Print Friendly, PDF & Email

ظهرت ” المسألة الشرقية ” Eastern Question بمسارها التاريخي المعروف في القرن التاسع عشر ابان سنوات انهيار الامبراطورية العثمانية ويعيد بعض المحللين جذورها الأولى الى سنوات القرن السادس عشر وربطها باالصراع الروسي – التركي تحديدا كاحدى تجلياتها الرئيسية وقد تباينت الآراء والمواقف حول أسباب وأسس وجوانب بروز هذه المسألة بين اعتبار البعض لها وسيلة استخدمها الغرب – المسيحي – للانقضاض على العثمانيين – المسلمين – بعد أن هددوا أوروبا في عقر دارها وعرفها البعض الآخر كذريعة اختلقها الغرب الاستعماري للحلول محل – الرجل المريض – ونهب خيرات شعوب المنطقة الاستراتيجية الغنية بالنفط عبر الاحتلال والانتداب وقراءتها من جانب آخرين كحالة مألوفة حيث أفرزت الامبراطوريات طوال التاريخ خلال صعودها وهبوطها وبعد انهيارها مسائل لاتعد ولاتحصى على غرار ” المسألة الشرقية ” وقد يكون لكل ما سبق نصيب من الصحة الا أن جوهر المسألة الشرقية كما حدده – كارل ماركس – كان عبارة عن شؤون وقضايا ومصائر القوميات في الدولة العثمانية ولم يكن استقلال اليونان الوطني الذي تم بفضل التحالف الأوروبي ضد السلطان العثماني الا مثالا على ذلك تلاه تحرير بلغاريا واعلان دولتها القومية بدعم روسي مباشر وخلاص البوسنة والهرسك من النير الأجنبي وضمها الى النمسا ثم استقلال البلدان العربية في المشرق وشمال افريقيا وكان لتعلق الغرب الأوروبي والأمريكي بكل من لبنان وفلسطين تحت يافطة حماية المسيحيين واليهود دور كبير في تنامي المسألة الشرقية وبالتالي سقوط السلطان العثماني وقد سارت عملية مغادرة وتحرر واستقلال الشعوب والقوميات عن الادارة العثمانية في اوروبا وآسيا وافريقيا في مخاض عسير وتحققت بعد ثورات قومية تحررية وانتفاضات ومواجهات دامية حققت الانتصار متوجا بمعاهدات دولية وضمانات من عصبة الأمم آنذاك في حين أخفقت المحاولات التي جرت في كردستان التي كانت ثلاثة أجزاء منها تحت السيطرة العثمانية في حين كان الجزء الرابع يتبع الدولة الصفوية . 

اعادة تفسير” المسالة الشرقية “

نبتت جذور ” المسألة الشرقية ” كنذير شؤم هدد أركان الامبراطورية في تربة تركيا العثمانية وتعاد الآن انتاجها لاسترداد الاعتبار الانساني لتاريخ الأناضول الاشكالي القاسي حتى ماقبل عهود سلاطين الخلافة الاسلامية وانتهاء بخلفاء – السلطان الجمهوري ! – كمال أتاتورك أقله تجاه الآخرين من الأقوام والشعوب ( عمليات ابادة الأرمن والكرد والتنكيل بااليونان والبلغار والعرب ) التي عانت الأمرين طوال قرون أيضا من تركيا في المرة الأولى كان التنصل من تهمة انتهاك حقوق غير الترك الشغل الشاغل – غير المجدي – لسلاطين الآستانة ,وحكام أنقرة وفي هذه المرة يضع رئيس الحكومة ومنذ البداية الحقيقة من تحت قبة البرلمان السلطة الاشتراعية الأعلى في البلاد معترفا بأن الأزمة السياسية والأخلاقية لدولة تركيا قديما وحديثا تكمن ” في اضطهاد وقهر واقصاء الهويات والثقافات غير التركية من كرد و لاز وشركس و روم وعلويين ” مركزا بصورة أساسية على الشعب الكردي الذي يعتبره المكون الثاني في البلاد ( يناهز العشرين مليون ) مضيفا وفي مناسبات أخرى العرب والمسيحيين والبلغار وهذا اعتراف مباشر بدوام ” المسألة الشرقية ” في بلد المنشأ تركيا والمنطقة بما هي قضايا الشعوب والثقافات والأثنيات والمعتقدات ونظرة موضوعية مغايرة أثارها منظر هذا التوجه السيد أحمد داود أوغلو في عاصمة اقليم كردستان العراق تهدف صياغة شرق أوسط جديد يتعايش في ظله الترك والعرب والفرس والكرد والسنة والشيعة وباقي المكونات الأخرى وذلك عبر الاعتراف المتبادل والدمقرطة ووضع حد للنزاعات وبايجاز شديد فالتصور الجديد المتطور هذا يعتبر ” المسألة الشرقية ” هي ذاتها من حيث المضمون وطابعها الكردي الغالب من حيث الجيوبوليتيك والمرتبة الرابعة على صعيد الكتلة البشرية بعد العرب والترك والفرس ولكن بحلول مختلفة تتناسب حجم ووعي وطموحات هذا الشعب المنسي المغدور في كنف العولمة وسوابق التدخلات الانسانية والحرب على ارهاب الأنظمة الشمولية الفاشية المتورطة في عمليات ابادة الشعوب والأثنيات وفي عصر مختلف فتحت فيه أبواب المحاكم الجنائية الدولية المعنية بجرائم ضد الانسانية على مصراعيها لم يعد فيه كرد الشرق الأوسط بدون أصدقاء ولم يعد فيه المجتمع الدولي لامباليا كما كان ابان السنوات الحرب الباردة . 

