يقدم المجاهد عبد العزيز خلف الله، في كتابه، “الولاية الثانية التاريخية.. ظل قسنطينة”، الصادر حديثًا عن منشورات “الشهاب”، تأريخًا عميقًا لتاريخ الثورة في الولاية الثانية، بالتركيز على النضال السياسي والعمليات الفدائية والنضالية بمدينة قسنطينة قبل وبعد مؤتمر الصومام، إلى غاية الاستقلال، مستحضراً مختلف المآثر العسكرية والتطرق لمسارات مختلف المسؤولين الرئيسيين الذين قادوا المنطقة الثانية التي تحولت إلى الولاية الثانية التاريخية بعد انعقاد مؤتمر الصومام، منذ الشهيد الرمز ديدوش مراد، وصولا إلى العقيد صلاح بوبنيدر المعروف باسم صوت العرب. 

كتاب المجاهد عبد العزيز خلف الله، عبارة عن شهادة مستفيضة حول جوانب التنظيم السياسي والعسكري في المنطقة الثانية، بالموازاة مع انطلاق الثورة. استعاد المؤلف من خلاله ذلك الدور الحاسم الذي لعبه المجاهدين والمناضلين في قسنطينة، بالتركيز على مختلف العمليات الفدائية التي قل ما تناولها المؤرخين، والتي جرت تحت قيادة سي مسعود بوجريو المعروف باسم سي مسعود القسنطيني. وجاء في الكتاب أنه عندما استشهد بوجريو في ميدان الشرف في نهاية أبريل 1961، حل محله عبد العزيز خلف الله على رأس القيادة إلى غاية أوت 1962. وهذا ما أعطى المؤلف القدرة والمكانة لتقديم شهادة عميقة والمساهمة في كتابة تاريخ الولاية الثانية، بعد سنوات طويلة من التردد مثلما جاء في المقدمة. وكتب ما يلي:”بغرض القيام بواجب الذاكرة، قررت في النهاية ترك هذه الشهادة وإماطة اللثام عن أحداث أثرت في مسار ثورتنا”.

في الفصل الأول من الكتاب، تناول خلف الله، مسار الولاية الثانية منذ نشأتها، واستعرض  النشاط السياسي في قسنطينة ضمن الحركة الوطنية، ودور المنظمة الخاصة (لوس)، ودور الفاعلين التاريخيين في التوجه نحو خيار العمل المسلح. وركز الكاتب بالخصوص على ظروف غياب “جماعة قسنطينة” عن اجتماع الستة التاريخي يوم 23 سبتمبر 1954. كما يقف عند “بصمة زيغود يوسف” بمنطقة “سمندو”، وهجوم الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، وظروف بروز الحركة المصالية في الشمال القسنطيني.

وفي القسم الثالث من الفصل الأول تناول خلف الله انعكاسات مؤتمر الصومام على المنطقة الثانية من حيث التنظيم السياسي والعسكري، عبر استعراض مختلف المحطات ومسارات القادة الذين تكفلوا بقيادتها بعد استشهاد زيغود يوسف. وأعطى خلف الله، بالنظر لمعرفته ولمعايشته لمختلف مراحل الولاية الثانية، أهم ميزاتها الأساسية، من خلال قدرة قادتها على التنظيم السياسي والعسكري. وفي القسم الرابع يقف مطولا عند دور صالح بوبنيدر (صوت العرب) مستعرضا قدرته الفائقة على التنظيم العسكري في ولاية استهدفها مخطط شال الرهيب الذي فشل رغم كل شيء في تقويض وكسر العمل المسلح في الولاية الثانية حسب شهادة خلف الله الذي استعرض مساره النضالي في الحركة الوطنية وظروف التحاقه بجبهة التحرير الوطني، وصولا إلى ظروف وقف إطلاق النار بمدينة قسنطينة في 19 مارس 1962، بالتركيز على بعض المظاهر التاريخية التي عرفتها المدينة خلال تلك المرحلة، منها دور اليد الحمراء ومنظمة “أو. آ. آس”، وكيفية التعامل مع الجالية اليهودية، ودور أصدقاء الثورة من الأوروبيين الذين اختاروا مناهضة الاستعمار.

كما استعرض عبد العزيز خلف الله، الذي وقّع كتابه أول أمس بمكتبة “ميديا بلوس” بقسنطينة، أهم الخلافات التي برزت بين الولاية الثانية التي ظلت وفية للحكومة المؤقتة برئاسة بن يوسف بن خدة، وبين قيادة أركان الجيش برئاسة العقيد هواري بومدين، وكيف دخل قادة الولاية الثانية في صراع مع هيئة الأركان ضمن ما يسمى بـ “أزمة صيف 1962″، وهو الصراع الذي خصّص له المؤلف جزء كبيرا من كتابه منذ ما جرى في مؤتمر طرابلس الذي عرف بروز خلافات وصراعات بين قادة الثورة. ليصل في الأخير إلى ظروف تأسيس “حزب الثورة الاشتراكية” من قبل محمد بوضياف، عقب خلافاته مع أحمد بن بلة وجماعة تلمسان، وهو الحزب الذي التحق به خلف الله، مناضلا في صفوفه.

وتكمن أهمية مذكرات عبد العزيز خلف الله، في احتوائها على عدد كبير من الوثائق الأرشيفية والتاريخية وقصاصات الجرائد، المتعلقة بالولاية التاريخية الثانية، والتي تعتبر مصدرا أساسيا لكتابة تاريخ الثورة.