نشرت هذه الدراسة بمجلة لباب الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، العدد الثالث عشر، فبراير/شباط 2022، عبر الرابط التالي https://studies.aljazeera.net/ar/magazines/book-1450

أكدت نتائج صناديق الاقتراع المحلي بالسنغال، التي كانت بمنزلة استفتاء على السياسات العامة والأداء الحكومي، السخطَ والاستياء الشعبي، فيما لا تقل دلالتها السياسية والدستورية عن تقديم “ملتمس حجب الثقة” على الوزراء والموظفين السَّامِين الذي خسروا قواعدهم الشعبية لاكتمال نصاب الحجب ممثلًا في إرادة الناخب.

السنغال دولة موحدة (بسيطة)(1) شهدت تطورًا إداريًّا منذ حقبة الاستعمار، وشكَّلت البلديات الأربع: غوري، وداكار، وريفسك، وسان لويس، البدايات الأولى للتسيير المحلي على النمط الغربي، تلاها ما عُرف بـالبلديات المختلطة Communes Mixtes .

وتصاعدت وتيرة التنظيم الإداري مع الاستقلال حتى وصلت الأقاليم إلى 14 وكانت في البدء 7 ومن 43 جماعة إلى ما يربو اليوم على 500 بلدية، وتوالى صدور القوانين المنظِّمة للإدارة المحلية، أشهرها قانون إدارة البلدية، 1966، code de l’administration communal  ثم القانون المتعلق بالجماعات القروية، 1972، وقانون الجماعات المحلية، 1996، انتهاء بما اصطُلح عليه الطور الثالث من اللامركزية 2013.

ويعكس إنشاء مؤسسة المجلس الأعلى للجماعات المحلية (دستور 2016) ضمن المؤسسات الدستورية منعطفًا بارزًا في تكريس إدارة الشأن المحلي وتوسيع وتطوير دائرة اللامركزية قانونيًّا ومؤسساتيًّا.

وسعى المشرِّع السنغالي من خلال الإجراءات والآليات القانونية إلى توطيد دعائم الديمقراطية المحلية وتعزيز التنمية وفتح الباب أمام الفاعل المحلي لممارسة تدبير الشأن العام وتلبية الاحتياجات اليومية وتطوير المنطقة.

المجالس المحلية والحكامة المحلية

ونتساءل هنا عن دور الفاعل المحلي ودلالات نتائج الاقتراع.

تعود أهمية البلدية سياسيًّا وإداريًّا واقتصاديًّا وتنمويًّا في تجسيدها للبُعد غير المركزي تقريبًا للإدارة من المواطنين واستفادة من الخدمات والمرافق المحلية ومواكبة للتغيرات الاجتماعية وتحديثًا للمؤسسات، وطورًا مهمًّا لبناء الشخصية السياسية واستجابة لمتطلبات التنمية التي كانت وراء كثير من الاحتجاج وأحيانًا التمرد باسم التهميش والإقصاء في كثير من أرجاء القارة.

ثم إن الحاجة داعية إلى إدارة محلية حيوية (لا مركزية-عدم تركيز إداري) في ظل غياب الفيدراليات والجهويات الموسعة والحكم الذاتي، كما أن توافر المعلومات بسبب التطور التكنولوجي يفرض على رجال الدولة مزيدًا من مزاولة سياسة القرب والشفافية والنزاهة، وخَصَّص الباب الحادي عشر من دستور 2016 المادة 102 للسلطات المحلية: “تشكِّل السلطات المحلية الإطار المؤسسي لمشاركة المواطنين في تسيير الشؤون العمومية، وتتم إدارتها بشكل حر من قبل المجالس المنتخبة”.

وبناء عليه، يمكن بيان المقومات والأركان التي تستند عليها اللامركزية الإدارية على النحو التالي:

ـ الاعتراف بوجود مصالح محلية متميزة عن المصالح الوطنية.

