شوكت سعدون
باحث في الشؤون الاستراتيجية
عضو رابطه الكتاب الاردنيين

في التاريخ عموماً والتاريخ العسكري خصوصاً يتم أحياناً اللجوء إلى تطبيق المنهج المقارن لبناء سيناريوهات وتوقعات محتملة. والمنهج المقارن ليس محض بحث ميكانيكي في مواطن التشابه والاختلاف والالتقاء والافتراق، سواء في علمي التاريخ والسياسة أو في علوم أخرى (المنهج المقارن عندما يدرس الظواهر إنما يبحث عن الأسباب والمُقارنة بين الأحداث بهدف الوصول إلى جوهر الحقيقة الحقيقة (…) بُغية اكتشاف العوامل والظروف التي تُصاحب حدثاّ مُعيناً أو واقعةً مُعينةً). (1) بصرف النظر عن المواقف الشخصية والسيكولوجية الذاتية للمتلقين، المُعارضة أو المؤيدة لها أو المُجافية الحقيقية وهذا هو جوهر الحياد العلمي.
من العنوان أعلاه نرى أن هنالك مجالات للمقارنة بين الدولتين والدافع الرئيس لهذه المقارنة هو نفس مكان – جغرافيا الحدث – ليبيا. أوجه المُقارنة هنا تتم في عدة مناحي، فهي مُقارنة بين مُتباعدات زمنية ألمانيا منتصف القرن الماضي، وتركيا الربع الأول من القرن الحالي. وأيضاً مُتباعدات مكانية ألمانية وتركيا إن التقتا هنا في جغرافية مُحددة هي شمال إفريقيا وليبيا تحديداً. ويمكن المقارنة بين الرئيسين التركي والألماني في توجهاتهما الأيديولوجية، وهنا ينبغي فهم موطن التشابه هذا كما هو بحجمه مع اختلاف التوجهات لكلا الزعيمين.
هتلر كان يسعى لإقامة ( الرايخ الألماني الثالث) عندما استلم الحزب الاشتراكي القومي الألماني السلطة في ألمانيا والذي بدوره هيمن على القوات المسلحة الألمانية وجاء ذلك في أعقاب هزيمه ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وفرض معاهدة فرساي 1919 – 1920 والتي اعتبرها الألمان معاهده أضرت بكبريائهم القومي باعتبار انها معاهده مُجحفة.
أما أردوغان وبالتالي(حزب العدالة والتنمية) وبعد استلامه السلطة ومن خلال سلسلة إجراءات متعاقبة، فقد تمكن من إحكام قبضته على السلطة وعلى القوات المسلحة التركية وخصوصاً أن الجذور الأيديولوجية لذلك الحزب تقوم على إعادة الخلافة الإسلامية أو ما سُمي (العثمانية الجديدة) او ما يُمكن تسميته (الدولة العثمانية الثانية).
خصوصاً أنه يسود شعوٌر بالغُبن الذي لدي البعض في تركيا تجاه (معاهدة سيفر 1920) إثر هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى حيث كانت حليفةُ لألمانيا المهزومة أيضاً وبموجبها تخلت تركيا عن جميع الأراضي العثمانية التي تضم غير الناطقين باللغة التركية. وهنا نلحظ أن الدولتين هُزمتا في الحرب العالمية الاولى وفُرضت عليهما معاهدات اعتبرتاها مُجحفةً مع إن السبب هو الهزيمة في الحرب.
ألمانيا الحزب النازي أسقطت معاهده فرساي التي كانت إيذاناً باندلاع الحرب العالمية الثانية وفتحت عدة جبهات في أوروبا وتحالفها مع اليابان في المحيط الهادي وآسيا وأيضا مع إيطاليا في المتوسط وشمال إفريقيا باعتبار أن كل ذلك خطوة على طريق إقامة ( الرايخ الألماني الثالث).
