دراسات تاريخية

(المستعمرات الإيطالية في مصر).. كيف حضرت في روايات الكاتب طه حسين الجوهري؟

     هي (القصير) مدينة قديمة فيها حقب التاريخ، (مصري- فارسي- يوناني- بيزنطي- مسيحي- إسلامي)، ”كان يطلق عليها في العصر الفرعوني اسم تاعوا، ثم جاء اليونانيون وسموها أسبرو ليماني، ثم يأتي الرومان ليسموه ليكوس ليمن أو ميناء الذئب”. هي التي ذكرها ابن خلدون عند عودته من رحلة الحج سنة789 سنة790هـ. فقال: “ثم سافـرنا إلى أن قاربنا مرسى الطور فاعترضتنا الرياح، فما وسعنا إلا قطع البحر إلى جانبه الشرقي، (ربما يكون الغربي)، ونزلنا بساحل القصير، ثم ببندر قنا، ثم سرنا مع أعراب تلك الناحية إلى مدينة قوص قاعدة الصعيد ثم إلى مصر”.

     كذلك هو كتاب (المستعمرات الإيطالية في مصر) بقلم الكاتب (طه حسين الجوهري).. حضر كدراسة (تاريخية أدبية).. خاصة إذا تعاقبت الأيام والسنون وتطورت الحياة للأفضل.. يبقى كل جيل يحن إلى الفترة الزمنية التي عاصرها في طفولته أو في شبابه ويحسبها أنها الأفضل من الأجيال التي سبقته، والحقيقة أن كل جيل له بصمته وله إنجازاته ورونقه وفق محدودية تطور وتقدم مجتمعه في ذلك الوقت، ولا يوجد جيل أفضل من الآخر ولكن الحنين إلى تلك الفترة هي التي تعشعش في بعض الأفكار فهي الأفضل له.

     نعم يظل الكثير يحن إلى زمن الطيبين وفكرة العودة إلى الوراء ومعايشة تلك الفترة ببساطتها والإمكانية المحدودة، فالحنين إلى الماضي ما هو إلا الحنين إلى أشخاص معينة، إلى الذين رافقناهم في تلك الفترة، وإلى طفولتنا البريئة، وإلى جيراننا وأصحابنا في المدرسة ومعلمينا وكل من صادفناهم في حياتنا وأسعدنا معهم لا أكثر، أما الأشياء المادية لا أتوقع أنها تهمنا ولكن نسعد بذكراها لأننا نعيش في زمن ذهبي زاهر وراقٍ.

      قد تكون هي العادات والتقاليد مازالت تلازمنا ومازلنا نضعها في عين الاعتبار ومازلنا متمسكين بالموروث الشعبي والثقافي لأنها جذورنا الممتدة في أعماق هذه الأرض والمرتبطة أيضاً ببحر واحد، فالحنين إلى الماضي والتمسك بالعادات والتقاليد تجعلنا نخلق جيلاً جديداً يقفون على أرض صلبة يزدهرون بما يربطهم معنا من الحنين، فمازلنا نعيش في زمن الطيبين ولكن في زمن متطور وإمكانية كبيرة، وهذا ليس عيباً، العيب هو أن نتخلى عن جذورنا وثقافتنا وعاداتنا التي تبلور هويتنا الأصيلة. 

       عليه ابدع الكاتب في وصلة (عشق وحنين) لمدينة القصير خاصة بعد صدور كتابه الأول (القصير.. صفحات من الماضي) عن أحوالها قبل وبعد إغلاق شركة الفوسفات وتشعّب: عيشها، مكاسبها، بيوتها، أقاصيصها. وذلك مرده لأن الشركة كانت العمود الفقري الذي يعتمد عليه كل من في هذه المدينة. عمال وموظفون وتجار وصيادون، حقيقة كانت مصدر دخل لعدد كبير من البشر، وكانت مصدر مهما من مصادر الدخل لكل من عمل بها من الأسر وتعد اسرة الكاتب واحدة من هذه الأسر التي اعتمدت في كسب قوتها من هذه الشركة ومن هذا الصرح العملاق على شاطئ هذا الميناء الصغير.

