتها كاستمرارها بصهر الأمة لتصبح هذه الشعوب جزءا لا يتجزأ من الأمة ـ شكلاً ومضموناً وبعداً ـ، وعملية الصهر هي عملية دائمة إلى قيام الساعة، وهي من عناصر القوة الذاتية، وهي التي تحمي القوى السياسية من الأخطار الداخلية مهما كانت ومهما تجددت، وهي التي تجعل الأمة أمة رسالة عالمية وأمة دعوة دائماً، ومثالاً في التضحية وتقديم أغلى ما تملك من فلذات الأكباد عن رضى واطمئنان ومحبة، وعملية الصهر تستلزم تثقيف الأمة بأفكار معينة بشكل دائم ودفعها للتفاعل مع الشعوب الأخرى على أسس الفكرة وأهدافها والقيام بالمعارك والاتصالات وحملات الهمس وبالمحاضرات والندوات والمناظرات وغزو الأوساط الفكرية والسياسية والمجتمعات.وعلى القوى السياسية الحرص على صياغة التعليم ومناهجه على أساس الفكرة وبمضمونها وأبعادها من ناحية ثقافية، وتسخير كل الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية ليكون مضمونها وبعدها متصلاً بالفكرة ومن يقوم عليها بالاسم والمسمى والبعد، ولا يقتصر على جانب من هذه الجوانب مهما قام الأعداء بحملات حاقدة وخبيثة ومغرضة سواء ضد الاسم أو المسمى أو البعد، فهذه الأمور جميعها من الفكرة ومن تجسيد الفكرة بالقوى السياسية ومن الربط بينهما ربطاً محكماً ومن عملية التنقية والصهر وما يستلزم ذلك من أعمال وأفكار ووسائل هي من القضايا المصيرية التي لا يجوز الإغفال عنها في أي جانب منها مهما صغر.
والعالم اليوم تسوده فكرتان عالميتان الأولى:الفكرة الإسلامية بروحها الطيبة التي تهدي الإنسان وتنير له درب السعادة في الدنيا والآخرة، وتبين له الصراط المستقيم المنقذ من الهلاك والشقاء في الدنيا والآخرة، وهذه الروح أو الفكرة هي فكرة سياسية وروحية وليست فكرة سياسية بحتة، فهي تتناول شؤون الدنيا والآخرة، وترعى شؤون الإنسان المتعلقة بالدنيا والآخرة، وتعالج كافة مشاكل الإنسان معالجة صحيحة تستند في أساسها على العقل والفطرة، وهذه الروح متجسدة في أبناء الأمة الإسلامية ولكن لا وجود لها في معترك الحياة الدولية لغياب دولة الخلافة الراشدة. والثانية: الفكرة الرأسمالية بروحها الخبيثة والمنتنة التي تضل الإنسان وتسير به في حالك الظلمات في الدنيا والآخرة، وتبين له سبل الضلال والهلاك والشقاء في الدنيا والآخرة، وهذه الروح الشريرة والشيطانية والقذرة هي روح سياسية بحتة فاقدة للأساس الروحي، وهي تتناول شؤون الدنيا فقط، وهي تجعل الرأسماليين آلهة الناس والأرض، وتجعلهم أرباباً من دون الله، يشرعون للناس ويوكلون عنهم ما ينوب عنهم في تشريع أنظمة الحياة وفق مصالحهم التي تجعل من الناس عبيداً لهم، والفكرة الرأسمالية تعالج مشاكل الحياة والناس على أساس الحل الوسط لصالح الأقوى، وهي مناقضة للعقل والفطرة، وقد ظهر فسادها وبان عوارها لكافة شعوب العالم، وأضحت رائحتها النتنة غير خافية على الناس، وهم ينتظرون الفرصة للتخلص من عفونتها التي أزكمت الأنوف،وأهلكت الحرث والنسل، وأفسدت الجو والبر والبحر.
ومنذ أن وجدت الفكرة الرأسمالية في حيز الوجود، وهي تنبت الشخصيات القيادية العفنة والرخيصة، وهذه الشخصيات لا تستحق لقب القيادة لأنها دمى بيد الرأسماليين وتتخذ من مركز نفوذها أداة للسيطرة والقهر والتسلط والإرهاب، فهذه الفكرة المحرقة للبشرية قد عانى العالم كله من نارها وظلمها وظلامها وقد تجرع سمومها القاتلة.