ـ إنشاء أجهزة محلية منتخبة ومستقلة لإدارة وتولي تلك المصالح.

ـ خضوع تلك الأجهزة لدى قيامها بتلك المصالح لرقابة الإدارة المركزية(2).

إن تنفيذ اللامركزية يرافقه عدم التركيز، وهو القاعدة العامة لتوزيع الصلاحيات والوسائل بين الإدارات المدنية للدولة(3).

وتدير الجماعات الترابية شؤونها المحلية بواسطة المجالس البلدية والجهوية المنتخبة، ويُختار العمدةُ عبر الاقتراع العام المباشر وفق التعديل الأخير -بخلاف ما كان ساريًا من اختياره من قبل المجلس البلدي- وكذا مستشاري المقاطعات، وتجمع الانتخابات بين الجهوية والبلدية.

دفع اتساع نطاق تدخل السلطة المركزية والكثافة الديمغرافية وإلحاح المطالب اليومية إلى انتهاج أسلوب عدم التركيز تارة واللامركزية حينًا في التنظيم الإداري تخفيفًا عن كاهل المركز.

ويُرتقب من الإدارة المحلية الاهتمام بشؤون المواطن المحلي، وتنفيذ السياسة العامة المحلية وضمان فاعلية الإدارة وتسيير الموارد الطبيعية واستغلالها واستثمارها، وتعزيز روح المواطنة سيما في المناطق النائية عن المركز وترسيخ الوحدة الوطنية والاحتفاظ بالممتلكات المحلية مثل الأراضي والموارد اعتمادًا على مداخيلها؛ سواء من الميزانية أو الضرائب أو شركاء التنمية أو الجالية المغتربة قصد الوصول إلى هدف الطور الثالث من اللامركزية بإيجاد “أقطاب اقتصادية تنافسية” وفي نفس الوقت التكامل مع السياسة التنموية الوطنية.

ويختلف عدد مستشاري المقاطعات وأعضاء المجلس البلدي حسب الكثافة الديمغرافية، ويتراوح أعضاء الهيئة الاستشارية للمقاطعة بين 40 و100 حسب المرسوم الرئاسي 2021 ـ 1366، طبقًا للنصاب الوارد في المادة 230 من قانون الانتخاب، ومدة ولاية المستشار مبدئيًّا خمس سنوات، ويمكن أن تُقلَّص أو تُمدَّد بقرار.

ويتم إيداع ملف المترشح لدى السلطات المختصة: الحاكم ومساعده أو بالبلدية حسب المادة (م 43)، كما يثبت لكل جماعة لائحة انتخابية (م 33) ويكون توزيع بطاقات الناخب بالجماعة (م 54).

ترتيب المحليات مناسبة لمعرفة قوة مكونات المشهد السياسي

يمكن اعتبار فوز الرئيس بالولاية الثانية، فبراير/شباط 2019، بداية الترتيب للمحليات إذ كانت مقررة في شهر يونيو/حزيران من نفس العام. ودعا الرئيس، ماكي صال، بعد تنصيبه لمأمورية ثانية إلى حوار وطني تلطيفًا للأجواء السياسية المتوترة يومئذ، وتشكَّلت على إثر ذلك لجنة سياسية تابعة لهيئة الحوار الوطني بحثًا عن حلول ترضي الطبقة السياسية، وكان السجل الانتخابي على قائمة نقاط الخلاف مما تسبب في تأجيل الانتخابات عن موعدها لأكثر من مرة، وعبَّرت الإجراءات المذكورة عن الشروع في المرحلة التمهيدية للسباق نحو رئاسة البلديات ومجالس المقاطعات، وتناقش هيئة الحوار الوطني مختلف المسائل المتعلقة بالمراحل والضوابط المحددة للإجراءات الانتخابية.

