بقلم نسيم بلهول أستاذ محاضر بقسم العلوم السياسية بجامعة البليدة 2 (الجزائر)، وباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.

استمرار المناورات الأميركية بإفريقيا وبالخصوص في شمالها يعني التأثير على وضع فرنسا إفريقيًّا ودوليًّا، وتفويت الفرصة عليها، وهو يدخل في مسار تهميش القوى العظمى التقليدية في العالم وتفرد أميركا في ظل الأحادية القطبية.

لا يخفى أن الاهتمام الأميركي بالقارة الإفريقية وبقسمها الشمالي على وجه التخصيص هو جزء من المدرك الاستراتيجي لواشنطن؛ نظرا لأهمية هذا الفضاء الجغرافي. وذلك منذ منتصف تسعينات القرن العشرين، من خلال إطلاق العديد من المبادرات، على غرار مبادرة “أيزنشتات” لعام 1998 والتي تدخل ضمن استراتيجية الأمن القومي الأميركي أو ما يصطلح عليه بـ”مشروع القرن الأميركي الجديد”(1) لعام 1997، حيث كان الهدف منه هو تقسيم العالم إلى مناطق إقليمية تتعزز من خلالها القيادة الأميركية للعالم؛ حيث نصَّت كل من “الاستراتيجية الأميركية الكبرى” و”مبدأ كارتر” على حيوية المصالح الاقتصادية الأميركية في إفريقيا وضرورة حمايتها ولو باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية.

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما أعقبها من إطلاق لمشروع هندسة التفرد الأميركي من خلال قيادتها للاستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب. وَجَد البيت الأبيض الأميركي في دول شمال إفريقيا شريكًا وثيقًا لتتحول بعدها أجندة السياسة الأميركية في المنطقة إلى ترتيبات على المدى البعيد ضمانًا لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة(2)؛ وهو الأمل الذي تجسد من خلال الخارطة السياسية والأمنية الأميركية المسطرة لمنطقة شمال إفريقيا، والتي كان فيها البُعد الأمني والعسكري مدخلًا سيدًا ومهمًّا لفهم طبيعة دينامية القوة الأميركية في هذا الجزء المهم من جغرافيا القارة السمراء والتي ترجمتها سلسلة البرامج العسكرية السنوية المسطرة أميركيًّا في تلك المنطقة منذ بدايات القرن الحادي والعشرين -بالموازاة مع التركيز الاستراتيجي الأميركي على منطقة المحيط الهادي- لتتخذ من منطقة شمال إفريقيا بوابة رخوة سمحت باستمرارية البوصلة الأمنية والخطوات الأميركية العسكرية الجادة في القارة، من خلال سلسلة مناورات “الأسد الإفريقي”، وكانت طبعة يونيو/حزيران 2021 أحد المداخل الأكثر أهمية وتأثيرًا في التاريخ الاستراتيجي للقارة ومنطقة شمال إفريقيا على وجه الخصوص(3)، وهو ما سيعكف عليه هذا المقال من خلال التطرق إلى مجموعة من العناصر هي كالآتي:

1. المدرك الاستراتيجي الأميركي لمنطقة شمال إفريقيا.

2 . التنافس الأميركي على منطقة شمال إفريقيا من مدخل مناورات “الأسد الإفريقي 2021”.

3. واقع التوازن الاستراتيجي في شمال إفريقيا بعد مناورات “الأسد الإفريقي 2021”.

4. قراءة في استراتيجية أفريكوم تجاه شمال إفريقيا بعد مناورات “الأسد الإفريقي 2021”.

1. المدرك الاستراتيجي الأميركي لمنطقة شمال إفريقيا

يندرج التصور الأميركي لمنطقة شمال إفريقيا ضمن فكرة شرق الأوسطية مع نهاية القرن العشرين وذلك في إطار المشروعات الأميركية المتعلقة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في دول منطقة الشرق الأوسط وبروز التعريف الأميركي للمنطقة التي تمتد حدودها غربًا لتشتمل على دول شمال إفريقيا العربية إلى إيران في جنوب غرب آسيا، وتركيا ودول المشرق العربي إضافة إلى “إسرائيل” القومية السياسية الجديدة التي دخلت المنطقة العربية في بداية القرن الماضي لِتُخلَّ بتوازن البناء الإقليمي العربي الهش منذ سقوط الدولة العثمانية وموجة الاستعمار الغربي، وقد يكون -حسب بعض الاستراتيجيين- زرع الأقلية القومية اليهودية (الكيان الحديث) من أهم أسباب تبني واشنطن فكرة شرق الأوسطية التي تعود جذورها إلى مصطلح الشرق الأدنى الذي استُعمل في القرن التاسع عشر لأول مرة للدلالة على المنطقة الجغرافية الخاصة بغرب آسيا وما يجاورها من بلاد عربية بدءًا من الخليج العربي وحتى شمال إفريقيا وارتبط بالقوى الاستعمارية الأوروبية.

