من اعداد  عبدالله بن معمر بن عبدالله آل معمر، رسالة دكتوراه بعنوان بناء المؤسسة التنفيذية في المملكة العربية السعودية (دراسة حالة وزارات التعليم والإعلام والصناعة)، جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية قسم العلوم السياسية، 1999م.

اتضح أن عملية بناء المؤسسة التنفيذية في المملكة تمت استجابة لتطورات اقتصاديةأولاً ومطالب اجتماعية ثانياً مر بها المجتمع السعودي منذ بداية الخمسينات من هذا القرن . واتضح أيضاً أن عملية البناء تلك تشكلت بواسطة عاملين ، الأول هو الثقافة التقليدية للمجتمع السعودي ، والثاني هو الإيرادات النفطية ، الأمر الذي أدى إلى تبني أسلوب التخطيط الاقتصادي الشامل الذي حدد الأهداف العامة لعملية البناء في المملكة ، وكان هذا التخطيط متواصلاً بين أهدافه ومركزياً في سلطته وشاملاً في مجالاته ونطاقه . إلا أن عملية البناء تلك والتي كان مخططاً لها أن تسعى لتحقيق غاياتها في ظل سياسات وتنظيمات محددة تعرضت للكثير من المعوقات – وبشكل أدق محددات- كان لها الأثر الكبير في عملية بناء المؤسسة التنفيذية سواءً كان ذلك على درجة المؤسسية أم على كفاءة وفعالية هذه المؤسسة وأدائها لوظائفها . وسيتم التطرق لهذه المحددات وتحليل أثرها في هذا الفصل من خلال أربعة مباحث خصص لكل محدد مبحث وذلك على النحو التالي :

المبحث الأول: إيرادات النفط وأثرها على عملية البناء .

المبحث الثاني: القوى العاملة وعلاقتها بعملية البناء .

المبحث الثالث : إشكاليات الإصلاح الإداري وأثرها على عملية البناء.

المبحث الأول

إيرادات النفط وأثرها على عملية البناء

تحتاج المؤسسة التنفيذية في أي مجتمع سياسي – مهما اختلفت ظروفه الاقتصادية وتوجهاته الأيديولوجية – إلى إيرادات مالية ، وذلك من أجل قيامهابالوظـائف التي أنيطت بها ، وتزداد أهميـة تلك الإيـرادات عنـدما يكون هـدف هـذه الـوظائـف هو إحداث تنميـة وتطـور شامـل في المجتمع .

وهذه الإيرادات تكون في واقع الأمر مرهونة بطبيعة الموارد الاقتصادية في النظم السياسية المختلفةالتي تحدد مدى استمرار ( تدفقها ، انخفاضها ، تذبذبها ) ، فهناك دول يتسم اقتصادها بأنه اقتصاد متعدد الموارد وبالتالي تتحصل على إيراداتها المالية من قاعدة اقتصادية متنوعة(صناعية ، زراعية …الخ) لذلك تتصف هذه الإيرادات بالإستقرار ، و هناك دول يتسم اقتصادها بأنه اقتصاد ريعي وبالتالي تتحصل على إيراداتها المالية من الاعتماد على تصدير منتج اقتصادي واحد، لذلك تتصف هذه الإيرادات بعدم الإستقرار والتذبذب الذي يتوقف علىالأسعار العالمية لهذا المنتج وأيضاً التفاعل الناشئ بين عمليتي العرض والطلب عليه في الأسواق الدولية .

وتؤثر العلاقة بين الإيرادات المالية للنظم السياسية المختلفة، وطبيعة مواردها الاقتصادية، على عملية بناء المؤسسة التنفيذية وأهدافها التنموية، ويزداد ذلك عندما يتسم هذا المسار بقوة الدفع الهائلة والذاتية بحيث يصعب تعطيله أو تغييره.

وكما أشير سابقاً فتاريخ عملية بناء المؤسسة التنفيذية ذو أربعة محددات أدى التفاعل بينها إلى ظهور محدد إيرادات النفط باعتباره المتغير المستقل الذي يؤثر على متغيرات تابعة هي المحددات الأخرى .

ويهدف هذا الجزء من الدراسة الذي نحن بصدده إلى إثبات فرضية مؤداها ” أنه كلما ازدادت الإيرادات كان هناك نمواً لمؤسسات حديثة وتطور في درجة مؤسسيتها .

وفي هذا الإطار يجب إدراك أمرين هامين هما :-

1- صعوبة تحرير اقتصاد المملكة من الاعتماد – بنسبة كبيرة – على إيرادات النفط منذ بدايات مراحل التنمية المختلفة حتى خطة التنمية الثالثة والتي انتهت في عام 1985 وهو التاريخ الذي حدد لنهاية فترة الدراسة .

2- الإيرادات الإجمالية للمملكة ليست مرهونة بما تنتجه سنوياً من ملايين البراميل من النفط فحسب ، بل يرتبط بصورة وثيقة بطبيعة الطلب العالمي عليه وكذلك أسعاره في الأسواق الدولية التي تتسم بالتذبذب وعدم الإستقرار لخضوعها لمعايير التفاعل بين العرض والطلب . فقد كانت إيرادات المملكة تعتمد على ما ينتج سنوياً من النفط الخام ، وذلك حتى بدأت أسعار النفط العالمية تتعرض للانخفاض الملحوظ إبان أزمة الشرق الأوسط في يونيو 1967 وفي الفترة الأخيرة من خطة التنمية الثالثة 80-1985 ، حيث أصبحت قضية توافر إيرادات المملكة وقوة اقتصادها تتوقف بصفة أساسية على أسعار النفط العالمية في المقام الأول ، هذا مع مراعاة أن المملكة تعد حتى فترة الدراسة وبعدها أيضاً من القوى الكبرى في العالم إنتاجاً للنفط وأنه يوجد بها أكبر مخزون نفطي عالمي .

وسيتم الوقوف على دور الايرادات النفطية في عملية بناء المؤسسة التنفيذية من خلال :-

أولاً: طبيعة اقتصاد المملكة وموقع النفط منه .

ثانياً: ارتباط عملية البناء بإيرادات النفط.

ثالثاً: جهود تصحيح العلاقة بين إيرادات النفط ومتطلبات التنمية .

أولاً : طبيعة اقتصاد المملكة وموقع النفط منه :

بعد أن قام الملك عبدالعزيز بتوطيد دعائم الدولة في شبه الجزيرة العربية وأنشأ المملكة العربية السعودية ، واجهته مشكلة نقص الموارد المالية اللازمة لإحداث تنمية شاملة في البلاد ، حيث كان اقتصاد المملكة قبل اكتشاف النفط اقتصاداً بدائياً تقليدياً يعتمد على إيرادات الحج السنوي في الأماكن المقدسة ([1]) ، بالإضافة إلى كميات محـدودة مـن المنتجـات الزراعيـة كالتمور والحبوب والقهوة وبعض الفواكه والخضراوات التي تنمو حول الواحات والأراضي المرتفعة ناحية البحر الأحمر في الجنوب ([2]) . والسبب في محدودية الزراعة يرجع إلى قلة المياه وشحها ([3])، بالإضافة إلى ضيق المساحة المزروعة ، فلم تكن الزراعة ذات تأثير كبير في النشاط الاقتصادي آنذاك ([4])،وكان المردود الاقتصادي من الأراضي الزراعية محدوداً يكاد يقيـم أود العائلـة التي تعيـش علـى إيراد الزراعة مع هامش صغير للبيع في السوق المحلي([5]) . كما يمارس البدو في الصحـراء والـمراعي تربية الماشـية والأغنام والإبل ([6])، وكان بعض سكان المنطقة الشرقية يمارسون مهنة صيد اللؤلؤ([7])، وكانت هناك بعض الصناعات اليدوية ذات الطابع الأسري مثل صناعة تبييض النحاس وصناع المسامير والاحتياجات المنزلية الصغيرة وبعض أدوات الزراعة البسيطة ([8]) .

وكان التحول الرئيسي في الاقتصاد السعودي عندما تم اكتشاف النفط منذ ما يقرب من ستين عاماً في 1/5/1939، حيث أبحرت حاملة نفط من الموانئ السعودية ([9]) ، ومنذ ذلك التاريخ باشرت المملكة دوراً جديداً من الانفاق والتطوير وبدأت الدولة تنمو بشكل ملحوظ وإن كان بطيئاً في بادئ الأمر ، وذلك بسبب الحرب العالمية الثانية ([10]) ، حيث ظل إنتاج النفط تقريباً حوالي 5 مليون برميل في السنة خلال السنوات من 39-1943 . لكن بدأ الإنتاج في التزايد خلال فترات مختلفة اعتماداً على حجم الطلب العالمي([11]) ، ففيعام 1945 سيطرت على اقتصاد المملكة عوائد النفط واعتمدت الحكومة على إيرادات ما تصدره من النفط حيث شكلت 95% من إجمالي الصادرات ([12]).

لقد كان مجمل دخل المملكة حتى عام 1946 أقل من 4 مليون دولار سنوياً ثم ارتفع إلى 85 مليون دولار عام 1948([13]) ، وفي عام 1949 بلغ إنتاج المملكة النفطي حوالي 476.736 برميل يومياً بعد أن كان 10.778 برميل يومياً عام 1939 ، واستمر الإنتاج في الارتفاع حتى وصل إلى 953.000 برميل يومياً عام 1954 ([14]) .

ومع أواخر الخمسينات حتى عام 1970 كانت الأرقام تشير إلى سيادة قطاع النفط على موارد الاقتصاد السعودي وميزانيته ، وذلك نتيجة لزيادة الطلب العالمي على النفط وارتفاع أسعاره ([15]). وبالنظر إلى إيرادات النفط خلال الفترة من 1962 وحتى 1970 من خلال الجدول رقم (5) ، يلاحظ أنها ازدادت بأرقام قياسية كبيرة ،فمثلاً في عام 1962 كانت إيرادات المملكة من النفط حوالي 409.7 مليون دولار أمريكي إلا أنها زادت في عام 1970 حيث وصلت إلى 1154.0 مليون دولار ، محققة نسبة زيادة قدرها 282% عن عام 1962 في فترة لم تتجاوز ثماني سنوات .

جدول رقم (5)

تطور إيرادات المملكة من النفط خلال الفترة 62-1970 *

( بالمليون دولار أمريكي ) مقومة برقم قياسي للزيادة

السنة ( ميلادية ) الإيرادات الرقم القياسي (%)
1962 409.7 100
1963 607.7 148
1964 523.2 128
1965 662.6 162
1966 789.7 193
1967 909.1 222
1968 926.8 226
1969 949.0 232
1970 1154.0 282

المصدر : مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) ، التقرير السنوي لعام 1390-1391 ، ص 102 .

* لم يُتمكن من الحصول على معلومات تغطي الفترة التي قبل عام 1962 نظراً لعدم توافرها .

وقبل بداية خطة التنمية الأولى 70-1975 في المملكة بثلاثة أعوام أصبحت قيم إنتاجية النفط تتفوق على القطاعات الاقتصادية كالتجارة والمواصلاتبمقدار ثلاثة أرباع أضعاف ، والصناعة بما يزيد على أربعة أضعاف ، والزراعة بما يزيد على خمسة أضعاف ([16]) .

ويتضح ذلك بالنظر إلى الجدول رقم (6)

انظر الجدول رقم (6) على الصفحة التالية

جدول رقم (6) القيم الإنتاجية للقطاعات الاقتصادية بالمملكة

خلال 68-1970 (بملايين الريالات)

السنة ( ميلادية ) قيم إنتاجية النفط قيم إنتاجية القطاع الاقتصادي التقليدي (الزراعة) قيم إنتاجية القطاع الاقتصادي الحديث
1968 6772.9 895.7 2049.0
1969 7360.6 947.4 2348.0
1970 8683.3 1070.3 2501.8

المصدر : محمد علي جاسم ، دراسات في الاقتصاد السعودي ، القاهرة ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، معهد البحوث والدراسات العربية ، ص 7

كذلك كانت إيرادات النفط في أواخر هذه الفترة تشكل نسبة كبيرة من جانب الإيرادات في الميزانية العامة للمملكة كما في الجدول رقم (7) :-

جدول رقم (7) إيرادات المملكة من النفط ومجموع الإيرادات الأخرى

خلال الفترة من 67-1970 ( بملايين الريالات )

السنة ( ميلادية ) إيرادات النفط مجموع الإيرادات الأخرى
1967 3547 518
1968 4169 703
1969 5198 768
1970 5436 944

المصدر : محمد على جاسم ، دراسات في الاقتصاد السعودي ، القاهرة ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، معهد البحوث والدراسات العربية ، ص 7

ونتيجةً للزيادة في إيرادات النفط خلال هذه الفترة 60-1970 فقد ارتفعت المبالغ المعتمدة للإنفاق على مشروعات التنمية ، فمثلاً ارتفعت هذه المبالغ من 3162 مليون ريال إلى 6542 مليون ريال خلال الفترة الواقعة ما بين السنة المالية 64 -1965 و 70-1971 ([17]) .

ونتيجةً لما سبق ، أاصبح الهيكل الاقتصادي السعودي خلال هذه الفترة مكون من قطاعين مختلفين هما [18](2) :-

1- قطاع تقليدي (زراعة ورعي) .

2- قطاع حديث ( كقطاع النفط والتجارة والخدمات الحكومية ) . ولذا تمثلت عوائده فيما يلي ([19]):-

أ – عوائد النفط وضرائب الأرباح المدفوعة من قبل شركات النفط العاملة بالمملكة ، والضرائب التي تفرض على استهلاك منتجات النفط المستورد ، وتمثل هذه الإيرادات حوالي 80% من مجموع إيرادات المملكة .

ب- إيرادات الجمارك .

جـ- ضرائب النقل .

د – رسوم الخدمات العامة ( كالموانئ البحرية والبرية والجوية … الخ ) .

هـ- رسوم الوثائق شاملة الأنظمة الرسمية والطوابع ورسوم التسجيلات والرخصة .

و – الزكاة .

وخلال الفترة من 70-1975 زادت الإيرادات العامة للمملكة نتيجة للزيادة التي طرأت على إيرادات النفط ، فقد زاد إنتاج النفط بنسبة عالية حيث ارتفع معدله من 3.2 مليون برميل يومياً عام 1970 إلى حوالي 8.5 مليون برميل يومياً عام 1974 ([20]) . كذلك زادت نسبة الضرائب على الدخل للشركات النفطية ([21]) ، فزادت الإيرادات النفطية من 5.1 بليون ريال عام 1970 إلى 94.2 بليون ريال عام 1975 ([22]) .

كما ارتفعت المساهمة النسبية للإيراداتمن القطاع النفطي في إجمالي الإيرادات الحكومية من 90.3 % عام 1970 إلى 94.1% عام 1975 ([23])، وكان مردود ذلك على مصروفات الدولة كبيراً جداً ، حيث زادت هذه المصروفات من 6.1 بليون ريال عام 1970 إلى 35.0 بليون ريال عام 1975 ، و بلغ معدل النمو السنوي المتوسط للمصروفات الحكومية خلال 1975 42.0 % ([24])، وبلغ معدل النمو السنوي المتوسط للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي حسب الأسعار الثابتة لعام 1985 في الفترة من 70-1975 حوالي 15.7% ([25]). وكان من شأن ذلك أن تزايدت عمليات البناء الهيكلي والوظيفي ، مما إنعكس على عملية تأسيس المؤسسة التنفيذية في المملكة .

والفترة من 75-1980 واصل فيها معدل إنتاج النفط ارتفاعه إلى أن وصل إلى أقصى حد لهوهو 10.2 مليون برميل يومياً ، و ذلك بسبب تعويض النقص في الناتج الإقليمي بسبب الحرب العراقية الإيرانية ([26]) ، و قد اعتبرت السعودية في أواخرهذه الفترة ثاني منتج للنفط في العالم بعد الاتحاد السوفيتي ( السابق ) في عام 1979 ، فكانت تنتج 15.2 % من الإنتاج العالمي من النفط ، بينما ينتج الاتحاد السوفيتي (السابق) 15.6 % من الإنتاج العالمي ([27])، وبازدياد الأسعار قفزت إيرادات النفط من 25.676.2مليون دولار عام 1975 إلى 85.000.0 مليون دولار عام 1980 ([28])، وزادت الإيرادات الحكومية من94.2بليون ريال عام1975إلى189.3بليون ريال عام1980،كما ارتفعـت المساهمـــة

النسبية للإيرادات من القطاع النفطي في إجمالي الإيرادات الحكومية من 89.6% عام 1975 إلى 94.1% عام 1980([29])، وذلك حقق للمملكة خلال هذه الفترة اقتصاداً متفرداً ، مما أعطى للدولة القوة و القدرة على تمويل مصادر المشاريع التنموية و استكمال بناء المؤسسة التنفيذية ([30]) .

أما الفترة من 80-1985 وهي نهاية فترة الدارسة، فقد شهدت تطورات سلبية في السوق العالمي للنفط كان لها أثر مباشر على معدل النمو السنوي المتوسط للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي حسب الأسعار الثابتة لعام 1985 خـلال 80-1985 ، فقد سجل معدل النمو (-5%) تقريباً بعد أن كان (15.7%) خلال 70-1975 و (6.5%) خلال 75-1980 ([31]) . وكان ذلك ذا أثر واضح على تقليص حجم الإنفاق على عمليات البناء المؤسسي على الرغم من أن المؤسسة التنفيذية استطاعت خلال هذه الفترة من استكمال عمليات بنائها نسبياً .

وكانت النتيجة النهائية لزيادة الإيرادات النفطية – كما تم توضيحه سابقاً – هو سيطرة هذه الإيرادات على الإيرادات الإجمالية للمملكة ، وبالتالي أصبغ الاقتصاد السعودي بصبغة نفطية تجارية تنموية ، وأصبحت مصاريف تمويل المشاريع التنموية وبناء المؤسسة التنفيذية وتطورها يعتمد على الموارد المالية للقطاع النفطي .

ثانياً : ارتباط عملية بناء المؤسسة التنفيذية بإيرادات النفط :

يهتم هذا الجزء بتوضيح العلاقة بين بناء المؤسسة التنفيذية والوضع المالي للمملكة الذي يحدده بنسبة كبيرة إيرادات النفط على النحو الذي تم توضيحه سابقاً . وبمعنى آخر يعد الهدف الرئيسي من توضيح تلك العلاقة هو بيان تأثير ما أفرزته الإيرادات النفطية (ارتفاعاً ، ثباتاً ، انخفاضاً ) على أهداف وإنجازات عملية بناء المؤسسة التنفيذية وتطورها وعلى عملية التنمية في المملكة كمحصلة نهائية .

وفي سبيل ذلك سيتم دراسة الخصائص الاقتصادية لمراحل عملية بناء المؤسسة التنفيذيةبالمملكة حتى 1985 التي تحددها إيرادات النفط كمتغير مستقل ، وفي نهاية الأمر ملاحظة ما طرأ على هذه المراحل من أهداف واستراتيجيات وإنجازات كمتغير تابع .

1- فترة ما قبل خطط التنمية الخمسية :

تميزت الفترة التي سبقت خطة التنمية الأولى بالمملكة عام 70-1975 بوضع اقتصادي محدود نسبياً يرجع إلى قلة إنتاج النفط وانخفاض أسعاره ، إما بسبب قلة الطلب العالمي عليه ، أو لنشوب الحروب مثل الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية ، أو لعدم الإستقرار السياسي في الشرق الأوسط الذي بلغ ذروته بحرب 1967 ([32]).

كما تميزت تلك الفترة بتوسع وتحسن مطرد في الجهاز الإداري ([33])، وبذلك استكمل الهيكل العام للدولة السعودية الناهضة والوليدة . و يجب الأخذ في الاعتبار هنا أنه ليس هناك بيانات إحصائية كافية عن سنوات التنمية الأولى بما في ذلك إنتاج النفط و إيراداته وخصوصاً حتى عام 1962 ([34]) . و يمكن تقسيم تلك الفترة إلى ثلاث مراحل هي :-

أ – مرحلة التنمية قبل عام 1948:

على الرغم من أن أول اكتشاف للنفط على نطاق واسع قد حدث في عام 1938 ، إلا أن نشوب الحرب العالمية الثانية قد حال دون تنمية وارد النفط في المملكة إلى الحد الأقصى . وكان مجمل دخل المملكة حتى عام 1946 أقل من 4 ملايين دولار أمريكي سنوياً ، ثم ارتفع بحلول عام 1948 فبلغ 85 مليون دولار ، وكانت المملكة تحصل على 60% فقط من إيرادات النفط تلك ، ولأول مرة أصبح لدى المملكة مقدرات مالية – رغم قلتها – يمكن استثمارها في التنمية الوطنية وبناء المؤسسات السياسية . وكانت الدولة قبل ذلك تحصل على إيرادات محدودة من اقتصاد فقير ، إذ كانما يقرب من 90% من السكان يعيشون على الرعي والزراعة([35]) .