في شمال إفريقيا وتحديداً في ليبيا أرسل هتلر عام 1941 (الفيلق الأفريقي) بقياده (رومل) وتحددت أهداف الحملة باحتلال مصر والسيطرة على خطوط الملاحة البريطانية في البحر المتوسط واحتلال قناة السويس وبما يقطع خط الإمداد الاستراتيجي من الهند إلى مركز الإمبراطورية البريطانية وبما يضعفها في أوروبا.
ناهيك عن هدف استراتيجي اقتصادي يتمثل في الوصول لمنابع نفط الجزيرة العربية وما يُمثله من سلعة استراتيجية لاستمرار الحرب هناك وهدف واستراتيجي كوكبي و عابر للقارات يتمثل بالتقاء فكي الكماشة الألماني في الشمال الافريقي والشرق الأوروبي على جبهات الاتحاد السوفييتي والنفاذ عبر إيران والالتقاء في الجزيرة العربية ويُضاف لذلك محور ياباني يتمثل في النفاذ إلى المحيط الهندي من خلال المحيط الهادئ والالتقاء مع الألمان في الجزيرة العربية.
تمكن الألمان في البداية من تحقيق عدة انتصارات تكتيكية في (عين غزاله وطبرق) على سبيل المثال، أما في البحر فقد قامت القوات الجوية البريطانية القريبة من قواعدها في مصر بتقطيع أوصال الخط اللوجستي الإداري الألماني الطويل سواء من إيطاليا أو ألمانيا وبذلك وقع الفيلق الألماني في فخ نقص الموارد، وبالمقابل كان البريطانيون يتمتعون بأفضلية قاعدة برّية ضخمة ذات موارد كبيرة متمثلة في مصر المتاخمة لمسرح العمليات. مع التركيز أن رومل وأمام المساحة الشاسعة الصحراوية المنبسطة لمسرح العمليات قام بتطبيق قواعد (الحرب الميكانيكية الخاطفة – بليتز كريغ) أي استخدام سرعة السلاح المُدرع للتعجيل في احتلال مصر مما فرَضَ أعباءً لوجستية ضخمة مما حد من كفاءة وفاعلية الحرب الميكانيكية.
نُلاحظ هنا أن هتلر و الحزب النازي وقعا في مصيدة القانون الاستراتيجي الهام:- (عدم التناسب بين الأهداف والوسائل والامكانات) ومثّل مسرح عمليات ليبيا نموذجاً ومؤشراً على هذا القانون مع التذكير وبشدة بمسالتين الأولى وهي الامكانات الألمانية الضخمة في مجالات كثيرة والثانية قرب إيطاليا من ليبيا بما لا يقارن بين تركيا وليبيا البالغة اكثر من ألفي كم (2000 كم). ناهيك عن أن ألمانيا كانت تمتلك اقتصاد حرب بينه وبين الاقتصاد التركي الحالي فرقٌ شاسع إضافةً إلى أن الأخير ليس اقتصاد حرب إضافةً إلى أنه اقتصاد منهك بفعل التورط الطويل الأمد في سوريا والعراق.
استنتاجات أُخرى يُمكن الإشارة إليها وهي ضعف قوة القوات المسلحة الألمانية بفعل نشرها الواسع بعيداً عن مركز ألمانيا حيث تم نشر القوات الألمانية على مسارح عمليات أوروبا وإفريقيا وهذا تطبيق آخر لقانون: (ضعف القوه باتساع انتشارها بعيداً عن المركز ولفترات طويلة). وفي مجال التحالفات فإن الحليف الإيطالي كان حليفاً ضعيفاً بل وتحول إلى عبء على ألمانيا، وجدير بالذكر أن النازية الألمانية والفاشية قريبتان ايديولوجياً في نزعتهما الشوفينية وسعيهما للنفخ في رماد الرايخ الألماني والإمبراطورية الرومانية.