وكان منتصف خمسينات القرن الماضي بدايةً للتعامل مع الشرق الأوسط كحقيقة جغرافية لوصف المنطقة الممتدة من المغرب على المحيط الأطلسي والبحر المتوسط في شمال إفريقيا غربًا إلى باكستان ومن تركيا إلى البحر الأسود شمالًا، حتى السودان والقرن الإفريقي جنوبًا، وصار مصطلح الشرق الأوسط ثابتًا في الكتابات والدراسات العلمية يشمل وحدات سياسية: مصر، والأردن، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، ودول المنطقة المغاربية: ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب إضافة إلى الكيان الصهيوني (إسرائيل).

وبالرغم من التعريف الجغرافي السياسي للمنطقة لم يتحقق بعد تحديد آثار هذا المفهوم كنظام إقليمي أو نظام دولي فرعي للتفاعلات والمشاكل والقضايا الأمنية تحديدًا خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، مع إعادة بعثه في مفهوم “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” (MENA) شائع الاستعمال في الأدبيات الأنجلوسكسونية، وتصنيفات وزارة الخارجية الأميركية لمناطق العالم المختلفة، والاستراتيجيات الأميركية والأطلسية، أو الاستعمال البريطاني لمصطلح (NAWA) (North Africa and West Asia) شمال إفريقيا وغرب آسيا، ولا حتى بعد إيداع الإعلان الألماني الأميركي، يوم 27 فبراير/شباط 2004، حول “إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط” الذي جاء فيه أن الاتحاد الأوروبي لديه نية لضم دول أوروبا الشرقية ودول إفريقيا الشمالية المجاورة لأوروبا.

ومع أن التصور الأطلسي للمنطقة يعتمد إلى حدٍّ كبير على المفهوم الأميركي “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” إلا أنه اعتلى أجندة منظمة حلف شمال الأطلسي في ظل معطيات البيئة الأمنية العالمية المتغيرة بعد نهاية الحرب الباردة بشكل مختلف حيث أشار المفهوم الاستراتيجي للحلف، سنة 1991، إلى “منطقة جنوب المتوسط والشرق الأوسط”(4) ليربط بين التصورين، الأوروبي والأميركي، في مفهومه الجديد لنظام إقليمي أو تصور لبناء أمني إقليمي محتمل لمنطقة امتازت بالتوتر وعدم الاستقرار طويلًا، وقد تأخذ مشاكلها وقضاياها منحى جديدًا قد يهدد/يؤثر إلى حدٍّ بعيد على الاستقرار والأمن في كامل المنطقة المتوسطية وتطول آثارها المنظومة الأورو-أطلسية.

ومع أن كل هذه التصورات الغربية والأدبيات الأنجلوسكسونية والفرانكفونية تستهدف عُمْق الوطن العربي الجغرافي (وحتى الإسلامي بامتدادها إلى تركيا وإيران،…) الممتد من المغرب وموريتانيا غربًا، إلى إيران وتركيا شرقًا، حتى إفريقيا الوسطى جنوبًا، كمنطقة متصلة ببعضها البعض، منسجمة إلى درجة كبيرة بسبب اللغة المشتركة، والدين، والتاريخ، والعادات، والتراث،…فإن الأدبيات  العربية -أو معظمها- تستعمل هذه المفاهيم والمصطلحات الغربية/الغريبة متغاضية عن خطورتها على المدى الطويل في طَمْس الهوية العربية والإسلامية للمنطقة.

وبالرغم من الخلافات/الاختلافات في تحديد هوية المنطقة بين الطرفين الأميركي والأوروبي (وخاصة الفرنسي) ما بين الهوية شرق الأوسطية مقابل الهوية المتوسطية تبقى كل المُسَميات/المفاهيم المتعلقة بها مرتبطة بمشاريع فك وإعادة تركيب الكيانات العربية القائمة ضمن السياسات والاستراتيجيات الأوروبية-الأميركية والأطلسية من أجل إيجاد كيانات سياسية جديدة على أساس متجانس يُفْضي إلى إعمال الفوضى داخلها لإضعافها، أي تحديد مفهوم للمنطقة العربية يكون فيه لشمال إفريقيا مَوْقع وثِقَل لِمَا للمنطقة من أهمية جغرافية وجيوسياسية وجيواستراتيجية. وهو ما يفسر تنامي أسهم المناورات العسكرية الأميركية في بورصة التركز الاستراتيجي لها في المنطقة.