علمًا بأنه لم يحظ السجل الانتخابي وكذلك قانون الانتخابات برضى جميع الفاعلين السياسيين منذ الرئاسيات ما حمل الحكومة على البحث عن حل توافقي بين المعارضة والحكومة قبل الشروع في تنظيم المحليات(4) حفاظًا على السلم الاجتماعي(5).

ويشمل السجل الناخب المدني والعاملين بالمؤسسة الأمنية القاطنين في البلاد والسنغاليين المقيمين بالخارج، ويقتصر التصويت في المحليات على الفئة الأولى فقط، ويقوم رجال الأمن بتأمين العملية الانتخابية وضمان سلامة المواطنين.

ولتبديد الشكوك وكسب ثقة الأطراف، دعت اللجنة الانتخابية الوطنية المستقلة(6) خبراء أجانب من أمثال هيئة اليقظة على المكتسبات الديمقراطية في إفريقيا (Cellule de Veille sur les Acquis Démocratiques en Afrique (Cvada)) للتباحث معها حول مسلسل الانتخاب.

ويشارك المجتمع المدني والمشيخة الدينية والحركات الإسلامية ورجال الكنيسة في بناء المسلسل الديمقراطي عبر التصريحات واللقاء بالطبقة السياسية وبوسائل الإعلام وصناعة الرأي العام. وفي هذا الصدد، دعت تنظيمات مدنية كحركة سئمنا (يانامار) الدولةَ إلى القيام بواجبها وتنظيم انتخابات حرة وشفافة ونزيهة.

وتُوِّجت المساعي بصدور مرسوم رئاسي بتاريخ 10 مايو/أيار 2021؛ يقضي بتحديد موعد الاقتراع العام للتصويت على أعضاء الهيئة الاستشارية للمقاطعات ورئاسة البلديات، وكانت آخر انتخابات بلدية وجهوية في 2014، وبهذا يكون اقتراع 23 يناير/كانون الثاني 2022 الثاني من نوعه في عهد الرئيس الحالي والأول بعد رئاسيات 2019؛ ما يعني تقارب خطى الانتخابات بالسنغال، ففي أفق خمس سنين يُرتقب إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية.

ويشارك في التباري أحزاب وكتل سياسية ومستقلون، وهناك ثلاثة أنواع من الانتخابات: بلدية، وجهوية، وبلدية المدينة (ريفسك، تياس)، وللأخيرة حكم النادر.

وكشف توزيع مرشحي الائتلاف الحاكم عن صراع الأجنحة داخل الحزب الحاكم وعن حجم المعركة المحلية في رسم المشهد السياسي، يُرَى ذلك في ثنائيات: صهر الرئيس الذي نازل وزير التعليم العالي السابق، ماري تاو نيانغ، بمدينة سان لويس وما جرى بين مصطفى جوب ومامور جالو بلوغا وبين أقطاب الأغلبية في العاصمة.

ويُلاحَظ غياب الرئيس السابق، عبد الله واد، عن هذه المنافسة، فيما يتزعم حزبه “تحالف نجدة السنغال”. أما الحزب الاشتراكي فقد انشق على نفسه: فريق تحت مظلة الائتلاف الحاكم خصوصًا بالعاصمة وأبرز أقطابه عمدة داكار، سُهام الورديني، المنتهية ولايتها، وفريق لا يزال على العهد السياسي، وتحتدم المنافسة بين التحالف المسيطر (BBY) وتحالف تحرير الشعب المعارض في أغلب البلاد.

واستطاع الائتلاف الحاكم تغطية كامل التراب الوطني بمرشحيه في حين غابت التحالفات والأحزاب الأخرى عن بعض المناطق، فعلى سبيل المثال لم يقدم تحالف تحرير الشعب مرشحًا له بمقاطعتي وَلِينْجَرَا، ومدينة يُورُو فُولا بإقليم كولدا كما غاب في مقاطعة كَانَال بماتم فضلًا عن بعض البلديات، ومثله تحالف الثقة في النفس، ويعد التحالفان من أكثر التنظيمات السياسية حراكًا وحضورًا على الساحة.