عودةً إلى أردوغان وحزب العدالة والتنمية نلاحظ أن الحزب وباستخدامه القوات المسلحة التركية يقع في نفس محاذير ما حصل في الحرب العالمية الثانية ليس في ليبيا وحدها، سواءً فيما يتعلق بالتواجد في شمال إفريقيا والمُعضلات اللوجستية التي سيواجهونها في خطوط الملاحة البحرية بين تركيا وليبيا والتماس المُباشر بين مصر وليبيا، وهُنا يتكرر التاريخ بما يخُص مصر وليبيا سواءً اليوم أو في القرن الماضي. واذا كان من رهان على حكومة الوفاق وحركة النهضة كحليفين أيديولوجيين لتركيا فإنه ينطبق عليهما ما ينطبق على الحليف الإيطالي الألماني آنذاك.
إذا كانت حملة الفيلق الإفريقي في شمال إفريقيا ذات هدف استراتيجي أوضحنا مراميه، فإن دوافع التدخل التركي هو التواجد في ليبيا التي لديها أحد اكبر احتياطات النفط والغاز وحتى لو أدى الأمر إلى تقسيم ليبيا، علماً أن احتياطات الطاقة في ليبيا تُشكل مصدراً مُهماً لا وروبا خصوصاً إيطاليا وفرنسا وهذا سيزيد من الأعباء التركية في مواجهه فرنسا وإيطاليا.
هنا نلحظ دوافع اقتصادية وماليه متعلقة بالنفط والغاز حتى وان كانت هناك دوافع أيديولوجية تاريخيه متعلقة بتواجد عثماني سابق في ليبيا. ويبدو واضحاً أن تحرك أردوغان في ليبيا يحمل في طياته حسابات تركيا (لها علاقة بمشاريع أنقرة الإقليمية والإفريقية، بما في ذلك… الرهان على ورقة الإخوان المسلمين في تونس والجزائر ومصر وفي السودان وموريتانيا أيضاً وهذا يمثل مُجمل مساحة شمال إفريقيا الهائلة والبالغة قُرابة 6.5 مليون كم2 في معظمها صحاري ذات مناخ قاسي لم يعتده الجندي التركي.
هذا الأمر سيجعل من ليبيا التي دخلها العثمانيون عام ,1551م ساحةً استراتيجية بالنسبة إلى أردوغان لا تقل اهميةً عن الساحة السورية.) (2)
إن اتساع مسرح العمليات الليبي وطبيعته الطبوغرافية والمناخية لا شك أنها ستُمثل عائقاً أمام (القوات الميكانيكية) التركية قليلة العدد و عدم تناسب أعدادها مع اتساع مسارح العمليات بحيث أنها لن تشكل أي زخم هجومي قادر عن الحسم الاستراتيجي عدا عن أنها في أغلبها عربات مُشاة مدرعة تسليحها الرئيسي رشاشات نصف إنش وتمتاز بضعف قابلية الحركة حسب تقارير عديدة(3).
عودةً إلى قانون ضعف القوه في اتساع نشرها بعيداً عن المركز، فإننا نلاحظ وعلى المستوى الاستراتيجية العُليا التركية ورُغم تواضع قوتها فإنها تقوم بنشر قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية في ثلاث قارات، آسيا في سوريا والعراق، وافريقيا ليبيا والسودان والصومال تونس ومصر موريتانيا، وفي أوروبا مع اليونان وتردي العلاقات مع مُجمل الاتحاد الأوروبي إضافة لفتح مسرح عمليات جديد يتمثل في التدخل بشكل أو بآخر بين أذربيجان وأرمينيا بما يزعج الروس وعدم استتباب العلاقة مع إيران وخصوصاً بعد توقيع الاتفاقية الأخيرة مع الصين ومع سوريا.
قُصارى القول أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية وقعا في محذور عدم التناسب بين الأهداف والإمكانات والوسائل وضعف القوة في طول مُدة نشر القوة بعيدا عن المركز، وبما ينفي الامكانات الواقعية لا عاده الإمبراطورية العثمانية الثانية.
الزمن – التاريخ – لا يعود إلى الخلف فهو لا يخضع في لجدل – ديالاكتيك – الحركة الصاعدة من الأدنى إلى الأعلى من الخلف إلى الأمام وهذه تقدُمية التاريخ حتى وإن كانت هناك مظاهر لتعرجاتٍ هُنا وهُناك ولكنه لا يخضع للنزاعات الذاتية الرغائبية بالعودة إلى الخلف حتى وإن كانت رغبات مفعمة بمضامين نبيلة.
كل ذلك سيعكس بالضرورة الواقعية وإن كانت ضد الرغبات مُحصلة أداء أردوغان وحزبه ليس في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية والتحالفات وإنما في داخل تركيا (بيد أن تركيا حالياً على أبواب سيناريوهات… لما يُمكن أن تؤول إليه الأوضاع في ليبيا وموقف أمريكي متباطئ فيما يحصل في المنطقة، ومن هذا المنطلق يجب على تركيا أن تتأهب لمرحلةٍ جديدةٍ، فاضطرابات الأوضاع في تركيا مسألة وقت…) (4) وبالتالي فإن مُجمل الأوضاع لن تكون في صالح الدولة التركية والشعب التركي إذا استمر أردوغان وحزب لعدالة والتنمية على هذا
النهج والذي يُصبح معه من المُتعذر عليهما تطبيق أهم مبادئ سياستهم الخارجية (تصفير المشاكل،Zero Problems) و(أحزمة التأثير الخمسة التي نظر لها احمد داوود أوغلو).
المصادر
المنهج المُقارن –(سليم شيخاوي، الموسوعة الجزائرية للعلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية 8/4/2020).
ليبيا بعد سوريا ساحة استراتيجية لتركيا وأردوغان، حُسني محلي، مركز الدراسات الاوراسية، KATEHON، 10/12/2019، http://katehon.com/ar
((المُدرعة لميس)) دليل فشل عسكري في ليبيا، كريم مجدي، 12 يناير 2020، alhurra.com/turkey/2020
ماذا عن ليبيا، سؤال مصري يُربك حسابات أردوغان، مركز اوراسيا للدراسات، 23/6/2020، katehon.com

KATEHON.COM

مركز دراسات كاتيخون

Katehon think tank is an independent organization consisting of an international network of people – from a wide variety of fields and disciplines – who specialize in the geopolitical, geostrategic and political analysis of world events