اللامركزية الإدارية ومقومات الحكم الرشيد في ليبيا
قراءة في القانون ” 59″ لنظام الإدارة المحلية
مدخل قانوني

د. عبير ابراهيم امنينه
استاذ مساعد – قسم الادارة العامة – كلية الاقتصاد
جامعة بنغازي

مرت الإدارة المحلية في ليبيا إبان العهد السابق 1969-2011 بمراحل مختلفة اتسمت في مجملها بالإرباك وساهمت في تعزيز الفوضى وترسيخ الفساد ثقافة وبنى وغابت مقومات الحكم الرشيد عن أدائها. ولقد أدت هذه المظاهر إلى زيادة احتقان المواطنون المستهدفون بأهداف التنمية المحلية نتيجة تطبيق المركزية الإدارية في تسيير الوحدات الإدارية المختلفة و تفشي البيروقراطية والعجز في الأداء ، فضلا عن إهدار الموارد وانتشار الفساد. لقد تضافرت هذه المظاهر في النهاية لتهدد شرعية النظام السياسي قبل أن يسقط بالكامل في أكتوبر 2011.
ولقد ورث النظام الحالي تركة ثقيلة تمثلت في نظام إداري مركزي وإن بدأ عكس ذلك وتقسيمات إدارية مشوهة لم تخدم سوى هواجس النظام السابق الأمنية وعززت النعرات القبلية ، وتزايدت معها مطالب ملحة في تطبيق اللامركزية الإدارية كحل مرجو للتعجيل بالخدمات والتنمية للمجتمعات المحلية.
ولقد اصدر المجلس الوطني الانتقالي بموجب ذلك القانون (59) للإدارة المحلية كخطوة نحو معالجة المثالب المرتبطة بتطبيق المركزية وتفشي ثقافتها ، الحقه مجلس الوزراء في الحكومة الانتقالية فيما بعد باللائحة التنفيذية المنظمة في ظل وجود كيانات محلية ينقصها الوحدة في طريقة التأسيس والإجراءات وتفتقد لأبسط قواعد المأسسة ، الأمر الذي يفرض تساؤلات جديرة بالتركيز والبحث مثل :
– مدى تجسيد القانون رقم (59) للامركزية الإدارية من خلال مواده المختلفة ولاسيما المتعلقة بالاستقلالية الإدارية والمالية للوحدات المحلية كما يروج له كحل للقضاء على المركزية؟
– مدى استجابة مواد القانون (59)للإدارة المحلية في ليبيا لمقومات الحكم الرشيد ، بمعنى هل يضمن القانون المذكور تحقيق المشاركة المجتمعية ،المساءلة والمحاسبة واستيفاء متطلبات الكفاءة ضمن مواده؟
منهجيا سوف تتبنى الورقة بشكل أساسي المدخل القانوني في تناولها للإشكالية المطروحة ، وذلك من خلال تعرضها لمواد القانون (59) لنظام الإدارة المحلية في ليبيا ولائحته التنفيذية ، هذا فضلا عن القانون رقم(9 ) لسنة 2013 القاضي بتعديل القانون (59) المشار إليه آنفا.
تنقسم الورقة إلى الأجزاء التالية:
– الإدارة المحلية : إطار نظري
– ا داء نظام الإدارة المحلية في ليبيا 1969-2011
– نظام الإدارة المحلية في ليبيا بعد انتهاء حقبة القذافي 2011-2013 .
– علاقة القانون رقم(59) لنظام الإدارة المحلية بمقومات اللامركزية الإدارية.
– القانون رقم(59) لنظام الإدارة المحلية في ليبيا وعلاقته بمقومات الحكم الرشيد.
– خاتمة
أولا/الإدارة المحلية : إطار نظري
1. ماهية الإدارة المحلية
عمل التغير السريع في نمط الحياة ،إضافة إلى الزيادة في عدد السكان وحاجتهم المتنامية إلى الخدمات على ألقاء مزيدا من الأعباء على كاهل الحكومات فاتسع مدى مهامها التي لم تعد فقط محشورة في تحقيق امن مواطنيها ، إنما تجاوز ذلك بمراحل مست بتأثيراتها مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة ، الأمر الذي دفعها بان تتنازل عن جزء من مسئولياتها واختصاصاتها إلى هيئات إدارية منتخبة من القاعدة الشعبية تنوب عنها في تحقيق المهام المنوطة بها من تقديم الخدمات الأساسية للسكان وحل مشكلاتهم والقيام بالمشاريع الإنتاجية التي تسهم في تنمية مجتمعاتهم المحلية.
وكان لزاما على الدولة أن تقوم بتبني الأسلوب المناسب لظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تنظيمها الإداري لمختلف أقاليمها لتستجيب لأكبر قدر ممكن من مطالب مواطنيها المتباينة ، وهذا ما يطلق عليه الإدارة المحلية والتي تعرف بشكل أكثر دقة بأنها ” شكل من أشكال التنظيم المحلي،يتم بموجبه توزيع المهام الإدارية بين الحكومة المركزية وهيئات محلية منتخبة ومستقلة ، تؤدي وظيفتها تحت إشراف الحكومة المركزية ورقابتها ” .
2. مقومات الإدارة المحلية
تقوم الإدارة المحلية على مجموعة من الأسس أهمها :
أ‌- الأهلية القانونية أو الشخصية الاعتبارية ، وهي الأساس الذي يحدد استقلالها عن الحكومة المركزية ويؤثر على لامركزية الإدارة من عدمه ،والمقصود هو أهليتها القانونية لتحمل مسؤولياتها كاملة فيما يخص ممارسة مهامها وفق التفويض الممنوح لها من قبل الحكومة المركزية ،وهي بذلك مستقلة عن منشئيها والمنتسبين إليها،وتتمتع بذمة مالية مستقلة وشخصية معنوية تقاضي الغير أمام القانون. .
ب‌- تتجسد في مجالس محلية منتخبة وفق معايير محددة .
ت‌- -المجالس المنتخبة مستقلة ماليا وخاضعة للحكومة المركزية التي تحتفظ بدورها بحق الإشراف والمراقبة لعمل الإدارة المحلية، لضمان تأدية مهامها وفق الأهداف الموضوعة والإطار القانوني المحدد للمهام واليات التنفيذ.
3- أهداف الإدارة المحلية
تهدف الدول من خلال تبني نظام الإدارة المحلية إلى تحقيق العديد من الغايات أهمها :
أ‌- تقسيم العمل والنشاطات بين كل من الحكومة المركزية والمحليات لصعوبة تحمل المركز مسؤولية عبء تقديم كافة الخدمات للمواطنين.
ب‌- ضمان عدالة توزيع الخدمات على الأقاليم المختلفة .
ت‌- أهمية إشراك المواطنين في إدارة شئونهم ، وضمان رفع مستوى الوعي السياسي وحسن المشاركة لدى المواطنين لتحمل مسئولية إدارة الخدمات وكافة الشئون المحلية الأخرى.
ث‌- التخلص من بيروقراطية النظم الحكومية ، وضمان الحصول على خدمات محلية تتصف بالاستجابة والكفاءة والفاعلية.
4.علاقة مفهوم الإدارة المحلية بالمصطلحات الأخرى:
يثار في كثير من الأحيان بعض اللبس في علاقة مفهوم الإدارة المحلية ببعض المفاهيم الأخرى، الأمر الذي يستوجب فرد جزء للتعريف بهذه المفاهيم والتي منها:
4.1 المركزية الإدارية
تتمثل في حصر الوظيفة الإدارية بالحكومة المركزية التي تتولى مهمة إصدار القرارات النهائية في كافة القضايا الواقعة ضمن اختصاصها ولا تتشارك في ذلك مع اي هيأة أخرى ، بمعنى أن تكون جميع مظاهر النشاط الإداري بيد السلطة المركزية التي يمتد اختصاصها ليشمل كل الدولة ، ويستوجب قيام جهاز الحكومة المركزية في العاصمة بأداء جميع هذه الوظائف ، ،وتتكون الهيأة التنفيذية التي تتولى الوظيفة الإدارية وفقا لهذا الأسلوب من عدد من الرؤساء والمرؤوسين ضمن سلم إداري منتظم الدرجات يخضع فيه المرؤوس للرئيس وينفذ أوامره وتعليماته حتى ينتهي الأمر بالرئيس الإداري الأعلى.
صور المركزية الإدارية:
1-التركيز الإداري ، التي يعرفها البعض بالمركزية المتطرفة وهي لم يعد لها وجود مع تغير دور الدولة وتشعب واجباتها.ولقد طبق هذا الأسلوب في فترات تاريخية قديمة كانت الدولة تكتفي بتحصيل الجباية وتحقيق الأمن ،و كان الموظفون الحكوميون يركزون كل السلطات بأيديهم وعلى ممثليهم في الأقاليم الرجوع إليهم قبل اتخاذ أي قرار. .
2-عدم التركيز الإداري والتي يطلق عليه عادة ” المركزية المعتدلة ” يتمثل في نقل بعض صلاحيات الموظفين الحكوميين في العاصمة إلى موظفين محليين في الأقاليم لإدارة فروع بعض الوزارات الحكومية في الأقاليم المحلية،وقد تلجأ الدول إلى هذا الخيار مع تزايد المهام الإدارية للحكومة وأتساع رقعة الدولة وتباعد أقاليمها .
4.2 اللامركزية الإدارية
تقوم على أساس توزيع الوظيفة الإدارية في الدولة ما بين الحكومة المركزية في العاصمة وهيئات إقليمية أو مرفقية مستقلة نسبيا تعمل تحت إشراف ورقابة الحكومة المركزية .
عليه فأن فكرة اللامركزية الإدارية تدور حول تنظيم الجهاز الإداري في الدولة على نحو يسمح بتعدد أشخاصها الإدارية على أساس إقليمي ، وذلك بأن يتخصص في شؤون كل اقليم من أقاليم الدولة جهاز إداري يكون أكثر اتصالا بالجمهور ،وفي اغلب الأحيان منتخبا من قبل أفراد الشعب أنفسهم،ويتمتع بنوع من الاستقلال المالي والإداري مع خضوعه لإشراف ورقابة الحكومة المركزية في إطار ما يسمى بالوصاية الإدارية “، وهذا ما يسمى باللامركزية الإقليمية ” . أما ” الاعتراف بالشخصية المعنوية لأحد المرافق العامة في الدولة حتى تتمكن من إدارة شؤونها بحرية ورفع كفاءتها الإدارية ” فهذا ما يقصد به اللامركزية المرفقية .