      يقول الكاتب أنه وجد نفسه واحدًا من هؤلاء الذين عاشوا وتربوا في كنف أحد المناجم التي أقامتها هذه الشركة بين جبال الصحراء الشرقية ولعل هذا ما دفعه أن يتصدى لتدوين أخبار هذه الشركة، ومع مرور الأيام وتقلب الزمان بدأت رياح عاتية تضرب هذا الصرح العظيم والذي بدأ في الانهيار شيئًا فشيئًا حتى تخلى عن العمال والموظفين وأصبح شيئًا منسيًا وأطلالًا يبكي على آثارها وذكري تتبادلها الأجيال قد أكل الدهر عليها وشرب.

     لقد استخدم الباحث المنهج التاريخي وصفًا وتحليلًا في تناوله لتاريخ هذه الفترة من فترات تاريخ مدينة القصير وحاول بشكل رئيسي جمع الأرقام والمعلومات عن هذه الشركة بتفاصيلها الدقيقة وأسرارها الدفينة من خلال المعمرين، لذلك سعى سعياً حسيساً في استخدام ما تبقى لديهم من وثائق وجمع القصص والروايات من أفواههم خاصة تلك المجموعات التي سطرت لنا أروع الأمثلة في التضحية والفداء وحب الوطن بمفهومه الجامع آنذاك وعملوا في باطن الأرض وفي سراديب الموت بحثًا عن الحياة لأسرهم وعن خام الفوسفات لإرضاء صاحب العمل. وكان لازمًا أن يتم توثيقها وتخليدها لتكون عبرة ومثلًا في التضحية، والعمل، والصبر، والمثابرة.

    هنا حضرت الدراسة لدى الكاتب في ثلاثة فصول تناول الفصل الأول موجزًا تاريخيًا عن تاريخ مدينة القصير وركز فيها الكاتب على صورة المدينة قبل انشاء الشركة في عام 1912. وفي فصله الثاني تناول تاريخ انشاء الشركة وتاريخ مبانيها وتاريخ المستعمرات التي اقامتها الشركة في الأماكن التي كانت تستخرج منها الفوسفات. والفصل الثالث رسم لنا صورة مفصلة عن الحياة الاجتماعية داخل هذه المناجم من خلال روايات المعمرين من العمال الذين عاشوا تلك الفترة ومازالوا على قيد الحياة خاصة في منجم حمضات أقدم تلك المناجم ومنجم 22 أحدث تلك المناجم التي أقامتها الشركة ومسقط رأس الكاتب.

     الكاتب حاول عمل سرد مشوق بلغة الحوار الفني ودقة المعاني والقدرة على التصوير الايحائي المفعل لعقل المتلقي ليتفاعل مع الصورة ايجابًا، بالكتابة الإبداعية التي تعتمد قوة الخيال وقوة التحكم بالعاطفة والقدرة على توجيه ذهن المتلقي داخل الصورة دون مبالغة ولا تهويل ولا تكلف، بلغة ابداعية وقوالب تحريرية حريرية الملمس إلى درجة تحريك كامل الحواس والأحاسيس. ببساطة الحوار، والتسلسل الزمني بحرفية، والتجديد بالمضمون والتعبيرات، وامتلاك الحس الفني بالكتابة.