وكان من محصلة الإيرادات الحكومية قبل 1948 والتي تعتبر ضعيفة لحداثة اكتشاف النفط أن كان هناك ضعف في عملية بناء المؤسسات ، كما لم يكن هناك طابع مؤسسي يمكن أن تتصف به المؤسسات القليلة الموجودة آنذاك ، مثل مجلس الوكلاء الذي كان بسيطاً في تكوينه ومحدوداً في اختصاصاته ، وكان الطابع الشخصي يدخل دائماً في رسم وتوجيه السياسات والأهداف التي أنشئ من أجلها . كما كانتالوزارات التي أنشأت في هذه الفترة (الخارجية ، الدفاع ، المالية ، الداخلية) ضعيفة في هيكلها واختصاصاتها وأهدافها .

ب – مرحلة التنمية خلال 48-1952:

يمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة مشاريع التنمية الأولى بالمملكة حيث اعتبرت سنة 1948 نقطة تحول في تاريخ التنمية السعودية لأنها كانت بداية عهد المشروعات التاريخية الجديدة ، كما كانت بداية إضطلاع الدولة بدورها الجديد في تنظيم عملية التنمية الاقتصادية وتوجيهها . ومع ارتفاع إنتاج النفط وزيادة إيراداته تم إعداد أول ميزانية رسمية للدولة في عام 1948 ، حيثاستكملت المرافق الحديثة في ميناء جدة ، وبدأت أول محطة إذاعية محلية إرسالها في 1949 ، وافتتح أول معهد رسمي للتعليم العالي وهو كلية الشريعة في نفس السنة ، وأقيمت أول شبكة للكهرباء في مكة المكرمة عام 1950 ، وأول كلية للمعلمين عام 1951 ، وفي نفس العام نشأت وزارة الصحة كأول وزارة غير سلطوية ، كما كان في ذلك العام أكثر من 20.000 طالب يتلقون التعليم في المدارس الرسمية على تنوع مستوياتها . وشهد عام 1952 ارتفاع إنتاج النفط إلى 200 مليون برميل في السنة بعد أن كان مليون برميل سنة 1938 و60 مليون برميل سنة 1946 ([36]) .

ج – مرحلة التنمية خلال 52 -1970:

كما تم التوضيح سابقاً فإنه ليس هناك بيانات إحصائية وافية عن سنوات التنمية الأولى ، كما أنه لا يمكن الاعتماد على مثل هذه البيانات دائماً وخصوصاً حتى عام 1962 ([37]). وبصفة عامة كان هناك تزايداً في الطلب العالمي على النفط خلال 52- 1970 ولكنهليس كبيراً مقارنة بفترة السبعينيات . فخلال الفترة من 50-1960 زاد الإنتاج النفطي بمعدل 11% سنوياً كما زاد الاحتياطي النفطي من 80 مليون برميل 1967 إلى 138 مليون برميل 1970، ولكن بسبب انخفاض الطلب العالمي على النفط وتداعيات أزمة الشرق الأوسط عام 1967 ، بالإضافة إلى عدم تغير السعر المعلن للنفط العربي الخفيف ([38])، وصلت نسبة الزيادة في إنتاج النفط من 7.8% عام 1967 إلى 5.3% عام 1969 ([39]) .

لذلك يلاحظ أنه في الفترة التي سبقت 1967 ظهرت منها ثمان مؤسسات جديدة هي وزارات المواصلات والمعارف والزراعة والتجارة والبترول والعمل والحج والاعلام تناسبت في حجمها مع الإيرادات النفطية المتاحة ، كما حدثت تغيرات عميقة الأثرفي الهيكل الاجتماعي والديموغرافي ، وبرزت مدن الرياض وجدة والدمام والمدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف كمراكز حضارية ، وتم بناء بعض المرافق والتجهيزات الأساسية الحيوية ([40]) .

إن إيرادات المملكة النفطية خلال هذه الفترة (52-1970) كان مرجعها الأساسي هو الإيرادات والضرائب التي تتقاضاها الدولة من الشركات النفطية العاملة في أراضيها ، وكانت تلك الإيرادات أقل كثيراً من قيمة النفط المصدر وذلك حسب الأسعار العالمية المعلنة خلال تلك الفترة ، فبالرغم من وجود فوائد مالية خلال 61-1967 ، لكنها لم تزيد بمعدل يفوق متطلبات عملية البناء. أما خلال السنتين الماليتين 68-1969 فقد شهدت المملكة عجزاً مالياً ، مما استوجب السحب من احتياطي البلاد المالي . وقد فرض ذلك قيوداً مالية شديدة على التنمية الوطنية خلال هذه السنوات ([41]). ويتضح ذلك من خلال الجدول رقم (8) الخاص بدراسة فائض ميزانية المملكة وميزان المدفوعات خلال 61-1969 :-

جدول رقم (8) تطور فائض ميزانية المملكة و ميزان المدفوعات خلال 61-1969 ( بملايين الريالات )

السنة ( ميلادية ( فائض / عجز الحساب الجاري بميزان المدفوعات فائض / عجز الميزانية المالية الحكومية
1961 981 323
1962 810 510
1963 868 288
1964 810 811
1965 599 255
1966 576 33
1967 441 253
1968 441 – 237 –
1969 387 – 645 –

المصدر :Looney, r. , Saudi Arabia’s Development potential, Massachusetts: D.C. Heath and Company, 1978 , p.90

ونتيجة لما سبق ، يمكن القول أن اقتصاد المملكة ونسبة الزيادة في إيرادات النفط خلال هذه الفترة 52-1970، لم يمكن البلاد من إحداث عملية تنمية قائمة على أساس خطة شاملة ، وإنما كان يتم بناء على أسلوب الميزانية السنوية الذي يتصف بالنظرة قصيرة الأجل وذلك لأن الميزانية تعد لمدة سنة ، وبالتالي فإن عملية بناء المؤسسة التنفيذية خلال المراحل السابق ذكرها التي تمت وفقاً لهذا الأسلوب لم تكن متكاملة فيما بينها لأنها لم توضع في إطار واحد متكامل ، بالإضافة إلى عدم التوازن في قطاعات هذه المؤسسات وإنفاقاتها ([42]).

ويمكن تحديد خصائص مرحلة ما قبل خطط التنمية الخمسية فيما يلي :-

1)-بالإضافة إلى أن إيرادات النفط كانت لا تزيد بمعدل يفوق معدل الزيادة في الحاجة لبناء مؤسسات حديثة وتحديث الموجود منها ، فقد كان هناك ضعفاً في استغلال الموارد المتوافرة لدى المملكة استغلالاً كاملاً يحقق مستوى من التنمية يتناسب مع مستوى هذه الموارد . فقد كان يوجد فائض في ميزانية الدولة وفائض في ميزان المدفوعات في معظم سنوات هذه المرحلة ، مع وجود مستوى معيشي منخفض مما يعني أن المجتمع السعودي كان يعاني من قصور في البنية الاجتماعية والثقافية تجعله غير قادر على استيعاب هذه الموارد في مشروعات تنموية تحتاجــهاالدولة ([43]).

2)- اتصاف المملكة بخصائص الدول النامية التقليدية ، فبالرغم من وجود فائض في موارد المملكة النفطية خلال هذه الفترة إلا أن المجتمع السعودي اتصف بخصائص الدول النامية مثل انخفاض مستوى المعيشة و التعليم والمستوى الصحي واختلال الهيكل الاقتصادي وبروز القطاع النفطي على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى ([44]) .

2- خطة التنمية الأولى 70-1975:

أ – الظروف و الخصائص الاقتصادية للمملكة خلال خطة التنمية الأولى:

بدأت تلك الخطة في السنة المالية 69 -1970، وكانت قد أعدت في ظروف تتسم بوجود عوائق مالية في أعقاب حرب 1967 في الشرق الأوسط ([45])، فانخفضت موجودات مؤسسة النقد السعودي ( ساما ) من الذهب والعملات الأجنبية ([46])، وعانت الدولة من عجز في ميزان مدفوعاتها في عامي 68-1969 كما يتضح من الجدول رقم (8) . وقد تمخض عن هذا زيادة العبء على كاهل الاقتصاد في السنتين التاليتين للحرب ، مما نتج عنه زيادة في نسبة المصروفات الحكومية على الإيرادات([47]) .

إلا أن الظروف أخذت في التحسن بدرجة كبيرة بعد 1969 ، ولم يعد التمويل المالي معوقاً يذكر وارتفعت الإيرادات الفعلية لتصل إلى 180.6 بليون ريال ، وقدر الإنفاق الفعلي بما في ذلك مبالغ المعونات الخارجية للمملكة إلى 86.5 بليون ريال ، كما تشير التقديرات إلى أن الإنتاج المحلي الحقيقي قد سجل نموا بلغ في المتوسط حوالي 13% في السنة خلال سنوات الخطة ، ويرجع ذلك إلى النمو الذي حققه قطاع النفط ([48]) ، كما سيتضح فيما بعد . ومنذ 1969 اتسم اقتصاد المملكة بأربع خصائص رئيسية هي ([49]):-

1)- اعتماده على النفط .

2)-إتباع نظام الاقتصاد الحر .

3)- احتياجه لأعداد كبيرة من القوى البشرية المدربة .

4)- تطوره السريع الذي أحرزه في كافة القطاعات و المجالات خلال العشر سنوات الماضية على وضع الخطة .

ويعتبر اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط -إلى حد ما- نتيجة طبيعية للفوائد التي يجنيها من توافر هذه المادة الخام بكميات كبيرة ، فلقد أدى التوسع السريع في إنتاج النفط إلى تأمين الإيرادات والعملات الأجنبية اللازمة لتمويل عملية التنمية واستكمال بناء المؤسسة التنفيذية وتطورها ،بالقدر الذي يمكن القول معه بأن النمو الاقتصادي الذي حققته المملكة إنما يرجع أساساً إلى قطاع النفط ، لا للتطور الكبير في قطاعات الزراعة و التعدين و الصناعات التحويلية التي غالباً ما يعزي النمو لتطورها . وحسب ما توقعت الخطة آنذاك سيعتمد النمو الاقتصادي في العقود القادمة بصورة رئيسية على ما يحققه إنتاج النفط من زيادة في الإيرادات والعملات الأجنبية . وهذا ما أرادت الخطة أن تغيره تدريجيا عن طريق تنوع الإنتاج ومصادر الإيرادات .

لذلك التزمت المملكة بنظام الاقتصاد الحر المستند إلى التعاليم الدينية والشريعة الإسلامية ، وذلك بهدف إشراك كافة عناصر المجتمع في العملية الإنتاجية والتفاعل معها ([50]).

ب – تطور عملية البناء خلال خطة التنمية الأولى:

تميزت المملكة خلال هذه الفترة 70-1975 بغناها من الموارد المالية التي نتجت عن اكتشاف احتياطي بترولي كبير من النفط والغاز الطبيعي ، بالإضافة إلى إنتاج كميات متزايدة من النفط أسهمت في توفير رصيد مالي من العملات الأجنبية، بجانب توفير مصدراً رخيصاً للطاقة اللازمة للصناعة و النقل و إنتاج البتروكيماويات والأسمدة النيتروجينية ([51]) .

ونتيجة لـنجاح منظمة الأقطار المصدرة للنفط ( الأوبيك ) ومنظمة الدول العربية المصدرة للنفط ( الأوابيك ) في زيادة أسعار النفط وتغيير نظام تحديد الأسعار ، وتمثل ذلك في زيادة ضريبة الدخل الذي عرضته شركات النفط في المملكة في نوفمبر 1970 من 50% إلى55% ، وزيادة في الأسعار المعلنة للنفط الثقيل المصدر من الخليج العربي بمقدار تسعة سنتات أمريكية لكل برميل ، وزيادة أخرى للنفط المصدر عبر أنابيب البترول إلى موانئ البحر المتوسط قدرها عشرون سنتاً لكل برميل، وما تم التوصل إليه في اتفاقية طهران 1970 والتي أدت إلى زيادة بلغت في المتوسط خمس وثلاثون سنتاً أمريكياً عن كل برميل من النفط ([52]).

نتيجة لما سبق زاد إنتاج المملكة من النفط كما يتضح من الجدول رقم (9)، حيث أنه في بداية سنوات الخطة عام 1970 وصل الإنتاج النفطي إلى 1386.7 مليون برميل في السنة بمعدل إنتاج يومي وصل إلى 3.8 مليون برميل وبزيادة مئوية قدرها 18.1% عن عام 1969 الذي كانت نسبة الزيادة في إنتاجه السنوي عن العام الذي قبله حوالي 5.3% ، كما أن الإنتاج السنوي لعام 1974 (آخر سنوات الخطة) وصل إلى 3095.1 مليون برميل بمعدل يومي 8.5 مليون برميل وبزيادة بلغت نسبتها 11.6% عن إنتاج عام 1973 الذي وصلت نسبته إلى 25.9 % .

وخلال هذه الفترة أيضاً ارتفعت حصة المملكة من إنتاج النفط إلى 14.4% عام 1974 ، واحتفظت بمكانتها كثالث أكبر دولة منتجة للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ( السابق ) اللتين بلغ نصيبهما من الإنتاج العالمي 17.3% و 15.9% على التوالي عام 1974 ، كما شكل إنتاج المملكة عام 1974 حوالي 46.5% من إجمالي إنتاج الدول العربية وحوالي 27.7% من إنتاج دول الأوبيك ([53]).

أنظر الجدول رقم (9) على الصفحة التالية

جدول رقم (9) إنتاج المملكة من النفط خلال 69-1974 ( بملايين البراميل )

السنة ( ميلادية ) الإنتاج السنوي معدل الإنتاج اليومي الزيادة المئوية %
1969 1173.9 3.2 5.3
1970 1386.7 3.8 18.1
1971 1740.6 4.8 25.5
1972 2202.0 6.0 26.5
1973 2772.6 7.6 25.9
1974 3095.1 8.5 11.6

المصدر : التقرير السنوي لعام 1395 هـ ، مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) ، ص 27

وبالنظر إلى الجدول رقم (10) يلاحظ أن إيرادات المملكة من النفط زادت خلال 1970 إلى 1214.0 مليون دولار بمعدل زيادة مئوية قدرها 27.9% عن عام 1969 حيث كانت نسبة الزيادة 2.5% بإيرادات وصلت إلى 949.2 مليون دولار ، كما أن هذه الإيرادات زادت بنسب تفوق التصورات حيث بلغت نسبتها عام 1974 عن عام 1973 حوالي 420.1% إذ حققت 22573.5 مليون دولار . وترجع نسبة الزيادة في إيرادات المملكة من النفط خلال خطة التنمية الأولى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية في تلك الفترة حيث بلغت الزيادة في أسعار النفط الخفيف على سبيل المثال حوالي 11.651 دولار أمريكي للبرميل([54]) .

جدول رقم (10) إيرادات المملكة من النفط خلال 69-1974 ( بملايين الدولارات الأمريكية )

السنة ( ميلادية ) الإيرادات الزيادة المئوية %
1969 949.2 2.5
1970 1214.0 27.9
1971 1884.9 55.3
1972 2744.6 45.0
1973 4340.0 58.4
1974 22573.5 420.1

المصدر : التقرير السنوي لعام 1395 هـ ، مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) ، ص 32

هذه التبعات الاقتصادية السابقة والناتجة عن زيادة الإيرادات النفطية الراجعة إلى زيادة الطلب العالمي للنفط وارتفاع أسعاره ، بالإضافة إلى وجوده بكميات متوافرة بالمملكة ، أدت في النهاية إلى زيادة الإنفاق الحكومي على عملية التنمية وبناء المؤسسة التنفيذية واستكمال عمليات التحديث في البلاد وبالنظر إلى الجدول رقم (11) يتضح أن :-

1)- الإيرادات الحكومية للمملكة خلال الخطة الأولى 70-1975 كانت دائماً في ازدياد ، فبينما كانت الإيرادات خلال 69-1970 حوالي 5741 مليون ريال وصلت إلى 40597 مليون ريال خلال 73-1974 .

2)- المصروفات الحكومية خلال سنوات الخطة كانت دائماً في ازدياد ، فبينما كانت المصروفات خــلال 69 – 1970 حـوالي 6028 مليـون ريـال وصلت إلى 18595 مليون ريال خلال 73-1974 .

3)- نسبة الإيرادات النفطية من الإيرادات الإجمالية الحكومية كانت كبيرة وفي ازدياد ، ولم تقل إلا خلال 71-1972 و 72-1973 و لكنها عادت في الارتفاع عند نهاية الخطة ، فكانت نسبة الإيرادات النفطية من الإيرادات الكلية للدولة خلال 73-1974 حوالي 97.3% .

كل هذا أوجد في التحليل الأخير، زيادة في الإيرادات الحكومية خلال سنوات الخطة كانت تفوق زيادة المصروفات مما أدى إلى وجود رصيد مالي احتياطي لدى المملكة نتج عنه قوة دفع هائلة وذاتية نحو عمليات بناء وتحديث شملت كل قطاعات المؤسسة التنفيذية ، فمثلا بينما وصل الرصيد المالي لصالح الإيرادات خلال 70-1971 حوالي 1661 مليون ريال ، ارتفع إلى حوالي 22002 مليون ريال خلال 73-1974 .

جدول رقم (11) إجمالي إيرادات و مصروفات المملكة

و نسبة الإيرادات النفطية منها (بملايين الريالات )

السنة ( ميلادية ) الإيرادات المصروفات الرصيد المالي نسبة إيرادات النفط من الإيرادات الكلية
69-1970 5741 6028 278 -* 89.2%
70-1971 7954 6293 1661 + 89.5%
71-1972 11116 8130 2986 + 87.1%
72-1973 15326 10158 5168+ 88.0%
73-1974 40597 18595 22002+ 97.3%

المصدر : وزارة المالية والاقتصاد الوطني ، المملكة العربية السعودية

* تم تعويض هذا العجز عن طريق السحب من الرصيد الاحتياطي للمملكة الذي تكون قبل أزمة 1967 .

ج – أهداف و استراتيجيات الخطة وإنجازاتها اعتماداً على عائدات النفط :

أملت الظروف الاقتصادية التي مرت بها المملكة في السنتين السابقتين على وضع خطة التنمية الأولى والتي كانت إيرادات النفط وإنتاجه وأسعاره خلالها ضعيفة وفي نقصان مقارنة بالسنوات السابقة على ذلك ، أملت على واضعي أهداف واستراتيجيات الخطة عدة وسائل يجب إدراكها لتحقيق هذه الأهداف ، والتي تنحصر في المحافظة على القيم الدينية والخلقية ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الرفاهية للمجتمع ، والمحافظة على الأمن المادي وعلى الإستقرار الاقتصادي والاجتماعي([55])، ومن أهم هذه الوسائل : –

1)- زيادة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي يسيطر عليه ويتحكم فيه قطاع النفط بنسب كبيرة .

2)- تنمية الموارد البشرية بحيث تستطيع عناصر المجتمع المتعددة أن تشارك مشاركة كاملة في عملية التنمية ، مما يؤدي إلى تقليل الاعتماد على قطاع النفط في إحداث تنمية بالبلاد .

3)- تنويع مصادر الدخل الوطني والإقلال من الاعتماد على النفط ، عن طريق زيادة نصيب القطاعات الإنتاجية الأخرى في الناتج المحلي الإجمالي ([56]).