وتمحض المشهد الانتخابي عن أبرز المشاركين: التحالف الحاكم (BBY) والمعارضة بأطيافها المتعددة: تحرير الشعب ثم إنقاذ السنغال والثقة في النفس، إضافة إلى التكتلات السياسية الفرعية المستقلة(7).

وعرف الاستحقاق الانتخابي تنصيب الإعلامي الشهير، أحمد حيدرا بجيغواي، داكار، لمنازلة شقيق الرئيس، علي صال، ورجل الأعمال، سرين إمبوب، بمدينة كاولاخ إضافة إلى حضور شبابي بارز في صفوف المعارضة.

وقد صرَّح المعارض سونكو وزعيم حزب (Pastef) بأن فوز ماكي صال في المحليات يمهد له الترشح لرئاسيات 2024 ولابد من سد الباب دون الوصول إلى ذلك أثناء حملته الانتخابية بسيجو.

يسعى الائتلاف الحاكم إلى تثبيت رسوخ قدمه وسيادته على الساحة السياسية وشرعيته عبر تجديد ولاء أنصاره وزيادة شعبيته في جولات السباق المتتابعة، وبالنسبة للمعارضة فتراهن على الفوز بأكبر قدر ممكن من البلديات ورئاسة مجالس الجهويات، ويتطلع المستقلون إلى إثبات وجودهم وتشكيل ورقة ضغط لعبًا على التوازنات.

وحظي الاستحقاق باهتمام فريد من نوعه، وقد رافقت الوسائل الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية الحدثَ المحلي بامتياز. ومنذ 2000، تاريخ التناوب على السلطة ووصول عبد الله واد إلى سُدَّة الحكم، تتدخل وسائل الإعلام في مسار النتائج من خلال الإعلان عنها حال فرزها ومناقشتها مع الخبراء والمحللين؛ ما جعلها شريكًا أساسيًّا في رسم السيناريوهات وتوجيه الرأي العام والتأثير المباشر على المشهد الانتخابي، ودعت القوى الحية عموم الناخبين إلى التصويت بسلام وهدوء.

الخريطة الانتخابية: مشهد متحول

يأتي الاقتراع غير المركزي لإعادة ترتيب القوى السياسة والمشهد السياسي قبل تاريخ 2024 بعد الخروج من رئاسيات 2019 باعتبارها مرحلة وسطى بين الموعدين، بعد انضمام إدريس سيك (زعيم حزب ريومي/الوطن-رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي) إلى النظام الحاكم فيما عُرف وطنيًّا بـ”الخبز واللبن” إشارة إلى التناغم والتآلف بين الزعيمين المتنافرين قَبْلُ، واعتزال ماديك جانغ السياسة امتثالًا لأوامر شيخه، وانسحاب عيسى صال، ونتج عن الوضع الحالي تصدر سونكو لجبهة المعارضة، وللتذكير فالمعارضة مبدأ دستوري كما في الباب الخامس من دستور 2016.

وبلغ عدد الناخبين المسجلين حوالي 6.613.962 موزعين على 3149 لائحة متنافسة ب 43 مقاطعة و557 بلدية حسب الإدارة العامة للانتخابات، وتوجد أكثر البلديات بالعاصمة، حيث الثقل البشري بما يقارب 25% من الشعب السنغالي.

ويجمع نظام التصويت بين نظام الأغلبية 45% والتمثيل النسبي 55% مع تحديد النسبة في كليهما، ويوجد توافق سياسي حول النمط الاقتراعي، والعمل بأنظمة التصويت الحالية في كل المراحل كفيل بضمان انتخابات حرة ونزيهة وشفافة.