ويستهدف الأخذ باللامركزية أجمالا تحقيق الغايات التالية‏ :
‏1-‏ ضمان فعالية توصيل وأداء الخدمات العامة ‏.
‏2-‏ زيادة الاستقلال الإداري من خلال تقليل التدخلات الإدارية المركزية‏ .‏
‏3-‏ تعزيز المشاركة المجتمعية في الشؤون العامة‏ .
‏‏4-‏تحقيق درجة الشفافية والمحاسبة للبيروقراطيين وللممثلين المنتخبين وللمؤسسات السياسية‏ .
‏5-‏ زيادة العدالة في توزيع الموارد‏ وتعزيز التنمية المجتمعية.
4.3 .الحكم الذاتي
تباينت الآراء حول التفرقة بين الإدارة المحلية والحكم الذاتي الذي يعد نموذجاً من نماذج اللامركزية الإقليمية فهو يقوم على الأسس نفسها التي يقوم عليها نظام الإدارة المحلية،إذ يرى بعض الفقهاء أن الحكم الذاتي من النظم اللامركزية التي لا يمكن أن ترتقي إلى اللامركزية السياسية في الدولة المركبة ، ولا تهبط إلى اللامركزية الإدارية ، فهو صيغة من صيغ الحكم والإدارة ، ويحتل مكانة وسطى بين نظامي اللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول البسيطة قد تمنح إقليماً من أقاليمها – فضلاً عن الاستقلال الإداري – اختصاصاً تشريعياً ، وحينئذ يجوز إطلاق اصطلاح الحكم المحلي أو الحكم الذاتي على هذا النظام، لأن الدولة وإن كانت بسيطة إلاًّ أنها تنتهي إلى نوع من اللامركزية السياسية بالنسبة إلى بعض الأقاليم لا جميعها، وأبرز مثال على ذلك السودان والعراق؛ فالسودان بمقتضى قانون الحكم الذاتي الصادر في 1972،خص إقليم الجنوب قبل انفصاله باختصاصات تشريعية بالإضافة إلى استقلاله الإداري، كما نشأ في العراق وضع شبيه بالسودان وذلك بمقتضى قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان الصادر في سنة 1974. تجدر الإشارة إلى انه إذ كان من الجائز إطلاق تعبير (حكم ذاتي) على النظامين السابقين لدخول العنصر التشريعي في نطاق الاختصاص المحلي، فإن ذلك لا يعني أن كلاً من الدولتين المذكورتين قد تحولتا من دولتين بسيطتين إلى دولتين مركبتين تتبنان نظام الاتحاد الفدرالي أو المركزي، إذ إن كلا القانونين المذكورين قد حرصا على التأكيد على وحدة الدولة السياسية” ، وعلى وحدة الأرض والشعب.إلى جانب ذلك فإن الكثير من الدول جمعت بين الإدارة المحلية والحكم الذاتي وأكثرها نجاحاً إيطاليا الموزعة على تسعة عشر إقليماً منها أقاليم عدة متمتعة بالحكم الذاتي لخصوصيتها أو لظروف خاصة كما هو كائن في العراق والسودان .
4.4 الحكم المحلي
يعرف الحكم المحلي بإنه “نظام شامل تتنازل بموجبه الحكومة المركزية عن بعض صلاحياتها التشريعية والتنفيذية والقضائية لفائدة جماعات محلية مستقلة ،تمارس مهامها على إقليم جغرافي محدد” .تثير مسالة التمييز بين نظام الإدارة المحلية والحكم المحلي جدلا واسعا بين الدارسين فتارة يستخدمونه كمترادفين وتارات أخر كمفهومين مختلفين تماما. ويأتي هذا الالتباس بين المفهومين من كون أن كلا النظامين يهتمان بإدارة شأن محلي في بلد ما وفق ترتيبات وصلاحيات ومهام يحددها القانون ،لكن الواقع يؤكد وجود فروق واضحة بين الإدارة المحلية والحكم المحلي يمكن إجمالها فيما يلي :
– تنشأ الإدارة المحلية وفق القوانين الإدارية التي لا تتطلب في الغالب إجراءات معقدة لتعديلها أو إلغائها،كما أن السلطات التي تتمتع بها الوحدات الإدارية في نظام الإدارة المحلية هي سلطات مفوضة وليست مكتسبة أما استقلاليتها فهي إدارية محضة وليست سياسية ، بينما ينشأ نظام الحكم المحلي وفق القوانين الدستورية التي تتطلب عادة إجراءات معقدة لمراجعتها،وبذلك فإن السلطات الممنوحة للوحدات الإدارة في نظام الحكم المحلي هي سلطات مكتسبة وتتمتع باستقلالية سياسية حقيقة.
– تستمد الإدارة المحلية سلطاتها عن طريق تفويض من الحكومة المركزية يمكن تمديده أو سحبه أو تقنينه كلما دعت الحاجة إلى ذلك
– الحكم المحلي غالبا يطبق في الدول الاتحادية ، بينما تطبق الإدارة المحلية في الحالتين.
ثانيا / أداء نظام الإدارة المحلية في ليبيا 1969-2011
1. واقع الإدارة المحلية 1969-2011 : -مرت الإدارة المحلية بهيئاتها الإدارية المختلفة في ليبيا بمراحل مختلفة نظمت أحيانا بقوانين وأحايين كثيرة بمجرد توجهات تضمنها الخطاب السياسي للقذافي الذي كان بمثابة توجيهات ملزمة وذلك وفقا لقرار خرج به المؤتمر الشعب العام ، وحتى لا نقع في شرك السرد التاريخي المجرد من اي تحليل لهذه الفترة ، ارتأينا الاقتراب من الموضوع من خلال طرح جملة من الأسئلة علها توفر لنا فهما واضحا لأداء الإدارة المحلية واهم تمظهراتها، والتساؤلات هي:
– ما هي علاقة الوحدات الإدارية المختلفة بالسلطة التنفيذية ، و هل اتسم أداء هذه المكونات بطابع النمط المركزي أو اللامركزية ؟
– كيف تم تقييم أداء الإدارة المحلية خلال فترة تطورها وهل استطاعت أن تؤدي وظائفها وفقا للأهداف الموضوعة والمتوخاة تحقيقها ،وما هي أهم المتغيرات التي حالت دون ذلك؟
لعل من نافلة القول أن إعلان ما اسماه النظام السابق بالثورة الثقافية في خطاب زوارة 15 أبريل 1973، كان نقطة البدء في سلسلة من انهيارات على المستوى المؤسسي والأداء الإداري ، ألقت بظلال قاتمة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية. تضمن الخطاب نقاط خمس رسمت شكل الدولة وأطرت لإيديولوجيتها و اعتبرت مرحلة مفصلية للإدارة في ليبيا ، حيث أرخت لبداية عصر ما سمي “بالإدارة الشعبية ” التي تغلغلت في النظام الإداري بكل مستوياته ، لتلغي كل الأطر القانونية والبيروقراطية وتستبدلها بإدارة الوحدات الإدارية المختلفة وفقا للإلية الشعبية الثورية.
ولقد توج هذا التغيير الجذري بإعلان 1977 لما أطلق عليه النظام “سلطة الشعب ” ،التي أفضت إلى تشكيل اللجان الشعبية في كل أركان الدولة ومؤسساتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أعلى وأسفل الهرم التنفيذي ، واختفت الدولة بمعناها التقليدي لتحتل المؤتمرات واللجان الشعبية البنى والمؤسسات المختلفة الإنتاجية والخدمية والسياسية وأوجد ما يسمى بالإدارة الذاتية وبعدها جمهرة المواقع•، لتطبع الإدارة بسمة الارتجالية والعشوائية والفوضى ؛ فاللجنة الشعبية العامة حلت محل (رئاسة مجلس الوزراء في النظم التقليدية)، واللجان الشعبية العامة للقطاعات هي (الوزارات المختلفة)، ثم اللجان الشعبية النوعية ، أما على المستوى المحلي فهناك اللجنة الشعبية على مستوى الشعبية (البلدية أو المحافظة والمحلة.ولقد تولت قيادات اللجان الثورية قيادة الجهاز الإداري عبر التصعيد الشعبي وتبوأت جميع المراكز القيادية التنفيذية للمؤسسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية .
لم تكتفِ هذه التغيرات كما سوف نوضح لاحقا بتعديل الوحدات الإدارية المختلفة فحسب ، إنما ألغت عدد من الوظائف السياسية والإدارية ، وتم اعتقال مئات من الإداريين والموظفين من خريجي الجامعات والمؤهلين من ذوي الخبرات الإدارية المتميزة برفقة مئات الكتاب والمفكرين والإعلاميين والمثقفين وإيداعهم السجون لمناهضتهم أطروحات القذافي، الأمر الذي احدث فراغا في الإدارة وكادرها الذي أصبح جاهزا لاستيعاب اللجان الثورية وكل من يجد في الفوضى الإدارية مدخلا للإثراء والفساد والحصول على الغنيمة .
ولقد تميزت الوحدات الإدارية المكونة لنظام الإدارة المحلية بعدم الاستقرار لكثرة التعديلات التي لمست جميع مستوياتها الإدارية وعرقلت ولاشك أداء هذه الهيئات المختلفة كما توضحه لنا كثير من الدراسات ، وأثرت بالضرورة على عملية صنع وتنفيذ السياسات العامة الهادفة إلى تقديم خدمات للأفراد ،الذي يعد صميم عمل الإدارة المحلية . هذه التغيرات لم تلحق فقط في عدد وتقسيمات الحدود الإدارية ، إنما أربكت كذلك علاقات التبعية بين المستويات التنفيذية المختلفة والتي من الممكن أن نتصورها إذ تتبعنا هذه التغيرات التي بدأت عقب انقلاب 1969 بتحول المقاطعات التي تم وراثتها عن النظام الملكي إلى عشر محافظات ملحقة بـ(46)بلدية وأربع مستويات فرعية ” الجدول 1″ ، وذلك بموجب القانون رقم (62) لسنة 1970 بشأن إصدار نظام الحكم المحلي ، الذي وضع النظام الأساسي للإدارة المحلية في ليبيا، وتتالت بعدها مرات الدمج والإلغاء حتى أواخر عمر النظام .

