تُمثل أوكرانيا ساحة للصراع على النفوذ بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بسبب موقعها؛ حيث تقع أوكرانيا بين روسيا التي تعدها حظيرة خلفية لها، وأوروبا ودولها المدعومة من واشنطن، التي ترى فيها رأس حربة لمواجهة روسيا. ومن ثم، تتزايد أهمية انخراط المقاتلين الأجانب بوصفهم إحدى آليات الحروب الحديثة والهجينة، في ظل رغبة واشنطن والدول الأوروبية في تفادي المواجهة المباشرة والانخراط في الحرب بجانب أوكرانيا ضد روسيا، فضلاً عن أن لروسيا دوراً في دعم سياسة تجنيد المقاتلين الأجانب في الحروب والمواجهات بينها وبين الجمهوريات السوفييتية السابقة.

وقد تصاعدت تحذيرات متكررة من حكومات وأحزاب في دول المغرب العربي من انخراط مواطنيها في القتال مع أوكرانيا، وأصدر الحزب الاشتراكي الموحد، في 12 مارس 2022، بياناً استنكر فيه دعوة السفارة الأوكرانية المغاربة إلى مساعدة أوكرانيا في حربها ضد روسيا. وعلى المنوال نفسه، حذرت الحكومتان التونسية والجزائرية، السفارة الأوكرانية من تجنيد مواطنيها في الحرب ضد روسيا، وهو ما يمكن قراءته في ضوء المخاطر والتداعيات المحتملة على أمن منطقة المغرب العربي، لا سيما خطر اتساع نطاق الحرب وامتدادها لتشمل منطقة المغرب العربي، التي تعاني دولها من حالة عدم استقرار سياسي، وسياق أمني وإقليمي هش، ناهيك عن خطر التجنيد وانضمام المقاتلين إلى التنظيمات الإرهابية، وإشكالية المقاتلين الذين تشكل عودتهم مرةً أخرى تهديداً حقيقياً على أمن واستقرار هذه الدول، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بتصاعد حدة الاستقطاب الطائفي بين السنة والأقليات الشيعية في المنطقة.

تجنيد مزدوج

1– اتخاذ كييف خطوات تشريعية لاستقبال متطوعين أجانب: اتخذت السلطات الأوكرانية، بدعم ضمني أوروبي وأمريكي، خطوات تشريعية وتنظيمية تؤسس لإلحاق مقاتلين أجانب جدد بالجيش الأوكراني؛ حيث تم إصدار قانون “أُسس المقاومة الوطنية” في 27 يناير 2022، الذي أجاز تطوع الأجانب ومَن لا جنسية لهم في “قوات الدفاع الإقليمي”. ودعا الرئيس الأوكراني؛ فولوديمير زيلينسكي، إلى التطوع والالتحاق بصفوف “الفيلق الدولي”، وأعلنت السفارات والبعثات الدبلوماسية الأوكرانية استقبالها الراغبين في الانضمام إلى قواتها حول العالم، بالإضافة إلى فتح موقع إلكتروني لتلقي طلبات التطوع.

2– إعلان أوكرانيا عن توافد آلاف المتطوعين لساحات القتال: في 6 مارس 2022، قال وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، في مؤتمر صحفي، إن متطوعين من 52 دولة توافدوا على بلاده للقتال مع الأوكرانيين ضد الحرب الروسية، وأضاف أن عدد الأجانب المتطوعين الراغبين في القدوم إلى أوكرانيا بلغ حتى الآن 20 ألفاً. فيما أعلن الرئيس الأوكراني؛ فولوديمير زيلينسكي، أن 16 ألفاً تطوعوا للقتال مع أوكرانيا.