وتلزم النصوص احترام المناصفة وتطبيق مبدأ التناوب رجل-امرأة(8) في اللوائح الانتخابية، ف 2 م 232 و266 من قانون الانتخاب، وقد رفعت بعض الكتل السياسية دعوى ضد منافسيها على أساس عدم احترام مبدأ المناصفة الذي يعد من شروط الترشح، لكن فوز النساء ومجيئهن على رأس القوائم نادر للغاية مقارنة بحجم اللوائح بالبلاد والنصوص القانونية في الشأن.

بلغت اللوائح الانتخابية، 2014، آخر سباق على رئاسة البلديات 2747، وزادت هذه المرة على سابقتها بوصولها لـ3.149، وترددت اللوائح المتنافسة بين 15 لائحة على بلدية شرق تياس و14 غربها، فيما كانت أقلها لائحة واحدة بخيارين، بينها وبين البطاقة البيضاء بأربع بلديات: طوبى مرينا، ودار النعيم، وجامع طوبي بمقاطعة، امباكي وبلدية فاس انغوم بمقاطعة سين لويس، وهو ما لجأت إليه بعض المراكز الدينية (المريدية، التيجانية).

تحديات البلديات: امتحان لجميع الفاعلين السياسيين

تواجه اللامركزية في شكلها الحالي تحديات ليس أقلها:

ـ القدرة على المساهمة الجادة في حسن إدارة الشأن العام وترشيد النفقات العمومية وتوظيف الشباب وتطوير الدوائر المحلية وتعزيز البنية التحتية، وفك العزلة وإعادة بناء الوحدات الإدارية والسياسية الأساسية للبلاد.

ـ استمرار التجاذبات بين القوى السياسية على مستوى التدبير المحلي نتيجة نظام التصويت المزدوج (التمثيل النسبي-نظام الأغلبية)، وتبدو بوادره مع المرشح أحمد حيدرا، الفائز ببلدية جيغواي، وخصومه المطاح بهم، ويؤدي هذا المد والجزر إلى ضعف الفاعلية والأداء.

ـ النهوض بالشأن الإداري المحلي وإيجاد توازن بين الإداري والسياسي وتفعيل الجدية والصرامة بدءًا من الانضباط الإداري وتسيير الممتلكات بشفافية وتنظيف البلديات والاعتناء بمظهرها وتأهيل رأس المال البشري وتطوير اللغات الوطنية وإحياء التراث والرموز المناضلة، انتهاء إلى إبراز وجه جديد للوحدات الترابية الإدارية مع القيادة المحلية الحالية.

ـ العمل الجاد لإعادة الثقة إلى مؤسسات الدولة عمومًا والمحلية خاصة عبر تخليق الحياة السياسية ومحاربة الفساد والرشوة ومحاسبة المتورطين بمن فيهم المقربون مما يهيئ لإصلاح متدرج وشامل.

ـ معاناة بعض البلديات من عقبة التمويل الذاتي خصوصًا مع التي لا تمتلك بنية تحتية توفر لها بعض المكاسب المالية للقيام بواجباتها والوفاء بتعهداتها؛ ويشتد الأمر إذا كان العمدة من المعارضة ويطمح لإنجازات ميدانية تُحسب له، وهذا الوضع يشكِّل عقبة في وجه اللامركزية عمومًا، وتجنبًا لهذا السيناريو دعت منظمات المجتمع المدني إلى التحلي بروح الجمهورية أداء للواجب.

ـ قدرة المحليات على ترسيخ اللامركزية التي تفرض تكافؤ الفرص بين المناطق وإيجاد بدائل تنموية تتجسد فيها ملكية الشعب لثرواته وحقه الكامل في استغلالها وتشغيل اليد العاملة من الشباب الذين يتجاوز عددهم نصف المجتمع.