2. التنافس الأميركي على منطقة شمال إفريقيا من مدخل مناورات الأسد الإفريقي 2021

مع انتهاء الحرب الباردة، وخروج الاتحاد السوفيتي ومعسكره من مباراة التنافس والصراع على المستوى الدولي، والتفكك للنظام العالمي السابق، انتقلت العلاقات الدولية إلى مستوى آخر هو المنافسات التقليدية بين القوى العظمى حول المصالح العاجلة والآجلة في منطقة شمال إفريقيا، وأطراف هذه المنافسات بجانب الولايات المتحدة الأميركية الدول الأخرى ذات التاريخ الاستعماري مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا. وسوف يستمر هذا الوضع خلال فترة إعادة الصياغة وتشكيل النظام العالمي المرتقب، وهي فترة سيولة عامة تتنافس فيها قوى عالمية وقوى إقليمية، ويحكم العلاقات فيما بينها مبدأ المنافسة ومبدأ المشاركة، وستظل المواقف والسياسات والممارسات تتراوح بين هذين المبدأين إلى حين تنضج وتستقر حالة النظام العالمي الجديد. ويبدو أن هناك عدة عوامل تساعد على خلق نوع جديد من الحرب الباردة في منطقة شمال إفريقيا، ومنها(5):

1. الحاجة للموارد الموجودة في دول المنطقة إلى حدٍّ كبير وخصوصًا النفط والمعادن الاستراتيجية الأخرى، وكذلك الحاجة لأسواقها.

2. استمرار أهمية المواقع الاستراتيجية لدول المنطقة، خاصة المطلَّة منها على الممرات المائية وطرق التجارة العالمية وبالتحديد البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي، وهي ما زالت أحد العوامل الحاسمة بالنسبة إلى المصالح الغربية، وخصوصًا الأمنية منها(6).

3. ظهور الإسلام كأحد الأيديولوجيات المعاصرة التي تسعى من خلال بعض الأفراد والجماعات السياسية لتنظيم نفسها ومؤيديها في تحدي الغرب وفي مواجهة سياساته وممارساته، في مناطق عدة من العالم، ومنها منطقة القارة الإفريقية.

وخلال هذه الفترة الانتقالية تسجل الولايات المتحدة الأميركية تقدمًا ومكاسب متنوعة، نتيجة دخولها لتحل محل نفوذ الاتحاد السوفيتي ومعسكره سابقًا بشكل عام أو بشكل جزئي، طبقًا لأوضاع كل حالة أو كل دولة في إفريقيا ومن بين هذه الدول يوجد عدد من الدول الفرنكفونية في شمال القارة الإفريقية، وهذا يحدث قلقًا واهتمامًا في السياسة الفرنسية تجاه القارة الإفريقية، فهي تسعي منذ فترة لطرح وتنفيذ إطار جديد أو إنشاء توازن مناسب ومنضبط يحفظ لها نفوذها ووجودها الحالي، كما تعمل بأساليب متنوعة لاستعادة ما فقدته من مراكز ومناطق نفوذ تقليدية(7).

من هذا الباب، جاءت تمارين “الأسد الإفريقي 2021” -في طبعتها السابعة عشرة- في إطار اختبار قدرة البرنامج الاستراتيجي الأميركي والدول المشاركة على الاستجابة لمواقف أمنية طارئة في ظل ظروف وبيئة تهديد حقيقية ووضعيات طارئة تقتضي جاهزية متفاعلة وردًّا سريعًا(8). كما تمحورت تلك التدريبات السنوية والتي نُظِّمت في/ومع المغرب حول عدد من المشاريع ذات الصلة بالهندسة والمساعدات المدنية الإنسانية في إقليم طانطان(9)؛ حيث عكفت كل من القيادات الأميركية والأطراف المشاركة، على غرار كل من الطرف المغربي والسنغالي والتونسي على إجراء تمارين تطبيقية تحاكي فيها مواقع جغرافية حقيقية(10).

في الحقيقة، تعد تمارين “الأسد الإفريقي 2021″(11) استمرارية للتعهد الاستراتيجي للإدارة الأميركية والتعامل مع الملف الإفريقي في إطار وضع استراتيجية عسكرية مناسبة قائمة على المرتكزات الأميركية الأمنية الآتية(12):

أ. إعطاء أولوية لمحاربة الإرهاب الدولي في شمال إفريقيا: إن الإدارة الأميركية يتوجب عليها أن تزيد جهودها لتنسيق التدابير الأمنية في بلدان شمال إفريقيا المتعلقة بمخاطر الإرهاب ويتوجب عليها أيضًا أن تكون مستعدة دومًا لاتخاذ الإجراءات الوقائية.