وبصفة عامة تكاد تكون الأهداف التي نادت بها الخطة الأولى ثوابت ومنطلقات لا يطرأ عليها تغيير كبير على المدى الطويل لأنها تحمل فلسفة التنمية في المملكة ، لكن سبل وآليات تحقيق هذه الأهداف هي التي يطرأ عليها تعديل وتغيير في ضوء إمكانيات الدولة وقدرتها المالية ، لذلك يلاحظ هنا مدى تناسب هذه الوسائل في بداية سنوات الخطة الأولى مع الانخفاض الذي حدث في الفترة 68-1970 على النحو الذي تم توضيحه سابقاً ، فالوسائل الثلاثة السابقة جاءت لتأخذ في اعتبارها عدة أمور يمكن إجمالها فيما يلي :-

1)- العمل على زيادة إيرادات الدولة ، وهذا ما قصدته النقطة الأولى، حيث نجحت المملكة في تحقيقها – انظر الجدول رقم (11) الخاص بإيرادات ومصروفات المملكة خلال الخطة الأولى.

2)- محاولة إحداث نمو في القطاعات الإنتاجية الأخرى ، في محاولة للتخلص من سيطرة إيرادات النفط على الإيرادات الإجمالية للدولة ، وهذا ما قصدته النقطة الثانية و الثالثة ، وسيتم الحديث عن هذه النقطة باستفاضة في موضع آخر من هذا الجزء من الدراسة .

3)- العمل على ربط أهداف واستراتيجيات الخطة بوسائل تحقيقها ، بحيث تكون الخطة متسمة بالحذر و المرونة أيضاً لتسمح بمزيد من التوسع حال زوال العوائق المالية ، وهو ما تحقق بالفعل في عام 1973 ([57]) ومـن مراجعة الجدول رقم (11) الخـاص بإيـرادات ومصـروفات المملكة خلال 70-1974 يتضح أن مصروفات الدولة كانت تزيد مع الزيادة التي كانت تطرأ على إيراداتها.

وقد حققت سنوات خطة التنمية الأولى إنجازات كبيرة في عملية بناء المؤسسة التنفيذية في المملكة . فكما ذكر سابقاً ، كانت أبرز ملامح فترة الخطة الأولى 70-1975 هو ذلك التغير الكامل الذي طرأ على معدل الحصول على إيرادات النفط بالمملكة ، ودرجة السيطرة على هذه الموارد ([58].وهذه الزيادة الكبيرة في الإيرادات النفطية أدت إلى وجود اعتمادات مالية كبيرة ساهمت في بناء المؤسسة التنفيذية وتمويل عملية التنمية بالبلاد،وأدت كذلك إلى الإسراع في تنفيذ الخطة واتساعها ببرامج ومشروعات جديدة كانت ملائمة مع الأهداف الأساسية للخطة،غير أن القيود المالية التي كانت سائدة عند إعداد ميزانية السنة المالية الأولى من الخطة أدت إلى تقييد عدد المشروعات الجديدة،ونتيجة لذلك حقق نمو القطاعات غير النفطية عام 70-1971 تحسناً متواضعاً بالمقارنة مع معدل النمو المنخفض خلال السنة السابقة،لكنه كان أقل بكثير من الهدف المحدد ، وقد تم تعويض هذا النمو المتواضع للقطاعات غير النفطية عن طريق إنتاج النفط الذي فاق التوقعات بالزيادة في الأسعار المعلنة التي كانت الحلقة الأولى في سلسلة من الزيادات. وفي السنة الثانية من الخطة بدأت سياسة الإسراع في تنفيذ الخطة تحقق أثراً متواضعاً على القطاعات غير البترولية،وتم تجاوز أهداف النمو المحدد لهذه القطاعات في السنة الثالثة واستمر الإسراع في النمو في السنتين الرابعة والأخيرة من الخطة،حيث بدأ هذا النمو في السنة الأخيرة يزيد من حدة الضغوط التضخمية المحلية فضلا عن التضخم المستورد في شكل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والصناعية ([59]).

 هـ – أسباب تتعلق بأثر الرفاهية :

نتج عن زيادة الدخل ومستوى المعيشة في المملكة ، زيادة في الطلب على العمالة الأجنبية كنوع من أنواع الرفاهية ، بهدف زيادة الاستفادة والاستمتاع من أوقات الفراغ ، وبالتالي تم إحلال العمالة الأجنبية لتقوم بالأعمال التي كان الأفراد يقومون بها في هذه الأوقات ، مثل قيادة السيارات والقيام بالمهام المنزلية ، والتي أصبح الأفراد ينظرون إليها باعتبارها مظاهر تفاخر ، يجب على كل فرد أن يكون لديه عدد من هذه العمالة ، حتى ولو لم يكن في احتياج إليها ( ). 

وبالرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي في أواخر الخطة الثالثة 80- 1985، إلا أن أعداد غير السعوديين العاملين في هذه الوظائف استمرت في التزايد ، نظراً لما يمكن تسميته بأثر الرفاهية ( ). وكان من تداعيات هذا الوضع ، أن كثرت العمالة الأجنبية التي تعمل في مجال الخدمات ، دون أي مبرر اقتصادي ، أو ضرورة لوجودها .

3- مظاهر مشكلة القوى العاملة في المملكة

أ – نقص العمالة الماهرة السعودية وانخفاض نسبة السعودة . حيث أن  هناك نتيجة حتمية لكل توسع في إنشاء آلاف الأماكن والمراكز الوظيفية وهي احتياج تلك المراكز للموظفين المؤهلين وذوي الخبرة والذين لم يكونوا متوفرين في سوق العمل السعودي، ففي السنة المالية 70-1971 كان عدد توزيع الوظائف 79.870 وظيفة ، و66% فقط من هذا العدد كان يشغله موظفون سعوديون ، وكان عدد الأماكن الوظيفية الخالية 27.026 مكان ، أو 34% خارج الوظائف الموزعة( ). بالإضافة إلى أن معدل الوظائف الخالية ازداد حيث وجد  28.800  موظف عام غير سعودي ، كما وجد  30.000 موظف غير سعودي مؤقت معين كمدرس( ) ، و49.649 موظف يعملون في مشروعات عامة ووكالات مستقلة ( )، وخلال نفس الفترة أيضاً تزايد العدد الكلي للموظفين السعوديين ، إلا أن نسبة مشاركتهم في العمل تناقصت مقارنة بالعمل غير السعودي في نفس الفترة . وحدث ذلك نتيجة لعاملين ( ) :-

    1)- التزايد الكبير في عدد المراكز التي خلقت بواسطة القطاع العام .

    2)- الزيادة الكبيرة في عدد الموظفين غير السعوديين في نفس الوقت الذي تم فيه اجتذاب آلاف السعوديين تجاه النظام التعليمي والتدريبي ، وكذلك تجاه الدفاع والأمن القومي .

    لذلك وبغض النظر عن الدقة والوثوق في البيانات المشار إليها كنقص حقيقي في العمالة الماهرة  فإنه في الحقيقة كل دراسة أجراها الأفراد أو الفرق أو الوكالات سواء كانت محلية أو دولية أكدت أن المملكة تعاني من نقص حاد في الموظفين السعوديين المؤهلين والكافين لشغل الوظائف المتاحة وهناك العديد من العوامل التي تشترك في هذه المشكلة بعضها اجتماعي والبعض الآخر تعليمي.

    1)- العوامل الاجتماعية ( ) :

    إذ أن الناس في بعض مناطق السعودية خصوصاً المجتمعات القبلية يمتنعون عن الانخراط في الأعمال المهنية اليدوية والأعمال التي تتطلب جهداً عقلياً وبدنياً كالوظائف الكهربائية والميكانيكية والسباكة والنجارة ..الخ . ويعتبرونها عبئاً وحملاً يعيرون به حتى ولو كان دخلها أكثر من العمل الكتابي أو الحكومي . فهم يلجأون إلى العمل في الدوائر الحكومية أو الأعمال الكتابية وغيرها حتى ولو كان الربح أقل ، كما أن كثيراً ممن يلتحقون بدورات ومعاهد تدريبية يلتحقون بوظائف حكومية ولا يمارسون مهنتهم بأيديهم . إلا أن هذه النظرة تغيرت نسبياً بسبب تزايد الهجرة من الريف إلى المدن ونقص الأعداد العاملة في الزراعة وتزايد مستويات المرتبات في بعض المهن المعتمدة بصورة كبيرة على الأنظمة التكنولوجية والميكانيكية وبالذات حقول المقاولات .

    2)- عوامل تعليمية : 

    يتم التركيز في السعودية كما هو الحال في معظم الدول النامية على التعليم الأكاديمي أكثر منه على التعليم الفني . ويرجع السبب الرئيسي لقلة المتوجهين للتعليم الفني إلى أن الأغلبية يلتحق بالتعليم العام من أجل استكمال الدراسة العليا، فالعائلة تدعم الطالب وتريد منه البقاء في الدراسة كلما استطاع الاستمرار فيها ( ) ، ومن يندرج في الدراسة المهنية غالباً ما يكونوا الطلبة الفقراء الذين يسعون إلى إيجاد الوظيفة بأقصر الطرق( ) ، وحيث أن للتعليم الفني أهمية خاصة من ناحية تعزيز عملية التصنيع السعودية ، فقد قامت المملكة بتبني سياسات جديدة من أجل تحسين نظام التعليم المهني ولجذب عدد أكثر من الطلبة الشباب ( ).

 

ب – تدني مستوى التعليم والتدريب المهني :

    يعد تدني مستوى التعليم (بمختلف مستوياته) والتدريب المهني من أهم المشكلات التي تعاني منها العمالة السعودية بالمقارنة مع العمالة الوافدة ، الأمر الذي يعد عائقاً في كثير من الأوقات أمام توظيف العمالة السعودية في بعض الوظائف الشاغرة ( ) . وبالنظر إلى الجدول رقم (29) يلاحظ أن حوالي 32% من طالبي العمل خلال عام 1985 كانوا من الأميين، و22.6% يقرأ ويكتب ، و45.4 % يحملون شهادات ابتدائية ومتوسطة وثانوية وجامعية وعليا ، ويعني هذا مدى تدني المستوى التعليمي لنسبة كبيرة من طالبي العمل عن طريق مكاتب العمل في المملكة. 

جـ – تزايد العمالة الوافدة وأثارها : 

    زاد عدد الأجانب الذين يعيشون في المملكة خلال خطة التنمية الأولى من مختلف الجنسيات في معظم المهن الخدمية إلى أعلى مستويات التكنوقراط ، حيث يعتبر السعوديون هؤلاء الأجانب شر لابد منه لتنفيذ خطط التنمية ، والحكومة تحاول التقليل من آثار هؤلاء الأجانب باختلاف ثقافاتهم وتقاليدهم من خلال التعليمات التي تتولى تنفيذها المؤسسة الدينية ( ).

    وبدأ الاعتماد على العمالة الوافدة في المملكة بنسبة كبيرة فاقت نسب الاعتماد على العمالة الوطنية ، وذلك منذ بداية مرحلة الطفرة النفطية في الدولة ، حيث حاولت الحكومة استغلال إيرادات النفط في تعزيز واستكمال عملية بناء المؤسسة التنفيذية ، وللضرورة المحورية لعنصر العمل في تحقيق هذه العملية وإنجاح نتائجها ، ظهرت الحاجة الملحة لعنصر العمل الذي تفتقده البيئة السعودية ، ونتج عن ذلك أن زاد الطلب على العمالة من مختلف التخصصات بمعدلات فاقت معدلات نمو عرض القوى العاملة الوطنية ، ومن ثم زادت فجوة الطلب على العمالة بمعدلات كبيرة ، بحيث أصبح من الصعب معالجة هذا العجز بدون استيراد عمالة من خارج المملكة بأجور منخفضة نسبياً عن أجور العامل السعودي ( ). وذلك من أجل مواكبة عمليات البناء الممتدة على مستوى التخصصات والمهام وعلى مستوى الانتشار الإقليمي . ولكون عنصر العمل أحد المحددات لعملية بناء المؤسسات السعودية ، فقد شكل معضلة ليس باليسير حلها ، على الرغم من اللجوء إلى استيراد العمالة من الخارج كأحد البدائل المتاحة والتي ساعد عليها الثراء المادي .

    إلا أنه ومع مرور الوقت لم يقتصر أثر التنمية الاقتصادية والاجتماعية على مجرد زيادة الطلب على العمالة ، وإنما أدى إلى زيادة العرض من العمالة السعودية في مختلف التخصصات بفعل التوسع في التعليم والتدريب والتأهيل . وأصبح هناك منافسة بين العمالة الوطنية والعمالة الوافدة ، وكان هناك تفضيلاً من جانب صاحب العمل لاستخدام العمالة الوافدة على العمالة الوطنية ، مما أدى إلى انخفاض نسبة العمالة الوطنية وارتفاع نسبة غير العاملين بين السعوديين( ). ومن أهم مبررات استخدام العمالة الوافدة دون العمالة الوطنية ، زيادة الفائض المحقق من وراء استخدام العمالة الوافدة عن ذلك المحقق من استخدام العمالة الوطنية من وجهة نظر صاحب العمل ( )، بالإضافة إلى المرونة الكبيرة التي تتصف بها العمالة الوافدة عن العمالة الوطنية ، مثل مرونة هذه العمالة في التنقل الجغرافي في أي مكان تقتضيه ظروف العمل ، وسهولة الاستغناء عنها في حالة اقتضاء حاجة العمل ، هذا إلى جانب سهولة الحصول عليها لتوافرها بدرجة كبيرة ، ولسهولة الإجراءات الرسمية للحصول عليها ( ).

  إلا أن خطورة العمالة الوافدة من الناحية الاقتصادية في الأجل الطويل تكمن فيما يلي( ):-

1)- كثرة اللجوء إلى العمالة الأجنبية يؤدي إلى عدم الإستقرار الاقتصادي على المدى البعيد ، لأنه من المحتمل أن تتحول خارج نطاق الاقتصاد السعودي إما فجأة لأسباب سياسية ، أو بالتدرج لأسباب اقتصادية تتمثل في ظهور مناطق جذب أقـوى من سوق العمالة في المملكة . وإن كان يخفف من أخطار هذه النقطة ، تنويع مصادر العمالة الوافدة ، ووجود فائض عمالة كبير في الدول القريبة من المملكة ، مثل مصر وباكستان والهند . 

2)- ينتج عن زيادة نسبة العمالة الأجنبية من إجمالي العمالة الكلية في المملكة ، زيادة النسبة التي تستحوذ عليها من الادخار الكلي المحقق ، وبالتالي زيادة نسبة الأموال المحولة إلى الخارج . وهذا يقلل من نسبة المدخرات الفاعلة التي يمكن أن تستثمر في داخل البلاد والتي تعمل على تنمية المجتمع. ويقلل من أخطار هذه النقطة نسبياً ، أن إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة ليس معناه بالضرورة زيادة نسبة الادخار الوطني من الادخار الكلي ، لأن ميل المواطنين للاستهلاك أعلى من ميل الأجانب ، وبالتالي فإن ميلهم للادخار أقل من ميل الأجانب . هذا بالإضافة إلى أن تحويل المدخرات للخارج لا يقتصر على العمالة الوافدة ، لكن هناك مواطنون كثيرون يستثمرون مدخراتهم في الخارج . وأن المتحكم الفعلي والرئيسي في ذلك يتوقف على مدى ملائمة المناخ المحلي للاستثمار .

3)- أن التوسع والاستمرار في استخدام العمالة الوافدة من شأنه أن يؤدي إلى حرمان العمالة السعودية من التقدم النوعي (المهارات والخبرات الفنية والإدارية) ، وهذا يقلل من مقدرة المجتمع على الاعتماد على نفسه في الأجل الطويل .

    كما تكمن خطورة العمالة الوافدة من الناحية الاجتماعية في الأجل القصير فيما يلي :- 

1)- تقويض الثقافة التقليدية السعودية ، فمن شأن الاتصال الثقافي والبشري المكثف الذي يحدث في المملكة أن يخلق توترات وضغوط كثيرة على النسق الحضاري المحلي وعلى المواطنين الأصليين ( ) ، حيث لم تعرف السعودية خبرة الاستعمار الأجنبي( )، ونتج عن ذلك أن ظلت معظم قطاعات المجتمع حتى منتصف القرن الحالي محتفظة بنسقها الاجتماعي المستند إلى التعاليم الإسلامية والقيم التقليدية ، ومن هنا ينبغي إدراك الضغوط التي تعرض لها ذلك الهيكل الاجتماعي الإسلامي والقبلي في تركيبه عندما فرض عليه فجأة أن يحتك بالعالم الخارجي – المختلف ثقافياً وفي بعض الأحيان مختلف دينياً -بما سينطوي عليه ذلك في الحاضر وفي المستقبل من ضغوط راهنة ومحتملة ( ) ، تؤدي إلى خلق تيار من الصراع بين الثقافة والقيم المحلية وتلك الواردة مع المغتربين ، مما يؤثر في النهاية على رسوخ وقدسية الثقافة والقيم المحلية والتي بدورها تؤثر على النسق المجتمعي السعودي ككل . 

2)- إن تزايد أعداد العمالة الوافدة في دول الخليج ومنها السعودية ، أدى إلى ظهور مجتمعات فسيفساء تزداد درجة تعقيدها بتزايد نسبة الوافدين وزيادة الأجانب من السكان ، فينقسم المجتمع إلى مواطنين ووافدين ، ثم ينقسم مجتمع الوافدين وفقاً للانتماء العرقي ، الأمر الذي يخلق نوعاً من الإنفصام بين المجتمعات وهو إنفصام يعود إلى عزوف المواطنين عن إدماج الوافدين في المجتمع ( ) . كما أن العلاقات الاجتماعية بين الطرفين ضعيفة إلا ما كان منها في حيز العمل نفسه ( ). ويساعد على ظهور هذه الأنماط من العلاقات بين المواطنين والوافدين ، البناء الاجتماعي الذي ينخرط في إطاره هؤلاء القادمون الجدد ، فهذا البناء يتسم بأنه بناء بدوي يركز على الولاء للقبيلة ولذوي القربى ، ويعتمد هذا البناء على قاعدة سكانية محدودة العدد بحيث يمكن أن يشعر بعدم الأمن من وجود عناصر غريبة ( ). هذا إلى جانب السياسات التي اتبعت والتي عملت على وجود مهناً معينة لا يمكن أن يشغلها العمالة الوافدة كالوظائف العليا وبعض المهن المتصلة بالأمن ، وحتى لو عين المهاجر في مهنة مشابهة لمهنة المواطن فإنها غالباً ما تكون أدنى درجة بحيث يختلف جدول مرتبات وعلاوات المواطن عن الوافد ، هذا فضلا عن وجود قدر من التمايز في الخدمات الصحية والتعليمية التي تقدم للمواطنين والوافدين، وفي ضوء هذا الفرق الشاسع في المعاملة بين الطرفين يشعر المواطن أنه أعلى مكانة وأعز منزلة وأرفع درجة من الوافد( ). 

    بالإضافة إلى أن العمالة الوافدة لها خصائص موضوعية تؤدي إلى الإنفصال ، فهم عمال مؤقتين يستهدفون تحقيق أكبر قدر من الادخار والعودة إلى موطنهم الأصلي ، كما أن معظمهم من صغار السن غير المتزوجين الأمر الذي يفرض عليهم قيوداً في الحركة والاندماج في مجتمع تقليدي كالمجتمع السعودي ( ).

    والحقيقة أن آثار العمالة الوافدة على النسيج الاجتماعي السعودي ، لم تنشأ أبداً قبل خطة التنمية الأولى حيث كانت القوى العاملة الوافدة تعيش في المملكة بدون تأثير ملحوظ نظراً لقلتها( ). أما الوضع في عقد السبعينات وخصوصاً في منتصفها أُعتُمِدَ على وجود عمالة وافدة ضخمة وصل رقمها إلى أكثر من المليون عامل ، نتج عن وجودها ما سبق ذكره من تأثيرات سلبية على النسيج الاجتماعي والثقافي في المملكة ( ).