وتميزت الحملة الانتخابية باتساع رقعة الدعاية السياسية من الأطراف المشاركة وتغطية إعلامية مكثفة وبالعنف والعنف المضاد وتراشق التهم داخل المعسكر السياسي، ودامت 14 يومًا وانتهت 21 يناير/كانون الثاني، وصرَّح مرشح تحالف تحرير الشعب، موسى جوب ببدور، بعد خسارته برصد توظيف المال وشراء الذمم ممن سماه “الملياردير” وعواقب هذا السلوك على النتائج، إلى جانب وجود ناخبين ليسوا من أهل البلدية.

البرنامج السياسي للمناطق وحصيلة البلديات

يبقى أن سقف وعود الساسة المحليين للناخب متدنية إذا قيست بمسيرة البلاد وبما يتوافر للدولة من موارد وكوادر وبيئة عملية، ثم ضرورة مواكبة العولمة، ومن الإبداع/الغريب ما تناوله زعيم المعارضة من شأن عملة جهوية خاصة بالجنوب، أما قضايا العصر من قبيل توطين “الذكاء الاصطناعي، واقتصاد المعرفة مثلًا وغيرهما فغائبة، ويلوِّح البرنامج السياسي بتخلف البلاد من ناحية التمدن والعمران وانتشار الفقر والبطالة ما يجعل من تلبية الحاجات الأساسية برنامجًا انتخابيًّا يأسر قلوب الناخبين.

لا يزال كثير من القرى بحاجة ماسَّة إلى كل أشكال البنية التحتية ابتداء بماء الشرب وتوفير التعليم والصحة والإضاءة، وهو ما يعني إخفاق الإدارة المحلية في الأداء اللامركزي.

ثم إن تسييس الأجهزة اللامركزية وتغليب الحسابات السياسة على الخدمات الإدارية التنموية مما يحُول دون تمكين القيادة المحلية المعارضة من كافة آلياتها التنظيمية والتدبيرية، وقَلَّ أن يتم تنفيذ مخطط تنموي محلي خلال مدة ولاية عمدة لطغيان الأبعاد السياسة على غيرها.

يبقى أن دور الجماعات محدود مهما كانت صلاحياتها واختصاصاتها، حتى وإن ارتقى الأمر أكثر إلى مرتبة هيئات استشارية بالمقاطعات الـ43(9)، وهو ما يوجب على قياداتها تبني رؤية شمولية تكاملية أثناء وضع خططها واستراتيجياتها التنموية، وأن ترتكز أساسًا على تطوير ظروف الحياة اليومية واستغلال الموارد على تنوعها لصالح الساكنة، وهو ما يتطلب منح البلديات الإمكانات اللازمة من موارد مادية وبشرية للقيام بمهامها المنوطة بها تفعيلًا للمقتضيات الدستورية مع إنشاء المجلس الأعلى للجماعات المحلية، 2016، وتكريسًا للامركزية لتكون دعامة للتنمية ورافدًا للسلم الأهلي والوحدة الوطنية.

وتستوجب المرحلة القادمة الصرامة في ضبط آليات الرقابة المالية وصرف النفقات المحلية في الاحتياجات الأولية؛ نظرًا لقلة الإنجازات بالوحدات الترابية ما يدفع إلى حتمية الشفافية والنزاهة وترشيد النفقات العمومية، ثم دمج أصحاب الاختصاصات العلمية المتعلقة بمجال الإدارة الترابية مع إعطاء الأولوية لأبناء المنطقة رفعًا للكفاءة ومن منسوب الأداء وإسهامًا في تثمين الرأس المال البشري.

