Press ESC to close

4323 0

اللوبي الصيني في واشنطن – The Chinese lobby in Washington

منذ عشر سنوات تقريبًا، اتهم المشرعون الأمريكيون شركة “تشاينا أوشن شيبينغ” (China Ocean Shipping) للشحن، المملوكة للدولة الصينية، بأنها واجهة للتجسس الصيني في الولايات المتحدة، ومنعوها من تحقيق أحلامها بتوسيع نفوذها على الساحل الغربي للولايات المتحدة في كاليفورنيا خوفًا من تزايد النفوذ الصيني في البلاد.

بيد أن نظرة الكونجرس قد تغيّرت تجاه الشركة على ما يبدو، إذ قام جون كيري العام الماضي بتقديم مشروع قرار يثمّن فيه “جهود الشركة في توظيف آلاف الأمريكيين وإبقاء مياه ألاسكا نظيفة”، في حين أثنى ستيفن لينش، السيناتور الجمهوري، على دور الشركة في إنقاذ ميناء بوسطن بعد أن اضطلعت بدور شركة شحن أوروبية انسحبت من الميناء مؤخرًا.

ليس هذا سوى مثال صغير على تنامي النفوذ الصيني في كابيتول هيل، مقر الكونجرس الأمريكي، بعد أن كانت جهود الضغط الصينية في واشنطن ضعيفة في العقود الماضية مقارنة بغريمها التايواني، حيث يزداد اهتمام الدولة الصينية برعاية جهودها ولوبياتها في واشنطن بعد أن كانت تترك الشركات الصينية في السوق الأمريكية وحدها لتقوم بالضغط لمصالحها بشكل مشتّت.

نمو النفوذ الصيني

لايزال الكثير من الأمريكيين ينظرون للصين بريبة نظرًا لنظامها “الشيوعي” وعدم تطبيقها للمنظومة الديمقراطية الغربية، ولكن المصالح الأمريكية التي تزداد تشابكًا مع نظيرتها الصينية يبدو وأنها قد دُفعت الكثيرين لتجاوز تلك النظرة في السنوات الأخيرة، لاسيما وأن الصين أصبحت ثالث أكبر مستورد للبضائع الأمريكية بعد كندا والمكسيك.

لا يدلل على ذلك أكثر مما قاله السيناتور الجمهوري إيرل بلومنوير عن ولاية أوريجون: “أعضاء الكونجرس يدركون رويدًا أن الصينيين ليسوا شيوعيين، بل صينيين وفقط”، جدير بالذكر أن ولاية أوريجون تحديدًا تهتم بالصين لأنها ثاني أكبر سوق لمنتجاتها بعد كندا في العالم، “الصين موجودة تقريبًا في كل ما أقوم به، من الاقتصاد والمناخ إلى سياسات الطاقة .. هي بلد لا يمكننا تجاهله مهما كان”، هكذا قال بلومنوير، وهو ليس وحده، إذ يجد أعضاء كُثُر بالكونجرس أن ولاياتهم تعتمد على التجارة مع الصين، ويحاولون تباعًا تخفيف أو منع أي قرارات صادرة عن الكونجرس تهاجم بكين، كما هي عادة الكونجرس مع الدول غير الديمقراطية.

“أعضاء الكونجرس، الذين كانوا يشجبون الصين بين الحين والآخر، أصبحوا اليوم أكثر تحفظًا إذ تغمرهم المكالمات الهاتفية من رؤساء الشركات الأمريكية، والتي تعتمد على التعاون مع الصين، وتطلب منهم التروي في تناول الشؤون الصينية، لئلا ترتفع معدلات البطالة في الولايات التي انتُخِبوا فيها”، هكذا يقول مينشين بَي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كليرمونت ماكِنّا.

حتى أواخر التسعينيات، لم يكن هناك سوى دبلوماسي واحد بالسفارة الصيني معني بشؤون الكونجرس، وكانت الوظيفة هامشية تمامًا لا تلقى أي اهتمام، إذ اعتمدت الصين أكثر على حلفائها الأمريكيين في السوق، لاسيما مجموعات التجارة الأمريكية، لتضغط بشكل غير مباشر لصالح التعاون مع الصين وتجنيب الخلافات السياسية، ولكن بدخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، أصبحت تلك المجموعات تنظر إلى الصين باعتبارها منافسًا، ولم تعد مضمونة وحدها لتمرير المصالح الصينية، وهو ما دفع بكين للانتباه إلى وجودها في واشنطن.

