المتغيرات الاقتصادية في العلاقات الروسية – الصينية

تتأثر أي دولة من الدول بالمتغير الاقتصادي، فالموارد الاولية والتركيب الاقتصادي الداخلي وقابلية الاستيراد والتصدير ومستوى الانتاج الاقتصادي والتطور التاريخي لاقتصاد الدولة كلها مؤشرات اقتصادية تؤثر بالسياسة الخارجية لأي دولة من الدول.

    ويتمتع المتغير الاقتصادي بأهمية خاصة، وتكفي الاشارة إلى ان غياب أساس اقتصادي متين يؤدي بالضرورة إلى صعوبة بناء مؤسسة عسكرية فاعلة، وصعوبة اشباع الحاجات الغذائية للسكان، الامر الذي يؤدي إلى: ضعف قدرة الدولة على ضمان أمنها في زمن السلم والحرب، كما ان هناك علاقة طردية بين تعاظم القدرة الاقتصادية والانتاجية للدولة والمركز الذي تحتله الدولة في النظام الدولي.

    ويدخل المتغير الاقتصادي بوصفه متغير مؤثر، ووسيلة في تنفيذ السياسة الخارجية، فالمتغير الاقتصادي لا يؤثر في توجيه السياسة الخارجية فحسب، بل يؤثر في تشكيلها أيضاً، حيث يقاس مدى تأثير الدولة في العلاقات الدولية، بمدى صحة اقتصادها القومي، إلاّ أن الأهم من ذلك كله هو: إنّ المتغير الاقتصادي أو القوة الاقتصادية هي إحدى العناصر الرئيسة في قوة الدولة المادية، وان الدولة لا تتمتع باستقلال كامل من دون توافر هذا العنصر، مما يؤثر بالنتيجة في سيادتها واستقلالية سياستها الخارجية.

     وفي هذا المجال، سنتطرق إلى المتغيرات الاقتصادية في العلاقات الروسية-الصينية عن طريق مطلبين: المطلب الاول خصصناه للمتغيرات الاقتصادية على الصعيد الروسي، في حين سلطنا الضوء في المطلب الثاني على المتغيرات الاقتصادية على الصعيد الصيني.

المتغيرات الاقتصادية على الصعيد الروسي:

   ورث(بوتين)تركة اقتصادية ثقيلة للغاية عند توليه السلطة كرئيس للحكومة في العام 1999م، ثم عند إنتخابه رئيساً للبلاد في العام 2000م، حيث كان الاقتصاد الروسي يعانى من حالة تدهور متعددة الأبعاد والمستويات من تفاقم الديون، وعجز الحكومة عن سداد رواتب الموظفين والجنود في مواعيدها، وانتشار الفقر، وهبوط الإنتاج الزراعي والصناعي، وتفشى الفساد والرشوة وسيطرة عصابات المافيا على معظم مجالات النشاط الاقتصادي والمالي في الدولة، بحيث كانت صورة روسيا قبالة العالم الخارجي صورة دولة مافيا، تسيطر فيها عصابات الجريمة المنظمة على مختلف مجالات النشاط السياسي والاقتصادي.

أولاً: بوتن وسياسة الاصلاح الاقتصادي:

    ان من أهم المتغيرات الاقتصادية التي حدثت في روسيا، وخاصة بعد إخفاق الرئيس الأسبق (بوريس يلتسين) في إدارة البلاد في خضم الازمات التي تعرضت لها روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وخاصة الازمة الاقتصادية خلال عامي(1997-1998م)، ثم جاء الرئيس الروسي(بوتين)فتحسن أداء الاقتصاد الروسي بشكل ملحوظ.(1) فمنذ الشروع في سياسة الاصلاح الاقتصادي في العام 1992م، وإعتماد تحرير الاسعار، وتعديل النظام الضريبي والتعاون مع المؤسسات المالية للحصول على المساعدات اللازمة للإصلاح، حدثت الكثير من الامور التي أثرت على الواقع الاقتصادي الروسي، ومنها: تدهور الناتج المحلي الاجمالي، ويُعدّ غياب الدولة، وعدم الاستقرار الاقتصادي الذي واكب عملية التحول الاقتصادي، من أهم أسباب تفاقم الازمة الاقتصادية الروسية، إذ شهدت برامج الخصخصة درجة عالية من الفساد.

  وجرى التعبير عن رؤية بوتن للإصلاح الاقتصادي في البرنامج الذي طرحه رئيس الوزراء (ميخائيل كازيانوف)، قبالة مجاس الدوما(البرلمان) في 26آيار من العام 2000م، عقب تشكيل الحكومة الاولى في عهد الرئيس بوتن، وفي الوقت نفسه إستفاد الاقتصاد الروسي من التعاون الايجابي من جانب مؤسسات التمويل الدولية في فترة ما بعد تولي بوتن رئيساً للبلاد، ومن ناحية أخرى كانت الأسبقية الرئيسية في برنامج الاصلاح الاقتصادي للرئيس بوتن تتمثل في: إعادة النظر بعملية الخصخصة التي تمت بصورة فوضوية في عهد يلتسن. ومن مؤشرات الأداء في الاقتصاد الروسي ودلالاتها هي: نجاح سياسة بوتن في تحقيق نتائج إيجابية من حيث معدل نمو مرتفعاً سنوياً لفترة تصل إلى حوالي أربع أعوام يدور حول نسبة(6%)سنوياً، أدى إلى التحسن المطرد في أداء الاقتصاد الروسي، حيث بدأت روسيا بسداد ديونها قبل أن يحين موعدها، وأعلن الرئيس بوتين: أن روسيا لم تعدّ بحاجة إلى المساعدات المالية التي كانت الولايات المتحدة تقدمها للحكومة الروسية للمساعدة في تنفيذ برامج الاصلاح الاقتصادي.

ثانياً: الموارد الطبيعية في روسيا:

      تُعدّ روسيا واحدة من أغنى دول العالم في مجال الموارد الطبيعية، فهي تمتلك سابع أكبر احتياطي نفطي تقليدي في العالم بعد دول الخليج وفنزويلا، إذ يقدر احتياطيها من النفط الخام بنحو(60)مليار برميل في العام 2006م، وهو ما يشكل ما نسبته(4,6%)من الاحتياطي العالمي، حيث يُعدّ قطاع الطاقة الدعامة الاساسية للأمن الاقتصادي القومي الروسي، وأداة تأثير مهمة في السياسة الخارجية، والذي ويضم: النفط والغاز الطبيعي والفحم، وهي أكبر دولة في العالم في مجال احتياطات الغاز الطبيعي.

   إذ يقدر احتياطي روسيا من الغاز الطبيعي نحو(1.7) كوادريليون* قدم مكعب، أي ما يعادل (27,5%)من الاحتياطي العالمي.

  وترجع أهمية الطاقة لكونها الدعامة الاساسية للأمن الاقتصادي القومي الروسي، لسببين أساسيين: أولهما/ما يحققه هذا القطاع من عوائد لخزانة الدولة؛ ولأنه دعامة أساسية للصناعات غير النفطية الأخرى، وثانيهما/أهمية هذا القطاع للمواطن الروسي الذي يعتمد بشكل كلي على مقدار ما تمتلكه الدولة من موارد الطاقة، وذلك بسبب الطبيعة المناخية الذي يستحيل الحياة فيها من دون توفر كميات كبيرة من الطاقة.

   لقد فصل الغاز الطبيعي عن مصادر الطاقة الاخرى(النفط-الفحم)، إذ أنشأت الحكومة الروسية  شركة(غاز بروم)** والتي أصبحت المحتكر الاساس لإنتاج وتسويق الغاز في روسيا وخارجها، فقد حرصت الحكومة، وعن طريق الشركة على الحفاظ على سعر الغاز المنخفض، وأن يكون في متناول المستهلك، إنطلاقاً من أنها تؤدي الى خدمة المواطنين، وليس الأمر اسلوباً اقتصادياً، وبسبب هذه السياسة التي تبنتها الشركة فقد حظت بدعم الحكومة الروسية، وإعفاءات ضريبية لصادرات الغاز.

   وواصل الاقتصاد الروسي نموه في العام 2004م، فقد زاد الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى (591)مليار دولار بعد أن كان في العام 2000م،(259)مليار دولار، وارتفع حجم الاستثمارات في مشاريع البنية الأساسية بما يزيد(10%)مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2003م، كما حققت صناعة الماكينات والصناعة الكيماوية والبتروكيماوية وصناعة مواد البناء وصناعة الوقود والصناعة الغذائية أكبر معدلات نمو، وأضحى حجم الأموال التي تدخل إلى روسيا من الخارج يفوق حجم الأموال التي تخرج من روسيا.

