بقلم بويبية نبيلاستطاعت الدول الأسيوية أن تلفت إليها أنظار العالم نظراً لما أحرزته من تقدم ونمو اقتصادي فاق التوقعات، ومن أهم تلك الدول اليابان، الصين، سنغافورة، كوريا الجنوبية، تايوان وهونج كونج. ومن أهم ما يميز تلك الدول هو دورها البارز في المبادلات التجارية العالمية. كما أنها تتميز بقوة التبادل والتعاون الاقتصادي فيما بينها، ولذلك عندما تواجه إحدى هذه الدول أزمة ما، فإنه سرعان ما تمتد آثارها علي الدول المجاورة داخل نطاق الإقليم الأسيوي.

وتعتبر اليابان والصين عملاقي القوة الاقتصادية في آسيا، ولقد نجحتا في إرساء علاقات سليمة بينهما تقوم علي أساس الاحترام المتبادل وحماية المصالح المشتركة بينهما.

ولا شك أنه كلما تعثر اقتصاد أي من الدولتين، فإن هذا التعثر سيمتد إلي الدولة الأخرى، وهذا ما حدث بالفعل مع أزمة اليابان الأخيرة ومدي ما أحرزته من سلبيات علي اقتصادها المحلي وعلي الاقتصاد الصيني، علاوة علي الاقتصاد العالمي. 

1  أزمة اليابان في 2011م :

تعد اليابان من أكبر وأغني اقتصاديات العالم ، كما أنها تصنف كثالث أكبر اقتصاد في العالم. وهي تساهم مساهمة فعالة في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي علي المستوي الإقليمي، وتستحوذ اليابان علي حوالي 9% من الناتج الإجمالي العالمي، حيث يقدر الناتج الإجمالي الياباني بحوالي 5.5 تريليون دولار. كما تستحوذ علي ما يقرب من 50% من حجم التجارة الإقليمية مع الدول المجاورة، وتمتلك اليابان قاعدة صناعية متطورة جعلتها من أكبر الدول مساهمة في تحقيق قيم صناعية مضافة من خلال سلاسل القيمة لإنتاجها الصناعي، بجانب كونها مصدر هام للصادرات في المنطقة الأسيوية.

ولم تكن اليابان أحسن حالا عن غيرها من دول العالم المتقدم، فقد انتابت اليابان العديد من الأزمات في عام 2011م، بما تسبب لها في خسائر بالغة، وذلك بداية من الهزة الأرضية التي ضربت أراضيها في الحادي عشر من شهر مارس 2011، والذي أعقبه إعصار تسونامي، وختاماً بالأزمة النووية بعد الانفجار الهائل واحتراق محطة فوكوشيما، وجراء تلك الأزمات تكبدت اليابان خسائر بالغة علي المستوي المادي والبشري، فقد تراوحت قيمة خسائرها المادية من 195 – 305 مليار دولار. وعلي المستوي البشري فقد وصل عدد الوفيات ما يزيد عن 27 ألف شخص. أما المنازل المهدمة، فقد بلغ عددها 202 ألف منزل علاوة علي التلوث الإشعاعي، وانخفاض في الطاقة الكهربائية، والأضرار البالغة التي انتابت البنية التحتية والمنازل والمصانع، وغيرها)[1](.

ولقد امتدت تداعيات أزمة اليابان من النطاق الإقليمي إلي النطاق العالمي، مثيرة المخاوف حول مدي تأثيرها علي اقتصاديات البلدان الأخرى، وعلي الاقتصاد العالمي للكل.

 تداعيات أزمة اليابان :

نظراً لما حل باليابان من خسائر بالغة تأثرا بثلاث أزمات متتالية، فتشير المؤشرات إلي حدوث انخفاض في  مؤشرات الاقتصاد الياباني لعام 2011م. فطبقاً لأخر الإحصائيات، من المتوقع بانتهاء عام 2011م أن ينخفض الناتج الإجمالي بها بنسبة 0.47%، كما سيسجل صافي الصادرات عجزاً بمقدار 0.7%. أيضا سيتوقف الطلب المحلي عن النمو، وذلك كما هو موضح بالجدول (8) ، وبالنظر لتلك النسب من الملاحظ أنها قد لا تتناسب مع حجم الخسائر الواقعة باليابان، غير أن لوقوع الأحداث في خلال شهر مارس ساهم في تقليل حجم نسب ومعدلات التغيير.

الجدول (8)

المؤشرات الاقتصادية للاقتصاد الياباني (2010-2012) (نسب نمو%)

البيان

2010

2011

2012

الناتج المحلي الاجمالي

4.0

-0.47

2.3

إجمالي الطلب المحلي

2.2

0.0

2.5

صافي الصادرات

1.8

-0.7

0.4

معدل التضخم

-0.7

0.1

0.0

ميزان الحسابات الجارية

3.6

2.5

2.9

الميزانية العمومية

-9.6

-10.5

-9.1

إجمالي الدين بالمليار

220.4

233.7

236.22

صافي الدين بالمليار

117.6

131.1

137.8

Source: The International Monetary Fund (IMF), World Economic Outlook Database, September 2011

ومن الأهمية بمكان تسليط الضوء علي ما قد يتسبب فيه ضعف الطلب من تحجيم للنشاط الاقتصادي الياباني، علاوة علي نفقات التعمير وتجديد الخسائر التي وقعت بها. بالإضافة إلي انخفاض حجم الصادرات كنتيجة مباشرة لانخفاض الإنتاج نتيجة لنقص إمدادات الطاقة الكهربائية.

كما ستواجه اليابان مشكلة عدم الثقة في منتجاتها خاصة الغذائية، خشية من الدول الأخرى من التلوث الإشعاعي الذي لحق بها بعد انفجار محطة فوكوشيما.

 تداعيات أزمة اليابان علي الاقتصاد العالمي :

علي الرغم من أن تأثير أزمة اليابان علي الاقتصاد العالمي لم تكن بالوضوح والتأثير الملموس بشكل جيد مقارنة بغيرها من الأزمات التي حدثت بالاقتصاد العالمي هذا العم، إلا إن هناك العديد من التداعيات والتي قد يظهر تأثيرها علي ألمدي المتوسط، والتي من أهمها ما يلي :

· نظراً لتباطؤ الإنتاج في اليابان، فإن العالم سيواجه نقصا في المنتجات عالية التكنولوجيا مثل السيارات والأجهزة الالكترونية، باعتبار اليابان أكبر دولة مصدرة لتلك المنتجات، كما تتميز منتجاتها بجودة عالية، وقوة شرائية مرتفعة.

· تتصدر اليابان المرتبة الثانية في استهلاكها من النفط بعد الولايات المتحدة وبمعدل 4.4 مليون برميل يوميا وتليها الهند في المرتبة الثالثة. وتعتمد اليابان على الخارج لاستيراد ما يصل إلى حوالي 85% من احتياجاتها النفطية، مما يعني أن ما يزيد عن 3.740 مليون برميل يومي تستورده اليابان من دول أجنبية، والتي على رأسها دول الخليج العربي.

·  إن تنامي الطلب المحلي الياباني (الحالي والمتوقع لاحقا) تلبية لمتطلبات عمليات إعادة البناء ودفع دوران العجلة الاقتصادية وبكامل قوتها وسرعتها، سيسهم بما لا يدعو مجالاً للشك في تزايد الطلب على النفط وزيادة كميات استيراده، مما سيؤدي بدوره إلى المزيد من التضخم والارتفاع في أسعار النفط. ومما لا شك فيه أن الزيادة في أسعار النفط والتي من المحتمل أن تتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمنتجات الصناعية، وخصوصا المستوردة من قبل العديد من الدول، وعلى رأسها دول شرق آسيا والدول الأوروبية ستؤدي إلى المزيد من التأثيرات السلبية والمالية على مختلف شرائح الإنتاج والبضائع والخدمات. الأمر الذي يتوقع أن يساهم في إحداث تأثير سلبي على عجلة النمو العالمي عموما ونسب النمو المقدرة والمستهدفة. مما يعني وجوب قيام الدول المنتجة للنفط وخصوصا دول منظمة أوبك بزيادة الإنتاج ورفعه لمستويات غير مسبوقة قد تصل إلى زيادة لا تقل عن 10-15% من المستويات الحالية لمواجهة الطلب العالمي والحد من ارتفاع الأسعار للبرميل الواحد من النفط.

 

2 الاقتصاد الصيني :

تحتل الصين في عالم اليوم مكانة مرموقة، وذلك باعتبارها قوة اقتصادية عظمي منفتحة علي الأسواق العالمية، علاوة علي جاذبيتها للاستثمارات الخارجية، حيت تحتل المرتبة الرابعة بين الدول الجاذبة للاستثمارات الأجنبية. فضلا عن ارتفاع قيمة صادراتها والتي قدرت بحوالي 3.361 مليار دولار في عام 2010م، مما ينعكس إيجابيا علي ناتجها الإجمالي المحلي. ويساهم كل هذا بالفعل في إبراز مكانة الاقتصاد الصيني داخل الاقتصاد العالمي ككيان اقتصادي ضخم)[2](.

ويرتبط الاقتصاد الصيني بالتغيير المستمر والمتواصل في أسعار المواد الأولية بالسوق العالمية، فالصين كقوة اقتصادية مرتبطة بالسوق الخارجي، وبأكثر دقة بالطلب الخارجي، حيث يتوقف الإنتاج الصيني علي الطلب الخارجي، والذي تتوقف عليه عجلة النمو الاقتصادي بها.

وعلي الرغم من توافر العديد من مصادر الطاقة والثروات المعدنية بالصين، إلا أن إنتاجها المحلي غير كافي لسد احتياجاتها، ولهذا فهي تعتمد بصورة شبه رئيسية علي الاستيراد من الخارج، ومما يثير الدهشة هو ارتفاع أسعار المواد الخام ومصادر الطاقة، وفي الوقت نفسه يتميز الإنتاج الصيني برخص الأسعار.