ب. الاستعداد للتدخل الأميركي المباشر في شمال إفريقيا: يجب على الولايات المتحدة الأميركية ألا تخشى استخدام قواتها بشكل حاسم في حالة تهديد مصالحها الوطنية الحيوية. من الناحية الأخرى، وحتى إذا لم تكن المصالح الأميركية الحيوية مهددة بالضياع، فالولايات المتحدة يجب عليها أن تَكُونَ حذرة، وألا تتوانى بالضرورة، عن تقديم المساعدات العسكرية إلى دول المنطقة.

لقد كانت الولايات المتحدة راضية بشكل كبير عن الدور الذي تقوم به في القارة الإفريقية في عقد التسعينات من القرن الماضي، على وجه العموم، باستثناء التدخل الأميركي في الصومال. وعلى الرغم من أن هذا التدخل كان الوحيد الذي يتسم بالأهمية على مستوى القارة في ذلك العقد إلا أن النتائج السيئة المتمخضة عن العملية العسكرية الأميركية في مقديشيو أضعفت عزيمة الإدارة الأميركية على القيام بدور أكثر فعالية(13). 

ج. مساعدة الدول الإفريقية ودعمها عسكريًّا: الدور الأكثر ملاءمة للقوات الأميركية في حالة ضرورة التدخل في إفريقيا يجب أن يركز على تقديم الدعم المناسب للجيوش الدول الإفريقية على المستوى الإقليمي، بما في ذلك النقل الجوي والبحري، والاستخبارات المتقدمة، والمراقبة، وعمليات الاستطلاع، والاتصالات وربما بعض الأصول لحماية القوة المتدخلة. على سبيل المثال، ففي عام 1999، احتاج الموظفون والعسكريون الأميركيون إلى الدعم اللوجستي للتدخل الدولي في تيمور الشرقية. “نموذج تيمور الشرقية” يجب أن يُعْمل به كنموذج لأية قوات أميركية يمكن أن تُستعمل بفائدة لدعم العمليات الإنسانية الحيوية مع مراعاة أن الاستعمال واسع النطاق للقوات المقاتلة الأميركية في إفريقيا ليس مرغوبًا فيه على إطلاقه وإنما ينبغي توظيف القوات المُسلحة لتلبية مطالب الحرب العالمية على الإرهاب. بذاك الخصوص، الولايات المتحدة يجب أن تقيس دورها بعناية في عمليات صنع السلام، فمثل هذه العمليات يمكن أن تورط الولايات المتحدة في النزاعات التي تتطلب مصادر وإمدادات عسكرية كبيرة. بالتالي، فإن الولايات المتحدة يجب أن تدخر قواتها لمهمات القوة العظمى التي لا تكون عندها سوى القوة العسكرية للولايات المتحدة القادرة على القيام بذلك، وبناء على ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تحدد وتقدم مساعدتها العسكرية لإفريقيا بطريقة أفضل تعكس حاجات إفريقيا، وبشكل يساعد على سدِّ الثغرات والفجوات في قدرات جيوش الدول المعنية بالاهتمام الأميركي.

د. زيادة المساعدات العسكرية إلى الدول الإفريقية الديمقراطية: أفضل طريق للولايات المتحدةِ لمَنْع إبادة ملايين الإفريقيين يتوقف على منع حملات الإبادة عن طريق إعاقة التهديدات والصراعات الخطيرة قبل أن تصبح جدية. والذي يساعد بطريقة عملية في هذا الشأن هو مساعدة الدول الإفريقية على أن تصبح أعضاء أكثر إنتاجًا في نطاق الأسرة العالمية. وتقديم المساعدة لتبني تطوير الجيوش الإفريقية هو من الأمور الضرورية، وهو من الأهمية الكبيرة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية لمساعدتهم على تحسين قدرتهم على التدخل لإيقاف الإبادة الجماعية، وللتعامل مع الأزمات الإنسانية، ومكافحة الإرهاب. وهي مقاربة مهمة عكفت من أجلها تمرينات “الأسد الإفريقي 2021”.