الجدول – 1 – التقسيمات الإدارية لليبيا 1951-2010
التقسيمات الفرعية عدد التقسيمات التقسيمات الرئيسية السنة
مديريات متصرفيات 3 ولايات 1951
مديريات متصرفيات 10 مقاطعات 1963
مديريات ومحلات متصرفيات وبلديات 10 محافظات 1970
محلات فروع بلدية 46 بلديات 1975
محلات فروع بلدية 44 بلديات 1979
محلات فروع بلدية 25 بلديات 1980
محلات فروع بلدية 24 بلديات 1984
محلات فروع بلدية 13 بلديات 1986
محلات فروع بلدية 7 بلديات 1990
محلات – 1455 مؤتمرات 1992
محلات مؤتمرات 13 مناطق 1995
محلات مؤتمرات 27 شعبيات 1998
محلات مؤتمرات 31 شعبيات 2000
محلات مؤتمرات 33 شعبيات 2005
محلات مؤتمرات 22 شعبيات 2010
المصدر:ابوبكر بعيرة،”السياسات العامة للتنمية الإدارية : منظور كلي”، السياسات العامة ،مركز البحوث والاستشارات ،2007، ص 208

أن هذه التغيرات المستمرة للتنظيم الإداري للدولة اثر أيضا على هيكلة وكفاءة وأداء اللجان الشعبية النوعية للصحة ، التعليم ، الاقتصاد ، والإسكان …..الخ ” الوزارات”،لارتباط عدد أعضاء هذه اللجان بالوحدات الادارية المعتمدة في كل فرة زمنية. وباستعمال اللجنة الشعبية العامة للصحة والضمان الاجتماعي ” الوزارة ” كمثال يعكس لنا “الجدول 2″ مدى تأثر حجم اللجنة الشعبية العامة للصحة بهذه التغيرات وما صاحب ذلك من إعادة توزيع للحدود والاختصاصات الإدارية والصلاحيات التنفيذية ، الأمر الذي انعكس على أداء وكفاءة اللجان الشعبية النوعية ” الوزارات ” .
في نفس الإطار لحق حجم اللجنة الشعبية العامة ” مجلس الوزراء ” العديد من التعديلات ، فقد تغير حجمها من (26) كحد أقصى إلى ثمان أمانات كحد أدنى وذلك خلال الفترة 1977-2000 ، وفي الفترة ذاتها عدلت على الأقل (18)مرة وليس من الصعوبة إدراك تأثير ذلك على تخطيط ومتابعة تنفيذ وإدارة السياسات العامة ، فضلا عن وضع الاستراتيجيات وتخصيص الميزانيات الخاصة بالتنمية ومتابعتها .

الجدول – 2 – تغير الهيكلة الإدارية وأثرها على حجم
“اللجنة الشعبية العامة للصحة والضمان الاجتماعي”1979 -2010
السنة عدد الوحدات الإدارية عدد الفروع حجم اللجنة الشعبية العامة للصحة
1979 44 بلدية 174 فرعا بلديا 44 عضوا
1980 25 بلدية 173 فرعا بلديا 25 عضوا
1984 24 بلدية 134 فرعا بلديا 24 عضوا
1986 13 بلدية 13 فرعا بلديا 13 عضوا
1990 7 بلديات 39 فرعا بلديا 7 عضوا
1992 1496 – 1496 عضوا
1993 459 – 459 عضوا
1996 13 منطقة 385 مؤتمرا 385 عضوا
1998 26 شعبية 359 مؤتمرا 26 عضوا
2000 31 شعبية 400 مؤتمر الغيت
2010 22 شعبية – 22 عضوا
المصدر:عبير ابراهيم امنينة، “اثر عدم استقرار التقسيمات الإدارية للنظام السياسي الليبي على أداء ومتابعة تنفيذ السياسة الصحية ، 1977- 2000،دراسات في الاقتصاد،المجلد رقم 21 ، 2002، ص 84

إجمالا نستطيع أن نوجز أهم ملامح الإدارة الليبية في العهد السابق 1969-2011 في النقاط التالية :
– خلقت التقسيمات الإدارية المتكررة صعوبة في إيجاد العناصر الإدارية الكفؤة في كثير من الوحدات الادارية ، ولوحظ التغليب الواضح للاعتبارات السياسية والاجتماعية على اعتبارات المقدرة والكفاءة في اختيار القيادات الإدارية الرئيسة. وفي هذا السياق أوضحت دراسة ميدانية محدودة في صيف عام 2007، أن 12.5 % فقط من العينة التي كانت منصبة على أعضاء هيأة التدريس بجامعة بنغازي ترى أن المؤهل العلمي المناسب هو من تجري مراعاته عند اختيار القيادات ، بينما يرى 55 % من عينة البحث ان عنصر الولاء السياسي هو من يتم التركيز عليه عند اختيار القيادات ، بينما يعتقد 35 %من العينة ان معايير الاختيار منصبة حول الانتماء القبلي ” الشكل 1″.