3– انخراط سفارات أوكرانيا في تجنيد مقاتلين بالمغرب العربي: لم تتوقف عمليات تعبئة وتجنيد المقاتلين الأجانب عند حدود سوريا، بل تصاعدت وتيرة التجنيد واتسع مداها حتى طرقت أبواب منطقة المغرب العربي؛ ففي المغرب، استنكر الحزب الاشتراكي الموحد مساعي السفارة الأوكرانية إلى جمع تبرعات مالية من المغاربة؛ من أجل المساعدة في صد الهجوم الروسي. وبحسب ما جاء في بيان للحزب، دعت السفارة الأوكرانية بالرباط، يوم 24 فبراير الماضي، بصفحتها الرسمية على شبكة فيسبوك، المواطنات والمواطنين المغاربة، والأجانب المقيمين بالمغرب، إلى التبرع بالأموال للقوات المسلحة الأوكرانية، كما نشرت نفس السفارة رابطاً إلكترونياً مكونًا من استبيان إعلامي للمغاربة الراغبين في التجنيد ضمن صفوف المقاتلين بأوكرانيا.

وفي 7 مارس 2022، تداولت الصحف العربية الأخبار حول تحري السلطات التونسية عما ذكرته تقارير صحفية عن مزاعم حول عمليات تجنيد لرعايا تونسيين موقوفين في السجون الأوكرانية للمشاركة في الحرب. وأوضح مدير الدبلوماسية العامة والإعلام بالوزارة محمد الطرابلسي لوكالة الأنباء الألمانية، في 6 مارس 2022، أن السلطات التونسية تواصلت مع سفير أوكرانيا لديها لطلب معلومات بشأن تقارير محلية ودولية نقلت شهادات عن تونسيين في أوكرانيا.

أما الجزائر، فقد أكدت صحيفة الشروق الجزائرية بدورها، في 4 مارس 2022، أن منشوراً للسفارة الأوكرانية بالجزائر نُشر لطلب متطوعين براتب شهري؛ ما أغضب الحكومة الجزائرية، وطالبت السفارة بسحب المنشور فوراً من موقعها. وقالت الصحيفة: “اضطرت سفارة أوكرانيا لدى الجزائر إلى سحب منشور يدعو إلى تجنيد الشباب في الحرب الدائرة بين كييف وموسكو، في انتهاك واضح لأحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية بين الدول”.

4– موافقة روسيا على استقدام متطوعين من الشرق الأوسط: في المقابل، أعطى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الضوء الأخضر لاستقدام 16 ألف مقاتل من الشرق الأوسط وسوريا للمشاركة في القتال الجاري هناك. وأعلن الكرملين أنه سيُسمح للمقاتلين من سوريا ودول الشرق الأوسط بالقتال لصالح روسيا في أوكرانيا.

5– احتمالية توظيف روسيا حضورها بليبيا لاستقطاب المقاتلين: حيث تعد ليبيا بيئة مثالية لتجنيد المقاتلين في الحرب الروسية – الأوكرانية، وخاصةً في ظل وجود العديد من الميليشيات والمرتزقة الأجانب في ليبيا مع وجود قوات فاجنر؛ حيث تشير التقديرات إلى أن عدد المقاتلين والمرتزقة الأجانب في ليبيا، يُقدَّر بأكثر من 20 ألفاً، وهو ما يُمكِّن موسكو من أن تستقطب الآلاف من المقاتلين المحترفين لنقلهم إلى أوكرانيا للقيام بمهام عسكرية في الداخل الأوكراني، عبر استراتيجيات حروب المدن التي يجيدها المقاتلون والمرتزقة المنخرطون في الأزمة الليبية.

تداعيات خطرة

يمكن القول إن ثمة مجموعة من المخاطر الأمنية المحتملة نتيجة انخراط مقاتلين من منطقة المغرب العربي في الحرب الروسية – الأوكرانية، ويمكن إيجازها فيما يلي:

1– اتساع نطاق الفوضى ليشمل منطقة المغرب العربي: حيث إن نشر مقاتلين أجانب في أوكرانيا يؤدي إلى تدويل هذه الحرب، وربطها بوضع إقليمي أوسع. ومن ثم يؤدي انخراط المقاتلين المغاربة في حرب عصابات وحرب بالوكالة، إلى امتداد ساحة الحرب واتساع نطاقها إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما في ذلك منطقة المغرب العربي التي تُعاني دولها من سياق أمني هش وأوضاع سياسية وأمنية غير مستقرة، لا سيما حالة التوترات العسكرية والسياسية بين الجزائر والمغرب إثر الخلاف حول الصحراء، وحالة عدم الاستقرار السياسي في ليبيا التي تعج بالتنظيمات الإرهابية والميليشيات المرتزقة، وأيضاً حالة عدم الاستقرار السياسي في منطقة الساحل الإفريقي المجاورة.