ه. دعم مؤسسة قوة التدخل الإفريقية: دأبت الإدارة الأميركية وما تلاها من إدارات على العمل مباشرةً وبالتنسيق مع الحكومة الفرنسية للاستفادة من جهودها وتاريخها في منطقة شمال إفريقيا(14)، خصوصًا أن لها خبرة طويلة في مجالات التدخل، وللمساعدة أيضًا في تكوين وتدريب القوة الإفريقية التي يمكن أن تتدخل في حالات الأزمات داخل القارة الإفريقية، وأنه يمكن للولايات المتحدة أن تُشجع دولًا إفريقية قيادية في المنطقة لمواجهة أعباء حفظ السلام في القارة، مع ملاحظة أن جهود الدولتين اصطدمت بتضارب القرارات ذات الصلة في الماضي.

ويلاحظ في ظل هذا التوجه التركيز على أن منطقة شمال إفريقيا لديها قوة بشرية عسكرية مهمة لمقابلة احتياجاتها الأمنية بل وتفوق تلك الاحتياجات وأن المشكلة في الوقت الراهن تتمثل في أن القوات الحالية ذات تدريب متباين وهي فاسدة في أغلب الأحيان، وهي تميل إلى أن تُستَعمل لمُهَاجَمَة البلدان المجاورة بدلًا من مُساعدتها. بالتالي، فإن الولايات المتحدة يُمْكِنُ أن تعتمد بشكل أفضل على مُسَاعَدَة الحلفاء الإفريقيين للحُصُول على دعمهم العسكري في إطار من التنسيق والتنظيم وباستخدام وسائل جديدة؛ وهو ما تصبو إليه “مناورات الأسد الإفريقي 2021”. ومن تلك الوسائل تزويد البلدان الإفريقية بأساليب وبأجهزة الإنذار المبكر والمعونات التقنية، بالإضافة إلى تزويدهم بنظم التربية العسكرية الدولية وتقديم المنح التدريبية في الولايات المتحدة. إن هذا التحدي وإن كان سيستغرق العديد من السنوات لكن في النهاية ستكون تأثيراته ونتائجه أفضل من سلسلة التدخلات المباشرة في مناطق الأزمات المختلفة.

و. حتمية تبعية قيادة إفريقيا إلى القيادة المركزية الأميركية :CENTCOM إن سياسة الولايات المتحدة العسكرية المتعلقة بإفريقيا، تتحرك باتجاه وجوب أن تكون أية قيادة موحدة فرعية لإفريقيا على أهبة الاستعداد لمنح الجيش الأميركي آلية للقيام بمهمات عملية في أية منطقة داخل القارة الإفريقية، وأن تخفض في الوقت ذاته من إمكانية التدخل الأميركي المباشر إلا عند الضرورة.

3. واقع التوازن الاستراتيجي في شمال إفريقيا بعد مناورات “الأسد الإفريقي 2021”

تميز المشهد المغاربي بعد مناورات “الأسد الإفريقي 2021” بانعدام منظومة أمنية موحدة، وأيضًا التعارض في مدركات التهديد؛ إذ تطبق أغلبية الدول المغاربية منطق المساعدة الذاتية الواقعي، كما تعتمد على تحالفاتها مع القوى الكبرى: فالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا هي من صميم الأمن الوطني بالنسبة للدول المغاربية كونها تعتبر مظلة أمنية رغم أنها لا تؤمِّن لها حماية حقيقية من أي عدوان.  

كما تأتي تلك المناورات في ظل افتقار الأنظمة المغاربية إلى إجماع حول تعريف التهديدات الأمنية؛ حيث انهار الإجماع حول التهديد الصهيوني (الإسرائيلي) منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد وخروج مصر كطرف محوري من الصراع مع الكيان الصهيوني، واختلفت كذلك المواقف إزاء أميركا وإيران. أما التهديد الوحيد الذي هو محل إجماع فهو الإرهاب، ويمكن تفسير هذه الاستثنائية بالبُعد الوظيفي للأمن؛ حيث يسمح تحديد الإرهاب كتهديد للأنظمة الحاكمة باستخدامه مطيَّة للقمع السياسي كما حصل مع أغلبية الانتفاضات الشبابية التي لاقت مواجهات دامية من طرف الأنظمة العربية(15).  

في ظل ذلك كله، يحافظ الميزان العسكري في شمال إفريقيا على ثبات معالمه وحدود ملامسته للأطر المعقولة لخطوط الاستقرار والسلم في المنطقة: ففي حين أن هناك تنافسًا قويًّا وتوترات مهمة بين دول المنطقة (الجزائر، وليبيا، والمغرب وتونس)، إلا أن مخرجات المناورات لم ترتق لدرجة أصبحت فيها أية دولة من دول المنطقة ترى أنها على تمام الجاهزية لخوض أي نوع من الحروب مع دول الجوار؛ فاحتمالات نشوب مثل هذا النوع من الصراعات أضحت محدودة جدًّا في المنطقة.