ظن بعض المحللين الاستراتيجيين سهوا أنه فور انهيار الامبراطورية العثمانية سيتم اغلاق ملف ” المسألة الشرقية ” في حين أن نظام كمال أتاتورك البديل عزز من استمرارية أسبابها بل زادها تعقيدا عندما تنكر لوجود وحقوق الكرد والأرمن والقوميات الأخرى بما فيها اغتصاب لواء الاسكندرون السورية وبتراجع فرص النهج الأتاتوركي القومي الشوفيني في المرحلة الراهنة من تاريخ تركيا سيكون المجال مؤاتيا للحكومة المدنية لتوجيه ضربة مؤلمة لورثة باني الجمهورية في يوم عيد ميلاده الواحد والسبعين عندما تم فيه طرح القضية الكردية على البرلمان قد تكون في جانب منها فعلا انتقاميا ضد الانقلابيين على الخلافة العثمانية التي هي موضع اعجاب من جانب – حزب العدالة – الحاكم .

ان العودة في مشارف القرن الحادي والعشرين نحو معالجة ذيول وأسباب ونتائج ” المسألة الشرقية ” بغية انهائها تتطلب ارادة صلبة وقرارا باعادة قراءة التاريخ السياسي والاجتماعي والقومي لتركيا بما في ذلك وضع دستور جديد يضمن وجود وحقوق جميع المكونات ويحتاج الى دعم دولي واقليمي بل مشاركة فعلية قد يكون التفكير بعقد مؤتمر اقليمي – دولي بمكان محايد وبمساهمة من الدول الأربع ( تركيا – ايران – العراق – سوريا ) وممثلي الشعب الكردي والقوميات والمكونات الأخرى في المنطقة وبرعاية الأمم المتحدة سبيلا لبحث المسألة من الجذور ووضع قاعدة سليمة لشرق أوسط جديد مسالم أكثر أمانا وقابلا للاستمرارية في طريق التنمية والتعاون خاليا من أسلحة الدمار الشامل وقوى الظلامية والعنصرية والارهاب .

ما أعلنته الحكومة التركية حتى الآن خطوة استراتيجية مفتاحية هامة خاصة على صعيد القراءة الموضوعية الجديدة للواقع القومي التعددي في تركيا والاعتراف بوجود مشكلة قومية كردية فشل الحل العسكري بشأنها تحتاج الى حلول سياسية ثقافية اجتماعية اقتصادية وتحقيق السلام والمصالحة والوحدة الوطنية عبر الحوار والاستعداد لاعادة صياغة مواد دستور البلاد واعتبار البرلمان كممثل منتخب لمجتمع تركيا مكانا مناسبا لبحث القضية الكردية وادانة مظاهر الظلم والقمع في ” شرق تركيا ” ولكن كل ذلك لايشكل الا بداية ولكنها راسخة لاتمام الخطوات الأخرى المنتظرة والمطلوبة من الجانبين التركي والكردي وفي المقدمة ضرورة أن تطرح الحكومة برنامجها الشامل للحل على الشعب خاصة وأن الظروف الداخلية والخارجية مؤاتية من اقتصادية ودبلوماسية وسياسية وحراك المجتمع المدني في تركيا نشط وفعال والطبقة الوسطى تشكل الرافعة القوية الرئيسية في هذا المجال والمزاج العام يميل الى السلم ونبذ العنف والاقتتال .

شكلت القضية الكردية مسرحا للايذان بنشوب الحرب الباردة واختبارها لدى قيام وسقوط جمهورية مهاباد في كردستان ايران في أربعينات القرن الماضي وخاتمة لتلك الحرب عندما ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية قطبها الأعظم في الضفة الأخرى المواجهة في تطبيق – الملاذ الآمن – لشعب كردستان العراق في العقد الأخير من القرن المنصرم فهل ستتحول الآن ونحن على مشارف القرن الجديد ومن خلال كردستان تركيا الى معبر للولوج في معالجة ” المسألة الشرقية ” وفي القلب منها الكردية وبناء الشرق الأوسط الجديد ؟