وجدير بالإشارة أن الصين تستورد حوالي 40% من احتياجاتها من النفط، ومن المتوقع ارتفاع تلك النسبة لتلبية لاحتياجات الصين المتواصلة من النفط لتلبية متطلبات الإنتاج المتزايدة بها، ولمقابلة النمو المتسارع لاقتصادها، فمن المتوقع أن تزيد نسبة استيرادها من النفط إلى نحو 50%.

ولقد أثرت أزمة الديون السيادية لمنطقة اليورو بشدة علي صادرات الصين للاتحاد الأوروبي، باعتبارها أكبر شريك تجاري للصين. وبلغة الأرقام فإن حجم التجارة بين الصين والاتحاد الأوروبي بدأ في الهبوط في الربع الثاني من عام 2011م، بعد أن شهد ارتفاعاً في الأشهر الثمانية الأولى من العام السابق بمعدل 18.5%، وهو ما يقل عن متوسط النمو البالغ 23.9% في السنوات العشر الماضية، وفي المتوسط تشكل صادرات الصين إلى الاتحاد الأوروبي خلال عام 2011م نسبة 20% من إجمالي صادرات الصين)[3](.

كما أثرت اضطرابات الشرق الأوسط في ارتفاع أسعار النفط، ولهذا ارتفعت تكلفة تصنيع البضائع الصينية، ما أدي إلي خفض الفائض التجاري، ثم إلي انخفاض ناتجها المحلي الإجمالي بنحو 5.2% في عام 2011 مقارنة بعام 2010م، كما هو موضح بالجدول (9).

الجدول (9)

مؤشرات أداء الاقتصاد الصيني ( 2009-2011) (نسب النمو %)

البيان

2009

2010

2011

الناتج المحلي الاجمالي

-1.9

10.9

5.2

التضخم

-0.87

0.96

1.8

صافي الصادرات

-8.9

25.3

7.5

Source: The International Monetary Fund (IMF), World Economic Outlook Database, September 2011

المخاوف العالمية المرتبطة بالاقتصاد الصيني :

يعاني الاقتصاد الصيني من بعض أوجه الخلل، ولهذا فإن هناك اتجاهات ومخاوف بشأن تلك الإمبراطورية الاقتصادية العظمي التي ظهرت في الآونة الأخيرة، نظرا لاتساع حجم النشاط الاقتصادي بها، علاوة علي إنفاقه الحكومي علي البنية التحتية، والفساد المنتشر في كافة مؤسساته، والغش التجاري في كثير من الأحيان. علاوة علي سياسته في الإقراض للدول الأخرى، مما قد يضعه في مأزق إذا لم يستطيع تحصيل تلك القروض، علاوة علي التفاوت الهائل في مستويات المعيشة، وارتفاع أعداد المواطنين الصينيين الذين يقعون تحت خط الفقر، بالرغم من ازدهار الاقتصاد الصيني، فكل هذا من شأنه إثارة المخاوف من انهيار الاقتصاد الصيني، ويمكن أن يلاقي مصير أشد وطأة من مصير الاقتصاد الأمريكي.

ولقد واجه الاقتصاد الصيني في عام 2011م عدة اضطرابات، فكان لأزمة اليابان أثرها علي الاقتصاد الصيني، فمن المعروف أن اليابان هي ثاني شريك للصين، وهناك آلاف من المصانع الصينية التي تمد اليابان بالصناعات النسيجية، وأجزاء الأجهزة الكهربائية، وبعد وقوع الأزمة اضطرت تلك المصانع إلي تخفيض عملياتها الإنتاجية، لانخفاض الطلب.

ومن جانب آخر، فإن اليابان تعد أكبر مورد للصين، فتسهم بما يقدر بحوالي 13% من واردات الصين، حيث تعتمد عليها الصين في استيراد المواد الأولية، إلا إن الأزمة النووية وانقطاع التيار الكهربائي المخطط لها يشكلان حجر عثرة أمام تعافي الأنشطة الصناعية سريعا في اليابان، مما سيمتد آثاره علي ضعف وانخفاض العمليات الإنتاجية في الصين.

ومن المتوقع أن تتفاقم مخاطر تعرض الصين للتضخم على المدى المتوسط. وعلى الرغم من توقعات بأن ينخفض مستوى التحديات المتعلقة بالتضخم خلال النصف الثاني من 2011م، فإن أي تحسّن ستشهده الصين خلال هذه الفترة سيكون مؤقتاً وذلك بسبب زيادة أسعار المنتجات الغذائية. ومن المتوقع أن تستمر التحديات المتعلقة بالتضخم الهيكلي في تهديد نمو الصين على المدى المتوسط، ولا شك أن أي انخفاض في نمو الاقتصاد الصيني سيؤثر علي الاقتصاد العالمي.

 

Print Friendly, PDF & Email