(بحث وتحليل بمناسبة مرور أربعمائة وسبعين عاما على تأسيسها)

يشهدها ويقدمها: الدكتور مصطفى تسيريتش – رئيس العلماء والمفتي العام بدولة البوسنة والهرسك

المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث – الدورة السابعة عشرة

من 28 ربيع الآخر إلى 3 جمادى الأولى 1428 هـ

الموافق من 15 إلى  20 مايو 2007 م.

سراييفو – البوسنة والهرسك


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واهتدى وهدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.[1]

I

لقد وصل الإسلام  إلى أوروبا عبر بوابتين رئيسيتين: بوابة شبه الجزيرة الأيبيرية في القرن الثامن الميلادي[2]، وبوابة شبه جزيرة البلقان في الرابع عشر الميلادي[3].

ولقد أنتج الوجود الإسلامي في الأندلس – أسبانيا على مدى ثمانية قرون ثقافة فريدة من التسامح[4] الديني والثقافي والحرية الأكاديمية التي ساعدت أوروبا بشكل غير مسبوق في مسيرتها نحو الإنسانية (Humanism) والنهضة(Renaissance) [5].

ومما يؤسف له أن فكرة التسامح الأندلسي لم تدم في التاريخ الأوروبي. ومع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي أظهر الملك فرديناند والملكة إيزابيلا عدم التسامح مع المسلمين مما اضطرهم إلى مغادرة شبه جزيرة أيبيريا سنة [6]1492 بلا رجعة. ولكن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[7]، فأشرق نور الإسلام على أوروبا من جديد من شبه جزيرة البلقان، ومازال نوره يسطع في سمائها ويدخل الدفء في قلوب أبنائها إلى يومنا هذا.

وبذلك أصبحت البوسنة “أندلسا ثانية”، وإن كانت الأندلس الأولى قد ماتت، فإن البوسنة ما تزال حية لم تمت، ولن تموت بفضل الله ومن ثم بفضل المدرسة التي أسست على التقوى والعلم والمعرفة والتسامح.

 فقد هاجر حوالي سبعين ألف من يهود السفارد[8] من الأندلس إلى سراييفو وحملوا معهم مخطوطة فريدة من هاغادا(Haggada)[9] التي تمثل اليوم رمزا هاما في تاريخ اليهود البوسنيين.

لقد عرفت أوروبا عبر تاريخها الطويل، العديد من الملوك العادلين والظالمين، والمتغطرسين والمتواضعين، والعظماء والمغمورين. ولقد شد اثنان منهم انتباهي بسبب تأثيرهما على الإسلام في أوروبا في أوقات مختلفة وبطرق مختلفة، هذان الملكان هما فرديناند ومعه إيزابيلا في أسبانيا وفرانسيس جوزيف الأول في البوسنة.

فالسنة التي ميزت الأول منهما كانت سنة 1492، والسنة التي ميزت الثاني كانت سنة 1882.

إن الفارق في تعامل هذين الملكين الكاثوليكين مع الإسلام والمسلمين كبير كِبرَ الفترة الزمنية التي تفصل بينهما وقدرها 390 سنة.

وكما قلنا، فإن فرديناند وإيزابيلا لم يقبلا الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية، وأجبرا المسلمين على ترك ديارهم  بعد ثمانية قرون من الحياة الثقافية المثمرة الفريدة.

وعلى الجانب الآخر، لم يكتف الملك الكاثوليكي فرانسيس جوزيف الأول بالتسامح مع الوجود الإسلامي في البوسنة والهرسك، بل سعي لمساعدة مسلمي البوسنة لتحقيق المزيد من التقدم في سعيهم إلى التكيف مع نمط العيش الأوروبي مع المحافظة على هويتهم الإسلامية القوية[10].

إن الاعتراف بمواقف فرانسيس جوزيف الإيجابية تجاه المسلمين البوسنيين، ينبغي أن لا يُنسينا حقيقة أن حيوية فهم البوسنيين للإسلام في ضوء العقيدة الماتوريدية والفقه الحنفي[11] قد لعبت الدور الرئيسى في عملية الإصلاح الإسلامي في البوسنة[12].