4. قراءة في استراتيجية أفريكوم تجاه شمال إفريقيا بعد مناورات الأسد الإفريقي 2021

واجهت استراتيجية الولايات المتحدة، وخاصة تلك المرتبطة بالأفريكوم، العديد من الانتقادات من الدول والمنظمات الإفريقية؛ حيث أجمعت مجموعة الساحل والصحراء على “رفض قيام أية قيادة عسكرية أو أي حضور عسكري أجنبي من أي نوع في أي جزء من القارة مهما كانت الأسباب أو التبريرات”، وأعلنت المجموعة الاقتصادية لدول جنوب إفريقيا “الساديك” أنه “من الأفضل لو تعاملت الولايات المتحدة مع إفريقيا عن بُعد بدل الحضور المباشر في القارة”، كما عبَّرت المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا “الأيكواس” عن رفضها الشديد لإنشاء قيادة الأفريكوم، كما أصدر قادة كل من زامبيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا انتقادات حادة للأفريكوم، وكانت ليبيريا الدولة الوحيدة التي ساندت إنشاء الأفريكوم. ومن بين أسباب الرفض الإفريقي لفكرة الأفريكوم:

  1. الأثر المتوقع للإخلال بتوازن القوى بين المنظمات الإقليمية وبين الدول ذاتها؛ حيث تتخوف المنظمات الإقليمية أن يقوض وجود الأفريكوم تأثيرها في المنطقة بينما تخشى الدول المسيطرة إقليميًّا التأثير الذي سيخلِّفه وجود الأفريكوم على التوازن الإقليمي في المنطقة.
  2. أسهم عدم تشاور الأميركيين مع الاتحاد الإفريقي في مرحلة التصور والإعداد لإنشاء القيادة في التأسيس لحالة من القلق والتشكيك حول الأهداف الحقيقية وراء إنشائها، وأن إنشاء هذه القيادة هدفه سحب النفوذ من الاتحاد الإفريقي وجعل الأفريكوم صاحبة القرار في الشؤون الأمنية للقارة.
  3. أن الإصرار الأميركي على ربط عاملي الأمن والتنمية ومحاولة تحقيق ذلك من خلال إنشاء الأفريكوم أمر يقتضي بمعنى من المعاني التمكين للزعماء الديكتاتوريين في إفريقيا، ولا يخفى أن الأفريكوم، وفي سعيها لتحقيق المصالح الأميركية ودفع أجندتها الأمنية في القارة الإفريقية، تجد حرجا في إقامة علاقات ثنائية مع دول المنطقة خصوصا منها مع دول تقوم بقمع شعوبها، لكنها تجد نفسها أمام قادة، ولو كانوا دكتاتوريين، يوافقون على التنسيق والتعاون مع سياسة الأفريكوم. وهذا إشكال قائم ويصعب تجاوزه وهو هل لا بد للأفريكوم لتحقيق المصالح الأمريكية في القارة الإفريقية أن تتعامل مع أنظمة قمعية؟
  4. اتجاه بعض الدول الإفريقية لاستخدام منهج أو خطاب الأفريكوم لاقتراح حلول عسكرية لمشاكل داخلية.
  5. انتقد عدد من المراقبين قيادة الأفريكوم بسبب غطاء السرية الذي تحيط به نشاطاتها، لقلة ما يتوافر من المعلومات عنها، والغموض والضبابية اللذان يعتريان طبيعة أهداف هذه القيادة.
  6. أثار ازدياد المصالح الأميركية في إفريقيا الكثير من الشبهات حول الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة الأميركية من وراء إنشاء الأفريكوم، وذلك لكون أميركا، ومن خلال سياسة الإحتواء التي اتبعتها تاريخيًّا في فترة الحرب الباردة، قد دعمت قادة ديكتاتوريين وموَّلت ميليشيات تستخدم أساليب عنيفة جدًّا، إضافة إلى عدم تشجيعها للحركات التحررية في إفريقيا(16). إلا أنه يمكن اعتبار الاهتمام الأميركي الاستراتيجي بمنطقة شمال إفريقيا، وذلك من خلال سلسلة مناورات الأسد الإفريقي، يأتي من منطلق الاهتمام الأميركي العسكري والأمني بإفريقيا عامة ومنطقة الساحل خصوصًا والتي تعود إلى عام 1998 بمناسبة العمليتين المتزامنتين ضد سفارتي الولايات المتحدة الأميركية في كل من كينيا وتنزانيا؛ حيث أُتبعت العمليتان بالضربات التي وجَّهها الرئيس كلينتون إلى السودان، الموطن المرحلي آنذاك لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة خلال النصف الثاني من عقد تسعينات القرن الماضي. لتتأكد تلك الأهمية سنة 2006 أكثر فأكثر، حيث نتج عنها إنشاء قيادة للجيش الأميركي في إفريقيا، سنة 2007، ولأول مرة في التاريخ الأميركي هي جهاز الأفريكوم، وحتى ذلك التاريخ كانت القيادة الأوروبية “أوكوم” هي المكلفة بالعمليات العسكرية في إفريقيا(17). من الناحية العسكرية والأمنية تسعى الولايات المتحدة، من خلال مناورات “الأسد الإفريقي 2021″، إلى تحسين قدرة القارة على التعامل مع المشكلات الأمنية المؤثرة على الأمن العالمي بصفة عامة وعلى الأمن الأميركي بصفة خاصة وأهمها الإرهاب. كما تسعى إلى دعم الحلول السلمية للنزاعات المسلحة في القارة في ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء بشكل يحقق مصالحها. لهذا، انحصر الدور الأميركي من بوابة أفريكوم من خلال تلك المناورات في التدريب وتوفير المعدات اللازمة والاتصال لتحقيق الترابط بين الوحدات في الدول الإفريقية المشاركة (المغرب، وتونس، والسنغال).