معركة صناديق الاقتراع الخروج الآمن

فتحت مكاتب التصويت أبوابها يوم 23 يناير/كانون الثاني ابتداء مع الساعة الثامنة صباحًا إلا أنه سُجِّل تأخر في بعض المراكز، وكانت نسبة المشاركة إلى حدود منتصف النهار ضعيفة، وتتولى لجان المقاطعات إحصاء الأصوات والإعلان عن النتائج الأولية في الانتخابات الجهوية، ويتم اعتمادها من قبل محكمة الاستئناف إذا لم يطعن فيها أصحاب المصلحة في الآجال المحددة، فيما تعد محاضر مكاتب التصويب حجر الزاوية لعمارة الشفافية والنزاهة، وأسهم الاتفاق الحاصل بين الشركاء السياسيين حول السجل الانتخابي في تقبل النتائج والاشادة بسيرورة اقتراع يوم 23 يناير/كانون الثاني.

إلا أنه يمكن إرجاع ضعف المشاركة السياسية من قبل الناخبين إلى أمور:

تخلِّي الأحزاب السياسية عن دورها التأطيري التوجيهي وإيجاد ثقافة سياسية تدفع عموم المواطنين إلى الإسهام في تطوير الشأن العام، ومؤشرات ذلك: موسمية العمل السياسي، وضعف التنظيم، والخطاب المستهلك، والترحال السياسي…

ـ انعدام الثقة في المؤسسات الوطنية عمومًا والتشكيك في مصداقيتها أحيانًا ما أنتج عزوفًا سياسيًّا يتكرر مع كل اقتراع.

ـ احتضار الأحزاب الكبرى تاريخيًّا (اليسار، الحزب الاشتراكي، الحزب الديمقراطي السنغالي) بأقطابها وأيديولوجيتها؛ ويظهر ذلك في سقوطها في معاقلها وخسارة قواعدها الشعبية ما يؤذن بصعود قيادات جديدة وجيل ناشئ من الطبقة السياسية من أمثال: سونكو وبوغان وامبوب وأحمد حيدرا، وغيرهم.

ويزداد دور المؤسسة القضائية في الانتخابات ممثَّلًا في حضور محاكم المقاطعات وبت محكمة الاستئناف في عدد من الدعاوى المرفوعة أمامها: امباكي، تياس، غيجواي، وتدارك بعض الثغرات.

لا يزال التحالف الحاكم على قناعة بقوته وشعبيته رغم خسارة بعض المحاور فيما احتل تحالف تحرير الشعب مرتبة متقدمة في الاستحقاق الانتخابي بالأخص في العاصمة ومدينة تياس وفي الجنوب –زيغنشور- وفاز رجل الأعمال ورئيس الغرفة التجارية بكاولاخ.

لم يخل السباق من جوانب مضيئة تحسب للديمقراطية السنغالية باعتراف مرشح BBY، أبو بكر صديق بيي، بهزيمته وتهنئة الفائز -الخصم اللدود للتحالف الحاكم- تحرير الشعب، شيخ غي، كما حصل مع عمدة جيبل-دركل، نفس الشيء تكرر مع الوزير الخاسر، هوت، أمام منافسه بيمبل الجنوبية، بار غي، وبإقرار وزير الصحة، عبد الله جوف سار، بهزيمته وتهنئة منافسيه.

وجاءت لحظة تتويج الفريق السنغالي لكرة القدم بكأس أمم إفريقيا لتجمع الطيف السياسي تحت مظلة الوطنية يوحِّدهم استقبال الأبطال المنتصرين والاحتفاء جميعًا بالنصر التاريخي كفترة استراحة بين المعسكرين -الموالاة والمعارضة- من شغل السياسة وتلهٍّ بالرياضة.

لعل التحدي الأكبر أمام الشعب السنغالي بعموم مواطنيه وفاعليه ومؤسساته تحقيق الخروج الآمن حفظًا للديمقراطية الناشئة وضمانًا لتدول سلمي على السلطة بعد إتمام المأمورية الثانية من ولاية الرئيس الحالي عام 2024، بناء على إثبات نتائج المحليات قوة وصعود المعارضة مستفيدة من الغضب الشعبي تحت وطأة الأزمة الصحية واحتجاجات مارس/آذار 2021 وهزات الفساد والرشوة ومأساة الشباب المهاجرين وملف التعليم…إلخ، إضافة إلى عامل الجوار الإقليمي المتوتر والمتفاقم الذي يلقي بظلاله على الداخل.

