لم يهضم نظام المخزن، على ما يبدو، تبني جامعة الدول العربية بالإجماع تاريخ أول نوفمبر كموعد لعقد قمة بالجزائر، فشغّل أدوات التشويش على القرار، على أساس أنه مخالف لنصوص ميثاق الجامعة التي تحدّد انعقاد القمم في شهر مارس، مثلما يحاول وزير خارجية المخزن تسويقه خلال حوار تلفزيوني مع أحد القنوات الفرنسية ومعه تناقلت مواقع مغربية طروحاته بتلقائية.

بينما تشكر الجزائر الأشقاء العرب على تبني تاريخ أول نوفمبر لانعقاد القمة العربية في الجزائر، يتم إيقاظ خلايا نائمة في المغرب للتشويش على هذا القرار المتخذ بإجماع عربي، بحجة أنه مخالف لإحدى بنود ميثاق الجامعة، في تحرك يؤشر على وجود ارتباك مخزني من إفرازات هذا القرار على الصعيد الرمزي والسياسي والإقليمي، في ظل مخاضات وبوادر ميلاد عالم متعدد الأقطاب قد يتراجع فيه تأثير الكثير من الدول واللوبيات والكيانات في المشهد العالمي.

جذور عمليات التشويش ظهرت عندما بدأ الحديث يدور عن قمة الجزائر وتاريخها الذي سيحمل رمزية تاريخية، حيث بدأت مواقع مغربية تتحدث عن تأجيل للقمة لإشاعة مناخ الشك، في حين نفت الجزائر على لسان وزيرها للخارجية، رمطان لعمامرة، بأن “تاريخ القمة لم يتحدد حتى يتم تأجيله”، في إجابة مقتضبة مبطّنة، تفيد أن مسؤولي مبنى هضبة العناصر مدركون لخلفيات هذه الـ”فايك نيوز” والمخابر التي طوّرت فيها.

ومن المتوقع أن التوافق العربي على تاريخ من اقتراح جزائري، سيُشعر المغرب بعزلة كبيرة، خصوصا وأنه الدولة الوحيدة التي أبدت تحفظات على تحديد أول نوفمبر كموعد لانعقاد القمة في الجزائر، لما يحمله من رمزية تاريخية تتخطى حدود القطر الوطني إلى الأقطار العربية التي دعّمت المد الثوري الجزائري. ولا يخرج استقرار القادة العرب على تاريخ قمة واحدة عن هذه الاعتبارات، حيث ذكر وزير الخارجية رمطان لعمامرة في معرض كلمته، خلال لقاء وزراء الخارجية العرب، الأسبوع الماضي، أن “نتائج المشاورات التي قادها رئيس الجمهورية مع أشقائه العرب بطريقة مباشرة أو عبر مبعوثه الخاص، تؤكد رمزية الموعد الذي اختاره لانعقاد القمة، باعتباره تاريخا جامعا كرّس التفاف الدول والشعوب العربية وتضامنها مع الثورة الجزائرية المجيدة”، حسب بيان للخارجية.

وتابع لعمامرة “إن التاريخ يحمل دلالات هامة حول تمسك الدول العربية بقيم النضال المشترك في سبيل التحرر وامتلاك مقومات تقرير مصيرها الموحد، خاصة في خضم التحديات المتزايدة التي تفرضها التوترات الخطيرة والمتسارعة على الساحة الدولية”. ويكون العرب، يضيف لعمامرة، أمام موعد سياسي هام ينتظر منه فتح آفاق جديدة للعمل العربي المشترك، لتمكين الأمة العربية من إسماع صوتها والتفاعل والتأثير بصفة إيجابية على مجريات الأمور على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وحملت كلمة لعمامرة رسائل تقبل قراءات مزدوجة، ظاهرة ومبطنة، حيث أشار إلى أن ثمة “تطورات خطيرة يجب أن تستوقفنا، ليس فقط لأنها تحمل بوادر تشكّل موازين جديدة للقوى على الساحة الدولية، بل لأن انعكاساتها ستكون معتبرة على عالمنا العربي، خاصة في ظل حالة الاستقطاب التي ما فتئت تزداد حدتها مؤخرا على الصعيد الدولي”، مشيرا إلى أن “رمزية تاريخ القمة ستلهم في اتخاذ القرارات اللازمة للارتقاء بالعمل العربي المشترك إلى مستوى التحديات المطروحة”.

إثارة الجزائر للقضية الفلسطينية في الاجتماع الأخير لوزراء خارجية العرب، ودعوتها إلى إحياء مبادرة السلام العربية، من بين الأسباب التي أحرجت المخزن ولم يتبق له سوى أساليب الدعاية، فكلمة لعمامرة تحدثت عن “القضية المركزية ومرورها بأصعب مراحلها بسبب ما تشهده من محاولات الإجهاز عليها”. مشددا على “ضرورة إحياء وتفعيل مبادرة السلام العربية وضمان إقامة دولته المستقلة على حدود عام 7091 وعاصمتها القدس الشريف، والتأكيد على حتمية تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية وأهمية المسعى الذي أطلقه الرئيس عبد المجيد تبون بالتنسيق مع أخيه الرئيس محمود عباس”.

كل هذه العناصر كان من المُنتظر أو تنشّط في قيادات المخزن نزعة العداء، التي استيقظت من سباتها إثر قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، وكذا وقف العمل بأنبوب الغاز الذي يمر عبر الأراضي المغربية باتجاه إسبانيا، وحرمان المملكة من فوائد الأتاوات وحصة الغاز.