وإضافة إلى ذلك، فإن ما جاء في وقفية مدرسة الغازي خسرو بيك في سراييفو نصاً وروحاً، مثل ما جاء في وقفية المدرسة النظامية في بغداد، يمثل مَعْلَمَاَ من معالم العمل المؤسساتي في مجال تعليم الإسلام في البوسنة والهرسك.

وَأَنْ يَكُونَ فِي المَدْرَسَةِ الَّتِي يُرِيدُ ابْتِنَائَهَا وَتَشْيِيدَهَا وِإِعْلائَهَا وَوَقْفَهَا لِلَّذِينَ يُحَصِّلُونَ العِلْمَ وَيُكَمِّلُونَ النَّفْسَ مِن الطُّلاَّبِ وَالعِبَادِ وَيَشْتَغِلُونَ بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ مِنْ بَيْنِ العِبَادِ عَالِمٌ فَاضِلٌ كَامِلٌ نِحْرِيرٌ، كَاشِفُ أَسْتَارِ الحَقَائِقِ بِالتَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ، جَامِعٌ بِالفُرُوعِ وَالأُصُولِ، حَاوٍ بِالمَعْقُولِ وَالمَنْقُولِ، يُدَرِّسُ بِهِمْ دُرُوسَ التَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ وَالأَحْكَامِ وَالأُصُولِ وَالمَعَانِي وَالبَيَانِ وَالكَلامِ وَمِنْ سَايَرَهَا أَيْضَاً حَسْبَ مَا يَقْتَضِيهِ العُرْفُ وَالمَقَامُ.[13]

إنّ هذه العِبَارَة الاعجازيّة في وقفية الغازي خسرو بيك البوسني[14]، التي تُلزِم طلاب المدرسة بأن يتعلموا “ حَسْبَ مَا يَقْتَضِيهِ العُرْفُ وَالمَقَامُ“، تحدد مسار الوجه المنفتح والعصري للإسلام في البوسنة والهرسك.

وعلى عكس سلفه نظام الملك البغدادي الذي حدد في وقفيته أن لا يُدَرَّس غير المذهب الشافعي في المدرسة النظامية، فإن الغازي خسرو بيك ترك الباب مفتوحا في المدرسة التي أنشأها لكل مصادر المعرفة التي “ حَسْبَ مَا يَقْتَضِيهِ العُرْفُ وَالمَقَامُ “.

وتعتبر ملاحظة الكاتب الكرواتي الشهير ميروسلاف كرليجا ( Miroslav Krleža1893-1981) شهادة مثيرة على الأهمية التاريخية للمدارس الدينية في البوسنة:

بدأ تاريخنا الحديث في البوسنة مع الحكم النمساوي، بينما تعرض تاريخنا البوغوميلي القديم للإهمال. كما أحاط التجاهل والإهمال الحقبة العثمانية من تاريخنا، رغم عِظَمِ إنتاجه الثقافي والعمراني والأدبي.

لكنني أرجو أن تعتبروا – إن أردتم – بذلك العدد الضخم من المتعلمين، والكمّ الهائل من الكتب والمكتبات والمدارس. إن عددا ملحوظا من أقدم المدارس كان نَشِطاً في البوسنة، وهكذا ونحن نحتفل بِنُشوءِ الجامعات حول المؤسسات التعليمية اليسوعية في زاغرب، ينبغي علينا ألا ننسى المدارس الدينية في البوسنة التي تفوقها كثيرا في القِدَمِ[15].

II

عرفت سراييفو منذ دخول الإسلام  إلى البوسنة أحدي عشرة مدرسة، كانت أقدمها مدرسة فردوس بيك، وقد أطلق اسم “مدرسة” على أحد شوارع سراييفو تيمنا بهذه المدرسة؛ ثم مدرسة كمال بيك في حي كوشفو، ومدرسة الغازي خسرو بيك،  ومدرسة إسماعيل أفندي المصري في ساحة الخيل، والمدرسة الجديدة المعروفة بالمدرسة العنادية في حي بنتباشا، و”درفينيا” أو مدرسة عبد الكريم أفندي سيم زادة، ومدرسة جوميشيتشا بين جسري السلطان وشهر تشيهايا في آخر الزقاق الطويل على ضفة نهر ميلياتسكا، ومدرسة فاضل باشا قرب مسجد السلطان وقد سميت أيضاً بالمدرسة السلطانية بسبب قربها من ذلك المسجد، ومدرسة مرحميتش التي بناها عثمان مونغولا مرحميتش وشقيقه ميهاغا.