     وبسبب قدراتها الاقتصادية، تجاوزت روسيا تداعيات الأزمة المالية العالمية التي تفجرت خريف العام 2008م، وهو ما أكده رئيس الحكومة الروسية(بوتين)خلال الاجتماع الختامي لأعضاء حكومته يوم 27 كانون الأول من العام 2011م، بحضور الرئيس الروسي(مدفيديف) وأضاف بوتين: ان اقتصاد روسيا نما خلال العام 2011م بنسبة(4.4%)، مقارنة بــــ(1%) في الاتحاد الأوروبي، و(1.8%)، في الولايات المتحدة الأمريكية، واستقر الاقتصاد الروسي في الموقع السادس عالمياً خلف الولايات المتحدة والصين واليابان والهند وألمانيا، (يُنظر: إلى جدول5).

   وقد أدت السياسة الاقتصادية للرئيس بوتين إلى تحقيق نتائج إيجابية من حيث إرتفاع معدل الناتج المحلي الإجمالي وانعكاسه على ارتفاع الدخل الفردي، وانتعاش حركة البيع والشراء في أثناء العام 2004م،إذ أدى ذلك إلى بروز روسيا كقوة أقتصادية كبرى، واكتسابها تأثيراً واسع النطاق في سوق النفط وأسعاره العالمية، ولا سيما مع تأكيد الرئيس بوتين عن استعداد بلاده لأن تحل محل الشرق الأوسط كمصدراً رئيساً للنفط لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

جدول(5) بعض المؤشرات الاقتصادية في روسيا للمدة ما بين الأعوام( 2000-2012) مليار دولار:

 

الأعوام

 

الناتج المحلي الإجمالي

 

الصادرات

 

الواردات

 

اجمالي الاستثمارات

2000 259 114 62 49
2001 306 113 74 67
2002 345 122 84 69
2003 430 152 103 90
2004 591 203 131 124
2005 764 269 164 153
2006 990 334 208 210
2007 1300 392 280 314
2008 1661 520 367 424
2009 1223 342 251 231
2010 1525 446 322 345
2011 1899 577 414 484
2012 2030 598 449 527

المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على:

1.Ivan Kushner’s Research Center))، على الموقع الآتي:

http://zh.kushnirs.org/macroeconomics/gdp/gdp_russia.html 

2.دراسة استقصائية للأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، أفاق الاقتصاد العالمي، الواقع والمخاطر، ترجمة: (شعبة اللغة العربية أدارة التكنولوجيا والخدمات العامة)، صندوق النقد الدولي، ابريل2013، الصفحات: 153-158-167.

     ولم يكن اتجاه روسيا نحو الصين بلا سبب اقتصادية، فالدوافع الروسية للعلاقات الاقتصادية مع الصين تتمثل: بحاجة روسيا إلى السوق الصينية الواسعة، والتي يمكنها إستيعاب المبيعات الصناعية الروسية، فضلاً عن وجود الرغبة الروسية في زيادة التبادلات التجارية الواسعة بين الدولتين.

   كما أن ازدياد حاجة كل من: روسيا والصين إلى النفط مع إزدياد تطورهما الصناعي ورغبتهما في التعاون المشترك من أجل مواجهة التكالب الأمريكي–الغربي على النفط في منطقة قلب أور-آسيا التي تمتلك رصيداً من الاحتياطي العالمي للنفط يزيد عن(30) مليار برميل، وكذلك تحكم الولايات المتحدة الأمريكية بنفط الخليج العربي، فأنها تخطط للسيطرة على(4/3) الاحتياطي النفطي العالمي، والتحكم بمسارات اقتصاديات كل من: روسيا والصين، فضلاً عن أوروبا واليابان، ومنع التكالب الأمريكي على منطقة آسيا الوسطى.

  بحيث أن روسيا تسعى عن طريق إيجاد شريك استراتيجي مهم وهو:(الصين) لدعم دورها على الصعيد الدولي، وكذلك حاجة الاقتصاد الروسي إلى التعاون مع قوى اقتصادية إقليمية مؤثرة كالصين في استغلال الموارد الاقتصادية في جمهوريات آسيا الوسطى، التي تتشابك مع روسيا اقتصادياً، وتتكامل وترتبط معها في بنيتها التحتية، فضلاً عن عامل القرب الجيوبوليتيكي.

     ولا بد من القول: بأن المتغيرات الاقتصادية لروسيا كانت وما تزال أحد العوامل التي تؤدي دوراً مهماً وبارزاً في رسم الاستراتيجية الروسية، فكلما ترى روسيا: ان إقامة علاقات مع أي دولة ستعود عليها بالفائدة، فأنها تتحفز وتندفع اكثر نحو هذه الدول، ونحو إقامة علاقات اقتصادية وسياسية معها، وخير مثال على ذلك: هي دولة الصين الشعبية.