.

الشكل 1
معايير اختيار القيادات في الإدارة الليبية

المصدر:ابوبكر بعيرة ،”السياسات العامة للتنمية الإدارية :منظور كلي “، السياسات العامة ،مركز البحوث والاستشارات، 2007، ص206

– أثرت التغيرات على الدراسات التخطيطية المكانية نتيجة إلغاء كثير من البلديات ونقلها من إقليم تخطيطي إلى أخر، مما أربك الدراسات التخطيطية التي تعتمد على تقسيم إداري موحد.
– اعتبار المنطقة الزراعية وفقا لتقسيم المحلات الشعبية وحدة إدارية مستقلة بالرغم من عدم توافر المرافق والأجهزة العامة فيها وافتقادها لمزايا المجتمع الحضري الذي يمكن اعتباره مركزا للوحدة الإدارية فيها .
– ساهم تقسيم البلاد إلى عدد كبير نسبيا من المحلات أو المؤتمرات في تضخيم الجهاز الإداري وزيادة النفقات إلى حد كبير .
– استمرارية تركز الخدمات في مراكز البلديات وفروعها السابقة وعدم إعادة توزيع الخدمات على المحلات الشعبية المستحدثة.
– التطابق بين الحد القبلي والحد الإداري لبعض الوحدات الإدارية المحلية الصغيرة ،على اعتبار أن بعض هذه الوحدات البعيدة والنائية تشكل قبيلة واحدة أو عائلة واحدة ، وقد أدى هذا الوضع إلى تحول أي نزاع قبلي إلى تنازع إداري بين الوحدات الإدارية ،مما سبب مشاكل عديدة وإرباكا في الإجراءات الإدارية وتأخرها فضلا عن تأخير عملية تنفيذ المشاريع .
– الفشل في تحديد أولويات التنمية مما أدى إلى إيجاد كوادر وأطر إدارية عاجزة وغير مؤهلة إداريا عن القيام بمهامها بالشكل الصحيح .
– عدم استقرار البيئة التشريعية المحيطة بالجهاز الإداري
– تعدد الأجهزة الرقابية وتداخل اختصاصاتها ؛منها ما نظمه القانون مثل جهاز التطهير والرقابة الشعبية ،ومنها من يعمل بدون تنظيم قانوني واضح مثل القوافل الثورية ولجان التثوير والتطوير الإداري ، ومنها من انتزع بعض الاختصاصات الرقابية انتزاعا كجهاز الادعاء الشعبي ونيابة الشعب المسلح مما أربك الإدارة في ليبيا وجعل جل عملها يتمثل في إعداد الردود على استفسارات هذه الأجهزة والاستعداد لمرورها على الإدارات العامة ، بالإضافة إلى أن الواقعة الواحدة يم فيها فتح أكثر من تحقيق من هذه الجهات دون تنسيق بينها .
– عدم القدرة على جمع وتوفير البيانات والمعلومات الاقتصادية “، مثل مستويات الدخل ، نسب التضخم ، أنماط الاستهلاك مما انعكس بدوره على عدم القدرة على رسم سياسات اقتصادية واحدة وتضارب السياسات في كثير من الأحيان و عدم القدرة على إعداد وتطوير قيادات جديدة في الوحدات المحلية بسبب انتقال الموظفين وتركهم لوظائفهم أحيانا عد حدوث أي تغيرات في الهيكلة الإدارية.
– غياب الإرادة السياسية الراغبة فعلا في تطوير الجهاز الإداري بما يساهم في تحقيق التنمية .
– الفشل في تحقيق مقومات الحكم الرشيد والذي تجلى من خلال :
1-غياب كامل للمشاركة المنظمة حيث عطل النظام السياسي دور المجتمع المدني وضم مؤسساته التي من المفترض أن تكون حامية ومدافعة لمصالح الأفراد ، إلى هيكل السلطة ،وجرم أي تعبير مناهض لطرحه الأيدلوجي ، الأمر الذي ألغى دور المجتمع المدني في متابعة ومراقبة أداء الجهاز الإداري في ليبيا ، وتوازى ذلك مع إعلام مؤدلج انحسر دوره الوحيد في تجميل النظام القائم وتقديس رأسه.
2-غياب سيادة القانون على القيادة السياسية حيث ظلت الدولة الليبية رهينة لغياب الأطر القانونية العادلة،وسيطرة القذافي وقراراته الارتجالية فضلا عن غياب القضاء المستقل والأجهزة العدلية والرقابية والأمنية الخالية من الفساد.
3-غياب كامل للشفافية في اتخاذ القرارات حيث لم تنجح الإدارة في ممارسة الشفافية من خلال توفير المعلومات التي تؤدي إلى اتخاذ القرارات بحرية تامة للجميع.
4-افتقاد الإدارة لخصائص الكفاءة والكفاية حيث فشلت مؤسسات الدولة في تحقيق الكفاءة المرجوة طوال أربعة عقود من التجريب والاختبار ، ولم تنجح في الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة ، وبالتالي انعدمت فيها خاصية الكفاية ، فالتجربة الثورية في الإدارة لم تبن على أسسٍ متقنة لضبط تصرفات الجهاز الإداري التنفيذي “الثوري” ، ولا يوجد جهازٍ تشريعيٍ فعّال فضلا عن غياب خطوط واضحة لمسار عملية المساءلة لتعدد وتشعب المستويات الإدارية .
5-تفشي الفساد في كل مفاصل الدولة وتحقيق مراتب مرتفعة في انتشار الفساد على مستوى دول العالم
(الجدول 3). تطور ترتيب ليبيا على مقياس الشفافية 2003-2007
السنة الرتبة العدد الكلي للدول الدرجة من 10
2007 131 180 2.5
2006 163 163 2.7
2005 11 158 2.5
2004 108 145 2.5
2003 118 133 2.1
المصدر: ابوبكر بعيرة، انس ابوبكر بعيرة ، “لا تنمية مستدامة بدون إدارة قوامة”، مؤتمر التنمية المستدامة في ليبيا، (بنغازي ، مركز أبحاث جامعة قاريونس ، 2008 .

ثالثا : نظام الإدارة المحلية في ليبيا بعد انتهاء حقبة القذافي 2011-2013
كان “لمرحلة التحرير” التي مرت بها ليبيا عقب السابع عشر من فبراير وغياب الدولة المسئولة عن تقديم الخدمات العامة ، السبب الرئيسي في تنادي كثير من سكان المدن ولاسيما في منطقة برقة التي تخلصت من سيطرة النظام مبكرا في تكوين مجالس محلية شكلت بناء على التوافق و أخذت على عاتقها مهمة ملء الفراغ الذي نجم عن غياب الدولة المركزية بمقدراتها الضعيفة ، وساهمت ولا شك في العمل على تقديم الحد الأدنى من الخدمات للأفراد. لقد شرعت كثير من المدن”الابيار ، بنغازي، مصراتة، زوارة،..”، بعد إعلان التحرير في أكتوبر 2013 في انتخابات مجالسها المحلية بدون قانون يؤطر عملها واختصاصات واضحة وهيكلية موحدة ، وتسير أعمالها وفقا لميزانية الطوارئ في الحكومة الانتقالية.
لم يكن ينتظر كثير من المخرجات لهذه المجالس المتشكلة كيفما اتفق في ظل قلة الموارد وضخامة المطالب التي ينتظرها الأفراد بعد تغيير النظام ، وغياب الإطار التشريعي الذي ينظم عملها ويحدد اختصاصاتها بشكل واضح ، لذا تمت المطالبة بقانون للإدارة المحلية ينظم عملها واختصاصاتها ويحدد بوضوح علاقاتها بالسلطة التنفيذية. وفي هذا السياق صدر القانون (59) لنظام الإدارة المحلية عن المجلس الوطني الانتقالي لاحقا مرفقا بلائحته التنفيذية في ظل احتقان عام نجم عن إعادة إنتاج مركزية مجحفة لم تنجح المرحلة الانتقالية في تفكيكها فهل نجح قانون( 59) في ذلك ؟