من ناحية أخرى، فلقد كان من وجهة النظر السياسية والأمنية الأميركية أن تنظيم تلك السلسلة من المناورات من شأنه أن يسمح بتعاون أفضل في مختلف المجالات مع الدول الإفريقية خاصة؛ حيث تمثل تلك المناورات مختبرًا أميركيًّا جديدًا للتخابر وجمع المعلومات عن منطقة شمال إفريقيا كجغرافيا مفتاحية للقارة، معتمدة على خصوصية الأرض لوضع بصمة خاصة لحل الأزمات في المنطقة. غير أن الصراع بين البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية وخصوصًا الفرق الصارخ بين إمكانيات المؤسستين أدى إلى تقلص تلك الطموحات الكبيرة منذ البداية. وهكذا بقي هامش مناورة قيادة الأفريكوم في القارة محدودًا.

خاتمة

بناء على ما سبق، يمكن القول: إن القارة الإفريقية تعتبر حاليًّا تحديًا كبيرًا بالنسبة إلى كبريات المجمعات العسكرية الغربية بما فيها القوات الأميركية. غير أنه، وفي إطار غياب مرجعية استراتيجية قومية لدول القارة أساسًا وشمال إفريقيا على وجه التخصيص، من شأنه أن يحيد أي تفاعل من شأنه أن يكون حيويًّا لشعوب ودول المنطقة خاصة في ظل استمرار غياب إرادة سياسية قومية تبوصل ذلك الطموح وتلك الرغبة في التحرر من القيود الاستعمارية والوصاية الخارجية.

إن افتقاد المنطقة لأي مشروع جاد لتبوء مكانة القوة الإقليمية، يحرمها من مركبها الأمني الخاص بها ومن بوصلتها الاستراتيجية التي تحميها من أي شكل من أشكال التجزئة الأمنية والتي تتغذى من خلالها القوى فوق الإقليمية بكل ما من شأنه أن يسهم في صوغ جغرافيا سياسية واستراتيجية جديدة لهذه الكينونة الجغرافية والبوابة الحضارية والأمنية المهمة بالنسبة للقارة السمراء.

إن استمرار سلسلة المناورات الأميركية على الأراضي الإفريقية، وبالخصوص في منطقة شمال إفريقيا، يعني ضمنًا استمرار التأثير على وضع ومكانة فرنسا إفريقيًّا ودوليًّا، وتفويت الفرصة على فرنسا من مجرد البقاء في إفريقيا، وهذا يعني أن وجود أي قوة مهيمنة أخرى أمر سيتناقض مع التطلعات الأميركية الجامحة بأن يكون القرن الحادي والعشرون قرنًا أميركيًّا خالصًا طالما أن الفرصة سانحة لتهميش مزيد من القوى العظمى التقليدية في العالم، وما لذلك من تأثير بالغ على ما ترنو إليه الولايات المتحدة من الإبقاء على مكانتها العالمية دون منازع لها في ظل الأحادية القطبية التي تتمتع بها.

مراجع

(1) (1) انظر في ذلك: هشام القروي، استراتيجية أميركية جديدة، مركز نماء للبحوث والدراسات، 22 مايو/أيار 2013، (تاريخ الدخول: 15 سبتمبر/أيلول 2021):  https://bit.ly/3EwsxWh

(2) Gary Leupp, “We’re Taking Down Seven Countries in Five Years”: A Regime Change Checklist, www.dissidentvoice.org, January 17, 2007, (accessed September 10, 2021): https://bit.ly/3tQrhbT

(3) مناورات الأسد الإفريقي أو ما يصطلح عليه بالإنجليزية  (African Lion Maneuvers)‏هي مناورات عسكرية مشتركة تقام بين كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المغربية بمنطقة طانطان المغربية والتي انطلقت عام 2007.

