Print Friendly, PDF & Email

مقدمة :إن مما لا شكل فيه ان الأبستمولوجيا اليوم من أمهات الموضوعات الفلسفية الأكثر حيوية ، والأشد إرتباطاً بالعلم ، وتشابكاً في نسيجه. وإنها المشهد الفلسفي الذي يعكس التبدلات العلمية في البناء المعرفي والتوجهات الفكرية ادى حتما الى ظهور المدارس الأبستمولوجيا باختلافاتها .

وكإشكالية للموضوع : ما مدى ناثير المدارس الأبستمولوجيا على العلم ؟

المدرسة الابستمولوجية الحسية التجريبية وهي مدرسة تعتمد ” الحس ” أو ” التجرية ” طريقاً وحيداً لإكتساب المعرفة . وقد جاء التأسيس لهذا النوع من الأبستمولوجيات في كتاب ” فرنسيس بيكون ” (1561 – 1626 م) الذي عنوانه ” الأورغانون الجديد ” أي المنطق الجديد ، وإن الأسم فيه إشارة إلى ” أورغانون أرسطو ” . فالأرغانون الجديد عند بيكون هو نظام جديد في المنطق يعتمد الإستقراء بدلاً من الإستدلال . ولهذا كان بيكون يعتقد أن أورغانونه له السلطة العليا على الأورغانون القديم وهكذا اختارت المدرسة الحسية الإستقراء ، الطريق المنطقي الذي يتجاوب مع هذه التوجهات الحسية التجريبية. كما وإرتبطت هذه المدرسة بمجموعة من الفلاسفة الإنكليز من أمثال : ” توماس هوبز ” و ” جون لوك ” (1632 – 1704) الذي يعتبر من مؤسسي الأبستمولوجيا الحديثة والذي بحث في أصل المعرفة وكونها تأتي من خلال الحواس . ، و” دافيد هيوم ”الذي تناول المعرفة الحسية وما إرتبط بها من مشكلات تولدت للإستقراء .
المدرسة الابستمولوجية العقلية : تومن ” العقل ” الطريق الوحيد لإكتساب المعرفة . إن هذا الإتجاه إرتبط بنخبة من الفلاسفة العقليين الذين إنتجوا لنا نصوصاً أبستمولوجية في غاية الأهمية في تاريخ الأبستمولوجيا عامة والنزعة العقلية على وجه الخصوص ، كان في طليعتهم الفيلسوف الفرنسي ” ديكارت “(1596- 1650) والذي ركز مشروعه الأبستمولوجي في كتابه المعنون ” تأملات في الفلسفة الأولى ” والذي صدر لأول مرة باللغة الاتينية في العام 1641 ، ومن ثم جاء ” باروخ إسبينوزا ” (1632- 1677) وهو من أكبر الفلاسفة العقلانيين ، وقد تأثر بكل من ” إقليدس ” صاحب كتاب الأصول في الهندسة) و” ديكارت ” . كما وإرتبطت هذه المدرسة بمجموعة من الفلاسفة
امثال الألماني ” جوتفريد لايبنز ” (1646- 1716) وهو فيلسوف وعالم رياضيات ومنطق . وتوصل إلى إكتشاف ” حساب التفاضل والتكامل ” في الوقت ذاته الذي أعلن فيه ” إسحاق نيوتن ” (1643- 1727) عن إكتشافه هذا النوع من الحساب ولايبنز الذى سعى بكل جهد إلى تأسيس أبستمولوجياته العقلية على قواعد رياضية ومنطقية ، ومن ثم تطلع إلى صياغة القضايا الأبستمولوجية بلغة الرياضيات الرمزية والملتزمة بقواعد المنطق الرمزي. وقد أعاد هؤلاء الفلاسفة وخصوصاً لايبنز المكانة للإستدلال ، وخاصة الإستدلال الرياضي ، طريقاً لتأسيس المعرفة اليقينية
المدرسة الابستمولوجية النقدية:
إنها إتجاه أبستمولوجي حديث مارس عملية النقد للإتجاهين المعرفيين السابقين (أي نقد للأبستمولوجيا الحسية والعقلية على حد سواء) . ومثل هذه النزعة الأبستمولوجية في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة ، الفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” (1724- 1804) هو فيلسوف ألماني ، وهو آخر الفلاسفة المحدثين ،الذي كان له تأثيراً واسعاً في عموم البيئات الفلسفية الأوربية عامة والأبستمولوجية خاصة وفعلاً أن كانط في طرف من كتابه أنتقد الأبستمولوجيا التقليدية أبستمولوجيا التجريبين والعقليين . وفي طرف آخر القى الضوء على النهج الكانطي في تأسيس أبستمولوجيا نقدية . والحقيقة أن مشروع كانط النقدي سعى في جوهره إلى المصالحة بين الأبستمولوجيا التجريبية والأبستمولوجيا العقلية .
جادل كانط التجريبين والعقليين ، ورأى إن إستعمال العقل وحده دون الأستعانة بالتجربة سيقودنا إلى الوهم . في حين إن الأعتماد على التجربة وحدها ، ستكون تجربة شخصية تماماً دون إخضاعها إلى العقل الخالص، كما تطلع كانط إلى إصلاح الميتافيزيقا من خلال الأبستمولوجياو إختار كانط طريقاً أبستمولوجياً ثالثاً ، طريقا يمنح الحس والعقل على حد سواء دوراً في عملية تكوين المعرفة . إلا إنه لا يؤمن كما آمن الحسيون بأن العقل صفحة بيضاء (جون لوك مثلاً) قبل المعرفة . وإنما هناك أطر عقلية ، وإن المعرفة التي تأتي عن طريق الحس تنتظم وفق تلك الأطر العقلية وهي مثل الزمان والمكان.
المدرسة الابستمولوجية أالوضعية المنطقية:
تميزت الأبستمولوجيا المعاصرة في إطارها الفلسفي بطعم خاص عكس تنوع مدارسها الفلسفية المعاصرة فالوضعية المنطقية هي مدرسة فلسفية ، جمعت بين التجريبية (التي تعتمد على الملاحظة في معرفة العالم) والعقلانية التي تشمل البناء اللغوي ذو الطبيعة المنطقية الرياضية والإستدلال الأبستمولوجي . وإستندت أبستمولوجيا الوضعية المنطقية إلى معيار المعنى الذي يعود في إصوله إلى الكتابات المبكرة لفيلسوف العلم واللغة لودفيغ فيتجنشتاين (أي كتابه رسالة منطقية – فلسفية) ، كما وتعتمد أبستمولوجيا الوضعية المنطقية على مبدأ التثبت (أو التحقق) والذي تظهر عليه أثار ما كتبه فيتجنشتاين في الرسالة المنطقية – الفلسفية واضحة كذلك . أن مبدأ التحقق هو الطريق الذي يحدد أن هذه القضية أو هذا السؤال لهما معنى . فمثلاً القضية القائلة : ” أن العالم جاء إلى الوجود قبل فترة قصيرة ” . إن مثل هذه القضية ” لا معنى لها ” من زاوية مبدأ التحقق ، وذلك لأن مثل هذه القضية لا توفر لنا طريقاً ” يثبت بأن هذه القضية صادقة أم لا
إتخذ مبدأ التحقق مساراً خاصاً مع الفريد آير ، خصوصاً في كتابه المعنون : ” اللغة : الصدق والمنطق ” والصادر عام 1936. فهو فعلاً مبدأ أو معيار للمعنى ، ولكن ليس عن طريق التحليل اللغوي ، وإنما يكون عن طريق التثبت التجريبي . وحقيقة إن فكرة التحقق ، فكرة قديمة تصعد على الأقل إلى دافيد هيوم والتجريبيين الذين يعتقدون بأن الملاحظة هي الطريق الوحيد الى المعرفة
واليوم يستعمل مبدأ التحقق بمعنى مبدأ التكذيب الذي ينظر إليه كإمكانية منطقية تسعى إلى تحديد قضية ما بأنها كاذبة ” عن طريق ملاحظة خاصة أو تجربة فيزيائية ” . وإن مبدأ التكذيب لا يعني ” إن شئ ما هو كاذب ، بل إنه يعني إن القضية كاذبة ، وتحتاج إلى برهان على كذبها ” .