    لكن هذا لا يعني أن العمالة الوافدة لم يكن لها نتائج إيجابية على النواحي التنموية في المملكة ، فبغض النظر عن كونها وافدة أم محلية فقد كان لها تأثير كمحدد لعملية البناء ويظهر ذلك جلياً بمقارنة عدد ونوعية المؤسسات السعودية وإنجازاتها في بداية الخمسينات حينما كانت القوى العاملة المحلية والمستوردة غير متوافرة ، مع عدد ونوعية المؤسسات في السبعينات والتي شهدت تضاعف أعداد القوى العاملة الوافدة في نفس الوقت الذي تزايدت فيه القوى العاملة المحلية نتيجة لتحسن مستوى التعليم والتدريب .  ففي عام 1955 لم يكن لدى المملكة سوى ثلاث مدارس ثانوية في كل أنحاء البلاد مقيد بها حوالي ثلاثة آلاف تلميذ ، ولم يكن ثمة مدارس بنات على الإطلاق فضلاً عن عدم وجود جامعات، أما في عام 1960 تم افتتاح أول مدرسة بنات في المملكة ، وتزايد هذا العدد ليصل إلى 300 مدرسة بنات ، كما تم قبول البنات في كليات مقصورة عليهن فقط ( )، وعند نهاية فترة الخطة الثالثة 1985 كان هناك أكثر من 2 مليون طالب وطالبة ( ) ، كما زاد عدد المدارس التي أقيمت على أيدي العمالة الوافدة كما أشرنا سابقاً، ومثلت العمالة الوافدة -حتى نهاية فترة الدراسة 1985- أكثر من 70% من كادر مدرسي هذه المدارس( ). كما أنه ليس هناك إلا نسبة لا تتعدى 8% من مجموع الأطباء الذين يخدمون في المملكة من المواطنين السعوديين ، أما النسبة الـ92% الباقية فمعظمهم من الوافدين( ).

    كذلك عملت تلك العمالة الوافدة على تنشيط قطاع التجارة والأعمال وتوسيع نطاق السوق المحلي في المملكة بصورة كبيرة عن طريق القوة الشرائية الهائلة التي تمتعت بها العمالة الوافدة مما ساعد على الإسراع في عملية دوران الأموال ( ). 

    وفي الفترة الأخيرة من الدراسة 1985 تمت كهربة أكثر من ألفي قرية ، وتعبيد طرق أكثر من 30000 كيلو متر مربع، وتشغيل حوالي 903.000 خط هاتفي ، وتشييد نحو 550.000 وحدة سكنية ، وكذلك فقد تضاعفت الخدمات والمراكز الصحية حيث وصل عدد الأطباء إلى أكثر من 14267 طبيباً ( ) ، كما تم خلال الخطة تشييد مجمعين صناعيين في كل من الجبيل وينبع وهما يعدان من أكبر مجمعات الصناعات البتروكيماوية في العالم ( ) .

    وبالطبع لم يكن من الممكن تحقيق هذا القدر من البناء والنمو إلا بتوافر ثلاثة عوامل أساسية ، أولها العائدات النفطية ، ثانيها العمالة الوافدة ، ثالثها التخطيط التنموي الذي مارسته أجهزة الدولة تجاه عملية التنمية في المملكة ( ). ويبرز هنا أهمية الدور الذي لعبته العمالة الوافدة في بناء هيكل البنية الأساسية في البلاد من نقطة الصفر تقريباً ، واستمر دورها في صيانة وتشغيل هذه البنية الأساسية الاقتصادية والاجتماعية ، فضلاً عن المؤسسات التي أقيمت على أساسها( ).

ثالثاً : التخطيط لتطوير القوى العاملة في المملكة :

    تعد عملية التخطيط لتطوير القوى العاملة السعودية حديثة نسبياً ، حيث بدأت رسمياً بإنشاء المجلس الأعلى للتخطيط عام 1960 ، وبعدها بسنوات أصدر مجلس الوزراء قراره رقم 430 أحل به إدارة التخطيط المركزية محل المجلس الأعلى للتخطيط التي بدورها أصبحت وزارة للتخطيط عام 1975 ( ) .هذا إلى جانب وجود ثلاث جهات حكومية تولت مهمة الإشراف على القوى العاملة وسوق العمل في المملكة تساهم بطريق مباشر في تنفيذ وإعداد السياسات والإجراءات الخاصة بتطوير القوى البشرية  وهي ( ):-

1- وزارة العمل والشئون الاجتماعية التي تتولى تطبيق نظام العمل والعمال ، الخاص بظروف العمل وحقوق وواجبات العمال وأصحاب العمل ، وتنظيم العمالة السعودية وغير السعودية في القطاع الخاص ، ونشر المعلومات المتعلقة بسوق العمل بهدف تحقيق الموائمة بين الباحثين عن عمل من السعوديين والوظائف الشاغرة . 

2- الديوان العام للخدمة المدنية الذي يتولى مسئولية تعيين العمالة المدنية في القطاع الحكومي . 

3-مجلس القوى العاملة فهو يتولى وضع سياسات سوق العمل وتنسيق أنشطة كافة الجهات الحكومية المسئولة عن القوى العاملة. 

    وتختلف أهداف التخطيط لتطوير القوى العاملة في المملكة عن أهداف عملية التخطيط هذه في الدول النامية الأخرى، ويرجع ذلك إلى قلة الأيدي العاملة في المملكة في ظل قدرات مالية كبيرة وخطط تنموية تتصف بقوة الدفع الهائلة ومجالات العمل الكبيرة ، أما في الدول النامية فإنها تتسم بكثرة الأيدي العاملة في ظل قدرات مالية فقيرة وخطط تنموية متعسرة وضعيفة في طموحاتها( ). ولعل من شأن ذلك أن اتسمت عملية التخطيط لتطوير القوى العاملة السعودية بالتضاد في معطيات هذه العملية ، فمن ناحية لم يكن هناك قصور في الإيرادات اللازمة لبناء المؤسسات والصرف على برامج التعليم والتدريب، إلا أنه لم يقابل ذلك أعداداً من القوى العاملة الوطنية أو المستعدة لدخول سوق العمل في السوق السعودية، وذلك لقلة عدد السكان من جانب ولاعتبارات نفسية واجتماعية أخرى تحتم عدم الانخراط في سوق العمل الفني والمهني من جانب آخر .

    كما أن عملية التخطيط لتطوير القوى البشرية في المملكة أخذت أبعاداً متعددة،ويرجع ذلك لأن أبعاد المشكلة نفسها اختلفت باختلاف مراحل التنمية في المملكة،ففي خطة التنمية الأولى كانت المشكلة تنحصر في ضرورة تنمية الموارد البشرية المحلية وزيادتها بالقدر الذي يتناسب مع طموحات الخطة،وفيما بعد اهتمت الخطة الثانية بضرورة الإسراع والتوسع في جلب المزيد من العمالة الوافدة لتتناسب مع الطموحات الهائلة التي نصت عليها الخطة. أما في الخطة الثالثة فقد كان الاهتمام منصباً على ضرورة التطوير النوعي للعمالة المحلية حتى يتسنى تجنب التكاليف الباهظة لجلب العمالة الوافدة ، إلى جانب العمل على زيادة الأعداد الكلية للعمالة المحلية وزيادة إنتاجيتها( )،أي أن المشكلة أصبحت تتمحور حول كيفية التوازن بين العدد والنوع في القوى العاملة.ولكن هذا ليس معناه الانفصال وعدم التنسيق بين السياسات والإجراءات التي اتخذتها عملية التخطيط لحل المشكلة عبر خطط التنمية المختلفة ، فقد اتصفت هذه السياسات والإجراءات بالاستمرارية وبالتنسيق والترابط على المدى الطويل،الذي تلائم مع طبيعة المشكلة التي لا تحل في الأجل القصير.

    وبصفة عامة وجدت اعتبارات أساسية في تنمية القوى البشرية في المملكة حتى نهاية فترة الدراسة 1985 لم تفرض نفسها في وقت واحد بل اختلفت في ترتيبها الزمني كالآتي ( ):-

1- ندرة الأيدي العاملة السعودية وانخفاض إنتاجيتها ، وخصوصاً القادم من الريف نظراً لانخفاض المستوى التدريبي والتعليمي .

2- ضرورة الاعتماد على الأيدي العاملة الأجنبية في سد العجز في سوق العمل ، مع ضرورة العمل على الاعتماد على قوى عاملة محلية في سد حاجات البلاد المستقبلية .

3- الأخذ في الاعتبار أن عملية بناء المؤسسة التنفيذية وتحقيقها لأهدافها يتطلب توافر قوى بشرية مؤهلة .

    وهناك أبعاداً ثلاثة رئيسية لتطوير القوى البشرية في المملكة هي( ) :-

1- التنبؤ بمتطلبات تنظيم الموارد البشرية .      

2- أخذ بيان مفصل للموارد البشرية في كل خطة تنمية .

3- تحديث برامج تطوير القوى البشرية عن طريق التجنيد والتدريب وإتباع برامج تدريبية أخرى كلما استدعى الأمر ذلك.

    وتحتاج الأبعاد الثلاثة السابقة إلى نظام معلوماتي إداري له دور يلعبه في كل واحد من هذه الأبعاد حتى يتمكن المخطط أن يتنبأ بمتطلبات القوى العاملة من أجل تحديد القوى العاملة الإضافية المطلوبة للتجنيد والتدريب ، وكذلك المهارات الإضافية المطلوب تطويرها في القطاعات الإنتاجية المختلفة في المملكة خلال خطط التنمية المستهدفة ، ومتى رشح الموظفون لبرامج التدريب فإن أنظمة المعلومات تقوم بدور المغربل لأهلية وصلاحية الموظفين مع الاعتبار بمتطلبات البرامج التنموية ( ).

   وطبقاً للأبعاد الثلاثة الرئيسية السابقة سيتم تناول التخطيط لتطوير القوى العاملة السعودية خلال خطط التنمية المختلفة على النحو التالي :-

 1- خطة التنمية الأولى 70- 1975:

أ- العرض والطلب على القوى البشرية إبان الخطة :

     1) تقييم كمي للعرض والطلب على القوى البشرية إبان الخطة :

    بالنظر إلى الجدول رقم (30) الخاص بإجمالي العرض الفعلي والطلب المتوقع على القوى البشرية عند بداية ونهاية فترة خطة التنمية الأولى 70- 1975 ،  يتضح أن هناك نقصاً كبيراً في المعروض من القوى البشرية خلال فترة الخطة ، حيث تم تقدير هذا النقص بحوالي 380.700 عامل ( ) .

 

جدول رقم (30) إجمالي العرض والطلب 

على الأيدي العاملة  في 1970- 1975(بالآلاف)

السنة (ميلادية) عدد الأيدي العاملة

العمالة المتاحة في 1970 1165.4

العمالة المطلوبة في 1975 1546.1

المصدر : خطة التنمية الأولى 1970-1975 ، الهيئة المركزية للتخطيط ، المملكة العـربية السعودية ، ص 100

    كما يتبين أن الطلب على الأيدي العاملة خلال فترة الخطة سيتجاوز العرض الناشئ عن الزيادة الطبيعية للقوى العاملة بحوالي 154.600 عامل ( ) .

    2) تقييم نوعي للعرض والطلب على القوى العاملة إبان الخطة :

    إن النقص الكمي السابق في القوى العاملة في المملكة عند بداية الخطة ونهايتها ، لن يكون مقسماً بصورة متوازنة حسب المجموعات الوظيفية المختلفة ، فإذا نظرنا إلى الجدول رقم (31) الخاص بحالة العرض والطلب على القوى البشرية من حيث القدرات العلمية والمجموعات الوظيفية يلاحظ الآتي ( ) :-

     أ ) الطلب المتوقع على فئة المديرين والمسئولين الإداريين يزيد على العرض الفعلي بمقدار 2300 عامل .

    ب) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة الفنيين وشبه الأخصائيين لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز حوالي 4510 عامل .

    ج) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة العمال المهرة وأنصاف المهرة لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز حوالي 45700 عامل .

     د) أن الوضع في فئة الحائزين على شهادات ثانوية أو متوسطة أو ابتدائية وموظفوا الأعمال المكتبية والمبيعات في القطاع العام ، يمكن وصفه بأنه يتراوح بين غير واف نوعاً ما ، إلى فائض عن الحاجة تبعاً للتدرج من المرحلة الثانوية مروراً بالمتوسطة إلى المرحلة الابتدائية .

    هـ) وبالنسبة للعاملين في الوظائف الكتابية والمبيعات بالقطاع الخاص ، فإنهم يعانون من نقص في مستوى التدريب بمدارس البنين والبنات المتوسطة والابتدائية ، والتدريب العملي في المؤسسات ، وتاركي الدراسة علي المستوى الابتدائي . 

 

جدول رقم (31) حالة العرض والطلب على القوى البشرية 

من حيث المجموعات الوظيفية ومستوى المهارات خلال فترة الخطة

المجموعة الطلب العرض

المديرون والمسئولون الإداريون 4000 1700

الفنيون وشبه الأخصائيين 8510 4000

عمال مهرة وأنصاف مهرة 61700 16000

الحائزون على شهادة الثانوية أو المتوسطة أو الابتدائية وموظفو الأعمال المكتبية والمبيعات (قطاع عام) 23900 32000           

العاملون في الوظائف الكتابية والمبيعات (قطاع خاص) 67500 هناك نقصاً في مستوى التدريب بمدارس البنين والبنات المتوسطة والابتدائية ، والتدريب العملي في المؤسسات ، وتاركي الدراسة علي المستوى الابتدائي

عمال يدويين وخدمات (بلا مهارات) 141800 النمو الطبيعي للقوى العاملة 

المصدر :خطة التنمية الأولى 1970-1975 ، الهيئة  المركزية للتخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص103

    ومن هنا يتضح وجود عجزاً في القوى العاملة السعودية (كماً ونوعاً) خلال خطة التنمية الأولى طبقاً للتقديرات التي وضعت على أساسها الخطة .

ب – فلسفة  الخطة تجاه التخطيط لتطوير القوى العاملة السعودية :

    كانت خطة التنمية الأولى تفتقد للطموح الكبير الذي تميزت به خطتا التنمية الثانية والثالثة ، نظراً لأنها قد أعدت في ظروف اتسمت بانخفاض ايرادات الدولة نتيجة لانخفاض الطلب العالمي على النفط نتيجة لأزمة الشرق الأوسط خلال عامي 67- 1968 ، لذلك ركزت الخطة على ضرورة التخطيط لتطوير القوى العاملة السعودية طبقاً لتقديرات العرض الفعلي والطلب على القوى العاملة المتوقع أثناء الخطة ، آخذةً في اعتبارها تنمية الموارد البشرية بحيث تستطيع عناصر المجتمع المتعددة أن تشارك مشاركة كاملة في عملية التنمية وفي القطاعات الإنتاجية الأخرى ، حتى يتسنى تنويع مصادر الدخل الوطني والإقلال من الاعتماد على النفط ( ). ومن الملاحظ هنا أن مسألة الاعتماد المتزايد على العمالة الأجنبية لم تظهر بشكل ملح وواضح خلال هذه الخطة .

    وقد تبنت الخطة سياسات وإجراءات اشتملت على الآتي ( ):-

    1) السياسات التعليمية التي تبنتها المملكة لتزويد سوق العمالة بأعداد كافية من القوى العاملة المؤهلة ، حيث أدركت الحكومة الدور الهام الذي يمكن أن يلعبه وضع وتنفيذ سياسات تعليم وتدريب مناسبة تستطيع توفير القوى العاملة المؤهلة اللازمة لعملية التنمية الشاملة في المملكة ، وذلك من خلال إتاحة المجال أمام عدد أكبر من السعوديين لشغل مراكز شاغرة تنشأ نتيجة التطور المستمر المنصوص عليه في الخطة ، وتسهيل إيجاد تمثيل أوسع نطاقاً للسعوديين في جميع مجالات الاستخدام، وإتاحة المجال أمام استبدال عدد من الأجانب العاملين.

    وتمحورت السياسات التعليمية في الآتي :- 

     أ) إعادة تنظيم التعليم والتدريب الأكاديمي والفني، وتمثل ذلك في زيادة التحاق الطلاب لجميع المدارس زيادة كبيرة . والعمل على زيادة نسبة الطلبة الناجحين الذين ينتقلون إلى المستوى التالي الأعلى أو إلى نوع آخر من التعليم والتدريب ، فمثلاً تتخذ الاستعدادات لضمان مواصلة 85% من الطلاب في المرحلة الابتدائية إلى مرحلة التعليم المتوسط ، كذلك فإن 85% من الذين يكملون بنجاح الدراسة المتوسطة سينقلون إما إلى المرحلة الثانوية أو إلى تدريب المعلمين الابتدائي أو التعليم الفني والمهني .

    وهذه السياسات تؤدي إلى الارتقاء بنوعية القوى العاملة نتيجة لزيادة نسبة التحاق الطلاب بالمدارس وزيادة أعداد الطلبة الذين يكملون تعليمهم ، بالإضافة إلى ضمان تحسين تدرج التعليم والتدريب في المملكة عن طريق توزيع المعلمين على المستويات الثلاثة وهي الدراسة الأكاديمية وتدريب المعلمين والتعليم المهني والفني ..الخ ، هذا إلى جانب وجود عدد أكبر لديهم أساس تعليمي ملائم يتيح لهم أن يستفيدوا في مجالات التدريب المهني والفني.

    ب) زيادة معدل نمو التعليم الفني والتدريب المهني ، وذلك عن طريق برامج التعليم الفني لوزارة المعارف ، ومراكز التدريب المهني التي تشرف عليها وزارة العمل ، وبرامج التدريب التي تديرها عدة وزارات ومصالح حكومية ، ومعهد الإدارة العامة ، والتدريب في المؤسسات الخاصة.

    2) دعم سياسات زيادة القوى البشرية ذات المستوى المرتفع : فاهتمت الخطة بالسير تجاه دعم وتطوير التعليم العالي ، وتسهيل إنشاء كليات توفر التخصصات التي يحتاج إليها سوق العمل في المملكة ، مثل الهندسة المدنية والمعمارية وهندسة النفط وهندسة الطيران والعلوم الزراعية والحيوانية والعلوم الطبية وعلم المكتبات والعلوم الاجتماعية .

    3) مواجهة نقص المعلمين والمعلمات ، حيث أدركت المملكة أن مشكلة نقص المعلمين والمعلمات من أهم المعوقات التي تقف أمام تقدم التعليم في البلاد، لذلك عملت المملكة على إنشاء العديد من الكليات والمدارس التي تعد جيل من المتعلمين القادرين على حمل عبء العملية التعليمية .

    4) استغلال الموارد البشرية المتاحة أفضل استغلال وبأقصى طاقة إنتاجية ، وذلك عن طريق زيادة المدارس الفنية ومراكز التدريب المهني وبرامج التدريب المنظمة داخل القطاعين العام والخاص ، وقد وقفت العادات والتقاليد حائلاً أمام استغلال الموارد البشرية الاستغلال الأفضل مثل العزوف عن ممارسة المهن اليدوية وعدم استحسان عمل المرأة .

    5) الهجرة الداخلية وتوطين البدو ، ويشمل ذلك رفع مستوى الصناعات اليدوية التقليدية والصناعات الصغيرة ، ومن أجل ذلك تم وضع مشروعات خاصة لتوطين البدو تتمشى مع سياسة الحكومة في اتخاذ الإجراءات المؤدية إلى رفاهية المواطن.

    6) زيادة مساهمة السكان في القوى العاملة وتنظيم توزيع القوى البشرية حسب المناطق والقطاعات والمهن ، فشرعت الحكومة في إنشاء دائرة لخدمات التوظيف في وزارة العمل ، تقوم بتوفير المعلومات عن سوق العمالة في المملكة ، والإسهام في ترغيب اليد العاملة في الوظائف التي تناسبهم داخل مناطق المملكة المختلفة . هذا بالإضافة إلى قيام الحكومة بتوسيع مرافق التدريب وتشجيع استبدال الأجانب في المجالات التي يتوافر فيها سعوديون لديهم التدريب اللازم والخبرة الجيدة .

