وليد عبد الحي

لعل رصد السمات المركزية للنظم السياسية العربية يشير الى دور مركزي للمؤسسات الخشنة( الجيش والأجهزة الامنية بفروعها المختلفة) في عمل وصنع النظم السياسية العربية ، وهو ما يتضح في التالي:
1- بنية النظم السياسية: فهي إما نظم محكومة من قبل احد ضباط المؤسسة الخشنة، أو أن المؤسسة الخشنة هي ” العصا التي يهش بها الحاكم على أغنامه ” .
2- أن نصيب نفقات المؤسسات الخشنة من اجمالي الناتج المحلي لكل دولة عربية هو في الغالب الأعلى قياسا لبقية مؤسسات الدولة.
3- ان المؤسسة العربية الخشنة ساهمت في تعميق ثقافة المقولة المشهورة والقائلة بأن “السلطة السياسية تنبع من فوهة البندقية ” وهو ما ساهم في عسكرة النظم السياسية وبالتالي عسكرة التنظيمات السياسية.
ذلك يعني ان المؤسسة العسكرية العربية بحكم بنيتها وتاريخها ليست مؤهلة بأي شكل من الاشكال للعب دور سياسي مهما تدثرت هذه المؤسسة او ممثلوها ” بالوطنية او الثورية او الأمن السياسي والاستقرار السياسي “، ويجب ان تبقى هذه المؤسسة محددة المهام في نطاق الدفاع عن الوطن ” وليس النظام السياسي” والحفاظ على الامن الاجتماعي وليس الامن السياسي الداخلي القائم على خيار المؤسسات الخشنة .
إن المجتمع المدني بأحزابه ونقاباته واتحاداته ونخبه الفكرية والاجتماعية ورأيه العام هو المختبر الذي يجب ان تجري فيه عمليات اختبار البدائل المختلفة لتحديد نمط وبنية النظام السياسي بل وتوجهاته السياسية داخليا وخارجيا.
إن تحديد الخيارات الاستراتيجية للدولة والمجتمع داخليا (مثل فصل الدين عن الدولة- على سبيل المثال لا الحصر – ) او خارجيا( التوجهات العامة للسياسة الخارجية مثلا) هي أمور يقررها المجتمع، لكن هذا القرارات لا يمكن ان تكون نزيهة طالما بقيت المؤسسة العسكرية هي المتحكمة علنا او من وراء حجاب في تحديد الخيارات المجتمعية او الرسمية ، وعليه لا بد أولا من فصل المؤسسة العسكرية عن هيئات صنع القرار السياسي قبل تقرير الخيارات الاستراتيجية للدولة والمجتمع سواء اكانت خيارا داخليا او خارجيا.
لكن انجاز هذا التحديد لمهام المؤسسات الخشنة لا يتم إلا بخلق قوة اجتماعية موازية وقادرة على هذه الموازاة، فإذا تساوت القوتان ظهر العدل السياسي، وهو ما يستوجب من هيئات المجتمع المدني التخلي عن ثقافة ” إذا مت ظمآن فلا نزل القَطرُ” والعمل على تعزيز “احترافية ” دور المؤسسات الخشنة.
ما سبق لا يعني تشكيكا في ولاء المؤسسات العسكرية لأوطانها، بل هي جزء من النسيج الوطني، لكن دورها اتسع خارج حدود ميدانها وتحولت لمؤسسات “إقطاع سياسي”، وإذا برر بعض الباحثين للمؤسسات الخشنة في مراحل سابقة بعض أدوارها لاسيما في فترة ما بعد الاستقلال مباشرة ، فإن التغير الهائل في كافة اوصال المجتمعات العربية بفعل التطور التكنولوجي والثقافي وفيضان العولمة جعل استمرار هذه الادوار مفارقة تاريخية حادة لا بد من تجاوزها كي لا نبقى كثور الساقية الذي يدور في محور ظنا منه انه يسير قُدُماً .

 

Print Friendly, PDF & Email