المثقف الخليجي المعاصر بين نموذجين
وليد عبد الحي

كثيرون شاهدوا ” كاتبا خليجيا” يقول ان ” فلسطين هي ارض الميعاد وهي فعلا لليهود”، او مدير مركز دراسات خليجي يتأبط ذراع دوري غولد (المستشار السياسي الاسرائيلي المعروف ) على منصة أكاديمية، او اكاديميا خليجيا يستهجن رد الفعل العربي على نقل دولة لسفارتها من تل ابيب الى القدس ويرى في ذلك أمرا طبيعيا، او مثقفا دينيا يبيح للحاكم ارتكاب ما يراه مناسبا من المعاصي..بل ومناقشة اطروحات جامعية في بعض دول الخليج لرسائل فقهية تعالج موضوع ” حكم الريح الذي يخرج من الانسان” ، أو ممثلا او كاتبا مسرحيا يرى في القومية العربية ” مادة للسخرية”…الخ.
وبالمقابل ، ثمة مثقفون خليجيون يعيشون في المنافي خوفا من ” تنور ” الجاحظ ، وبعضهم يقبع في السجن لموقف ديني اتخذه، او لانتماء فكري ، بل وبعضهم لكتابة قصيدة تحتوي بيتين من الشعر لُمح فيهما للوم على الحاكم فسجنوه 15 عاما…
وفي الخليج ايضا مثقف لاذ بالصمت، أو تواري عن قصد فالريح عاتية، او لان اللعبة اصبحت سمجة وحمقاء لا مكان فيها للعقل والتدبر.
وكشفت أزمة مجلس التعاون الخليجي و ” وشوشات” ترامب عن صفقة القرن، واعدام خاشقجي، عن هذه الرموز بشكل واضح، وسيطر على المشهد الثقافي الخليجي نم
وذجان:
النموذج الاول:
“: نموذج أبي دلامة”( الشاعر الذي نادم ابو جعفر المنصور)، فهو جاهز في مجلس الخليفة ، ليمتع الخليفة ويبرر كل شائنة يُقدم عليها ، ولا يرى ضيرا في هجاء الخليفة بعد موته إذا كان الخليفة الجديد يميل لذلك، فطالما ان الخليفة يريد الحضن الصهيوني ، اتكأ ذلك المثقف على اية رواية او خرافة او مثل شعبي او حتى مقطع اغنية ليجعل من موقف الخليفة ” موقفا مشروعا في الشريعة بل والشرائع الدولية”، وهذا النمط من المثقفين –إذا تبنينا المعنى الفضفاض للمثقف- هو النمط الاكثر انتشارا في التاريخ العربي ، مع فارق واحد ان وسائل الاعلام الحديثة جعلت من هذا المثقف – ابو دلامة- اسطورة، وبدا التسابق نحو هذا النموذج يتزايد بفعل المال والخوف والانحطاط التربوي اصلا.
لكن ابا دلامة الجديد، يطوي داخله احساسا غائرا بدونية بداوته العميقة، فهو يريد التخلص من هذا الاحساس العميق، فالخليج فقير بل لعله من أكثر مناطق العالم جدبا ثقافيا مهما اشعلت آبار النفط حوله من ” أنوار”، ويحاول ردم هذه الحفرة بعدوانية غرائزية وتعالٍ لا يتقنه، فهو يتدثر بغطاء ” العالم يتغير، ودعونا من الشعارات القومجية، والتأفف من الشعبوية…الخ، وهذا النمط يتمطى على اريكة التاريخ العربي في هذا المجال ، فنحن العرب من أكثر شعوب الكون ” مدحا ” للحكام حتى لو كان الحاكم ” هبنقة”.
النموذج الثاني:
نموذج ابي ذر الغفاري: انه نموذج المواجهة دون أي تقدير لموازين القوى، ويدير مواجهته مباشرة مع الحاكم لا مع اتباعه، لكنه دون اتباع، وغالبا ” يعيش وحيدا ويموت وحيدا”…فإذا عاش تجده في السجن وإذا مات كان وحيدا…وهذا المثقف الخليجي ليس له تنظيم أو آلية لتحقيق ما يسعى له.
هذا المثقف هو الآخر يقض مضجعه احساس غائر بالبداوة ايضا، يحلم ان يجد اسمه مع الجابري أو مع نجيب محفوظ او علي الوردي او اركون او الطيب صالح أو جبران او حتى مع فيروز او ناظم الغزالي او …هو يعلم ان الجزيرة العربية وصلت سن اليأس منذ اكثر من الف سنة ، فلم تعد تلد لا شعرا ولا نثرا، هو يريد الاعتراف به وبانه منتج للثقافة ، يريد الاقرار به كمعلم ثقافي لا كطالب…وهو مشدود لوهج عواصم عربية أخرى يرى أنها رغم بؤسها هي الاصلح لمشاعل الفكر والتنوير.
أنا أدعو لإهمال نموذج أبي دلامة، ، لانه نموذج يتلذذ على الشهرة حتى ولو كان سبب الشهر الرذيلة، فلا تعيدوا نشر اليوتيوبات لهم حتى ولو كان من اجل السخرية منهم، ولا تكرروا الإحالة لنموذجهم ليتناساهم الناس، ولا بد من مساندة النموذج الغفاري والترويج له رغم ” فرديته “

Print Friendly, PDF & Email