في العام المنصرم، أصبح قسم شؤون الكونجرس في السفارة الصينية يضم ما لا يقل عن عشرة دبلوماسيين ممن درسوا في الجامعات الأمريكية ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة، ويتمتعون بدراية كبيرة بالشؤون الأمريكية، وهو نمو لم يعكس اهتمامًا متزايدًا فقط بالكونجرس، وبل وإيمانًا بأهمية الضغط الناعم بدلًا من المواجهة الحادة.

ففي عام 2005، قام مشرعان من الكونجرس باقتراح تشريع يفرض تعريفة 27.5٪ على المنتجات الصينية إذا لم تستجب الصين للضغوط الأمريكية التي تطالبها بإعادة النظر في عملتها وقيمتها، وبدلًا من فتح النيران على الكونجرس كما كانت تفعل في السابق، قامت وزارة الخارجية الصينية بدعوتهما لزيارة الصين، حتى إن أحدهما قال في نهاية زيارته أنه سيتراجع عن موقفه، وأنه أكثر تفاؤلًا بأن يتم حل الأزمة بشكل ودي.

تحييد تايوان

بين عامي 2005 و2009، ولأول مرة في تاريخها، استضافت الصين عددًا من السياسيين والمشرعين الأمريكيين يفوق ذلك الذي استضافته تايوان، كما تضاعفت الأموال التي تنفقها بكين على شركات الضغط ثلاث مرات منذ عام 2006، في إشارة واضحة للتغيرات الجارية لتدشين لوبي صيني حقيقي.

تُعَد مسألة تايوان، حليف الولايات المتحدة، ومحاولات تحييدها باستخدام المصالح الاقتصادية المشتركة، مسألة رئيسية في العلاقات بين واشنطن وبكين، لاسيما وأن الولايات المتحدة كانت تتعامل في السابق مع نوعين من الصينيين كما عُرِفوا منذ الحرب الباردة؛ الصينيون الحُمر (من الجمهورية الصينية)، والصينيون الزُرق (من تايوان).

بالنظر للفارق في الحجم والتعداد، وبروز الصين بشكل واضح باعتبارها الممثل الرئيسي للوجود الصيني في العالم، تحاول بكين تهميش تايوان قدر المستطاع، وتحييد موقف واشنطن تجاهها رُغم تحالفهما العسكري والسياسي، وهي جهود تؤتي أكلها بوضوح، حيث يميل الآن كثيرون ممن كانوا يُحسَبون على المعسكر التايواني لصالح الصين، أو على الأقل يقفون على الحياد.

أحد أبرز هؤلاء كان فاليومافايجا، عضو مرموق ومؤثر باللجنة الفرعية المعنية بأسيا والهادي والبيئة في لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس، وكان لسنوات داعمًا لسياسات ومواقف تايوان، ولكنه على مدار العام المنصرم إما ساهم في تخفيف القرارات الصادرة لصالح تايوان، أو أوقف بعضها تمامًا، وهو يقول إن مواقفه تلك تعود لجهود الصين في الضغط مؤخرًا، “مثل الألمان والإنجليز والفرنسيين واليابانيين الذين يعرفون كيف تسير الأمور في واشنطن، يبدو أن الصينيين قد بدأوا في اللحاق بهم هنا”، هكذا يقول.

كما يتضح إذن، نفوذ الصين الصاعد في العالم ليس فقط من بكين، والتي تطمح للعب دور أسيوي وعالمي رئيسي، بل ومن واشنطن أيضًا، معقل الاقتصاد العالمي حتى هذه اللحظة .. تمرير مشروع قرار في الكونجرس بأكتوبر الماضي للاحتفال بالذكرى الـ2560 لميلاد الفيلسوف الصيني كونفوشيوس (كونغ فو زِه) في أمريكا لم يكن مجرد مصادفة إذن.

اللوبي الصيني داخل أروقة صنع القرار الأميركي – محمد السعد

أصبحت جماعات الضغط أو اللوبيات المؤثرة داخل أروقة صنع القرار الأميركي، جزءا أساسيا من فلسفة الحكم الديمقراطي الأميركي، ومن خلال تكوين هذه الجماعات واللوبيات يستطيع الأعضاء أن يقابلوا الناس لعقد الصفقات وتبادل المصالح، وبالتالي التأثير على صناع القرار في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

يتجلى في ظاهرة جماعات الضغط التأثير السياسي القوي للأثرياء، فالمواطنون الأثرياء والشركات العملاقة تتمتع بتأثير ونفوذ عاليين، عكس المواطنين العاديين الذين لا يحظون إلا بتأثير قليل يكاد يكون معدوما في بعض الأحيان. فالأثرياء وأصحاب الشركات هم القادرون على تبادل المصالح مع الشخصيات ذات النفوذ مقابل كسب التأييد والدعم المالي لحملاتهم الانتخابية أو بالدعاية أو الذيوع الإعلامي أو الوعد بمنح الأصوات إن هم ساندوا مطالبه وساعدوا على تحقيقها.