2– تحول أوكرانيا إلى بيئة حاضنة للتنظيمات الراديكالية والإرهابية: وهي التنظيمات التي قد تجد في هذا السياق فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وتجنيد المزيد من المقاتلين، لا سيما مع تصاعد وتوظيف الخطاب الديني الراديكالي في أوكرانيا، وخاصةً عبر البيانات التي تحمل الطابع السياسي الديني من ممثلي المنظمات الإسلامية، وفي مقدمتهم مفتي أوكرانيا؛ سعيد إسماعيلوف، بجانب مجلس مسلمي أوكرانيا وعدد من المنظمات الإسلامية المحسوبة على جماعات الإخوان المسلمين؛ لذلك يتوقع أن يؤدي التدفق للمقاتلين الأجانب إلى خلق حالة من الفوضى وتحول أوكرانيا إلى بيئة حاضنة للتنظيمات الإرهابية والجماعات الدينية المسلحة، وخاصةً بعد اتجاه طرفي النزاع في الحرب إلى استقطاب جماعات ذات اتجاهات دينية وسياسية مختلفة، وكلاء لهما في هذه الحرب. وهو ما يستدعي إلى الأذهان نموذج استخدام المجاهدين العرب في وقت سابق في مواجهة واستنزاف روسيا بأفغانستان والشيشان.

3– إشكالية عودة المقاتلين إلى دول المغرب العربي: حيث إن عودة أولئك المقاتلين تؤثر تأثيراً مباشراً على أمن منطقة المغرب العربي، لا سيما تأجيج الصراع المسلح في ليبيا، كما تهدد باشتعال موجات إرهابية جديدة بعد عودة هؤلاء المقاتلين من أوكرانيا. وتشير تجارب الحروب السابقة إلى أنه غالباً ما أدى انتقال المقاتلين الأجانب إلى تطوير أساليب وتكتيكات القتال، ورفع درجة التأهب الأمني الذي يشكله العائدون؛ ما جعلهم يشكلون تهديداً أمنياً لدولهم، وعزز من ذلك تطوير داعش بنيته الهيكلية، وإنشاء إدارة للعمليات الخارجية تضم نخبة من مسؤولي العمليات الذين يحافظون على صلات وثيقة بالعائدين من ساحات القتال، وهو ما يزيد تعقيدات مواجهة الإرهاب. وثمة من يقارن الحديث عن “المقاتلين الأجانب” في أوكرانيا بنموذج المقاتلين في حرب أفغانستان أو من يُعرَفون بـ “الأفغان العرب”، الذين شكَّلوا حين عادوا خطراً إرهابياً كبيراً على شعوبهم.

4– تصاعد حدة الاستقطاب السني – الشيعي بالمغرب العربي: وخاصةً في ظل وجود أقلية شيعية في دول المغرب العربي، وهي الأقلية التي ربما تتأثر بمشاركة الميليشيات الشيعية والسورية في القتال على الساحة الأوكرانية، والمواجهات المحتملة بين المقاتلين الشيعة المنخرطين في القتال مع الجانب الروسي ضد المقاتلين السنة المنخرطين في القتال مع الجانب الأوكراني؛ ما يؤدي إلى تأجيج وإثارة المشاعر الطائفية بين السنة والشيعة بمنطقة المغرب العربي.

وختاماً، فإن تصاعد وتيرة عمليات ودعوات تجنيد مقاتلين من دول المغرب العربي للقتال في الساحة الأوكرانية، ينطوي على العديد من المخاطر الأمنية، لا سيما اتساع نطاق الحرب وامتدادها لتشمل هذه المنطقة، ناهيك عن خطر التجنيد وانضمام المقاتلين إلى التنظيمات الإرهابية، فضلاً عن شبكة علاقات هؤلاء المقاتلين العائدين مع مقاتلين من دول أخرى، علاوة على تصاعد حدة الاستقطاب الطائفي بين السنة والأقليات الشيعية في المنطقة.