    7) سياسات التوظيف بالقطاعات الإنتاجية في المملكة ، حيث قسمت الحكومة الوظائف بالقطاعات طبقاً للمجموعات التالية :-

    المجموعة الأولى: وتضم العمل في قطاع الزراعة والبلديات ، وهنا أدركت الحكومة مدى صعوبة توسيع الزراعة التقليدية لذلك تم التركيز في هذا القطاع على الإبقاء على انخفاض معدل نمو القوى العاملة ، وفي نفس الوقت إدخال تحسناً ملموساً على القدرة الإنتاجية لليد العاملة ، وتقليل الفرق بين دخل العمال الزراعيين والعاملين في قطاعات أخرى من القوى العاملة . وفي سبيل ذلك عملت الحكومة على توسيع وتحسين أعمال الإرشاد الزراعي ، ومواصلة تنفيذ برامجها لتطوير المواصلات في المناطق الريفية ، والمساعدة في إمداد المزارع بالقوة البشرية ذات المهارة المطلوبة لتشغيل المعدات الزراعية وذلك عن طريق التدريب المتاح في مراكز التدريب التي أقامتها المملكة في المدن الصغيرة .

    المجموعة الثانية : وتشمل الوظائف في الصناعة والتعدين، وقد عملت الحكومة على إتاحة الفرصة أمام القطاع الخاص لزيادة التوظيف بمعدل يضمن تحقيق الأهداف الاقتصادية التي جرى تحديدها لهذه القطاعات، وذلك عن طريق تشجيع الاستغلال الكامل للإمكانيات الإنتاجية المتاحة وللموارد البشرية المتوافرة حسب معطيات العرض والطلب في سوق العمالة السعودية، وتدريب السعوديين حتى يتمكنوا من الترقي إلى الوظائف العليا وأن يحلوا محل العمالة الأجنبية كلما كان ذلك ممكناً .

    المجموعة الثالثة : وتحتوى على العاملين في مجالات النقل والمواصلات والتخزين والخدمات ، حيث قامت المملكة باتباع نفس أسلوب معالجة المجموعة الثانية في معالجة سياسات التوظيف في هذه المجموعة .

    المجموعة الرابعة:وتقتصر على سياسات التوظيف في القطاع العام،حيث عملت الحكومة على زيادة تقديم الخدمات المتنوعة بفعالية أكبر، إلا أن معدل زيادة التوظيف في هذه المجموعة شهد انخفاضاً نسبياً نظراً لأن الهياكل الوظيفية لكثير من 

هيئات القطاع العام كالصحة والمعارف والداخلية قد تشكلت قبل البدء في تنفيذ  الخطة ، وستكون سياسات التوظيف في إطار ضيق ومنخفض ، وذلك تمشياً مع سياسة الخطة وطموحاتها المتواضعة . 

2 – خطة التنمية الثانية 75 – 1980:

 أ – العرض والطلب على القوى البشرية إبان الخطة :

     1) تقييم كمي للعرض والطلب على القوى البشرية إبان الخطة :

    بالنظر إلى الجدول رقم (32) الخاص بإجمالي العرض الفعلي والطلب المتوقع على الأيدي العاملة عند بداية ونهاية فترة خطة التنمية الثانية 75- 1980 ، يتضح أن هناك نقصاً كبيراً في المعروض من الأيدي العاملة عند بداية الخطة عن إجمالي العمالة المطلوبة المتوقعة لمواجهة أهداف الخطة عند نهاية عام 1980، حيث تم تقدير هذا النقص بحوالي 808.500  عامل، كما يتوقع أن ترتفع العمالة  من 1.522.100 عامل إلى 2.330.600 عامل خلال فترة الخطة. وهذا التقدير معناه أن نسبة النمو في العمالة سترتفع إلى 8.9%خلال فترة الخطة الثانية،بعد أن كانت 6.6% خلال فترة الخطة الأولى( ).

 

جدول رقم (32) إجمالي العرض والطلب على الأيدي العاملة في 1975- 1980

السنة ( ميلادية ) عدد الأيدي العاملة

العمالة المتاحة في 1975 1.522.100

العمالة المطلوبة في 1980 2.330.600

المصدر: خطة التنمية الثانية 1975-1980، وزارة التخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص 109

    2) تقييم نوعي للعرض والطلب على القوى العاملة إبان بداية الخطة :

    إذا تم توزيع المعروض من الأيدي العاملة على المجموعات الوظيفية المختلفة حسب احتياجاتها من الأيدي العاملة ، كما هو مبين في الجدول رقم (33) يتبين الآتي :-

      أ ) الطلب المتوقع على فئة الفنيين والمهنيين يزيد على العرض الفعلي بحوالي 112.000 عامل.

     ب) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة المديرين والإداريين لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة، وبلغ هذا العجز حوالي 7.400 عامل .

     جـ) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة موظفي المبيعات لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز حوالي 80.400 عامل.

      د) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة عمال الخدمات لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز حوالي 127.400 عامل. 

      هـ) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة المزارعين والصيادين يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة، حيث بلغ فائض العمالة حوالي 33.600 عامل.

      و) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة عمال الإنتاج ومشغلي المعدات والأجهزة لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز حوالي 634.300 عامل.

      ز) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة الوظائف الكتابية لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز حوالي 122.500 عامل.

جدول رقم (33) حالة العرض والطلب على الأيدي العاملة من حيث

المجموعـات الوظيفيـة ومستوى المهـارات خلال فترة الخطـة (بالآلاف)

المجموعة الطلب العرض
فنيون ومهنيون 191.1 79.1
مديرون وإداريون 21.1 13.7
وظائف كتابية 221.4 98.9
موظفو مبيعات 209.8 129.4
عمال خدمات 279.7 152.3
مزارعون وصيادون 379.7 413.3
عمال إنتاج ونقل ومشغلوا أجهزة ومعدات 1.027.8 635.4

            المصدر : خطة التنمية الثانية 1975-1980 ، وزارة التخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص 120

    ومن هنا يتضح وجود عجز كبير في القوى العاملة (كماً ونوعاً) خلال خطة التنمية الثانية ، طبقاً للتقديرات والاحتياجات من القوى العاملة التي وضعت على أساسها الخطة ، والتي تلبي احتياجاتها الطموحة . كما تبين أن هذا العجز يعد كبيراً بالمقارنة بالعجز الذي قدر عند بداية خطة التنمية الأولى .

ب – فلسفة الخطة تجاه التخطيط لتطوير القوى العاملة :

    تميزت خطة التنمية الثانية بالطموح الكبير من حيث الشمول والتخصص في مجالات التنمية ، ويرجع ذلك إلى معدلات النمو المرتفعة التي شهدها الاقتصاد السعودي ، الراجع إلى زيادة إنتاج المملكة من النفط ، وكذلك إلى ارتفاع أسعاره العالمية. وهنا يبدو جلياً تأثر المحددات الرئيسية لعملية بناء المؤسسة التنفيذية ببعضها البعض ، حيث تأثر محدد نقص القوى العاملة بمحدد إيرادات النفط . ونتيجة لهذا النمو الاقتصادي فقد اهتمت الخطة بتطوير القوى العاملة (كماً ونوعاً ) طبقاً للعرض الفعلي والطلب المتوقع عليها أثناء فترة الخطة ، وفي إطار ذلك هدفت الخطة إلى الآتي :-

    1) الإسراع في تدريب أعداد كبيرة من الأيدي العاملة السعودية من الفئات الوظيفية ذات المهارات العالية والإنتاجية الكبيرة ([1])، بهدف رفع مستوى إنتاجية العمال الملحقين حديثاً بالقوى العاملة مع إعطاء الأولوية لتأهيل السعوديين للمناصب الإدارية والفنية ([2]).

    2) العمل على استقدام حوالي 20% من مجموع الأيدي العاملة معظمها من الفئات الوظيفية الماهرة والفنية ، تمشياً مع الهدف العام للخطة الرامي إلى ضرورة تنويع القاعدة الاقتصادية للمملكة عن طريق فتح آفاقاً لصناعات جديدة يمكن بفضلها في المستقبل التخفيف من الاعتماد على النفط باعتباره المصدر الأساسي لإيرادات البلاد ([3])، ولا يتحقق هذا الهدف إلا بدعم وتشجيع القطاع الخاص عن طريق استقدام القوى العاملة الأجنبية المدربة إلى المملكة للمساعدة في تنفيذ برامج التنمية خلال سنوات الخطة الثانية ، وكذلك ضرورة تشجيع الهجرة الداخلية من المناطق الريفية التي يتوفر فيها فائض في القوى البشرية إلى المدن التي تتوافر فيها فرص للأعمال الصناعية ([4]).

     3) أن التنمية السريعة والطموحة وخصوصاً في مجالات البنية الأساسية بطبيعتها تتطلب زيادة كبيرة في الطلب على الأيدي العاملة وخصوصاً في قطاع البناء والتشييد ، ويتضمن ذلك الهدف زيادة معدلات مساهمة السعوديين في مجموع القوى العاملة عن طريق زيادة نسبة مساهمة الرجال في القوى العاملة وكذلك زيادة عدد السعوديين من جميع الأعمار ممن يشاركون بفعالية في مجهودات التنمية ([5]). وقد اعتمدت الخطة العديد من السياسات والإجراءات في سبيل تحقيق تلك الأهداف، وهذه السياسات اشتملت على([6]) :-

      أ ) إعداد المواطنين الملحقين حديثاً بسوق العمل للوظائف والمهن التي تتطلب إنتاجية أعلى عن طريق البرامج التعليمية والتدريبية ، وبرامج التدريب المركزة أثناء الخدمة في القطاعين العام والخاص وعن طريق رفع مستوى القوى العاملة السعودية الموجودة .

    ب) زيادة معدلات المساهمة في القوى العاملة عن طريق إيجاد فرص أفضل للتدريب والتعليم لجميع مواطني المملكة وزيادة المكافآت عن طريق التفاوت في الأجور وفقاً للإنتاجية، وتوفير ظروف عمل أفضل لجميع العاملين من ذكور وإناث.

    جـ) النظر إلى قضية العمالة الوافدة من خلال سياستين كبديلين لمعالجة القضية هما ([7]) :-

     (1)- الحل في الأجل القصير :

    ويتمشى هذا الحل مع الهدف العام للخطة الرامي إلى زيادة استقدام العمالة بهدف زيادة التوسع في الصناعات الجديدة وتنويع القاعدة الاقتصادية للبلاد ، لذلك تم تطبيق كافة الإجراءات الضرورية التي تضمن استقدام العمال الأجانب والاحتفاظ بأعداد كافية منهم لتلبية احتياجات التنمية ([8])، حيث تم اعتماد استيراد العمالة المدربة من خارج المملكة كحل مؤقت للمشكلة .

    (2)- الحل في الأجل الطويل :

    العمل على تطوير القوى العاملة السعودية واعتبار ذلك هدفاً رئيسياً للاعتماد عليها في المستقبل ، وأقر في هذا الشأن العديد من البرامج التي تسعى إلى زيادة معدل مشاركة القوى العاملة الوطنية وتعزيز وتجديد مهاراتها من خلال ([9]) :-

    ( أ ) نشر التعليم على كل المستويات وباشتراط برامج تدريب من الناحيتين الكمية والكيفية، وذلك قبل التوظيف في القطاعات العامة والخاصة .

    (ب) متابعة سير دراسة جميع الطلاب الذين يدرسون في جامعات أجنبية ، حتى يتمكنوا من الالتحاق مباشرة بعد تخرجهم بمختلف الوظائف الحكومية التي تتناسب مع قدراتهم .

   (جـ) إنشاء هيئة حكومية مستقلة لتدريب القوى البشرية يعهد إليها التأكد من أن الخطط الموضوعة للتوسع الكمي والنوعي في برامج التدريب الحكومية وغير الحكومية يجرى تنفيذها بفعالية، وتقوم هذه الهيئة بالآتي([10]) :-

    ((1))  تحديد مهام وبرامج الدراسة لكل معهد من معاهد التدريب بحيث تستجيب هذه المعاهد من حيث عدد المتدربين ونوعية التدريب للطلب على القوى العاملة المقدر من قبل الهيئة المركزية للتخطيط([11]) لتنفيذ برامج التنمية .

    ((2))  تحديد سياسات برامج التدريب الجديدة واتخاذ الإجراءات الخاصة بتنفيذ هذه البرامج ووضع الخطوط العريضة والمعايير لتنظيمها على ضوء الإطار العام للاحتياجات القصيرة المدى والبعيدة المدى .

    ((3)) وضع نظام لمساعدة المتدربين في إيجاد العمل المناسب ومتابعتهم وتقويمهم بالنسبة لكل معهد من المعاهد المختلفة .

    ((4)) إعداد ومراقبة ميزانية خطة تدريب القوى البشرية استناداً إلى المراجعة التي تقوم بها معاهد التدريب ومقترحاتها، وعلى ضوء المتطلبات من القوى البشرية المعدة من قبل الهيئة المركزية للتخطيط .

    ((5)) إنشاء إدارة للتخطيط للقوى البشرية ضمن الهيئة المركزية للتخطيط لتنسيق تنمية واستغلال القوى العاملة السعودية والعنصر غير السعودي في القوى العاملة .

3- خطة التنمية الثالثة 80- 1985 :

 أ – العرض والطلب المتوقع على القوى البشرية خلال الخطة :

     1) تقييم كمي للعرض والطلب المتوقع على القوى البشرية خلال الخطة :

    بالنظر إلى الجدول رقم (34) الخاص بإجمالي العرض الفعلي والطلب المتوقع على الأيدي العاملة عند بداية ونهاية خطة التنمية الثالثة 80- 1985 ، يتضح أن هناك نقصاً في المعروض من الأيدي العاملة عند بداية الخطة عن إجمالي العمالة المطلوبة لمواجهة أهداف الخطة التي أعدت عند نهاية عام 1980 ، فقد تم تقدير هذا النقص بحوالي 155000 عامل ، كما يتوقع أن ترتفع العمالة من 2.471.200 عامل إلى 2.626.200 عامل أثناء فترة الخطة . وهذا التقدير معناه أن نسبة النمو في العمالة ستنخفض إلى 6.3% خلال فترة الخطة ([12]) ، بعد أن كانت 8.9% خلال فترة الخطة الثانية ([13]) .

 

جدول رقم (34) إجمالي العرض والطلب المتوقع

عند بداية ونهاية فترة خطة التنمية الثالثة 80- 1985

السنة (ميلادية) عدد الأيدي العاملة
العمالة المعروضة عند 1980 2.471.200
العمالة المطلوبة عند 1985 2.626.200

المصدر : خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، وزارة التخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص 99.

    2) تقييم نوعي للعرض والطلب المتوقع على الأيدي العاملة إبان الخطة ونهايتها :

     تم توزيع المعروض من الأيدي العاملة في المملكة على المجموعات الوظيفية المختلفة حسب احتياجاتها ، وذلك كما هو موضح في الجدول رقم (35) حيث يتبين الآتي :-

     أ ) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة المهنيين والفنيين لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز في المعروض حوالي 30.700 عامل .

    ب) أن المعروض  من الأيدي العاملة في فئة الكتبة لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز في العروض حوالي 35.100 عامل .

    جـ) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة موظفي المبيعات والحرفيين والمشغلين لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز في العروض حوالي 108.000 عامل .

    د ) وجود فائض في المعروض من الأيدي العاملة في فئة المزارعين والصيادين خلال فترة الخطة، بلغ قدره حوالي 64.200 عامل .

    هـ) أن المعروض من الأيدي العاملة في فئة عمال الخدمات لا يكفي الطلب المتوقع على نفس الفئة خلال فترة الخطة ، وبلغ هذا العجز في العروض حوالي 45.700 عامل .

جدول رقم (35) العرض والطلب المتوقع من الأيدي العاملة

على المجموعات الوظيفية في المملكة خلال فترة خطة التنمية الثالثة 80- 1985 (بالآلاف)

المجموعة الوظيفية الطلب المتوقع من الأيدي العاملة العرض من الأيدي العاملة
مهنيون وإداريون وفنيون 270.8 240.1
كتبة 266.8 231.7
موظفو مبيعات وحرفيون ومشغلون 1184.9 1076.9
مزارعون وصائدو اسماك 558.0 622.2
عمال خدمات 345.7 300.0

            المصدر : خطة التنمية الثالثة 1980- 1985 ، وزارة التخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص  101

    ومن هنا يتضح أن هناك عجزاً في الأيدي العاملة المعروضة (كماً ونوعاً) خلال خطة التنمية الثالثة طبقاً لتقديرات واحتياجات خطة التنمية من الأيدي العاملة التي تحقق مطالبها وأهدافها العامة . كما تبين أن هذا العجز ليس كبيراً كالعجز الذي قدر عند بداية خطة التنمية الثانية ، وإن كان أكبر من العجز الذي قدر عند بداية خطة التنمية الأولى .

ب – فلسفة الخطة تجاه التخطيط لتطوير القوى العاملة :

    تأثرت السنوات الأولى للخطة وكذلك الفترة التي سبقت أعدادها بالوضع المالي الجيد الذي انتهت عليه الخطة الثانية ، لذلك انحصرت أهدافها في استكمال أهداف الخطة الثانية ، وإخضاعها لمزيد من الدقة والتخصيص ([14])، وعلى هذا الأساس كانت الاحتياجات المقدرة في الخطة من الأيدي العاملة (كماً ونوعًا) أقل من الاحتياجات التي قدرت عند بداية خطة التنمية الثانية ، وبالتالي اهتمت الخطة بالأهداف الآتية في تطوير القوى البشرية في المملكة ([15]):-

    1) زيادة الأعداد الكلية للقوى البشرية المتاحة .

    2) زيادة إنتاجية القوى البشرية في كافة القطاعات .

    3) توزيع القوى البشرية على القطاعات التي تتوافر فيها إمكانات كبيرة للنمو وتحقيق أعلى مستويات الإنتاجية .

    4) تقليل الاعتماد على القوى البشرية الأجنبية .

    وتتمشى الأهداف (الأول ، الثاني ، الثالث) مع الأهداف العامة للخطة ، وهي زيادة نسبة مشاركة المواطنين في التنمية والرفاهية الاجتماعية وزيادة الفعالية الاقتصادية والإدارية ، بهدف تحسين التنظيم الإداري والإجراءات الحكومية للاستفادة من طاقات القوى البشرية ولتحسين أداء الفرد وشعوره بالمسئولية ([16])، كما تمشى الهدف الرابع مع الهدف العام للخطة الرامي إلى المحافظة على رأس المال الوطني الثابت وتحديد مستوى النفقات المدنية الحكومية ([17]) .

     وقد تبنت المملكة مجموعة من السياسات والإجراءات التي تؤدي مستقبلاً إلى تحقيق فلسفة الخطة تجاه تطوير القوى البشرية والتي تتمشى مع أهدافها العامة ، وتشمل هذه السياسات والإجراءات الآتي([18]) :-

    1) توفير فرص التعليم وإلزامه بالنسبة للمرحلة الابتدائية ، والشروع في إنشاء مدارس كافية وتوفير المدرسين والمدرسات ، ومراجعة المناهج التعليمية لتتناسب مع احتياجات المجتمع من القوى البشرية ، وتحديد النسب المئوية لكل مرحلة بعد المرحلة المتوسطة للتحكم في الأعداد المناسبة من الطلاب الذين يرغبون مواصلة الدراسة .

    2) إتاحة فرص توسيع البرامج التدريبية في المملكة في القطاع الخاص عن طريق تقديم القروض للمؤسسات الصناعية ، بالإضافة إلى الإشراف على مشاريع التدريب لضمان مسايرتها للاحتياجات الفعلية للبلاد من القوى البشرية ، هذا إلى جانب تشجيع اشتراك المواطنين في برامج التدريب عن طريق تحسين نظام الحوافز .

    3) تشجيع القوى البشرية الزائدة التي تعمل في مناطق نائية وفي القطاعات ذات الإمكانيات الاقتصادية المحدودة ، على الانتقال للعمل في المناطق والقطاعات التي تحتوى على مقومات النمو والنشاطات ذات الإنتاجية المرتفعة.والعمل على إلغاء وظائف المستخدمين في القطاع الحكومي وتحويل القوى البشرية العاملة فيها للالتحاق ببرامج تدريبية أو قطاعات إنتاجية.

    4) تخطيط وإدارة القوى البشرية عن طريق التوسع في الأبحاث لتوفير المعلومات الخاصة بالتوزيع الحالي للقوى البشرية وتنميتها مستقبلاً ، وتحديد أولويات واحتياجات القطاع الخاص وذلك عن طريق إجراء مسح شامل عن توزيع القوى البشرية في المملكة .