المتغيرات الاقتصادية على الصعيد الصيني:

    ان الواقع الاقتصادي شكل ومنذ العام 1949م هاجساً مقلقاً في تفكير القيادات الصينية، فقد تضافرت جملة عوامل داخلية منها: محدودية القدرات والموارد الاقتصادية، وتراجع الخطط التنموية، وأخرى خارجية متمثلة بالموقفين: الأمريكي والسوفيتي، وهي: ان تبقى الصين ضعيفة داخلياً وغير مؤثره خارجياً، فقد شكلت هذه العوامل كوابح دون ان يكون للصين دور عالمي مؤثر، وهو ما عدّته الصين دافعاً باتجاه العمل على إيجاد سياسة اقتصادية ناجحة من أجل الدفع بالاقتصاد الصيني إلى الامام في ظل التحديات التي تواجهها.

أولاً: تزايد الاهتمام بالعامل الاقتصادي وتبني سياسة الانفتاح والاصلاح:

   ان الصين لم ترضى أن تبقى مكتوفة الايدي قبالة العوامل التي تشكل عائقاً حقيقياً في وجه نموها، فقد عمدت إلى محاولات عديدة لكي تصبح قوة اقتصادية كبيرة وبارزة على الساحة الدولية، ففي العام 1978م، وبعد ان تم التخلي عن أيديولوجية الثورة الثقافية التي أعلنها الرئيس الصيني(ماوتسي تونغ)، تم تبني سياسة الانفتاح والاصلاح التي أعلنها الزعيم(دنغ هسياوبينغ) الذي أعطى الأولوية للنمو الاقتصادي. واستندت عملية الاصلاح الاقتصادي إلى آلية تنمية القطاع غير الحكومي، واستخدمت في هذا المجال سياسات اقتصادية إتجهت إلى إصلاح النظام الاقتصادي، وبضمنه: رفع الرقابة الحكومية عن إنتاج العديد من السلع، وكذلك عملت على إتباع سياسة الاصلاح الريفي التي استهدفت: تنمية المؤسسات الجماعية الريفية والمؤسسات الخاصة لتطوير النمو في الانتاج الريفي.

أن استراتيجية الانفتاح الصينية كانت تهدف إلى: الارتقاء بمستوى التطور الاقتصادي، وتجميع الثروة، وتوليدها بأقل تكلفة ممكنة، وإنماء القطاع الخاص وكذلك تهدف إلى رفع المستوى التقني للاقتصاد الصيني مع تحويل المدن الصينية إلى أكبر مراكز مالية في المنطقة الآسيوية، وتضم هذه المدن أهم أسواق الصين مثل: سوق الأسهم والسندات والسلع والعملات، وكانت تلك الاستراتيجية تمثل أكبر تجربة صينية في مجال ما يسمى بـــ(اقتصاد السوق الاشتراكي).

   ومن السمات الاخرى المهمة لاستراتيجية الانفتاح الصينية هي:(اللامركزية)، فبدأت الحكومة الصينية العمل على: تحرير التجارة الخارجية من السيطرة المركزية، عن طريق خبراء ومسئولون من يرون فيهم القدرة على إتخاذ القرارات المحفزة للنمو الاقتصادي، فقد عملت  الحكومة على توزيع هؤلاء على الوزارات الاقتصادية والأقاليم والمشروعات الفردية، وبما أن هذه السياسة الاقتصادية كانت ترتكز على تنمية الأقاليم بعينها إعتماداً على الصناعات المحلية الموجودة في كل إقليم، وعلى الرغم من نجاح هذا السياسة التي تبنتها عملية الانفتاح الصينية، فقد كان لها مساوئ أهمها هو: الإخلال بالتوازن بين الأقاليم.