رابعا : علاقة القانون رقم (59) لنظام الإدارة المحلية في ليبيا بمقومات اللامركزية الإدارية
هذا الجزء من الورقة يهدف إلى قراءة القانون (59)لنظام الإدارة المحلية وتقييم العلاقة بين الحكومة المركزية والوحدات المحلية على اختلافها وتوضيح اختصاصاتها ، وذلك لتحديد إذ ما كانت العلاقة تعكس خصائص نظم اللامركزية الإدارية من حيث الاستقلال المالي والإداري ؟ ونحن في هذا السياق نهدف من خلال التعرض لمواد القانون المذكور إلى تقييم الاختصاصات الممنوحة للمستويات المحلية المختلفة من جهة ،وعلاقتها مع الجهاز التنفيذي من جهة أخرى ، فضلا عن تقييم مدى قدرة هذا القانون على تحقيق الحكم الرشيد من خلال ما تفرزه مواده من قرارات.
لعل من نافلة القول أن تمتع الهيأة المحلية بالشخصية الاعتبارية التي تعتبر من أهم أسس اللامركزية الإدارية يعد من أهم ضمانات استقلالها ، إذ بدون ذلك ستكون مجرد فرع للحكومة المركزية في الأقاليم . ويترتب على تمتع الهيأة المحلية بالشخصية المعنوية المستقلة أن يكون لها استقلال إداري ومالي في علاقتها بالسلطة المركزية ، ويقصد بالاستقلال الإداري قدرة الهيأة المحلية على اتخاذ القرارات الإدارية على نحو مستقل عن الحكومة المركزية إلا في حدود الإشراف والرقابة . أما الاستقلال المالي فيعني الاعتراف لهذه الهيئات بالقدرة على تحصيل الموارد المالية المحلية أو الداخلية إلى جانب تلك الموارد التي تحصل عليها من السلطة المركزية .
يقع القانون رقم (59) في( 82 )مادة الحق بلائحة تنفيذية بناء على قرار رئيس الوزراء رقم ( 130) لسنة 2013، وادخل حيز التنفيذ في الأول من ابريل 2013. ولقد عدل القانون( 59) بالقانون (9) الذي أشار إلى إنشاء البلديات قبل المحافظات إلى حين صدور قانون بإنشاء المحافظات وتحديد نطاقها الجغرافي وتعيين مقارها وتؤول مؤقتا – وفقا للتعديل – الاختصاصات والصلاحيات المسندة لمجلس المحافظة المبينة بالقانون المشار إليه إلى مجلس البلدية وعميد البلدية مع بعض الاستثناءات التي سنتعرض لها في من الورقة .
4.1. الاستقلال الإداري لوحدات نظام الإدارة المحلية:
قسم القانون من خلال مادته الرابعة الوحدات الإدارية إلى أربع مستويات وهي: المحافظات والبلديات وفروع البلدية ” حسب الحاجة “،وأيضا المحلات( الشكل2 )، ولكن عوضا عن البدء بالعمل على سن تشريع يقتضي وفقا للمادة الرابعة من القانون تقسيم المحافظات وتحديد حدودها الإدارية بدقة ليحدد بعدها عدد البلديات والفروع البلدية لو اقتضى الأمر والمحلات واختصاصاتها ، اجل ذلك واستعيض عنه بالبلديات ، ولقد شرعت بناء على ذلك بعض المدن في تنظيم انتخابات المجلس البلدي بها بناء على دعوة وزارة الحكم المحلي ولقد قسمت البلاد لـ (99) مجلس بلدي دون دراسة أو استناد إلى أي معيار علمي متعارف عليه من اعتبارات جغرافية وطبيعية وسكانية واقتصادية وعمرانية ، فضلا عن مراعاة تحقيق تكامل وحدات الخدمات والإنتاج. أن هذه الإلية تذكرنا بالتغيرات الإدارية التي تحدثنا عليها أنفا، والتي كانت تتم فجأة إبان حقبة العهد السابق،الأمر الذي يعني إعادة إنتاج أسلوب الارتجالية والعشوائية والتخبط ، مما يعزز افتراضية غياب الرؤية المنظمة والإستراتيجية الواحدة مما يعيد الذهنية التي كانت تدار بها الإدارة في ليبيا ويدلل على ذلك تصريح رئيس الوزراء علي زيدان في إحدى لقاءاته الاعلامية حول الموضوع عينه:
” أن عدد البلديات في ليبيا التي سيُنتخب عمدها خلال المدة القادمة ، تم تحديد عددها ، تجاوبا مع طلبات المناطق التي طلبت أن تتحول إلى بلديات . واستطرد السيد زيدان في مؤتمر صحفي ” لقد وصل عدد البلديات إلى (99) بلدية ونحن تجاوبنا مع المناطق التي جاءت وطلبت بلديات رغم أن البلديات يفترض إن تكون أقل من هذا العدد بكثير ، والمفروض ألا تتجاوز الـ (50) بلدية “،
وأضاف أن “توسيع عدد البلديات سيضطرنا أن نقسم البلديات إلى فئات تبدأ من فئة (أ) إلى فئة (د) أو أكثر حسب المساحة أو السكان. ونبه إلى أن البلديات التي لم تقسم نفسها سيكون نصيبها في الميزانية وفي المخصصات أوفرَ من البلديات التي تشتت لأن “تشتيت البلديات سيفرض علينا أعباءً إدارية و وظيفية كثيرة ” .

الشكل 2

وبالرغم من أن القانون رقم (59) منح في مادته الرابعة الحق لمجلس الوزراء بإنشاء البلديات وفروعها وتحديد نطاقها الجغرافي ودمجها بناء على اقتراح الوزير ، إلا أن عملية الإلغاء والدمج يجب أن يكون بناء على مبررات علمية وليس وفقا لمطالب أو رغبات أفراد تدفعهم نعرات جهوية أو قبلية أو مصالح شخصية لرسم حدود مدنهم أو قراهم كيفما اتفق.
بل هناك من يذهب إلى أن إنشاء البلديات وبيان حدودها الإدارية يجب أن يكون بناء على تشريع برلماني أي بقانون وليس بأداة أدنى حيث يوفر ذلك التَّنْظِيمُ الإداري المحلي استقرارا كبيرا ، فلا يطاله التعديل إلا للضرورات القصوى وبعد مناقشات برلمانية مستفيضة  . أما إسناد هذا الاختصاص لمجلس الوزراء قد تؤدي إلى نتائج غير ايجابية ذلك أن التسليم لجهة تنفيذية بسلطة إنشاء البلديات أو دمجها أو تحديد اختصاصاتها يقتضي أن تكون لهذه الجهة ميزانية مفتوحة قد تنفق خلافًا للمبادئ المالية والقانونية التي تقيّد نفقات الحكومة بميزانية واضحة يقرها البرلمان  ، ذلك وتعيين موظفين به ، وتخصيص ميزانية له ، وغير ذلك من النفقات اللازمة. وكل ذلك لا يكون إلا بقانون . كما أن تفرد الحكومة بهذا الاختصاص قد يدفعها إلى إساءة استخدامه ويعرقل عمل واستقرار المجالس البلدية والمحافظات .
2-4العلاقة بين وحدات الإدارة المحلية والسلطة المركزي
تعكس لنا المادة (12) من القانون التي نظمت اختصاصات مجلس المحافظات غلبة طابع الإشراف على هذه التخصصات التي لم تجاوز غالبا إطار التوصيات والاقتراحات من شاكلة :
-إصدار التوصيات بشأن المقترحات والخطط المتعلقة بصيانة النظام والأمن المالي
– اقتراح إنشاء مناطق حرة وشركات استثمار مشتركة عربية –أجنبية
– القيام بمشروعات مشتركة مع المحافظات الأخرى أو مع الوحدات المحلية أو الأشخاص الاعتبارية الأخرى بالمحافظة وذلك بعد موافقة جهات التخطيط المختصة
– دراسة وإعداد الخطط ببرامج محو الأمية و”تنظيم الأسرة”•
– تقديم التسهيلات لإنشاء الجامعات وأيضا تقديم التسهيلات للمرافق المركزية ” التابعة للسلطة المركزية ” التي تقع بدائرة المحافظة
– الإشراف على النشاط الثقافي والأهلي والاحتفالات والمهرجانات.
– هذا فضلا عن اضطلاع المحافظ باختصاصات تسندها له القوانين أو تفويضات أو تعليمات صادرة من مجلس الوزراء أو الوزير.
كما لا يملك المحافظ وفقا للمادة (18)أن يصدر قرارات المجلس دون إخطار الوزير خلال 15 يوم من إصدارها وإذ لم يعترض الوزير عليها خلال شهر اعتبرت نافذة. هذا يعني أولا أن اعتماد الوزارة المختصة مهم في المرحلة الأولى، وثانيا أن الانتظار شهر حتى تصبح القرارات نافذة هذا من شأنه تعطيل إصدار القرارات واستمرار للمركزية .
كما نظمت المادة (16 )المسئولية الإدارية للمحافظ والتي نصت على مسئوليته المباشرة أمام الوزير عن مزاولته لاختصاصاته والتزامه بتقديم تقارير دورية عن نتائج الأعمال في مختلف الأنشطة التي تزاولها المحافظة ، أما عن اختصاصات المحافظ بعينه ، فلقد أشارت المادة (14) على أن المحافظ هو ممثلا للسلطة التنفيذية في المحافظة وهذا قول صحيح في حالة إذ كان المحافظ تم تعيينه من قبل السلطة التنفيذية ، ولكن في الواقع وفقا للقانون (59)يختار المحافظ من قبل أعضاء المجلس ، و هذا الخطأ ناجم عن استعارة القانون رقم (43)لسنة 1979 بإصدار قانون نظام الحكم المحلى في مصر دون الالتفات لكثير من الهفوات. كما أشار القانون في مادته( 14)على أن المحافظ يختص أيضا بالإشراف على المرافق الوطنية بدائرة المحافظة وكذلك على جميع الوزارات التي لم تنقل اختصاصاتها عدا الهيئات القضائية ولها إبداء الملاحظات واقتراح الحلول ، وهذا يعني أمرين : أولهما أن المحافظة صلاحيتها ليست كاملة فيما يتعلق بإدارة كل ما يتعلق بحدودها ، والثاني الدور غير الفاعل للمحافظة والذي ينحصر فقط في مراقبة أداء هذه المرافق التي تندرج ضمن إطار إبداء الملاحظات واقتراح الحلول.
ولقد أشار القانون في مادته (17) جواز تفويض الوزراء الذين لم تنقل اختصاصات وزارتهم إلى الوحدات المحلية للمحافظ بعض اختصاصاتهم ، ومع ذلك يجب عدم التهليل كثيرا لهذا التفويض ، لأنه وفقا للفقه الإداري التفويض يكون مؤقتا ولا يدخل في إطار نمط علاقات دائمة من اللامركزية ، هذا فضلا عن عدم تحديد الوزارات التي لا تنقل اختصاصاتها إلى المستوى المحلي ، الأمر الذي يجعل المجال مفتوحا أمام استئثار أوسع بالسلطات على المستوى المركزي.
في سياق الاختصاصات العامة لوحدات الإدارة المحلية أشارت المادة (6)إلى حق هذه الوحدات في إنشاء وإدارة جميع المرافق العامة الواقعة في إدارتها والإشراف على موظفيها ، إلا أنها اشترطت أن يكون تحت التوجيه العام لوزارة الحكم المحلي ، الأمر الذي يعني استمرارية الارتباط وعدم وجود الصلاحية التامة طالما أن الوزارة هي من يوجه. وبالرغم من أن في المادة ذاتها أنيط بالوحدات الإدارية تولي في نطاق اختصاصاها جميع الاختصاصات التي تتولاها الوزارات بمقتضى القوانين واللوائح المعمول بها ،إلا انه تم الحد من ذلك باستثناء ما اسماه المشرع بالمرافق الوطنية أو ذات الطبيعة الخاصة التي يصدر بها قرار من مجلس الوزراء ، وتخرج من سلطة الوحدة الإدارية.
غني عن البيان أن المحافظ أو عميد البلدية لا يُختار بشكل مباشر إنما باقتراع سري ما بين الفائزين بمقاعد في المجلس مما يضعف دور القاعدة الشعبية ، وما تمارسه وزارة الحكم المحلي من التدليس على الليبيين في إعلاناتها على الانتخابات والتي تنادي باختيار عميد البلدية للقضاء على المركزية هو نوع من الاستغلال حيث يعتقد العامة منهم أنهم بصدد اختيار عميد أو محافظ مستقل ، ليجدوا أنفسهم في النهاية أمام عميد أو محافظ افرزه انتخاب عشرة أشخاص أو اقل ، محافظ مكلف وهذا يفسر اختصاصات المحافظ التي يغلب عليها الطابع الإشرافي.
ومن جانب اخر نلاحظ أن القانون من خلال مواده 42-48 ، خطى خطوات القانون 43 للحكم المحلي في مصر ، وعمد الى خلق أجهزة إدارية أخرى موازية مثل المجلس الأعلى للإدارة المحلية والذي يشكل من المحافظين وعمداء البلديات برئاسة وزير الحكم المحلي ،فضلا عن مجلس التخطيط الإقليمي وهذه أجهزة تهدف في الحقيقة إلى إحكام سيطرة السلطة المركزية على المحليات من خلال ترأس الوزير لها ، وينجم عنها تضخم في الجهاز الإداري وتعدد في مستويات صنع القرار.4-3
الاستقلالية المالية لوحدات نظام الإدارة المحلية
منح القانون مجالس المحافظات اختصاص المصادقة على ميزانية المحافظة بعد اعتماد مجلس الوزراء لمخصصات وزارة الحكم المحلي وان كانت المصادقة لا توضح إذ ما كانت المحافظة تملك خيار تحديد رقم ميزانيتها وهذا المهم ، ومع ذلك ، بالرغم من أيلولة اختصاصات المحافظ إلى عميد البلدية بموجب القانون رقم (9) ، إلا إنه قد جرد اختصاص هذا الأخير من عملية التصديق على الميزانية وفقا لما قررته المادة (1) من القانون الأنف الذكر. ومن هنا نستنتج أن من يقرر الميزانية واعتمادها تبقى هيأة مجهولة قد يكون رئيس الوزراء أو الوزير المختص ، وفي الحالتين يعد ذلك يد طولى تمتد على المجالس البلدية من السلطة المركزية وتتناقض مع مقومات اللامركزية الإدارية. وإذ كان البعض يبرر ذلك بعدم جاهزية البلديات لذلك فأن ذلك لا معنى له لأن هذه البلديات سوف يخصص لها ميزانيات وأموال لإنفاقها.وسوف تضطلع في النهاية بمهام إشرافية محضة من شاكلة – الإشراف والتوجيه والرقابة والمتابعة على الشؤون المالية والإدارية ، فضلا عن الإشراف على تنفيذ الخطط الخاصة بالتنمية المحلية ومتابعتها (المادة 12) .
هذا وتجدر الإشارة إلى غياب ميزانية مستقلة للمحافظات والبلديات مخصصة من الحكومة ، وما تضمنه القانون هو مجرد دعم ” الحكومة المركزية” في المستوين ” المحافظات والبلديات (مادة (49)، مادة (51)).
كما تعكس الموارد المالية للمحافظات (المادة 49) هيمنة السلطة المركزية على إيرادات الوحدات الإدارية بنص المادة (49) على الموارد المالية للمحافظة والتي تتكون من : –
أ-نسبة مئوية تبلغ 10% من حصيلة إجمالي الضرائب المركزية المحصلة في دائرة المحافظة ووفقا للمادة (51)نسبة 10% توزع على البلديات الواقعة في نطاق المحافظة
ب. نسبة مئوية تبلغ 10% من كافة الرسوم الجمركية ورسوم خدمات العبور والموانئ والمطارات المحصلة من دائرة المحافظة
ج – 50% من ثمن بيع المباني والأراضي المعدة للبناء والأراضي الفضاء المملوكة للدولة .
ويتولى مجلس المحافظة توزيع جزء من موارده المشار إليها في الفقرتين ا+ب على المجالس البلدية الداخلة في دائرة اختصاصه بالنسبة التي يقررها مع مراعاة ظروف كل بلدية واحتياجاتها .

هذا ويعد تحكم السلطة المركزية في 90% من حصيلة أجمالي الضرائب هو استخدام الأسلوب عينه الذي كان يمارس في حقبة النظام السابق ، حيث تحكم السلطة المركزية في النسبة الأكبر من موارد الوحدات الإدارية ، وغياب الاشارة الى الموارد الطبيعية الموجودة في بعض الاقاليم وكيفية استثمارها من الاقليم نفسه.
وفي السياق عينه ، حرم المشرع من خلال المادة (63) من القانون على مجلسي المحافظة والبلدية التصرف بالمجان في مال من أموالها الثابتة والمنقولة أو تأجيره بإيجار اسمي أو بأقل بقصد تحقيق غرض ومنفعة عامة ، إلا إذا كان التصرف أو التأجير لصالح مؤسسات القطاع العام أو المؤسسات الخاصة ذات النفع العام بدون اخذ موافقة مجلس الوزراء ، وفي هذا أيضا تطاول على حق واستقلالية الوحدات المحلية .
ولقد منعت اللائحة التنفيذية في مادتها(105) الوحدات الإدارية على اختلاف مستوياتها إبرام أي قرض ، أو الارتباط بأي مشروع غير وارد في الخطة إذ كان يترتب عليه إنفاق مبالغ في فترة مقبلة ، إلا بعد أحاله لمجلس الوزراء بغرض الحصول على موافقة. أيضا في الإطار ذاته نصت المادة (103) على أن الرسوم البلدية تصدر بقرار من الوزير بالتنسيق مع وزير المالية بناء على لائحة تبين القواعد الخاصة بالرسوم والعوائد والإتاوات ذات الطابع البلدي وأسس فرضها وقواعد التظلم منها وأحوال تخفيضها.
ولقد منحت المادة ( 100) من اللائحة التنفيذية مجلس المحافظة الحق في أنشاء حسابا للخدمات والتنمية المحلية تتكون موارده من :
– الرسوم التي يفرضها المجلس لصالح هذا الحساب من إرباح المشروعات الإنتاجية التي يمولها الحساب المذكور
– التبرعات والهبات والوصايا إلي يوافق مجلس المحافظة على تخصيصها لهذا الحساب
50% من الزيادة التي تتحقق في الموارد المالية للمحافظة عن الربط المقدر في الموازنة ، ويصدر بتنظيم حساب الخدمات والتنمية قرار من المحافظ المختص وتعتبر من الموارد الذاتية للمحليات ، يعد هذا الأمر ايجابي ولكن صمتت اللائحة في كيفية متابعة هذا الحساب الأمر الذي قد يفتح مجالا للفساد في الوقت التي أشارت فيه المادة 1022 من اللائحة أمر تنظيم قواعد صندوق الخدمات الخيرية وقواعد الصرف يتم بقرار من الوزير.
خامساً/ القانون( 59) لنظام الإدارة المحلية ومقومات الحكم الرشيد :
أ-الكفاءة ومعايير الاختيار
لم يذكر القانون في مادته الثامنة المعنونة “بعضوية المجالس” أي شرط متعلق بالكفاءة والمستوى التعليمي للتقدم لعضوية المجالس على اختلاف مستوياتها ، ولقد فتح بذلك المجال على مصراعيه حتى للأميين بإمكانية الفوز بعضوية المحافظة والمجلس ، وكذلك الرئاسة طالما هناك أصوات تدفع بهم. و هذا التجاهل لا يساعد البتة على إفراز أفضل العناصر المفترض ترأسها للجان المتخصصة في المجالس البلدية والمحافظات و اتخاذها لقرارات حاسمة وفاصلة في وحدتهم الإدارية ، حتى عضوية مجالس الشورى التي نصت عليها المادة (28) من القانون ، نظمت شروط عضوية مجلس الشورى بكلمات فضفاضة من عينة : ان يكون المرشح من المشهود لهم بالخبرة والكفاءة والاهتمام بالشؤون العلمية ، دون تحديد دقيق لمعايير القياس لهذه الخبرة والكفاءة .
كذلك فتح القانون المجال لمن اقترف جرما بالتعذيب أو الإيذاء أي كان نوعه إبان النظام السابق فرصة للالتحاق بالعمل في هذه الهيئات طالما أعلن انشقاقه ، عوضا عن اشتراط تبرئة ساحته قانونيا كإعلاء وتعزيزا لدولة القانون والمؤسسات ، الأمر الذي من شأنه أن يعيد إنتاج الجهاز الإداري السابق بالأشخاص عينهم الذين يضربون بجذورهم في شبكة متعاضدة تجعل من ليبيا نموذج لا تخطئه العين للدولة العاجزة .
ومن جهة أخرى،اخطأ المشرع عندما خصص لذوي الاحتياجات الخاصة من “الثوار”، مقعدا في المجلس كحصة “كوتا” ، وذلك لأن ذوي الاحتياجات الخاصة إجمالا طالما تنطبق عليهم الشروط الموضوعة هم مواطنون يتمتعوا بكامل حقوقهم المدنية ،ومن حقهم التقدم للانتخابات والفوز بأكثر من مقعد في هذه الوحدات الإدارية ، سواء كانت إعاقتهم نتاج مشاركتهم في حرب التحرير أم لمعطيات أخرى. فضلا على أن القوانين يجب أن تبتعد عن المصطلحات الفضفاضة من عينة ” الثوار “، فالبلد في مرحلة بناء يجب أن تكون قائمة على من يملك الكفاءة وتبقى إجراءات العناية بمن شارك في القتال مجالا لقوانين أخرى خاصة بهم تحديدا إذ كان الأمر ضروريا . ولقد صمت القانون حول امكانية التقدم مرة أخرى لدورة ثانية وثالثة أو الاكتفاء بدورة واحدة لضمان تداول القيادات المحلية. وهذا التجاهل ربما سيفتح الأمر على مصراعيه للترشح أكثر من مرة للمحليات ، الامر الذي يعرقل عملية تداول السلطة ويجرد عملية المشاركة م محتواها.
1-الشفافية :
تعد مبادئ الإفصاح والشفافية من أهم المبادئ اللازمة لتحقيق أو تطبيق نظام حوكمة مؤسسات الدولة من خلال ضرورة توفر جميع المعلومات بدقة ووضوح وعدم إخفاء أي معلومة وإظهارها للجمهور في الوقت المناسب والإفصاح عن كافة البيانات المالية والمعلومات الأخرى وتقارير الأداء والملكية وأسلوب استخدام الصلاحيات .
ولقد ألزمت لائحة القانون ( 59) إدارة المشاريع التي تدخل فيها وحدات الإدارة المحلية في شراكة بالالتزام من خلال المادة ( 95) بتقديم أي معلومات أو وثائق أو مستندات أو كشوف حسابا أو تقارير ، قد تطلبها وحدات الإدارة المحلية في اي وقت لإغراض متابعة التنفيذ،كما تبلغ إدارة المشروع وفقا للمادة(98) من اللائحة المذكورة بحساباتها الختامية وبميزانياتها العمومية فور الانتهاء من إعدادها.
ولقد ألزم القانون في مادته (31)البلدية بنشر قراراتها في وسائل الإعلام خلال شهر من إصدار قراراتها ولم يلزم المحافظة بالأمر عينه ، حيث اغفل القانون ذلك وإن تداركته اللائحة .أيضا لم يتم تحديد معايير تضمن بشكل أوسع تحقيق الشفافية في الهيئات المحلية ، ولاسيما فيما يتعلق بإجراءات العمل و اليات التوظيف. ولم يفصح القانون عن اليات الانفتاح على الجمهور والمستفيدين للتعريف بعمليات باتخاذ القرارات ، ولم يجبر المسئولين منتخبين أو معينين تقديم تقارير دورية عن نتائج اعمالهم ومدى نجاعتها.
2- المساءلة والمحاسبة
وتتمثل في خضوع الذين يتولون المناصب العامة للمساءلة والمحاسبة ، ولقد اشار القانون في هذا السياق إلى ضرورة أن يكون لكل محافظة وبلدية مراقب مالي يشرف على الحسابات وعلى عمليات الدفع والقبض وإعداد الحسابات الختامية(64) ،كذلك الزم القانون المحافظات والبلديات بإخضاع اجراءاتها المالية لرقابة ديوان المحاسبة وأجهزة الشفافية وفقا للقانون المالي للدولة دون تحديد المقصود بأجهزة الشفافية ، فالاتجاه الحديث للحوكمة يعتبر منظمات المجتمع المدني العاملة في شؤون النزاهة هيأة للشفافية أيضا،هذا فضلا عن عدم تحديد نوع الرقابة إذ كانت سابقة أو متزامنة للعمل أو لاحقة له. هذا ولم تتعرض اللائحة التنفيذية للقانون في توضيح إجراءات المتابعة لحساب الخدمات والتنمية المحلية المشار إليه في متن الورقة(م 100)
في السياق نفسه ، منحت المادة (71) للمحافظ الحق في طلب التحقيق مع الموظفين في الهيئات العامة التي تمارس نشاطها في نطاق المحافظة واقتراح توقيع الجزاءات التأديبية عليهم من السلطات المختصة ، ولكن دون أن يوضح طبيعة الظروف التي قد تدفع المحافظ لذلك وخاصة وان العاملين المذكورين تابعين لهيئات لا تتبع المحافظة ، إنما تبعيتها مباشرة لسلطة رئاسة الوزراء.
اما على مستوى المحاسبة المجتمعية تجدر الاشارة إلى عدم ورود اي اشارة في القانون لأي آلية يتم من خلالها تنظيم عملية المساءلة الشعبية للهيأة المحلية.
3- المشاركة
يتطلب نجاح عملية التنمية التي تعد من اهداف الادارة المحلية ، إشراك المجتمعات المحلية في كافة مراحل العملية ابتداء من دراسة الاحتياجات المحلية ومرورا بعملية التخطيط والتنفيذ وانتهاء بالرقابة والتقييم، ولعل نص القانون( 59) للإدارة المحلية على وجود مجلسا للشورى في كل محافظة يتكون من الخبراء والمستشارين وبعض اعضاء المجتمع المدني الذين لهم حق في المشاركة في الاجتماعات حسب ما يراه المجلس يعد ايجابيا ولكن كون ارائهم تظل استشارية غير ملزمة وكذلك لا يحق لهم التصويت( 28، 18)، يقلل من اهمية مشاركة الخبراء في اعمال المجلس.
اما عن المشاركة المجتمعية الاوسع عن طريق فتح اليات التواصل المستمر ين المجلس والقاعدة الشعبية ، لم يلتفت اليه القانون ولائحته التنفيذية.

الخاتمة
لعل من نافلة القول أن إصدار القانون (59) جاء بشكل مستعجل لدرجة أن البعض يبرر جاهزيته بأنه قد تمت صياغته إبان العهد السابق ، وتم إجراء تعديلات طفيفة عليه ليتناسب مع طبيعة المرحلة . هذا ولقد ارتري من إصداره مواجهة مطالب متزايدة بتنظيم الإدارة المحلية في ليبيا كخطوة للتخلص من مركزية مقيتة مدت جذورها إلى كافة الأنشطة الخدمية والإنتاجية والإدارية بطبيعة الحال ، وأيضا لضمان تحقيق تنمية مكانية متوازنة بين الأقاليم التاريخية الثلاث للبلاد . ولكن من خلال ما تم عرضه نلاحظ أن ما تضمنه القانون (59) واللائحة التنفيذية من مواد منظمة لاختصاصات الوحدات المحلية لا يمثل النظام المأمول للامركزية الإدارية من حيث وجود الاستقلال المالي والإداري الواسع للوحدات المحلية في ظل إشراف الحكومة المركزية ، وان بنود القانون تعكس خصائص هي اقرب إلى شكل عدم التركيز الإداري في النظم المركزية الذي تحدثنا عليها أنفا وهو نوع من أنواع التفويض تمنحه السلطة التنفيذية لوحداتها المحلية في ظل وجود نظام مركزي منه إلى نظام اللامركزية الإدارية ، ولاسيما وأن الدولة المركزية لازالت تسيطر على المقدرات المالية لهذه الوحدات.
ولعل من نافلة القول أن تحقيق معايير الحكم الرشيد تتطلب توافر الكفاءة والمساءلة والمشاركة من قبل المجتمع المدني الذي يحتاج بدوره إلى تعزيز قدراته المؤسسية لمساءلة المجالس المحلية عن تقديم الخدمات العامة و تعبئة المواطنين لهذه المهمة ، فضلا عن أهمية وجود استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد وتوسيع قاعدة المحاسبة افقيا.
أن الاقتراب من إشكالية الإدارة المحلية في ليبيا يجب أن لا يغفل إصلاح الوضع الحالي باقتراباته الأربع الإدارية ،المالية ،التشريعية والسياسية وأي محاولة للبدء من غير ذلك هي محاولة أخرى لإهدار الوقت والموارد.و القضاء على المركزية لا يمكن أن يتأتى بقانون هجين ، إنما بدراسة متأنية يؤخذ فيها بعين الاعتبار التنمية المكانية والموارد الذاتية للوحدات ويعزز من كفاءة الأداء ، ويعمل فضلا على التخفيف من أعباء الأجهزة المركزية تحقيق الرشادة في الأداء وصنع القرار .
قائمة المراجع:
القوانين واللوائح
– أمانة مؤتمر الشعب العام، قرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية، طرابلس ، الشركة العامة للورق والطباعة
– المجلس الوطني الانتقالي ،”القانون 59 بشأن نظام الادارة المحلية” ، موجودعلى الرابط التالي: http://www.ntc.gov.ly/index.php?option=com_k2&view=item&i
الحكومة الليبية المؤقتة ، ديوان رئاسة الوزراء ،القانون رقم(9 ) لسنة 2013
الحكومة الليبية المؤقتة ، ديوان رئاسة الوزراء ، اللائحة التنفيذية لقانون 59 للإدارة المحلية
الكتب
-بعيرة، ابوبكر ،”السياسات العامة للتنمية الادارية :منظور كلي”، السياسات العامة ،مركز البحوث والاستشارات،2007
– عودة المعاني، ايمن ، الادارة المحلية ، دار وائل،2013
– العكش، فوزي عبدالله ، الحكم المحلي والادارة المحلية: الاسس والتطبيقات، جامعة الامارات العربية المتحدة
– الخلايلة ، محمد على، الادارة المحلية وتطبيقاتها في كل من الاردن وبريطانيا وفرنسا ومصر،دار الثقافة للنشر والتوزيع
الدوريات
-الجهاني ، احمد ” الاختصاص الجنائي للجهات الرقابية على الادارة العامة ،الادارة العامة في ليبيا: الواقع والطموحات ، ص ص 371-395
– امنينة ، عبير ابراهيم ،”اثر عدم استقرار التقسيمات الادارية للنظام السياسي الليبي على اداء ومتابعة تنفيذ السياسة الصحية ، 1977- 2000 ،دراسات في الاقتصاد ،المجلد رقم 21، 2002، ص ص 76-106 .
– احسونة، ناصر ، “تقويم الهيكيلة الادارية وسبل تطويرها “، مجلة البحوث الاقتصادية، المجلد التاسع عشر ،العدد الاول، يونيو 2008، ص ص 136-159
المقالات المنشورة على الشبكة العنكبوتية
-اميمة ، فتحي محمد “الفساد السياسي والإداري كأحد أسباب الثورات العربية : ثورة 17 فبراير”، منشورة على موقع الجماعة العربية للديمقراطية ، على الرابط التالي:
http://www.arabsfordemocracy.org/democracy/pages/view/pageId/3140
– سميسم ، سلام، الاتفاق العام بين مؤيدي اللامركزية والفساد، موجود على الرابط التالي: http://www.iraqfsc.iq/ar/node/1429
– شايب، بشير، مفهوم الإدارة المحلية والحكم المحلي والفرق بينهما، موجود على الرابط التالي: http://www.bchaib.net/mas/index.php?option=com_content&view=article&id=210:-algerie&catid=10:2010-12-09-22-53-49&Itemid=7#_ftn11
– الطعامنة ، محمد محمود ،”نظم الادارة المحلية في الوطن العربي: المفهوم والفلسفة و الاهداف “، الملتقى العربي الاول لنظم الادارة المحلية، صلالة، مسقط وعمان،2003 ،موجود على الرابط التالي:
– عبدالحافظ، شفق ، عبدالرازق ، وسام “دور الحوكمة في الاصلاح الاداري “، موجود على الرابط التالي
– www.nazaha.iq/search_web/muhasbe/6.doc
-القديمي، حمود ،مفهوم الادارة المحلية وعلاقته بالمفاهيم المتشابهة ، موجود على الرابط التالي: http://dralqudaimi.blogspot.com/2012/04/blog-post.html
– فريق الشفافية ليبيا،الثورة الادارية اساس الفساد الاداري في ليبيا ، موجود على الرابط التالي:
– http://salem-pensionlibya.blogspot.com/2012/02/blog-post_11.html l
– كاموكه، محمد حسن “النظام الإداري المحلي في ليبيا الجديدة”، مقالة منشورة على الرابط التالي:
http://www.lawoflibya.com/forum/archive/index.php/t-16772.html
-“زيدان : عدد البلديات التي سيُنتخب عمداؤها في ليبيا سيصل الى 99 بلدية”، قناة ليبيا الوطنية ، 6 يونيو 2013، موجود على الرابط التالي: http://www.ltv.ly/article_details.php?article_id
المؤتمرات
-بعيرة، ابوبكر، بعيرة ، انس بوبكر ، “لا تنمية مستدامة بدون ادارة قوامة “، مؤتمر التنمية المستدامة في ليبيا ، بنغازي ، مركز الابحاث والاستشارات ، 2008 .
الاطروحات الجامعية :

-بن عمور، خالد ، اثر تغير التقسيمات الادارية على عملية التنمية في منطقة الجبل الاخضر في الفترة الممتدة من 1951-1997 : دراسة في الجغرافيا السياسية ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة قاريونس ،كلية الاداب ، قسم الجغرافيا ، بنغازي ،2000 .

Print Friendly, PDF & Email