وثمة رسائل من الحكومة على الرغبة في البقاء لمدى أطول بناء على التاريخ المحدد لدى مرشح تحالف السنغال 2035، مام امبي جانغ، الذي يشغل حاليًّا ديوان الرئاسة، مما يعطي التوقيت دلالة رمزية سياسية بالربط بين برنامج التحالف من أجل الجمهورية التنموي وخطة السنغال الصاعدة في أفق 2035(10).

وفي انتظار إعادة تشكيل الحكومة التي يفترض فيها أن تضع برنامج الوداع بعد تنصيب الوزير الأول عقب إلغاء المنصب، 2019، الدفع بخطة التوديع إلى الأمام وبأقصى سرعة بسبب خسارة كل وزرائه بالعاصمة ما عدا عبد الكريم صال.

وأكدت نتائج صناديق الاقتراع المحلي التي كانت بمنزلة استفتاء على السياسات العامة والأداء الحكومي السخط والاستياء الشعبي، فيما لا تقل دلالتها السياسية والدستورية عن تقديم “ملتمس حجب الثقة” على الوزراء والموظفين السامين الذي خسروا قواعدهم الشعبية لاكتمال نصاب الحجب ممثلًا في إرادة الناخب، فمن بين سبعة وزراء مترشحين بداكار لم يحظ منهم إلا واحد بثقة ناخبيه بمن فيهم عمر غاي وزير الجماعات المحلية، وتفعيلًا لمنطق الرئيس في انتخابات سابقة : “من لم يفز في منطقته سيخسر منصبه”، وحسب المحلِّل السياسي، موسى جَوْ، فإن سوء الإدارة كان وراء فشل الأغلبية الرئاسية(11).

مراجع

(1) كما هي حال مع المستعمرات الفرنسية الإفريقية باستثناء جزر القمر.

(2) محمد الصغير بلعي، القانون الإداري التنظيم الإداري، دار العلوم للنشر والتوزيع، ص48.

(3) المسيرة، العدد 118، السنة 48، أبريل/نيسان-مايو/أيار 2016، صادرة عن وزارة الثقافة والاتصال، ص10.

(4) Manon Laplace, Élections locales au Sénégal : les nouvelles règles risquent-elles de fragiliser le pluralisme politique ?

https://www.jeuneafrique.com/807985/politique/elections-locales-au-sene…

(تاريخ الدخول: 16 يناير/كانون الثاني 2022)

(5) وهذه الآلية التدبيرية التوافقية لم يعمل بها في اقتراع المحليات 2009. للاستزادة، يُنظر:

Rapport Général de la CENA sur ses activités en 2008 et sur les élections locales du 22 mars 2009, P : 9.

(6) هيئة مستقلة تتمتع بشخصية قانونية واستقلال مالي، تشرف وتراقب على كافة مسلسل الانتخابات والاستفتاءات.

(7) المستقل هو من لم يسبق له الانضمام إلى حزب أو كل من قطع صلاته الحزبية قبل سنة، المادة 57.

(8) وقد طُبِّق هذا المبدأ لأول مرة مع الانتخابات التشريعية 2012.

(9) وتبقى مقاطعات: داكار، جيغواي، بيكين من غير مشاركة.

(10) PLAN SENEGAL EMERGENT 2014, p: 2, 48,

https://www.sec.gouv.sn/sites/default/files/Plan%20Senegal%20Emergent_0…

(تاريخ الدخول: 9 فبراير/شباط 2022)

(11) Absa Diongue, Défaite de la coalition Bby aux élections locales : Le décryptage du politologue Moussa Diaw, 26 janvier, 2022

https://seneweb.com/news/Politique/defaite-de-la-coalition-bby-aux-elec…

(تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2022)