كما تبنى عدد غير قليل من الوضعيين المنطقيين في مضمار الأبستمولوجيا ، ما يعرف ” بنظرية التطابق ” ، وهي النظرية التي دافع عنها فتجنشتاين في رسالته المنطقية الفلسفية . والحق يقال أن بعض الوضعيين المنطقيين من أمثال أوتو نيروث لم يقبلوا بنظرية التطابق ، بل فضلوا نظرية الإتساق (أو ألإنسجام) والتي ” ترى أن صدق القضية هو إتساقها أو إنسجامها مع مجموعة القضايا الأخرى في النظام الذي تنتمي إليه ” والإتساق يعني أن لا تثير القضية أي تناقض في النظام الذي دخلت إليه . والواقع إنه ليست هناك نظرية واحدة في مضمار نظرية الإتساق (أو الإنسجام) ، بل هناك وجهات نظر عديدة في مضمارها
وتزعم نظريات التطابق في مضمارها الأبستمولوجي ، إلى أن الإعتقاد يكون صادقاً أو القضية تكون صادقة بمقدار تطابقهما على الموضوعات والأشياء الواقعية . وهذا النمط من النظريات يفترض وجود علاقات بين الأفكار والقضايا من طرف ، وبين الأشياء والوقائع من طرف آخر . ويصعد الشكل الإبستمولوجي لنظرية التطابق ، على الأقل ، إلى فلاسفة اليونان الكلاسيكيون سقراط ، إفلاطون وارسطو ( والثلاثة يشكلون طرفاً من مكونات كتابنا المعنون : تجربة الوافد في مضمار الأبستمولوجيا الفلسفية). وتعتقد هذه النظريات إن الصدق أو الكذب يتقرران من خلال إرتباطهما(أو عدم إرتباطهما) بالحقيقة أو وصفهما (أو عدم وصفهما) للحقيقة بدقة .
المدرسة الابستمولوجية البراجماتية : إنبثقت البراجماتية ، تحمل إعلاناً أبستمولوجياً تجريبياً (حسياً) في نهايات القرن التاسع عشر ، وبالتحديد في النادي الميتافيزيقي ، فيما بين عامي 1872 و 1874 ، وهو النادي الذي كان كل من “تشارلز ساندروز بيرس” (1839- 1914) و”وليم جيمس” (1842- 1910) يمثلان من بين أعضائه الأتجاه الأبستمولوجي التجريبي في الفلسفة في مقابل الأتجاه الأبستمولوجي الميتافيزيقي المثالي الذي كان يمثله أغلب أعضاء النادي وقد قدم بيرس في النادي بحثاً أبستمولوجياً متفرداً ، نشر فيما بعد في مقالين الأول بعنوان ” تثبيت الإعتقاد ” الذي ظهر في العام1877 والثاني بعنوان ” كيف نوضح أفكارنا ” الذي صدر في العام 1878 وهما المقالان الأبستمولوجيان ، اللذان أعلنا عن ظهور حركة فلسفية أبستمولوجية جديدة هي ” البراجماتزم ”
و إختيار بيرس للإصطلاح براجماتزم ، لم يكن أختياراً عفوياً ، بل جاء إنتخاباً مدروساً من الزاوية الأبستمولوجية . وذلك من حيث إن كلمة براجماتزم ، جاءت جواباً أبستمولوجياً على السؤال الأبستمولوجي الذي رفعه بيرس بداية وإستهلالاً . فقد تساءل بيرس : ما معنى الفكرة ؟ وما معنى العبارة ؟ ومتى يكون للفكرة معنى ؟ ومتى تكون العبارة صادقة ؟ ومتى يجوز لنا أن نتكلم عن العبارة بوصفها معبرة عن فكرة ما ؟ ومتى لا يجوز ؟جاء جواب بيرس واضحاً ومباشراً ، مؤكداً على إن ” الفكرة هي ما تعمله ” ، وهذا يعني أن معنى الفكرة مرتبط بقوة بالنتائج والآثار العملية المترتبة عليها . ولهذا التوجه الأبستمولوجي الناهض على العمل والنتائج العملية التي تفضي إليها الفكرة
المراجع: الكتب

سالم يفوت ، ابستمولوجيا العلم الحديث، دار توبقال للنشر، الدار البيضا ، المغرب، ط 2، 2008.

المواقع الالكترونية

محمد جلوب الفرحان، ” مقدمة في الأبستمولوجيا : تاريخ ومدارس، فى: http://ebn-khaldoun.com/article_details.php?article=995 ، (2016/10/22)