(4) تأثير ناظم عبد الواحد، الوطن العربي في استراتيجية حلف الناتو بعد الحادي عشر من سبتمبر2001، رسالة ماجستير منشورة، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، 2008، ص 29.

(5) Hamdesa Tuso:” The Crisis of U.S. Foreign Policy Toward the Horn of Africa during the post Cold War Era – A Critical Review PartII ”Sidama Concern, (Vol. 5 No. 2, July 2000) p 20.

(6)  John Prendergast, Building for Peace in the Horn of Africa: Diplomacy and Beyond (Washington D.C. the United States Institute of Peace, June 28, 1999) p187.

(7) د. عبد الملك عودة، السياسة المصرية وقضايا إفريقيا، مؤسسة الأهرام، 1993، ص 81.

(8) Renseignor, le Centre Français de Recherche sur le Renseignement (CF2R), n 1184, le 20 juin 2021, p., 5

(9) وهي بلدة صغيرة تقع في المنطقة الوسطى الغربية من المملكة المغربية.

(10) Renseignor, Idem, p., 5

(11) مناورة عسكرية مشتركة كبيرة تنظم سنويًّا تحت قيادة الولايات المتحدة وكأنها مخبر لاستعراض قوة العديد من المشاركين في تلك التدريبات وذلك منذ انطلاقها (من 8 إلى 18 يونيو/حزيران من السنة الجارية 2021). كما تعد أحد أكبر التمارين السنوية للقيادة العسكرية الأميركية لإفريقيا والتي يستضيفها الجيش الملكي المغربي سنويًّا وبشكل منتظم؛ حيث احتوت على مجموعة من التدريبات التنفيذية البرية منها والبحرية والجوية. للعلم، لقد شاركت كل من المملكة المتحدة، والبرازيل، وكندا، وتونس، والسنغال، وهولندا، وإيطاليا، فضلًا عن الناتو، إلى جانب مراقبين عسكريين من حوالي ثلاثين دولة في تلك المناورات. والتي أُلغيت النسخة الخاصة منها بسنة 2020 بسبب ظروف مرتبطة بجائحة كورونا. حُشِد خلال هذه الطبعة حوالي مئة دبابة و46 طائرة دعم و21 طائرة مقاتلة. كما رُصدت لتلك التدريبات ميزانية قُدِّرت بـ24 مليون دولار (19.6 مليون يورو).

(12) James Jay Carafano, and Nile Gardiner,” U.S. Military Assistance for Africa: A Better Solution” The Heritage Foundation, October 15, 2003, accessed September 10, 2021):  https://herit.ag/3tRa7L7

(13) لم تحرك الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى ساكنًا فيما حدث في رواندا، 1994، ولا في غيرها من مناطق الأزمات الإفريقية، وهو أمر تفسره انتقائية المواقف الأميركية.

(14) ولعل هذا السبب هو ذاته الذي يمكن أن يقصي الولايات المتحدة عن سياستها في إفريقيا الرامية إلى إنهاء الوجود الفرنسي فيها وفقًا لشعار الخروج للفرنسيين؛ حيث أصبح هناك مبرران رئيسيان، وهما: الاستفادة من خبرتها التاريخية في التدخل وكذلك الاستفادة منها كحليف دولي وبعلاقاتها مع الدول الفرانكفونية بشمال إفريقيا في حملتها العالمية ضد الإرهاب، وهذا الأمر لاقى قبولًا واستحسانًا في عهد الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، وأيضًا يلاقي ذات القبول والاستحسان من جانب الرئيس الحالي الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وذلك في إطار سياسة التفاهم مع الولايات المتحدة من أجل البقاء في إفريقيا.

(15) عبد النور بن عنتر، محاولة حديثة لمفهوم الأمن القومي العربيين، القاهرة: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، 2008، ص74-76.

(16) إبراهيم شابير الدين، الأفريكوم.. حماية المصالح الأميركية تحت غطاء الشراكة، مركز الجزيرة للدراسات، الأحد 23 يونيو/حزيران 2013، (تاريخ الدخول: 15 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/3Cnl6io

(17) Maya Kandel,” Les Etats-Unis, l’Afrique,” Observatoire de la défense (Fondation Jean-Jaurès / Orion, N° 22, 7 février 2013) p.2.