     الحقيقة أن خلق قالب عام يُسكب فيه الموضوع الأدبي الخاص، يحتاج لإلمام كامل بأسلوب التنقل بين صورة وصورة، وبين فكرة وأخرى، وترابط الصور ببعضها لتكون في مستوى الاستيعاب، حيث تتبدى القدرة على المحاكاة وتأليف وتوليف الصور المتخيلة، بالتمكن من التعبير الواضح كتابيًا، وإملاءاً، ونحوًا وصرفًا، مع استخدام علامات الترقيم المناسبة في مواقعها الصحيحة، والبناء اللغوي في الجملة، مع امتلاك ناصية اللغة والقدرة على التعبير الواضح والإبداعي في آن معاً، وامتلاك عنصر التشويق، من خلال لغة متمكن منها جيدًا، وامتلاك تعابير مختلفة، ومصطلحات متعددة تعبر عن ذات المعنى الواحد، مع الاستعانة بالمخزون اللغوي، وهو من أهم مكونات امتلاك القدرة على الكتابة الجيدة والمحكمة. بحيث جاء استخدام التصوير، والتعليل، والوصف، والاستعانة بعلوم البلاغة، وبيان اللغة لاختراق ذهنية المتلقي وذاكرته الحاضرة، وإدراكه، واستنهاض جماليات ذائقته، والاستئثار بانتباهه، واستخراج دهشته وهي الاضاءة المُنيرة التي تبعث لبّ القضية أو الفكرة. وهنا جاء الكاتب بالمؤثرات الوجدانية؛ وطريقة استخدامها بشكل صحيح، وبأسلوب تشويقي مثير، وبمعاني رائدة، وتصوير غير مسبوق، وتحليل ذكي متوائم والفكرة، ومناصرة للتعبير الأدبي الجميل.

     يبقى أن الكاتب طه حسين محمد (الجوهري). تنقل بين عديد المدارس التاريخية والأدبية… القصة والرواية والمسرح، من ديوان (من الشعر طائر الروح) وروايتين ومسرحية تعرض الان على مسارح هيئة قصور الثقافة بعنوان (العودة من زمن الحرب) وحوالي 12 مؤلف عن تاريخ مدينة القصير ابرزها (القصير النشأة والتطور- القصير عمارتها وعمرانها- قلعة القصير العمرانية – القصير صفحات من الماضي- المستعمرات الايطالية في مصر- القصير في عيون الرحالة – حول تراث القصير والقصير في الوثائق العثمانية).

     في النهاية أعد القارئ بعرض (تاريخي أدبي) جديد وشيق، ذلك كون اختراق النفس البشرية والدخول إلى أعماقها يعد من ركائز النص الأدبي المتعمق، والفكر الايجابي الواضح، هنا قام الكاتب قام بربط القص بالحدث التاريخي المرتبط بزمن القصة، وهي ميزة هامة لإعطاء الأحداث شيء من التناسق التاريخي والتسلسل الزمني، وتقريب الصورة من الحدث العام، خاصة عند العرض لحدث ما، ذلك لإعطاء السرد شكلًا من أشكال الدعم بالمعلومة، ولإشراك ذهن المتلقي بالزمن ومحددات وجوده، فاشراك العمل الأدبي بزمن محدد، يُظهر قدرة الكاتب على تمثل الأزمان بظروفها الحضارية، وأحداثها التاريخية، ومقوِّمات تفاصيلها المتراكبة مع المصداقية والخيال. مع القدرة على توليد الأفكار، وتقريبها من ذهنية القارئ، وسكبها في بوتقة لغوية مقنعة، ومعاني تصويرية واضحة، ومعبرة، تجعل من العمل التاريخي كتلة متماسكة ومترابطة، وتمنح مجالاً رحبًا لتوالد أفكار تُسنِدُ العمل وتشدُّ أواصر أركانه، وتجعل منه النص المُشوِّق الأكثر امتاعًا، والأكثر إقناعًا والأكثر ترابطًا.. في الأخير يبقى أن الجهد الذي بذله الكاتب في هذه الدراسة هو جهد موفور ومشكور يتسم بدرجة عالية من الوعي والإخلاص والتفاني العلمي، وبانتهائه من إعداد دراسته تلك على هذا النحو الجاد فإن هذا لا يعني بالتأكيد انتهاء دوره ومهمته في هذا الشأن، وإنما يتطلب الأمر المزيد من المتابعة والاهتمام طالما أن قضية البحث قائمة، ولم توضع نهاية حاسمة لها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الاهتمام بهذه القضية ينبغي أن لا يتوقف عند سرد الأحداث وتوثيقها. وتعدد الدراسات بشأنها، وإنما يتوجب أن ينصرف إلى الدراسات المستقبلية المتعلقة.

محمد عبدالرحمن عريف

كاتب وباحث

قناة السويس- نهايات ربيع 2023

5/5 - (30 صوت)

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى