محمد عبدالرحمن عريف

هي الإذاعة البريطانية تنقل ما اشعلته مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية بعد نشر تقارير عن اكتشاف مقبرة جماعية لجنود مصريين تعود إلى عام 1967. وأثار مغردون ومدونون تساؤلات حول مسؤولية الحكومات المصرية المتعاقبة عن هؤلاء الجنود وكيفية استرجاع حقوقهم الشرعية طبقا للقانون الدولي لحماية الأسرى. وبحسب التقارير، فقد قتل الجنود على يد قوات إسرائيلية، ثم دفنوا بشكل سري في منطقة اللطرون شمال غربي مدينة القدس، حيث دارت معارك بين الجيش الإسرائيلي والجنود المصريين قبل عقود.

 نعم أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانًا صحفيًا، عقب نشر التقرير في وسائل الإعلام الإسرائيلية، أكد فيه المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، السفير أحمد حافظ، أن “السفارة المصرية في تل أبيب كلفت بالتواصل مع السلطات الإسرائيلية لتقصي حقيقة ما يتم تداوله إعلامياً، والمطالبة بتحقيق لاستيضاح مدى مصداقية هذه المعلومات وإفادة السلطات المصرية بشكل عاجل بالتفاصيل ذات الصلة”.

البدايات حضرت مع المؤرخ الإسرائيلي في تصريحه “أكثر من 20 أُحرقوا أحياء خلال حرب 67”. ذلك أنه في 2012 أقامت حركة فتح نصباً تذكارياً للجنود المصريين الذين قتلوا عام 67 في منطقة اللطرون. نعم بعد 55 سنة من التعتيم، سمحت السلطات الإسرائيلية بالكشف عن حرق الجيش الإسرائيلي العشرات من القوات الخاصة المصرية خلال حرب يونيو (حزيران) عام 1967 في منطقة اللطرون شمال غربي القدس.

لقد كشف المؤرخ الإسرائيلي يوسي ميلمان، عن مجزرة راح ضحيتها ما لا يقل عن 20 جندياً مصرياً في حرب 1967. إن “أكثر من 20 جندياً مصرياً أحرقوا أحياء، ودفنهم الجيش الإسرائيلي في مقبرة جماعية، لم يتم وضع علامات عليها، في مخالفة لقوانين الحرب”. كما أوردت صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية معلومات مشابهة حول الحادثة، كاشفة عن موقع مقبرة جماعية في منطقة اللطرون تحتوي على رفات 80 جندياً مصرياً شاركوا في حرب 1967 باعتبارهم قوة مساندة للجيش الأردني آنذاك.

تعود وقائع القصة إلى توقيع العاهل الأردني الراحل، الملك الحسين بن طلال، اتفاقية للدفاع المشترك مع الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر قبيل الحرب، إذ أرسلت القاهرة فرقتين من قوات النخبة إلى منطقة اللطرون الواقعة على الطريق بين القدس ويافا. وكانت القوات المصرية تستعد للهجوم انطلاقاً من اللطرون باتجاه مطارات عسكرية إسرائيلية في الرملة، قبل أن تندلع اشتباكات مسلحة مع الجيش الإسرائيلي.

هي احداث بدأت عندما نشرت مصر كتيبتين من الكوماندوس قرب اللطرون، وكانت مهمتهم الهجوم داخل إسرائيل، والاستيلاء على اللد والمطارات العسكرية القريبة”. وأضاف مليمان، أنه “بعد اشتباكات بين الجيشين المصري والإسرائيلي بمنطقة اللطرون في اليوم الأول للحرب، هرب بعض الجنود المصريين، والبعض أخذوا أسرى، وقاتلت البقية بشجاعة”. ما حدث أن الجيش الإسرائيلي أطلق بعد ذلك قذائف باتجاه آلاف الدونمات من الأراضي كانت توجد فيها القوات المصرية، ما أدى إلى اندلاع حرائق ضخمة قرب كيبوتس نحشون (تجمع زراعي تعاوني).

هنا يشرح مليمان، لقد انتشر الحريق سريعاً في الأدغال الحارة والجافة، ولم تكن لديهم فرصة للهروب. وقال القائد العسكري للكبيوتس حينها زين بلوخ (في اليوم التالي جاء جنود من الجيش الإسرائيلي مجهزين بجرافة إلى مكان الحادث، وحفروا حفرة، ودفعوا الجثث المصرية وغطوها بالتربة). أضاف بلوخ، أن الجنود المصريين كانوا في حالة هلع وذعر، ولم يكونوا منظمين، ولم يعرفوا أبداً أين يوجدون”. وأقامت إسرائيل على القبر الجماعي موقعها السياحي “إسرائيل الصغرى”. ولم يصدر الجيش الإسرائيلي تعقيباً على المقبرة الجماعية، كما التزمت السلطات المصرية الصمت إزاء ذلك. وأشار مليمان إلى أن الوثائق العسكرية الرسمية غير السرية، تحذف “مأساة اللطرون من سجلاتها”.

في اليوم الثاني من الحرب، أصدر قائد اللواء الرابع في الجيش الإسرائيلي، موشيه يوطفات، أمراً باحتلال منطقة اللطرون كلها، وخلال ساعتين جرت السيطرة على مقر شرطة اللطرون، وبعد ذلك احتل الجيش الإسرائيلي منطقة اللطرون والمرج المحيط بها بكامله. بحسب مليمان.

لقد كشفت صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية عن موقع مقبرة جماعية في منطقة اللطرون غرب القدس تحتوي على رفات 80 جندياً مصرياً شاركوا في حرب يونيو 1967، مؤكدة في تقرير بعنوان “احترقوا بين أعشاب ذات ارتفاع عال”، أنه بعد قتل الجنود من قبل القوات الإسرائيلية تم نهب ممتلكاتهم الشخصية، ونقلت جثثهم من خلال جرافة إلى المقبرة، حيث وضع عليهم التراب بلا أي علامات. وبحسب الصحيفة، فإن هؤلاء الجنود مدفونون تحت ما صار اليوم موقفاً للسيارات في متنزه بلدة ميني إسرائيل.

في مذكراته، أشار الراهب في دير اللطرون، جي خوري، إلى أن جثث المقاتلين المصريين كانت “متناثرة على طول الطريق”. وخلال الحرب هدم الجيش الإسرائيلي قرى اللطرون الثلاث: بيت نوبا، وعمواس، ويالو، وهجر نحو 3500 من أهاليها إلى الأردن، ولم يتبق من سكانها سوى 250 شخصاً يقيمون على مشارف قراهم المهدمة.

يبقى أن توقيت الإعلان جاء رغماً عن جميع الأطراف الرسمية مجتمعة لأنه تم فتح الأمر من الجانب الإسرائيلي المتهم في الحادث ثم تداولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على مستوى واسع سواء كان في مصر أو إسرائيل. وبالتالي تم فتح الموضوع تحت ضغط شعبي مصري والجدل الذي أثاره الخبر لدى الرأي العام المحلي في مصر.

كذلك تبقى هذه جريمة جنائية دولية بل مذبحة بما تحمله الكلمة من معنى. ومن ثم، المسؤول عن هذه المذبحة، سواء المتورط بشكل مباشر أو من القيادات السياسية أو العسكرية حينذاك، والمتواجدين على قيد الحياة، ومن الممكن تقديمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية للمحاسبة. فالمعاهدات الدولية تنص على كيفية معاملة الأسرى.

في الأخير علينا أن نتشكك في نتائج التحقيق، وعلى الدولة المصرية أن تتخذ إجراءاتها الدولية، وطبقًا للمعاهدات الدولية، يجب أن تطالب بتحقيق مصري إسرائيلي مشترك، يمكن أن يضاف إليه بعض الدول الصديقة للبلدين، سواء كانت الولايات المتحدة الأمريكية أو أي من الدول الأوروبية، وتتم متابعة وإعلان نتائج التحقيق وما يترتب عليه من جميع الإجراءات القانونية والمعنوية مع أسر الشهداء وضحايا هذا الحادث أو على المستوى الرسمي للدولة المصرية.