   كما أن سياسة الانفتاح قد تضمنت: وضع القوانين واللوائح الخاصة بالضرائب والمسئولية القانونية والاستثمار الأجنبي وحماية براءات الاختراع، مع  خفض قيمة العملة الصينية، وإعطاء حرية متزايدة لقوى السوق: وذلك بجعل الاقتصاد الصيني أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الهيكلية التي عرفها العالم، ونتيجة لهذه السياسة وصل الاقتصاد الصيني إلى مستوى نمو غير مسبوق، كنتيجة الانفتاح على الاقتصاد العالمي. يُنظر: إلى الجدول فيما يلي:

جدول(6) بعض المؤشرات الاقتصادية في الصين  للمدة ما بين الأعوام(2000-2012م) مليار دولار:

 

الأعوام

 

الناتج المحلي الإجمالي

 

 

الصادرات

 

الواردات

 

اجمالي الاستثمارات

2000 1193 280 251 421
2001 1317 299 271 480
2002 1456 365 328 551
2003 1651 485 449 676
2004 1945 658 607 836
2005 2287 837 712 950
2006 2793 1061 853 1166
2007 4504 1342 1034 1458
2008 4547 1581 1232 1991
2009 5105 1333 1113 2407
2010 5950 1743 1520 2860
2011 7314 2086 1898 3534
2012 8358 2313 2070 4016

المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على:

1.Ivan Kushner’s Research Center))، على الموقع الآتي:

http://zh.kushnirs.org/macroeconomics/gdp/gdp_china.html

2.مؤسسة النقد العربي السعودي، التقرير السنوي(48)، الرياض، 2012، ص117-118.

ثانياً: مصادر الطاقة والموارد الطبيعية في الصين:

   أن من أهم مصادر الطاقة الموجودة في الصين هي: الفحم والبترول والغاز الطبيعي، ففي العام 2005م، مَثَل الفحم نسبة(70%) تقريبا من إمدادات الطاقة الأولية في الصين، وهي نسبة مرتفعة قياساً لباقي دول العالم الأخرى، يعززها: رخص سعر الفحم وإنخفاض تكلفة استخراجه، أما البترول والغاز الطبيعي، فيشاركان بنحو(23,8%)، من الاستهلاك الكلي لمصادر الطاقة بالنسبة للصين.

   لقد خلقت عملية الاصلاح والنمو الاقتصادي السريع في الصين مصالح جديدة، ومراكز قوة إقتصادية سعت لاستغلال الأوضاع الجديدة لصالحها، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى: ما يتميز به الاقتصاد الصيني من اختلاط بين قواعد اقتصاد السوق وسيطرة الدولة على الاقتصاد، فالقطاع العام الصيني لا يزال يسهم بأكثر من(35%)، من الناتج المحلي الاجمالي، حيث يسيطر على الشركات الكبرى، ويحتكر الصناعات الرئيسية، مثل: الأعمال المصرفية وتوليد الطاقة.

   ان من أهم التطورات التي حدثت على الاقتصاد الصيني هي: التحول المتسارع من اقتصاد يخضع للتخطيط المركزي الكلي إلى نوع جديد يطلق علية(اقتصاد السوق الاشتراكي)الذي يترك فسحة للسوق ليفرض قيمه وآلياته في إدارة الأنشطة الاقتصادية في بعض المدن الصينية، وحقق: هذا التحول نجاحات اقتصادية كبيرة إنعكست على إرتفاع معدل نمو الاقتصاد الصيني.

   وقد عُدّت هذه التجربة تجربة ناجحة حصلت على أعجاب العالم، وسعت القيادات الصينية إلى ضمان أستمرار نجاحها عن طريق العمل على إقامة وتعزيز العلاقات التجارية مع جميع الدول، رغبة منها بجعل قدراتها الاقتصادية أداتها الرئيسية للوصول إلى مرتبة القوة العظمى في القرن الحادي والعشرين.

    وتواصل الصين الصعود في ظل تطورات إقليمية ودولية متسارعة، مع مراقبة هذا الصعود من قَبِل أطراف أُخرى، وتأثير هذا الصعود في اقتصاديات الدول الأُخرى، ومن المؤشرات التي يمكن أن تعتريها كدولة لهذا الصعود هي: قبولها بدخول الاستثمارات الاجنبية إليها كوسيلة لدفع النمو في اقتصادها، حيث أصبحت الصين ابرز مركز لجذب الاستثمارات الدولية وبضمنها: الأمريكية، حيث يلاحظ ارتفاع حجم الاستثمارات الأمريكية في الصين من(40,1)مليار دولار في العام 2002م إلى نحو(143,2)مليار دولار في العام 2010م، حيث يتوغل الاستثمار الأمريكي في كل القطاعات الاقتصادية الصينية، الصناعية والتجارية والمالية، بل أصبح الاستثمار وسيلة الصين لجذب بعض اشكال التكنولوجية الأمريكية.