    إتضح مما سبق أن علاقة القوى العاملة بعملية بناء وتطور المؤسسة التنفيذية في المملكة أخذت أبعاداً متعددة وأشكالا مختلفة من التأثير والتأثر، فقد أثرت هذه العلاقة في أوقات كثيرة على عملية بناء المؤسسة التنفيذية وعلى أدائها لوظائفها وفرضت عليها أهدفاً معينة ، وظهر أثرها في عملية البناء في فترة ما قبل السبعينات حيث عدم توافر مؤسسات بالحجم والكفاءة والانتشار الذي شهدته هذه المؤسسات في حقبة السبعينات ، كما ظهر أثر هذه العلاقة في أداء المؤسسة التنفيذية لوظائفها في جانب عدم الاستفادة السريعة من مخرجات هذه المؤسسة ،كما أن هذه العلاقة بين القوى العاملة وعملية البناء تأثرت أيضاً عن طريق أهداف واستراتيجيات خطط التنمية التي أفرزت سياسات اهتمت بمعالجة مشكلة القوى العاملة وبتنمية الموارد البشرية . واتضح أيضاً أن هذه السياسات  أتت ضمن إطار جهود المملكة لتصحيح العلاقة بين إيرادات النفط وتكاليف عملية التنمية (تقليل الاعتماد بين إيرادات النفط وتكاليف عملية التنمية ) ، حيث أن القوى العاملة إذا تقدمت (عدداً ونوعاً) ساعدت على تنمية وتقدم القطاعات الإنتاجية غير النفطية في البلاد ، مما يعني زيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي بالمقارنة بنسبة مساهمة القطاع النفطي في هذا الناتج ، وفي ذلك تضمين لما تتيحه القوى العاملة من تعقيد الهياكل الإدارية وانتشار التواجد وزيادة قدرات التكيف – حيث الدماء الحديثة – للوزارات والمؤسسـات العامة . وفي التحليل الأخير يظهر أثر هذا المحدد (القوى العاملة) على مؤسسية المؤسسة التنفيذية في المملكة .

    ولما لمحدد القوى العاملة والإيرادات النفطية من تأثير وتأثر في محاولات الإصلاح الإداري الذي تبنته المملكة لذا سيتم مناقشة اشكاليات هذا الإصلاح -كمحدد في عملية البناء- في المبحث التالي.

 

 

المبحث الثالث

إشكاليات الإصلاح الإداري وأثرها على عملية البناء

    تعد عملية الإصلاح الإداري التي تجريها دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء من أهم العناصر الأساسية لضمان تنفيذ السياسات والخطط التي تعكس المتغيرات التنموية الجديدة في هذه الدول ، وتزداد هذه الأهمية في الدول النامية نظراً لقيام الجهاز الإداري فيها بدور أساسي في التنمية وفي أداء وظائف المؤسسة التنفيذية .

    إن النظام السياسي في السعودية -كما أشير سابقاً في مقدمة المبحث الثالث من الفصل الثاني- له طابع إداري، وبالتالي فالجهاز الاداري وإصلاحه يحتل مكاناً بارزاً في عملية البناء المؤسسي أكثر من غيره من الدول النامية الأخرى. كما  تتضح هذه الأهمية  أكثر نظراً لخروج المملكة عن دور الدولة التقليدية وقيامها بوظائف جديدة ومتنوعة ناتجة عن تزايد إيرادات النفط ، فكان لابد من إحداث إصلاح في جهازها الإداري ليتحقق التناسب بين تطورات الإدارة العامة وبين التطورات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي يشهدها المجتمع السعودي ، حتى تتلاءم الإدارة مع تلك التطورات .

    وبالرغم من تلك الأهمية ، فإن هناك معوقات – يصعب حلها إلا بفعل عوامل التطور والتغير في الأجل الطويل – نتج عنها الكثير من المشكلات ، مثل محدودية انخراط المرأة في العمل والمحسوبية في التعيين ، وغير ذلك من المشكلات الإدارية كالازدواجية في الاختصاص والمركزية الشديدة ، التي عرقلت جهود الإصلاح الإداري ، مما أثر في نهاية الأمر على مسار عملية بناء المؤسسة التنفيذية وكفاءتها في أدائها لوظائفها .

    ويجب الأخذ في الاعتبار أن بعض هذه الإشكاليات كان موجوداً منذ المحاولات الأولى للإصلاح الإداري في 1953 عندما أنشئ مجلس الوزراء وذلك كميراث من النسق المجتمعي السعودي، ولكنها لم تظهر بوضوح باعتبارها عائقاً كبيراً أمام الإصلاح الإداري إلا في عقد السبعينات عندما شهدت المملكة ثروة نفطية هائلة أثرت على عملية البناء المؤسسي ومخرجاتها.

    وسيهتم هذا الجزء من الدراسة بتوضيح جهود المملكة لإصلاح جهازها الإداري وكذلك الإشكاليات التي عرقلت هذه الجهود وأثرت على مسار عملية بناء المؤسسة التنفيذية وتطورها وأدائها لوظائفها . وفي  هذا الإطار  يجب إدراك أمرين هامين هما:-

1- صعوبة الفصل في التطبيق بين السياسة العامة والإدارة العامة في المملكة ، فلا يوجد فيها نظام انتخابي ولا مجلس منتخب أو حتى أحزاب سياسية بالمعنى الغربي المعروف . لذلك فالجهاز الإداري في المملكة يقوم بدور أساسي في تنفيذ السياسة العامة للدولة لا يمكن التخلي عنه أو التقليل من شأنه ، كما أن المملكة خرجت عن الدور التقليدي المنوط بالدولة وأصبحت متشعبة في مجالات كثيرة ، وذلك بفضل الثروة النفطية . ويرتبط بذلك أيضاً أن الإصلاح الإداري في المملكة يشمل المؤسسات والهيئات الحكومية (المركزية ، المحلية) ، ويستثني منها المنظمات والهيئات الخاصة .

2- أن المملكة تتمتع بخصوصية فيما اتبعته من استراتيجيات ومفاهيم في إصلاحها الإداري وكذلك ما نتج عن هذا الإصلاح من إشكاليات ، عن تلك الاستراتيجيات والمفاهيم والإشكاليات التي توجد في الدول النامية .

    وسيتم الوقوف على دور اشكاليات  الاصلاح الاداري في عملية بناء المؤسسة التنفيذية في المملكة من خلال :-

أولاً : أهمية الإصلاح الإداري .

ثانياً : جهود الإصلاح الإداري في المملكة .

ثالثاً : إشكاليات الإصلاح الإداري في المملكة .

 

أولاً : أهمية الإصلاح الإداري :

    يعد الإصلاح الإداري في الدول النامية من الأمور الهامة التي يجب إجراؤها لاستيعاب الدور والوظائف الجديدة غير التقليدية التي أصبحت منوطة بالدولة ، بحيث أصبحت هذه الوظائف ترتبط بتحقيق رفاهية وتقدم المواطنين ، هذا إلى جانب استيعابها للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشهدها مجتمعات تلك الدول ([19]) .

    وتسعى الدول النامية من وراء عمليات الإصلاح الإداري إلى معالجة المشكلات الناتجة عن التنمية ، ويرجع ذلك إلى أن أجهزتها الإدارية متخلفة ([20]) وغير قادرة على تنفيذ خطط التنمية القومية ، ونتيجة لذلك فلا مفر من إصلاحها حتى تستطيع تحقيق التنمية الشاملة بكفاءة وفعالية عالية ([21]). لذلك تم اعتبار أن حتمية الإصلاح الإداري في هذه الدول أهم من حتمية قيام الجهاز الإداري بدوره في التنمية ([22])، لأن الإصلاح الإداري أصبح يعني إجراء تغيير وتصحيح في النظام الإداري يواكب التغييرات الحادثة في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ([23]). ولهذا اعتبر الإصلاح الإداري عملية تغيير أصيل في العمل وفي التنظيم وفي الأشخاص وفي نظرة الناس لكل هذه الأمور ، كما أنه يعد تحولاً كاملاً في الخطط وتغيير جوهري في الروح والفكر وأنماط السلوك والتنظيم ([24]). وتعتمد فلسفة الإصلاح الإداري في هذه الدول على التنسيق والتكامل بين مراحل خطواته وبين الخطط التنموية ، فالإصلاح يتم في نفس الوقت الذي يتم فيه تنفيذ أهداف ومتطلبات التنمية ([25]).

    ومن هنا تأتي أهمية الإصلاح الإداري في السعودية ، حيث أنه ارتبط بقيام حكومة المملكة بأعباء ووظائف جديدة فاقت الأعباء والوظائف التي تلصق عادة بأعباء ووظائف الدول النامية ، ويرجع ذلك إلى الآتي :-

    أ- اعتماد حكومة المملكة في إيراداتها العامة وإنتاجها المحلي على مورد النفط ، الذي تعود ملكيته إلى الدولة ، التي تجد نفسها مضطرة إلى القيام بأعباء إدارة هذا المورد وما يتبع ذلك من تنمية وتطوير سريع وشامل تفرضه الطبيعة السريعة والمتزايدة للإيرادات النفطية ذاتها التي أصبغت خطط التنمية في المملكة بقوة الدفع الذاتية والهائلة – وخصوصاً مع بداية السبعينات([26]).

    ب- أن القطاع الخاص السعودي يركز نشاطاته على المشاريع والاستثمارات في القطاعات غير التنموية ( كالوساطة التجارية والعقارات …الخ )  ويؤدي ذلك إلى قيام الدولة بأعباء جديدة للتغلب على الصعوبات الناتجة عن هذه الطبيعة للقطاع الخاص ، مثل عدم تحقيق عائد مرتفع ونقص في عناصر الإنتاج خاصة العمالة وعدم توافر الهياكل والبنى التحتية والخدمات الأساسية([27]).

    جـ- تزايد أهمية القطاع العام في المملكة الذي تأتى إليه عوائد النفط مباشرة من الحكومة ، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى وجود هيكل إداري للقطاع العام قوي يستطيع أن يستوعب هذه العوائد ويحولها إلى أصول أهلية وينتفع بها فئات المجتمع المختلفة([28]).

    ومن شأن كل ذلك أن يرسخ من أهمية الإصلاح الإداري في ظل ظروف من الوفرة المادية وفي إطار من النسق المجتمعي يصعب استجابته بالقدر المطلوب لأهداف وآليات هذا الإصلاح ، الأمر الذي أفرز في التحليل الأخير إشكاليات ظهرت آثارها على عملية بناء المؤسسات وعلى كفاءة العملية الإدارية في معالجة أو تجاوز الآثار المترتبة على هذه الإشكاليات .

    والإصلاح الإداري في المملكة لا يختلف كثيراً عنه في الدول النامية ، وكذلك مضمونه من حيث عدم حصره في نطاق الجهاز الإداري ، لأن النظام الإداري السعودي هو جزء لا يتجزأ من النسق المجتمعي للمملكة ، ويتأثر بمحتويات هذا النسق وبالمتغيرات التي تحدث فيه ، كما أنه يؤثر في هذا النسق وخصوصاً في أنظمته الاجتماعية من عادات وتقاليد . وبهذا المعني فإن عملية الإصلاح الإداري في الإدارة العامة السعودية تعني عملية سياسية تسعى إلى إيجاد نوع من التوازن بين البيروقراطية العامة والمنظمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الدولة لخلق جهاز إداري قادر على تحمل أعباء ومتطلبات تنفيذ التغيير في المجتمع السعودي ([29]) ، كما أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بخطط التنمية وبتنفيذها بحيث تصبح حركة الإصلاح الإداري جزءاً لا يتجزأ من عملية التنمية الشاملة والجهود المبذولة لإحداث التغيير في المجتمع السعودي .

    وترتبط أهمية الإصلاح الإداري في السعودية بقيام الجهاز الإداري بدور أساسي في تنفيذ السياسة العامة للدولة لا يمكن التخلي عنه أو التقليل منه ، ونتج عن ذلك أن عملية الإصلاح الإداري أصبحت معقدة للغاية مقارنة بعمليات الإصلاح الإداري في الدول النامية الأخرى، والسبب يعود إلى استراتيجية المملكة التي تهدف إلى وجود هيكل إداري أكثر فعالية لمواجهة الحاجات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة الناتجة عن تزايد إيرادات النفط ([30]).

    وإذا كان هناك نوعان من الاصلاح الإداري ، أحدهما ذاتي تقوم به القيادات الادارية بعد إحساسهم بعدم قدرة الجهاز الاداري على مواجهة متطلبات التغيير الاجتماعي ، والاخر إصلاح إداري فوقي نابع من القيادة السياسية ([31]) ، فإن الإصلاح الإداري الذاتي لا ينطبق على ما يحدث في المملكة ، نظراً لأن المجتمع السعودي لا يتوافر فيه الشروط اللازمة لوجود مثل هذا الاصلاح ويرجع ذلك إلى أن النظام الإداري السعودي لا يملك القدرة على امتصاص عمليات التغيير المستمر الحادثة في داخله والتطور تبعاً لها ، كما أن النظام الاجتماعي في المملكة لا يملك القدرة على استيعاب التغييرات التي تأتي إليه بسرعة فيتطور تبعاً لها تلقائياً وطبيعياً في صورة من النمو الطبيعي .

    وفي المقابل فإن الإصلاح الإداري السعودي هو إصلاح إداري فوقي ، بحيث يتم فرض هذا الإصلاح من قبل القيادة السياسية التي تتبناه وتحمل على عاتقها التخطيط له وتتبع مراحل تنفيذه ، وذلك بعد أن تشعر مختلف فئات المجتمع السعودي بقصور الجهاز الإداري وعجزه عن القيام بأعباء ومتطلبات التنمية التي تتصف بقوة الدفع الذاتية والهائلة الناتجة عن تزايد إيرادات النفط .

    1- الإشكاليات الثقافية والاجتماعية :

يتأثر النظام الإداري ، في أي مجتمع ، بالعوامل الاجتماعية والثقافية أكثر من أي عوامل أخرى . وشبه الجزيرة العربية كانت معزولة عن العالم الخارجي لمدة طويلة ، ولم تكن المناطق القبلية في المملكة واقعة تحت أو ضمن ممتلكات الاستعمار الغربي ، بل أن كل من العزلة والحرية حفظت البناء الاجتماعي من أن يعاني من أي تغيير فجائي لعدة قرون . والعوامل التقليدية كالدين والعائلة -كما أشير سابقاً- تعد عنصراً هاماً يحدد السلوك الاجتماعي في المملكة ([1]) .

    وبسبب قوة سمات الثقافة التقليدية والمقاومة المتواصلة للتغيير ، فلم يكن لمحاولات التطوير الإداري التأثير الفعال ، حيث واجهت المملكة مشكلات صعبة في محاولاتها لتطوير مفاهيم الإدارة الحديثة وتطبيقها على هيئة الموظفين العموميين . فمحاولات التحسين واجهت عائقاً حال دون استمرارها تمثل في قوة ممارسة الثقافة ، ومحاولات التغيير في إدارة الموظفين والتنظيم الإداري وتطبيقها واجه عوائق قوية كانت متجذرة بعمق ومتمثلة في الطرق التقليدية في المجتمع([2]).

    مَثَّل الدين قيداً اجتماعياً على دخول المرأة ضمن الأيدي العاملة في المملكة ، فبالرغم من أن القانون الإسلامي لا يمنع تعليم النساء أو اشتراكهم في قوة العمل ، لكن هناك التزام بالحقول التي من الممكن أن تساهم فيها المرأة بالعمل وتؤديها بمهارة مثل التمريض والعمل الاجتماعي والتدريس ([3])، وبالحرص على عدم اختلاطها بالرجال في أماكن العمل . وبضرورة وجود الأم في المنزل أكبر وقت ممكن لتربية الأطفال . ولهذه الأسباب تقل فرصة عمل المرأة من ناحية ، ويقل الحماس لفكرة عمل المرأة في الأماكن العامة ، وبالرغم من أن هذه المشكلة تم التغلب عليها بعض الشيء في السنوات الأخيرة ، وتم بناء عدد من مدارس البنات وتزايد عدد البنات المتعلمات بصورة جيدة ، وتزايد عدد المدارس الثانوية لهن في عام 83-1984 حيث حققت نسبة زيادة وصلت إلى حوالي 9.3% ، إلا أن النساء مازلن يعملن في وظائف تقليدية مثل التمريض والتدريس. إن هناك حاجة خاصة للنساء في مجال العلوم خاصة العلوم الطبية والتعليم العالي كأساتذة جامعيين ، فخلال فترة خطة التنمية الثالثة 80-1985 مازالت النساءتمثلن نسبة قليلة من إجمالي قوة العمل في المملكة ، فهناك العديد من النساء المتخرجات من الجامعة في السنوات الأخيرة لم يتواجد أمامهن سوى فرص قليلة للتوظيف([4]). أيضاً قد يظهر أثر القيم الدينية في مواقف محددة في الخوف من كل ما هو مستورد ، وذلك يعود إلى المواقف التلقائية المتحفظة على ما يرد من البيئات الخارجية .

    كما أن ديناميكيات نماذج البناء القبلي في المملكة أنتجت قيماً اجتماعية مشتركة مثل الالتزام المشترك والاستقلالية ([5]). تلك القيم التي كان من شأنها أن ترجم الولاء العائلي في المملكة إلى سلوك إداري ، مما أدى إلى تعاظم البيروقراطية وتعثر  عملية تحسين النظام الإداري . فقد كان من شأن مركز العائلة والروابط الاجتماعية مع الطبقات الأخرى أن حددت اختيار موظفي الحكومة ، واعتمد التجنيد على النسب بغض النظر عن الكفاءة والمهارة الشخصية ، وأصبح يرى عدد كبير من الأقارب يعملون في نفس الوزارة أو الإدارة أو القسم ([6]).

    وبالرغم من تحرك البناء الإداري السعودي نحو التطبيقات الغربية في الإصلاح الإداري ، فإن النسب والولاء القبلي مازال أساسياً في المجتمع السعودي ، لذلك انتشرت المحسوبية بين الأغنياء والناس المؤثرين ، فالبيروقراطية العامة في المملكة متواجدة في المجتمع التقليدي ، والذي يعني في المقام الأول خدمة مصالح وحداتهم الاجتماعية التي ينتمون لها ([7]).

    ومن المألوف تماماً أن الموظفين في أي مؤسسة يهتمون بالانتماء العائلي ، وداخل الحكومة تنتشر المحسوبية ، فالعامة يتوقعون من الموظفين الحكوميين البحث عن مؤسساتهم الفرعية أولاً فوق كل اعتبار حتى لو كان في هذا العمل عكس ما تمليه المصلحة والأهداف العامة . وبالرغم من جهود الحكومة السعودية للتغلب على المواقف السلبية في التعامل مع الإدارة، فإن بعض الموظفين الرسميين يتجاهلون القواعد المكتوبة ويستمرون في أخذ ميزة المركز العام ([8]).

    وينتج عن تأثير النسب والصداقة على التعيين في المراكز ، أن كل وحدة اجتماعية إذا كانت عائلة أو جماعة خاصة ، تبحث عن تعزيز مصالحها الخاصة من خلال رفع مكانة أعضائها بتعيينهم في المكاتب العامة ، لذلك فالبيروقراط يجب أن يهتموا بمصالحهم الخاصة أولاً (مصالح الانتماء) ثم الخدمة العامة في المقام الثاني ([9]). وأثر المحسوبية على سير عمليات الخدمات العامة هام جداً ، فإنها تقود إلى الظلم وزعزعة الثقة بين الموظفين بالنظر إلى مكانتهم الوظيفية المستقبلية ([10]).

    كما ينتج عن هذا التأثير أيضاً ظاهرة تبجيل العلاقات القبلية التي تعمل أحياناً ضد المبادئ والأساسيات الإدارية التي تقوم على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، فعادة ما يقوم رؤساء القبيلة بتعيين أقاربهم أو أصدقائهم في مراكز معينة بغض النظر عن مدى كفاءتهم لاضطلاعهم بهذا الأمر ([11]). مما يؤدي إلى وجود قادة وموظفين غير أكفاء يصعب عليهم إنجاز السياسات العامة الطموحة من ناحية ، وإلى انعدام الحافز لدى الموظفين لإنجاز الاعمال من ناحية أخرى .

    كما أن ما يحدث من تعارض بين جهود الديوان العام للخدمة المدنية وادارة وكالات المؤسسة التنفيذية المختلفة بصدد بعض عمليات التعيين والترقية واستحداث وظائف جديدة ، واهمال الوكالات الحكومية لجهود وخطط معهد الادارة العامة في الادارة والتدريب وما يترتب على ذلك ، يعود إلى العناصر التقليدية والقيم المجتمعية .

    وكان من شأن هذه الثقافة التقليدية السائدة التي يتسم بها المجتمع السعودي ، أن شكلت عائقاً أمام محاولات الإصلاح الإداري التي تقلل بدورها من عملية اكتساب المؤسسة التنفيذية للطابع المؤسسي في معايير محددة ، كعدم الاستفادة الكمية والكيفية من القوى العاملة النسوية على الوجه الأكمل ، وانعدام الفعالية وكفاءة الإنجاز في العملية الإدارية مما ينتج في الحسابات الأخيرة ضعف مخرجات المؤسسة التنفيذية على الرغم من ثبات – وأحياناً ازدياد – تكاليف العمل التنفيذي المتمثل في قرارات وسياسات أو خدمات مباشرة للجماهير .

    2- الإشكاليات الإدارية :

هناك العديد من الإشكاليات الإدارية التي تعرقل جهود الإصلاح الإداري وتتمثل في الآتي :-

    أ- قوة المركزية الإدارية ، حيث تتركز السلطة في أعلى المستويات الإدارية مع ضعف في الصلاحية لدى المستويات الدنيا ، وهذه الحالة مستمرة في السعودية – كما هو موجود في الدول النامية – التي تواجه مشكلة المركزية الحادة ، فهناك مركزية للسلطة غير ضرورية لمراكز الحكومة في المدن الكبرى وخصوصاً في العاصمة ، سواء الوزارات نفسها أو حتى الإدارات الإقليمية ([12]).

    إن أسباب المركزية الشديدة متعددة ، كمقاومة بعض المدراء أو المشرفين لفكرة تفويض السلطة لعدم ثقتهم بمرؤسيهم ، ولإنعدام نظام معلومات جيد ، ولنقص القوانين والأنظمة والاستراتيجية الواضحة المعالم ([13]). كما أنها تعود إلى سيادة القيم الاجتماعية والثقافية التي تبجل رئيس القبيلة وتحترم قراراته ولا ترى غيره لإدارة الشئون القبلية .

    كما أن من تبعات المركزية أن الموظفين ذوي المهارات المحددة ليسوا أحراراً في أن يستخدموا مهاراتهم بسبب ضياع الوقت المسموح لهم بالعمل فيه في تفاصيل بيروقراطية ، وحينما يملكون الوقت لممارسة مهاراتهم يقفون مترددين خوفاً أن يتجاوزوا رؤسائهم ([14]) ، ويحدث هناك تأخير في المعاملات بسبب المسافة البعيدة بين المكاتب الاقليمية والمركزية ، كما تنخفض معنويات الموظفين لعدم اعطائهم الشكر المعنوي لإنجازاتهم ولضعف مشاركتهم في عملية اتخاذ القرار ، وتؤدي المركزية إلى انعدام الرصيد المعلوماتي الموضوعي لمتخذي القرار بسبب ضعف الاتصال بين الرؤساء والمرؤوسين وذلك يعني أن المدراء غير مدركين لمشاكل العمليات ولإنجازية الموظفين .

    وجغرافيا المركزية تخلق حالة من كون المدراء المحليين غير قادرين على التصرف دون استشارة المسئولين في المراكز العليا في المدن الأخرى . وهذا يعني أن المسئولين الكبار سيتحملون عبئاً زائداً من العمل في نفس الوقت الذي لا يقدر فيه المدراء المحليين على حل المشاكل بفعالية ([15]). لذلك فإن الإحباط والسأم ونقص التحدي يمكن أن يقود إلى هروب الموظفين وما يترتب عليه من نقص الاستمرارية في التنظيم ([16])؛ وهذه تعد ظاهرة في معظم الدول النامية . والباحثون يعرفون هذه الظاهرة بأنها عادة مجتمعية وعرف ، ويقر بها كل الموظفين بالمنظمة ([17]).

    ومن شأن ذلك أن يقلل من عملية الرضا والتماسك بين الإدارات الحكومية وفروعها وبين بعضها البعض ، وذلك يقلل من مؤسسية المؤسسة التنفيذية في جانب معيار التماسك ، كما يشكل ذلك عائقاً أمام معيار تعقيد المؤسسات إذ تقل احتمالات مبادرة المدراء الفرعيين والموظفين في الإدارة الوسطى في التوسع في إداراتهم وانتشارهم مهماً كانت الحاجة إلى ذلك ملحة – فهؤلاء المدراء ليس بيدهم صلاحيات مفوضة فهم محبطون ويخافون النقد – ، ثم من شأن ارتفاع مستوى المركزية أن يخلق نوعاً من عدم الاستقلالية للمؤسسة أو فروعها والذي بدوره يهبط من روح العمل الجاد نحو تحقيق الأهداف العامة للمؤسسة التنفيذية ككل .

   ب- التدريب ، لقد عرفت محاولات الإصلاح الإداري في المملكة عناصر كثيرة غير ملائمة في عمليات التدريب في القطاع العام مثلما هي في القطاع الخاص . فهناك فجوة في التدريب لم يتم السيطرة عليها بواسطة التعليم الرسمي ، فجهود التدريب المهني التقليدي مبتذلة ، وعملية انتقال المهارات من الجيل السابق إلى اللاحق لم تعد ذات فائدة عملية وذلك بسبب أن حرف الأجيال السابقة أصبحت مهملة وذات طراز قديم ([18]).

    وقد قامت محاولات جادة لإيجاد فعالية أكثر في القوى العاملة المحلية ، وذلك خلال السنوات الأخيرة ، باختبار نظريات التدريب في المستويات الوسطى والعليا . وكانت هناك جهوداً كبيرة لنشر برامج التدريب الإدارية ، ولكن هناك مشاكل لازالت عالقة ([19]).

    فضعف التدريب أحد أسباب ضعف إنجازية الموظفين ، وهناك أمور أخرى يجب أن تؤخذ في الاعتبار ، فحالة ووضع العمل وجو الوظيفة ومواقف وقدرة المدراء كلها تساهم في تحسين أداء الموظف ([20]). وفي الحقيقة أن المواقف السلبية من قبل المدراء تجاه برامج تدريبهم وتجاه موظفيهم سائدة ومنتشرة ، وفي أحوال كثيرة لا يرغب المدراء في التدريب لأنهم لا يرون فائدة لهم من ذلك فهم يقبلون فقط أن وظيفتهم ستبقى كما هي ، ولا يرون ضرورة التعليقات الشخصية على الإدارة([21]). إضافة إلى ذلك فإن أغلب المدراء لا يحملون مؤهلات علمية أكثر من الثانوية العامة ، وقد وصلوا إلى مراكزهم بحكم خبرة سنوات العمل ، كما أنهم لا يرون أنهم في حاجة إلى تعليم أكثر . بل وإن انخراط المدراء في برنامج تدريبي قد يعني لديه أنه غير كفء ([22]).

    وبسبب هذه المواقف يفشل المدراء في المشاركة في تطوير برامج تدريب من شأنها أن تحسن من أداء موظفيهم ، وإلى حد ما غير مشجعين من قبل القيادات العليا على هذه المشاركة . وقد كشفت دراسة أعدت في هذا الشأن أن 38.9% من عينة الدراسة أفادت أنهم سألوا أنفسهم عن حاجات التدريب ، ماذا يجب أن يكون ، ومن جهة أخرى ، هناك 28.2% من العينة قالوا إنهم لم يُسألوا وليسوا حريصين أن يستشاروا ([23]). حتى في حالة أن الموظفين يرسلون إلى مراكز التدريب فإنه يرسل وبصفة مستمرة الناس غير المناسبين لهذه الدورات التدريبية، وهذا عائد إلى عدم فهم المدراء للغرض من التدريب ([24]).

    ومشكلة أخرى تنشأ بصدد الموظفين أنفسهم فهم لا يسألون عن التدريب لنفس السبب الذي لا يسأله المدراء ، فهم لا يشعرون أن التدريب سوف يحسن من حالة وظيفتهم ، ولا يوجد لديهم فهم صحيح لعملية توظيف التنظيم الذي يعملون من أجله بصفة عامة ([25]). وبعض الموظفين يرغبون في التدريب ولكن من أجل سبب غير المستهدف إما لتغيير الجو أو للهروب من العمل أو لوجود المكافآت وليس لتحسين أدائهم ومهاراتهم على الإنجاز ([26]) .

    كما أن معهد الإدارة العامة لا يوجد لديه خطوط واضحة للإتصال بالوكالات الحكومية والوزارات التي تتبعها ، لذا فإن هذه المؤسسات ليست مشجعة على تعريف مشاكلها وأهدافها ، ومعهد الادارة نفسه لا يطرح باستمرار البرامج التدريبية الضرورية .

    وتبدو على هذا النحو إشكالية التدريب في عملية الإصلاح الإداري معوقاً لعملية التكيف ومواكبة التطور والتحديث التي يجب أن تكون عليها المؤسسة التنفيذية لاكتساب صفة المؤسسية  كما تقلل هذه الإشكالية من كفاءة مخرجات تلك المؤسسة ومن قدراتها على التخطيط لمعالجة هذا التأثير .

    إضافة إلى ذلك هناك حاجة إلى تعاون أكثر بين الوزارات في اختيار الموظفين للتدريب ، كما هي الحاجة إلى التفاهم بين المسئولين الإداريين وبين موظفي التدريب لتحقيق هدف النظام ككل ([27]).

    جـ- تعدد أجهزة التنفيذ وما يتبع ذلك من ازدواجية القرار وضياع المسئولية ، فقد كان من نتائج مجهودات الإصلاح الإداري أن تعددت الإدارات وتنوعت الاختصاصات إلا أن التطبيق العملي لممارسة العمل الإداري وفق القرارات والسياسات العليا ، ونتيجة لضعف الخبرات الناتج عن حداثة الإدارات والمؤسسات ، أدى إلى تعدد أجهزة التنفيذ لاختصاص واحد ، فمثلاً هناك وكالات عديدة مسئولة عن التطوير الصناعي بالمملكة وكل واحدة لها اقترابها لإدارة أنشطتها ، وبعض هذه الوكالات لا يخضع لوزارة الصناعة ويخضع لوزارات أخرى مثل صندوق التنمية الصناعية التابع لوزارة المالية ، كما أن بعض الوكالات تخضع مباشرة لمؤسسة بترومين والبعض الآخر يخاطب وزارة الصناعة ، إذ يتضح عدم التنسيق للجهود التي في العادة لا تصب في سلطة واحدة مسئولة عن شئون التطوير الصناعي لتفادي الازدواجية في الجهود والمفاهيم للمهام المطلوبة للتطوير الصناعي ، فقد كانت الصناعات الهيدروكربونية تابعة لمؤسسة بترومين ثم نقلت لتكون للوزارة إضافة إلى الصناعات الغير هيدروكربونية ، أيضاً تدريب الموظفين في القطاع الصناعي هو من مسئولية الوكالة أو الهيئة المسئولة عن التطوير الصناعي ، والمعمول به في المملكة أن المسئول عن تعليمهم هو وزارة المعارف . فالواجب هو أن تكون كل هذه المهام تحت قيادة سلطة واحدة ([28]). وذلك يؤدي في نهاية الأمر إلى تشتت الجهود وتكلفة مالية كبيرة نسبياً وغياب ميكانزم محدد للتنسيق في البرامج الإدارية بين الوكالات المختلفة .

    كما يظهر تعدد أجهزة التنفيذ وما يترتب عليها من ازدواجية في صنع القرار – كأحد إشكاليات الإصلاح الإداري – في أكثر من قطاع منها ما هو ذو آثار إيجابية نسبياً كتعدد المؤسسات المسئولة عن تقديم الخدمات الصحية والتعليم ، ومنها ذو ردود فعل سلبية على مخرجات المؤسسة مثل قطاع الصناعة السابق ذكره وقطاع الثقافة الذي يشترك في تنفيذه أربع مؤسسات هي وزارة المعارف والرئاسة العامة لرعاية الشباب ووزارة الإعلام ورئاسة الحرس الوطني . حيث تتجاذب كل من هذه المؤسسات الأربع اختصاص الثقافة دونما وضوح تام لخطوط العمل وتنظيم وإدارة الاختصاص في كل مؤسسة، كما ينعدم التنسيق الدقيق وتوزيع الاختصاص بين هذه المؤسسات ، الأمر الذي أنتج ضعفاً في مخرجات هذا القطاع وعدم مبالاة كل مؤسسة بضعف المخرجات التي تفرزها لإمكانية الجدلية والتبريرات التي تلقى بعبء الإخفاق والضعف على المؤسسات الأخرى التي تشاركها هذه المهام .

    وهكذا تبرز إشكالية الازدواجية في صنع القرار بسبب تعدد أجهزة التنفيذ كمعوق لبناء مؤسسة الثقافة أو وزارة للثقافة في المملكة .

    د – مشكلة إعادة التنظيم الوظيفي ، وهذه المشكلة تعد معقدة جداً بسبب أنها مرتبطة بعدد من المتغيرات مثل التغير البيئي،والتوقعات المرتفعة ، ونقص دوافع التغيير والتجديد داخل البيروقراطية السعودية ، وازدياد المنافسة بين القطاع العام والقطـاع الـخاص في جذب الموظفين الأكفاء بالمرتبات والمزايا الوظيفية الأخرى . فحتى عام 1960 ظلت البيروقراطية في

 

المملكة في بيئة مستقرة إلى حد ما داخلياً وخارجياً ، وكانت المشكلات الإدارية متوقعة لكن في حدود المصادر والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الموجودة في ذلك الوقت ، لكن عندما بدأت السعودية في زيادة إنتاجها من النفط بمصاحبة ارتفاع أسعار النفط العالمية -حيث ارتفع إنفاق الحكومة بمقدار فلكي ضخم جداً-، كان على البيروقراطية السعودية أن تتكيف بحال من الأحوال مع هذه  الصدمة البيئية ([29]).

    وقبل عام 1960 كانت الحكومة هي المصدر الرئيسي – إن لم يكن الوحيد – للتوظيف ، لذلك اعتاد الناس على أن ينظروا إلى الوظيفة الحكومية على أنها مظهر وأمان . ومنذ عام 1970 حدثت مرحلة مختلفة في تاريخ التوظيف الحكومي في المملكة ، عندما بدأت الحكومة خطتها التنموية الأولى 70-1975 ، فقد اكتسب الاقتصاد الحكومي قدراً كبيراً من التحرك والثقة ، ونتيجة لذلك بدأت أعمال خاصة عديدة في النمو ، وبدأ القطاع الخاص في منافسة القطاع العام وكانت النتيجة أن عدداً كبيراً من الموظفين الحكوميين المؤهلين قد جذبوا لصالح القطاع الخاص ، ورغم مقاومتها للتغيير ، فالبيروقراطية السعودية بدأت في أن تُقْدم على نفس التغييرات لمواجهة التهديد البيئي الجديد ([30]).

    وعلى سبيل المثال ، فقد رفعت الحكومة مقدار ما تدفعه لموظفيها ثلاثة أضعاف حتى يظلوا في وظائفهم الحكومية ، كما تقدمت بـخمس عشره درجة وظيفية لتحل محل الـعشر  درجات القدامي لكي يسمحوا بمزيد من الترقية للموظفين إلى مستويات هيراركية مختلفة . وحقيقي أن هذه التغييرات قد ساهمت في التخفيف من المشكلة الإدارية الخاصة بإعادة التنظيم الوظيفي، لكن تعقيد هذه المشكلة داخل البيروقراطية السعودية جعل هناك صعوبة أمام الحكومة أن تحسم مثل هذه المشكلة كلية . وبالنسبة للتوقعات المتزايدة والنقلة الاجتماعية السريعة والضغوط التضخمية ،كل ذلك أغرى موظفي الحكومة السعودية على أن يبحثوا عن مصدر آخر للدخل ([31]).

     وبمعنى أكثر وضوحاً ، فإن موظفي الحكومة الذين قضوا خمساً وعشرين سنة في الخدمة العامة كان أمامهم خيارين ، الأول أن يبقوا في الخدمة العامة يكتسبوا الترقيات والزيادات على فترات أو على مراحل مختلفة ، الثاني أن يترك الخدمة العامة ويرتبط بشركة خاصة تدفع له ضعف راتبه الحكومي ، في حين أنه في نفس الوقت يحصل على معاش التقاعد الحكومي ، وكان الموظفون في الغالب يرغبون الخيار الثاني بدون تردد . أما الموظفون الحكوميون ذوي السنين الأقل في الخدمة فهؤلاء أيضاً وجدوا فرصتهم لكي يبدأوا  مشروعاً صغيراً أو للارتباط بشركة خاصة بمرتب مرتفع ، ولذلك كانت النتيجة درجة عالية من إعادة التنظيم والتحول الوظيفي داخل البيروقراطية السعودية ([32]). ونتج عن هذه المشكلة ارتفاع تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار بصفة عامة ، مما استلزم أن توجه البيروقراطية السعودية جزءاً كبيراً من طاقتها – التي يجب أن توجهها لتنفيذ أهداف وسياسات الإصلاح الإداري – لعلاج هذه الآثار والتغلب عليها ، لذلك بدأت الحكومة السعودية في تبني إجراءات علاجية لكي تقاوم التضخم وتقلل أثره على الشعب ، فعملت على فرض حدود على الإنفاق الحكومي لكي تضمن استمرار برامج التنمية بدون ضغوط غير مقبولة في مسألة الإمداد بالسلع والخدمات ([33]).

    هـ- الافتقار إلى الهدفية ، حيث يعد الافتقار إلى الهدفية في عملية صنع القرار ظاهرة أوسع إنتشاراً في الدول النامية التي لا تعتمد القرارات في الغالب على أسس موضوعية واعتبارات المنطق([34]).

    و – التتابع الدوري في المراكز العليا ، فالقادة في العادة لا يبقون في أماكنهم لفترات طويلة كما أن كل قائد يأتي على المنظمة تكون له طريقته الخاصة الفردية في القيادة والعمل ، مما يؤدي إلى الاستمرار في التغييرات والتناقضات داخل المنظمة([35])، ويكسبها الطابع الشخصي بدلاً من سيادة روح الهدفية ومصلحة المنظمة العليا من خلال الاستمرار في اتخاذ الإجراءات وتحقيق الأهداف المرسومة بغض النظر عن حالات التغير القيادي .

    ز -تجاهل الضروريات التي تحتاجها المنظمة،فهناك نقص واضح في المبادئ والقواعد التنظيمية التي تصف الوظائف الإدارية وإجراءات العمل في كثير من الوكالات والسبب عادة ما يتمثل في أن القائد هنا ليست له خبرة كافية في الإدارة([36]).

    ح- مقاومة التغيير ، فعادة تحاول الإصلاحات الإدارية أن تقنع قادة الإدارات المختلفة على ضرورة التعرف على اداراتهم واستخدام الطرق والإجراءات المثلى في الإدارة ، لكن هؤلاء القادة يرفضون هذه الفكرة بسبب خوفهم من إتباع طرق جديدة في الإدارة من شأنها أن تعرض سلطتهم للخطر([37]) .

    ط- البطالة المقنعة للموظفين المؤهلين التي نتجت عن الإجراءات الإدارية العتيقة وعن مركزية سلطة صنع القرار المفرطة على طول الوكالات الحكومية ([38]).

   ي- النقص في الموظفين المؤهلين ، فقد عانت السعودية من النقص في الموظفين الأكفاء في العديد من الحقول المختلفة ، وهذا يوضح لماذا استعانت المملكة بالموظفين القادمين من دول أخرى من العالم، وبصفة خاصة الدول العربية ، وتأكيدها على الاهتمام بالتعليم بمستوياته المختلفة المهني والجامعي وغيره على حد سواء ، ويظهر ذلك بوضوح في خطتي التنمية الأولى والثانية ([39]). لكن نتج عن تلك العقبة تكلفة مالية كبيرة تحملها الاقتصاد السعودي سنوياً لدفع مرتبات هذه العمالة ، هذا بالإضافة إلى تعقد الإجراءات وكثرتها وتكثيف مركزية صنع القرار لدى السلطة داخل الوكالات والإدارات.

   ك- المستوى المنخفض لتوظيف التكنولوجيا في كثير من الإدارات الحكومية ([40]).

   ل- زيادة معدل الوظائف الخالية في كثير من الأماكن الحساسة ([41]).

    إن معظم الإشكاليات الإدارية تعود جذورها إما إلى أسباب تتعلق بالنسق المجتمعي السعودي نفسه مثل إشكالية مقاومة التغيير التي ترجع إلى ما يتميز به المجتمع السعودي من ثقافة محافظة تعمل على التناقض المستمر والتردد بين المحافظة على الأوضاع التقليدية القديمة وبين الرغبة في الأوضاع التقدمية ، أو إلى أسباب تتعلق بمشكلة النقص في قوة العمل ( عدداً ونوعاً ) السعودية بجانب المركزية الشديدة وتعقد الإجراءات ، مثل إشكالية النقص في الموظفين المؤهلين . كما يعود بعض منها أيضاً إلى أسباب تتعلق بإشكاليات إدارية أخرى ولكنها أكثر قوة بحيث تمارس دور المتغير المستقل مثل إشكالية البطالة المقنعة للموظفين المؤهلين التي نتجت عن المركزية الإدارية الشديدة بالإضافة إلى الإجراءات الإدارية القديمة . كما ترجع أسباب الإشكاليات الأخرى إلى ضعف النظام الإداري ككل مثل إشكالية تجاهل الضروريات التي تحتاجها المنظمة الناتجة عن نقص القواعد والمبادئ التنظيمية الإدارية ، وكذلك إشكالية التتابع الدوري في المراكز العليا وإشكالية الافتقار إلى الهدفية . هذا إلى جانب وجود إشكاليات تعد معقدة بعض الشيء يشترك في ظهورها عدد من التغيرات ، مثل إشكالية إعادة التنظيم الوظيفي التي تعود إلى تداعيات التغير البيئي ( اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ) والتوقعات المرتفعة ، الناتجة عن عملية التنمية السعودية ونقص الدوافع البيروقراطية وازدياد المنافسة بين القطاع العام والقطاع الخاص في جذب الموظفين الأكفاء في الراتب والمزايا الوظيفية الأخرى .

    3 – إشكالية أهداف التنمية ([42]):

منذ الستينيات ومحاولات الإصلاح الإداري تحقق إنجازاتها المحسوبة ، وكان هناك توازن بين جهود الإصلاح وبين عمليات بناء المؤسسات . إلا أنه مع بداية السبعينيات حين بدأت تضاعف الإيرادات النفطية ، عجز الإصلاح الإداري في المملكة عن اللحاق بقرارات السياسة الخاصة بخطط التنمية – التي بدأت منذ عام 1970 وتتصف بطموحها الشديد وبقوة الدفع الذاتية والهائلة الناتجة عن تزايد إيرادات النفط -، وأدى ذلك إلى وجود فجوة بين عملية بناء المؤسسات وبين مخرجـاتها من جهة وبينها وبين محاولات الإصـلاح الإداري من جهة أخرى ، حيـث لا ينتظـر تنفيذ مزيد من المؤسسات أو تجديد القائم منها المشورة من قبل وكالات الإصلاح الإداري، بل يتخطاها ، وتكون الحال أن هذه الوكالات تلهث وراء عمليات البناء والتأسيس لمحاولة ترشيده ، وفي نهاية الأمر لا يستطيع الجهاز الإداري أن يستوعب متطلبات عملية البناء في المؤسسة التنفيذية وكذلك أهدافها التنموية .     

    مما سبق اتضح أن الجهود المبذولة من أجل إصلاح الهيكل الإداري في المملكة لم تحدث فجأة وبدون مبرر، بل كانت استجابة ورد فعل للحاجات والمتغيرات التنموية للمجتمع السعودي ، وقد تطورت هذه الجهود من كونها بسيطة وذات أشكال بسيطة إلى أن كانت أكبر وأكثر تقدماً وتعقيداً ([43]).

    واتضح أيضاً اقتراب المملكة من إتباع الاستراتيجية العلمية المنطقية واستراتيجية المواجهة الثقافية المغايرة للاستراتيجية التي اتبعتها دول العالم النامي في إصلاحها الإداري التي تتمثل في استراتيجية القوة ، إضافة إلى اتباع الاصلاح الاداري في المملكة المفهوم الفوقي الذي نبع أساساً من القيادة السياسية ([44]). كما اتضح أن عمليات الاصلاح الاداري في المملكة لم تعمل على تطبيق النظريات الغربية  للإصلاح الإداري إلا بعد دراستها وتكييفها مع البيئة السعودية ، وأن ذلك لم يتم على حساب النماذج التقليدية .

    وتبين أيضاً أن جهود الإصلاح تلك واجهت إشكاليات عديدة عرقلت هذه الجهود،ولم تظهر بوضوح إلا في عقد السبعينات عندما وضحت الحاجة المتزايدة لإجراء تعديلات وتوسعات إدارية كبيرة في الهيكل الإداري للمملكة لكي تتمكن من استيعاب التطور والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها الثروة النفطية ويتناسب مع قوة الدفع الذاتية لخطط

التنمية ، مما أدى في نهاية الأمر إلى إحداث خلل بين متطلبات وأهداف التنمية وبين سرعة استجابة واحتواء الجهاز الإداري لها . وتجلى مما سبق أيضاً أن بعض هذه الإشكاليات مكتسب من النسق المجتمعي السعودي ، ويصعب تغييرها إلا بفعل عوامل التطور في الأجل الطويل ، وأن هذه الإشكاليات باختلاف أنواعها تلعب دوراً سلبياً في عملية اكتساب المؤسسة التنفيذية في المملكة الصفة المؤسسية وفي كفاءتها وفعاليتها .

    وطبقاً لما سبق ، فإنه يصعب الفصل في التطبيق بين هذه الإشكاليات بشكل قاطع نظراً لعملية التأثير والتأثر المعقدة فيما بينها ، فمثلاً يصعب فصل الإشكاليات التي تنبع من القيم الاجتماعية والثقافية عن الإشكاليات الإدارية ، فإشكاليتي المركزية الشديدة وعدم الرغبة في التغيير اللتان تعدان من أهم الإشكاليات الإدارية ، مرجعهما الأساسي – ضمن أسباب أخرى أساسية – للقيم الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي ، التي تبجل رئيس القبيلة أو العائلة، وتزيد من الرغبة في عدم التجديد والمحافظة على ما هو تقليدي .

    وبعد مناقشة المحددات الثلاثة السابقة والتي تعد أكثر تأثيراً على عملية البناء في جانب المؤسسية ومعايير الكفاءة والفعالية، فسيتم مناقشة المحدد الرابع وهو القطاع الخاص  الذي يتضح دوره وأثره في التفاعل مع مخرجات المؤسسة التنفيذية كما سيتضح في المبحث التالي .


[1] –          Rugb William, “Emergence of new middle class in Saudi Arabia,” Middle East Journal Winter, 1973, p. 17
[2]–                  Sulaiman Al-Mazyed, “The Structure and function of public personnel administration in Saudi Arabia” Unpublished Ph.D. Dissertation, Claremont Graduate School, 1972, p. 131
[3]–                             Saleh M. Al-Awadh, Modern agencies and administration reform in Saudi Arabia, op. cit., p. 72
[4] –                                                                                                                                                                           Ibid. p. 73
[5] –                                                                  Ibrahim Al-Awaji, “Bureaucracy and society in Saudi Arabia,” op.cit., p.57
[6] –           Richard F. Nyrop, Saudi Arabia: A Country Study, 4th ed., Area Handbook Series, Washington D.C., U.S. Government printing Office, 1977, p. 149
[7] –              Abdulmalik Ahmad AL-Shaikh, Administrative structural development in Saudi Arabia and obstacles to adoption of Western models, Unpublished M.A. Thesis, California State Univ. Chico, 1983, p. 22
[8] –                            Saleh M. Al-Awadh, Modern agencies and administration reform in Saudi Arabia, op. cit., p .70
[9] –                        Mohammed M. Al-kahtani, Administrative reform and its role in the development of Saudi Arabia, op. cit., p. 77
[10] –           Fuzy Al-Haddad, Volunary manpower in Saudi Arabia: Acase study, Unpablished M.A. Thesis, California State Univ. Chico, 1983, p .49
[11] –                              Saleh M. Al-Awadh, Modern agencies and administration reform in Saudi Arabia, op. cit., p.10
[12] –                                                 Fuzy Al-Haddad, Volunary manpower in Saudi Arabia: Acase study , op. cit., p. 49
[13] –                                                                                                                                                                           Ibid. p. 50
[14] –    Mohammed M.Al-kahtani, Administrative reform and its role in the development of Saudi Arabia,op. cit., p.83
[15] –                                                   Fuzy Al-Haddad, Volunary manpower in Saudi Arabia: Acase study, op. cit., p. 51
[16] –                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[17] –                              Saleh M. Al-Awadh, Modern agencies and administration reform in Saudi Arabia, op. cit., p.10
[18] –                                                                                                                                                                           Ibid. p. 75
[19] –                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[20] –                                                                                                                                                                  Ibid. p.p. 75-76
[21] –                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[22] –                                                                                                                                                                           Ibid. p. 76
[23] –       Mohammed Abdullah Madi, Developmental administration and the attitudes of middle Management in Saudi Arabia, op. cit., p. 140
[24] –                            Saleh M. Al-Awadh, Modern agencies and administration reform in Saudi Arabia, op. cit., p. 76
[25] –                                                                                                                                                                           Ibid. p. 76
[26] –                                                                                                                                                                           Ibid. p. 77
[27] –                                                                                                                                                                          Ibid. p.144
[28] –    Fahid S. Al-Othaymean, Economics studies in administration and development in Saudi Arabia, M.P.A Thesis, Pennsylvania State Univ., 1980 , p. 56-57
[29] –                                                                                                                                                                         Ibid. p. 163
[30] –                                                                                                                                                                     Ibid. p. 163-164
[31] –                                                                                                                                                                               Ibid. p. 164
[32] –                                                                                                                                                                                       Ibid. p. 164
[33] –                                                                                                                                                                         Ibid. p. 165
[34] –                             Saleh M. Al-Awadh, Modern agencies and administration reform in Saudi Arabia, op. cit., p.11
[35] –                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[36] –                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[37] –                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[38] –   Mohammed M. Al-kahtani, Administrative reform and its role in the development of Saudi Arabia, op. cit., p. 127
[39] –   Alawi N. Abussuud , Administrative development and Planning in Saudi Arabia: The process of differentiation and specialization, op. cit., p. 162
[40] –           Abdulla Al-Ghamdi, Action research and the dynamics of Organizational environment in The Kingdom Of Saudi Arabia, op. cit., p. 88
[41] –                                                                                                                                                                       Ibid. same page
[42] – عفاف محمد الباز ، الإصلاح الإداري كوظيفة استشارية في التنظيم الحكومي المعاصر مع التطبيق الخاص على جمهورية مصر العربية، مرجع سابق ،  ص 247
[43] –          Swailem A. Al-Huwaity, The development of public administration as a field of study in The Kingdom Of Saudi Arabia, op. cit., p. 125
[44] – اقترن ذلك في بداياته بجهود الملك فيصل – وذلك خلال الفترة التي سبقت حكمه وكذلك خلال الفترة التي تولى فيها حكم المملكة – الذي تبنى فكرته وحمل على عاتقه التخطيط له وتتبع مراحل تنفيذه وذلك استجابة منه للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد وما يلزم لتحقيقها من إصلاحات في الجهاز الإداري


[1] – المرجع السابق ، ص 328
[2] – المرجع السابق ، ص 329
[3] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي ، الأصالة والمعاصرة : المعادلة السعودية ، مرجع سابق ،ص 217
[4] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، ص 37
[5] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثانية 1975-1980، مرجع سابق ، ص 328
[6] – المرجع السابق ، ص 330
[7] – محاضرة لوزير التخطيط السعودي هشام ناظر في مدينة هيوستن بتكساس ، 16/1/1981
[8] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثانية 1975-1980 ، مرجع سابق ، ص 330
[9] – المرجع السابق ، نفس الصفحة
[10] – المرجع السابق ، ص 341
[11] – تم إنشاء المجلس الأعلى للتخطيط عام 1960 ، الذي حل محله الهيئة المركزية للتخطيط عام 1964 بناء على القرار رقم 430 الصادر من مجلس الوزراء عام 1964 ، ثم تم إنشاء وزارة التخطيط عام 1975 التي أخذت على عاتقها التنفيذ والإشراف على خطط التنمية .
[12] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، ص 99
[13] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثانية 1975-1980 ، مرجع سابق ، ص 108
[14] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي ، الأصالة والمعاصرة : المعادلة السعودية ، مرجع سابق ، ص 225
[15] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985، مرجع سابق ، ص 86
[16] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي ، الأصالة والمعاصرة : المعادلة السعودية ، مرجع سابق ، ص 225
[17] – المرجع السابق ، ص 227
[18] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، ص 87
[19] – د. عبدالمعطي محمد عساف ، إدارة التنمية ، الكويت ، جامعة الكويت ، كلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية ، 1988 ، ص ص 54-56
[20] – تتسم الانماط الادارية السائدة في الدول النامية عموماً بكونها أنماطمقلدة وليست أصيلة ، وانتشار النمطية بين مختلف الاجهزة الادارية ، والمركزية الشديدة في جميع المستويات . (ناجي البصام ، إدارة التنمية في العراق ومصر :دراسة نظرية واهم القضايا التطبيقية ، مرجع سابق ، ص65 )
[21] – المرجع السابق ، ص 73
[22] – د. حسن حمادي ، إدارة التنظيم ، القاهرة ، مكتبة عين شمس ، 1967، ص ص 181-182
[23] – د. بشير العريضي ، الإنحراف الإداري ، بحث مقدم للمؤتمر العربي الخامس للعلوم الإدارية المنعقد في الكويت عام 1968،القاهرة، جامعة الدول العربية ، 1968، ص 12
[24] – د. عبدالكريم درويش ، ود. ليلى تكلا ، أصول الإدارة العامة ، مرجع سابق ، 1968، ص 52
[25] – علي محمد منصور علي ، نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية وتأثيرها على الإصلاح الإداري ، مرجع سابق ، ص 69
[26] – المرجع السابق ، ص ص 59-60 
[27] – المرجع السابق ، نفس الصفحة
[28]Abdulla Al-Ghamdi, Action research and the dynamics of organization environment in the Kingdom Of Saudi Arabia, op. cit., p. 58
[29] – علي محمد علي منصور ، نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية وتأثيرها على الإصلاح الإداري ، مرجع سابق ، ص 69
[30] –                                                      Al-Yassini A., Religion and State in the Kingdom of Saudi Arabia, op. cit., p. 64
[31] – أحمد رشيد ، الاصلاح الاداري : إعادة التفكير ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1996 ، ص 12 ، ص 14


[1]                    Talat Sindi, Impact of ford foundation proposals on The Public service in Saudi Arabia, op.cit., p. 30
[2]                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[3]     Hassan A. Shabrawishi, The problem of the shortage of indigenous manpower in Saudi Arabia and the role of the third plan for the development of manpower, Unpublished M.P.A Thesis, Seattle Univ. 1982, P. 19
[4] – د. محمد غانم الرميحي ، البترول والتغير الاجتماعي في الخليج العربي ، القاهرة ، معهد البحوث والدراسات العربية ،المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، 1975 ، ص37.
[5]                                                                                                                                                                       Ibid. same page
[6]                     Talat Sindi, Impact of ford foundation proposals on the Public service in Saudi Arabia, op.cit., p. 30
[7] – د. محمد غانم الرميحي ، البترول والتغير الاجتماعي في الخليج العربي ، مرجع سابق ، ص 31
[8] – المرجع السابق  ، ص 41
[9]         Ismail I. Nawwab, Peter C. Speers & Paul F. Hoye, The Aramco Handbook: Oil and the MiddleAramco Co., 1968 , p. 118
[10]                      Talat Sindi, Impact of ford foundation proposals on the Public service in Saudi Arabia,op.cit., p. 30
[11]     Alawi N. Abussuud , Administrative development and planing in Saudi Arabia: The Process of differentiation and specialization , op. cit., P.81
[12]     Hassan A. Shabrawishi, The problem of the shortage of indigenous manpower in Saudi Arabia and the role of the third plan for the development of manpower, op. cit., p 19
[13] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، ص 33
[14]                                                                              The Aramco Handbook : Oil and the Middle East , op. cit., p.119
[15] – د. محمد علي جاسم ، دراسات في الإقتصاد السعودي ، القاهرة ، معهد البحوث والدراسات العربية ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، 1977 ، ص 7
[16] – المرجع السابق ، نفس الصفحة
[17] – المرجع السابق ، ص 10
[18]                      Talat Sindi, Impact of ford foundation proposals on the public service in Saudi Arabia, op.cit., p. 64
[19]                Saad A. Al- Shahrai, The Decision Makers and Decision making process in Kingdom Of Saudi Arabia , Unpublished M.A. Thesis, California State Univ., 1983, p. 84
[20]     Alawi N. Abussuud , Administrative development and planing in Saudi Arabia :The Process of Differentiation and specialization , op. cit., p.81
[21]                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[22] – وزارة التخطيط ، منجزات خطط التنمية 1970-1993 ، الرياض ، 1994، ص72
[23] – المرجع السابق ، نفس الصفحة
[24] – المرجع السابق ، ص 74
[25] – وزارة التخطيط ، منجزات خطط التنمية 1970-1993 ، مرجع سابق ، ص 76
[26]     Hassan A. Shabrawishi, The problem of the shortage of indigenous manpower in Saudi Arabia and The role of the third plan for the development of manpower, op. cit., p 22
[27]                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[28]                                                                                                                                                                  Ibid. same page
[29] – وزارة التخطيط ، منجزات خطط التنمية 1970- 1993 ، مرجع سابق ، ص 72
[30]   Mohammed M. Al-Kahtani, Administrative reform and its role in the development of Saudi Arabia, M.P.A Thesis, California State Univ., 1982, P.28
[31] – وزارة التخطيط ، منجزات خطط التنمية 1970- 1993 ، مرجع سابق ، ص 76
[32] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985، مرجع سابق ، ص 33
[33] – المرجع السابق ، نفس الصفحة
[34] – المرجع السابق ، ص 31
[35] – المرجع السابق ، ص 33
[36] – المرجع السابق ، نفس الصفحة
[37] – المرجع السابق
[38] – المرجع السابق ، نفس الصفحة
[39] – مؤسسة النقد العربي السعودي ، التقرير السنوي لعام 1971 ، الرياض ، ص 15
[40] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، 34
[41]  المرجع السابق ، ص 35
[42] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، مـرجع سابق، 1994 ، ص ص 17-18
[43] – المرجع السابق ، ص 19
[44] – المرجع السابق ، ص 21-23
[45] – مؤسسة النقد العربي السعودي ، التقرير السنوي لعام 1975 ، الرياض ، ص 61
[46] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الأولى 1970-1975 ، الرياض ، ص 23
[47] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الأولى 1970-1975 ، مرجع سابق ، 23
[48] – مؤسسة النقد العربي السعودي ، التقرير السنوي لعام 1975 ، مرجع سابق ، ص 62
[49] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الأولى 1970-1975 ، مرجع سابق ، 23
[50] – المرجع السابق ، نفس الصفحة
[51] – المرجع السابق ، نفس الصقحة
[52] – مؤسسة النقد العربي السعودي ، التقرير السنوي لعام 1970 ، مرجع سابق ، ص 17
[53] – مؤسسة النقد العربي السعودي ، التقرير السنوي لعام 1975 ، مرجع سابق ، ص 26
[54] – المرجع السابق ، ص 28
[55] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي ، الأصالة والمعاصرة : المعادلة السعودية ، مرجع سابق ، 1992 ، ص 210
[56] – المرجع السابق ، نفس الصفحة                                                                     
[57] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، ص 35
[58]  المرجع السابق ، نفس الصفحة
[59] – المرجع السابق ، ص 35