والفكرة الإسلامية قد وجدت عملياً لمدة ثلاثة عشر قرناً من الزمن، وقد أوجدت هذه الفكرة الكم الهائل من الشخصيات القيادية المخلصة والواعية، التي كانت تنظر للقيادة سواء للفكرة أو من يقوم عليها، نظرة تتفق مع الفكرة، وهي أن القيادة طريقة من أجل هداية الناس وليست هدفاً، وهي تختلف كل الاختلاف عن النظرة الرأسمالية ومن يقوم عليها والتي تعتبر القيادة هدفاً، فهذا خالد بن الوليد يأتيه الأمر من خليفة المسلمين عمر بالتنحي عن إمارة الجيش فيذعن لأمر الخليفة لأنه ويدرك أن طاعة الخليفة هي طاعة لله ولرسوله، أي: هي طاعة لفكرة الإسلام، ولم يتغن خالد بأمجاده وبطولاته وما صنع من أعمال عظيمة خدمة لدينه وأمته لأنه كان يفهم أن القيادة هي طريقة وليست غاية، وهو إنما بقوم بعمله سواء أكان قائداً أم لا من اجل هداية الناس ومن أجل أن يفوز بمرضاة الله في الآخرة، وحين كان يجري التنافس على المسؤوليات القيادية سواء في الحكم أو الإدارة، إنما كان هذا التنافس يستند إلى النظرة المبدئية من اجل الفكرة وجوداً ودعوة وتطبيقاً ورعاية حتى وجد من الشخصيات القيادية الإسلامية من كان يتهرب من المسؤوليات القيادية من ناحية عملية لأنه يدرك حقيقة هذا التكليف من كونه أمانة في عنقه وهو حسرة وندامة وخيانة إذا لم يؤدي هذا التكليف على الوجه الشرعي أو إذا كان هناك من هو افضل منه لتولي المسؤولية، ولقد كان أبناء الأمة يدركون أن مفهوم القيادة من ناحية عملية لا يقتصر على صاحب الصلاحية أو المسؤول في الحكم أو الإدارة بل يشمل كل عمل قيادي من تقديم النصيحة والقيام بالمحاسبة والذود عن المسلمين ودفع الأذى والخطر عنهم وحماية أعراضهم ودمائهم وأموالهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتقديم النفس والمال من أجل هداية الناس والقيام بدعوتهم والقتال من أجلها لكي يتأتى إنقاذ البشرية من الكفر والضلال والعذاب،فالقيادة لم تكن تعني التسلط والقهر واستعراض القوى والعضلات على المسلمين بل كانت تعني الشفقة عليهم ومساندة ضعفائهم والإحسان لمن أساء منهم ما لم يكن حقاً من حقوق الله أو أمراً يستوجب إيقاع العقوبة الشرعية أو الإدارية،وكانت تعني الغلظة والضغط في المحاسبة فيما يتصل بالأمور الأساسية التي تستوجب المحاسبة، والنصح بالرفق وحسن الأدب في المخاطبة حين يكون هذا النصح هو المقصود،فكان كل واحد منهم على ثغرة من ثغر الإسلام لحمايته وحماية أهله،وحين كانت الطاعة سجية فيهم، كانوا يفهمون أنها طاعة للفكرة ولصاحب الصلاحية ضمن حدود الفكرة وضمن حدود صلاحيات المسؤول سواء أكان حاكماً أم إدارياً، وأن هذه الطاعة هي طاعة مطلقة، وهي طاعة لله ولرسوله ولصاحب الصلاحية بوصفه فرداً لأن القيادة في الإسلام فردية، وكان صاحب الصلاحية يتقبل المحاسبة بكل طمأنينة ورضى من كل فرد من أبناء الأمة،وكانت الصراحة والصدق من الأمور البديهية عندهم فلم يكن لديهم ظاهر وباطن،إظهار المحبة وإبطان المكر والخبث والحقد والحسد كما هو حاصل عند أبناء الفكرة الرأسمالية ومن تأثر بها.
فالعالم منذ أن هدمت الخلافة وهو يعاني من كافة صنوف الظلم والسيطرة والاستعمار حتى سيطر الشر على الكرة الأرضية بشكل كامل،وهذا أمر شاذ وغير طبيعي،لأن العالم منذ أن وجدت فيه الجماعات والكيانات وفيه من الخير ومن الشر، أما ان يكون العالم كله شراً فهذا أمر طارئ، ولا بد من معالجته بأسرع وقت وبأقصى طاقة من قبل المسلمين عموماً ومن قبل الحركات الإسلامية المخلصة خصوصاً،لكي ينقذ العالم من شرور الرأسمالية والرأسماليين بقيادة الولايات المتحدة وبمساندة بريطانيا وفرنسا، وهذا يستلزم إقامة الخلافة الراشدة لتنهض بتحطيم الرأسمالية الواهية الأساس، والضعيفة الأركان، وببناء العالم على أساس خير الإسلام ونوره، الوطيد البنيان، والثابت الكيان، والممتد الفروع في سماء الدنيا بأسرها، فالخلافة الراشدة هي الطريق لبزوغ ضياء شمس الإسلام ونور قمره على الأرض ليعم الخير والنور والهداية الكرة الأرضية كلها.
فالفكرة الإسلامية وقيام القوى السياسية على أساسها السبيل لبناء الشخصيات القيادية بكم هائل لأن أغلب الناس أذكياء، أي: فيهم صفة القيادة الذكية، والناس عموماً فيهم قابلية الخير والاهتداء للإسلام الذي يصوغ البشرية صياغة جديدة تنقيها من أدران وقذارة الرأسمالية الشريرة، وما عليهم إلا الإقبال على الإسلام فهماً والتزاماً ودعوة، ليصبحوا قادة بالفكر العالمي وبالعمل السياسي ونموذجاً في العطاء والإحساس بالمسؤولية عن الناس ومحبة الخير والسعادة لهم في الدنيا والآخرة، ليكونوا من أهل الهداية وأصحاب الجنة لا من أصحاب الضلالة والهلاك والشقاء والخلود في جهنم .