وجماعات الضغط قد تستخدم أسلوبا مضادا عن طريق التهديد بالحملات الإعلامية، أو تأليب الرأي العام أو القيام بحملات تشهير وإساءة للسمعة، وبلا شك إن جماعات الضغط لديها العلاقات المتينة مع وسائل الإعلام، وكل هذا يؤكد أهمية دور جماعات الضغط في توجيه السياسة الأميركية.

ويكاد يكون أشهر لوبي لدينا نحن العرب، هو اللوبي الصهيوني، الذي نعتقد أنه يخدم مصالح إسرائيل، ويقوم بالضغط على الأعضاء الذين لا يؤيدونها، أو الذين يتعاطفون مع القضايا العربية ويعمل على إحباط فرصهم في الانتخابات، إضافة إلى مساعيه لتحقيق أهدافها التي من أهمها كسب تعاطف الرأي العام الأميركي مع إسرائيل، ومساندة قضاياها والقيام بأنشطة إعلامية وصحفية وتعليمية تعمل على تحسين صورة إسرائيل.

ليس من المستغرب وجود جماعات ضغط يهودية مؤثرة وفاعلة في صناعة القرار الأميركي، فالعلاقة التاريخية والسياسية بينهما تفسر مثل هذا الوجود، ولكن ما يثير التساؤل هو وجود لوبي صيني مؤثر على صناعة القرار الأميركي، رغم أن العلاقة الأميركية الصينية هي علاقة يشوبها كثير من الارتياب، كون الصين قوة صاعدة دائما ما تصطدم بقوة الولايات المتحدة الراسخة التي ترى في الصين قوة متنامية تعمد منهجيا إلى تقويض التفوق الأميركي، وهذا ما يجعل الصينيين في حالة تأهب دائم من التحركات الأميركية الساعية لشل حركة الصين الصاعدة.

ورغم هذه العلاقة الارتيابية بين الصين والولايات المتحدة، لكن حجم التجارة الخارجية للصين يزداد أهمية بالنسبة للشركات الأميركية، حتى أصبحت السوق الصينية تمثل لهم جزءا مهما لا غنى عنه، وهذا يعني أن رجال الأعمال الذين يريدون التعامل مع الصين سيعملون كوسطاء مهمتهم عمل دعاية إيجابية ومطمئنة حول الصين، كما يقوم هؤلاء بتوضيح أن الصين ليس لديها أي طموحات سياسية، وكل أهدافها منصبة على التعاون التجاري فقط.

إن الشركات الأميركية الكبرى التي ترغب في التعامل مع الصين وإبرام الصفقات الضخمة معها، لعبت دور جهات الضغط المؤثرة، وشكلت جزءا من اللوبي الصيني الذي يقوم بنشر معلومات وتحليلات تعمل على تجميل وتحسين شكل الفائدة المشتركة من العلاقات الأميركية الصينية، وعدم وجود مخاطر من ورائها، إضافة إلى العزف على وتر حرية التجارة والليبرالية الاقتصادية، مع إظهار أي قرارات تحاول تحجيم التعاون مع الصين بأنها ممارسات غير عادلة تتنافى مع قيم ومبادئ السوق الحر.

لا شك أن اللوبي الصيني يتصف بالتنظيم والتطور، وهذا ما جعله مؤثرا رغم أن فكرة التقارب الأميركي الصيني فكرة خيالية لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع، فالتمدد الاقتصادي الصيني ترافقه أزمة صناعية عميقة بدأت تظهر نتائجها في الدول الغربية، فجهات الضغط وجماعات المصالح تمارس أدوارها ضمن نطاق القانون، وهذا ما جعل الصينيين يغتنمون الفرصة بعد أن فهموا ديناميات النظام السياسي الأميركي للتأثير على صانعي القرار.

يشهد هذا المعترك السياسي المتلاطم الأمواج غياب الجالية العربية وجماعات الضغط العربي، وعدم ممارستها نشاطا فعالا على الساحة الأميركية، وهناك للأسف من يظن أن جهود جماعات الضغط تعد نشاطات غير قانونية، ويفضل التعامل المباشر عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة.

لقد أصبحت المؤسسات الإعلامية الأميركية تبيع المواقف وكأنها سلع تجارية، عملها في هذا الشأن أقرب للعمل التجاري منه إلى الخدمة العامة أو الوقوف مع حقوق الإنسان، فالحقيقة المطلقة هي ما تريده وسائل الإعلام التي يفترض أنها تجسد الحرية والديمقراطية.

ذات صلة

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!