   كما وحقق الاقتصاد الصيني خلال العقدين الأخيرين نتائج باهرة، لاسيما في معدلات النمو الحقيقي والصادرات وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وبدأ هذا الاقتصاد يخطو خطوات ثابتة نحو صدارة الاقتصاد العالمي محتلاً أماكن بلدان كبرى منافسة له في العديد من القطاعات الاقتصادية، وهذه المؤشرات جعلت بعض التحليلات والآراء تذهب إلى: أن القرن الحالي سيصبح قرناً صينياً تتصدر فيه الصين الاقتصاد العالمي، على الرغم من وجود بعض المعوقات التي مازالت تحد من فرص نموه.

   كما تمكنت الصين بوصفها قوة اقتصادية صاعدة من تحقيق إنجازات اقتصادية، وبمعدل نمو بلغ(5105)مليار دولار في العام 2009م، في ظل معاناة دول أُخرى كبيرة: كالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا من الانكماش، ولا شك: ان هذه الأرقام فرضت المزيد من التحديات على الصين، وهذا النمو المتسارع خلق ضغوطاً تضخمية أدت بدورها إلى انتهاج البنك المركزي الصيني سياسة ائتمانية جديدة، ورفع الاحتياطي النقـدي للبنوك لسادس مرة خلال العام 2010م، مع رفع أسعار الفائدة للودائع والإقراض.

    وبقصد رفع عمليات النمو، رأت الصين في تقاربها وتعاونها الاقتصادي مع روسيا رافداً جديداً يخدم عمليات التحديث الاقتصادي الاربعة: الزراعة، الصناعة، البحث والتطوير والدفاع، ومن هنـا كان التوجه نحـو روسيا وتطوير العلاقات الاقتصادية معها توجهاً واقعي المضمون، قوامه: تحقيق التنمية الاقتصادية سبيلاً للارتقاء والتقدم.

  وكذلك حاجة الصين إلى التكنولوجيا المتطورة والخبرات العلمية والمتوفرة لدى روسيا، والتي تُسهم في بناء وتعزيز الهياكل الاقتصادية والصناعية الصينية، والمساعدة في تحقيق التنمية الاقتصادية، والتحديث الداخلي للقاعدة الصناعية والتكنولوجية في الصين، والتي تنعكس في بناء القدرة العسكرية الصينية، وتأكيداً على ذلك أكد الرئيس الروسي(بوتين)، قبيل إجتماع قمة منظمة(شنغهاي)للتعاون التي عقدت في 14حزيران من العام 2001م: بأن للدولتين احتياطي كبير للتعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والفضاء، مشيداً بنمو الاقتصاد الصيني بقوله: ان مهمة القيادة الروسية هي: بذل الجهود الكبيرة لرفع نسبة التنمية الاقتصادية.

    وفي نهاية هذا المبحث المختص بدراسة المتغيرات الاقتصادية المؤثرة في العلاقات الروسية-الصينية،  فقد نرى: ان هناك دافع للتعاون في الجانب الاقتصادي بين روسيا والصين، وهذا يشير: إلى التوجه البراغماتي الذي يسود في كل من: روسيا والصين، فـــــ(الصين) أصبحت أحد المتعاملين المهمين في أسواق العالم، وباتت تصدر الرأسمال، وتتحرك من موقعها الاقتصادي نحو موقع سياسي جديد متوجهة نحو مصاف دول العالم المتقدمة الرئيسية، كما أنها تريد أن يكون لها دوراً  في تسوية النزاعات الإقليمية، وخصوصاً في شبه الجزيرة الكورية وفي آسيا الوسطى.

     في المقابل، فإنّ روسيا تسعى إلى ردم الفجوة على صعيد التطور الاقتصادي والاجتماعي عن طريق نوع من التكامل مع الصين، حيث تقوم روسيا بمساعدة الصين في المجالات العسكرية والأمنية، فيما تعمل الأخيرة على الاستثمار بروسيا في المجالات الاقتصادية، ومثل هذا التكامل يسد فجوة مهمة لدى الدولتين، ويجعلهما قادرتين على إحداث تطور كبير تحاول الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الحيلولة دون حصوله، ولذلك، فإنّ تكامل القوة العسكرية والنووية الروسية مع القوة الاقتصادية الصينية، يشير إلى: بروز واقع دولي يتنامى قوةً وحضوراً بسرعة تفوق التوقعات الأميركية الغربية، راسماً واقعاً دولياً جديداً يسّرع من إنهاء مرحلة التفرد الأميركي لمصلحة ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب.

المصدر: رسالة ماجيستير بعنوان العلاقات الروسية – الصينية لفترة 2000-2012، من اعداد الباحثة سداد نوري جاسم العيساوي – جامعة النهرين – العراق