هذه ثمان مدارس، فإذا أضفنا إليها مدرسة خانقاه بيستيرغي، ودار المعلمين وهي أيضا نوع من المدارس، والمدرسة الإقليمية التي لم تدم طويلا، فسيصبح عدد المدارس في سراييفو أحدي عشرة مدرسة، ولم يبق منها سوى مدرسة واحدة هي مدرسة الغازي خسرو بيك، إلى جانب مدرستي مرحميتش والمصري اللتين تسيران نحو الزوال.

ولم يذكر الرحالة أوليا جلبي سوى مدرسة الغازي خسروبيك، حيث إن بعض تلك المدارس لم تكن قائمة في ذلك الوقت. ويقول الرحالة أوليا جلبي أنه يوجد في سراييفو ثمانية أماكن لتدريس القراءات السبعة وتعليم الحفّاظ، ولكن لا يوجد دار خاصة للقرّاء. وكان الحديث يدرس في عشرة أماكن في المساجد الرئيسية، ولكن لم يكن يوجد دار خاصة للحديث، وينوه هذا الرحالة أنه في زمانه كان يوجد في سراييفو 180 كُتّابا.

أما في ترافنيك، فقد كان يوجد فيها ثلاث مدارس هي:

مدرسة إبراهيم باشا ألتشي المعروفة بالفيضية والتي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا، ومدرسة الحاج علي بيك ومدرسة لونتشاريتسا، ولم يذكر الرحالة أوليا جلبي أيا من هذه المدارس الثلاث.

وكان في موستار المدارس الآتية:

مدرسة كراجوز، ومدرسة الروزنامجي، ومدرسة محمد باشا كوسكي، ومدرسة جيوان بيك، ومدرسة درويش باشا تشيشيتش، ومدرسة سباهيتش ومدرسة الحاج بالي. ولم يذكر جلبي سوى مدرسة الروزنامجي. واليوم لا يوجد في موستار أي من تلك المدارس.

ويوجد في فيسوكو مدرسة واحدة هي: مدرسة أحمد أفندي.

ويوجد في زينيتسا مدرسة واحدة أيضا هي مدرسة السلطان أحمد، وتمتاز هذه المدرسة بأنها المدرسة المختلطة الوحيدة في البوسنة والهرسك. ويوجد في جيبتشا مدرسة واحدة هي مدرسة فرهاد باشا.

أما مدينة غراتشانيتسا فكان فيها مدرستان، هما مدرسة مراد كابيتان ومدرسة عثمان كابيتان، والأخيرة ما تزال قائمة حتى اليوم.

وكان في مدينة غراداتشاتس مدرستان أيضا، الأولى مدرسة حسين كابيتان وكانت تسمى بمدرسة سفيراتس نسبة إلى اسم مدرِّسها، وهي ما تزال قائمة. والمدرسة الثانية هي مدرسة مراد كابيتان أو عثمان كابيتان.

ولم تعرف توزلا سوى مدرسة واحدة هي  مدرسة بهرم بيك، وهي قائمة إلى يومنا هذا، وتتفوق هذه المدرسة على باقي المدارس الابتدائية بفضل جهود مدرّسيها.

وقد ذكر الرحالة جلبي بعد زيارته لمدينة زفورنيك في نهاية القرن الحادي عشر الهجري أنه يوجد فيها ثلاث مدارس وسبعة كتاتيب، وتوجد اليوم في زفورنيك مدرسة واحدة فقط يؤمها التلاميذ. وكان يوجد في سريبرينيتسا مدرسة واحدة فقط. ويوجد في برتشكو مدرسة واحدة ما تزال قائمة واسمها مدرسة تشاتشاك وتقع في مبنى أوقاف الحاج سليمان كوتشوكاليتش.

ويذكر الرحالة جلبي أن مدينة فوتشا كان فيها ست مدارس، وكان في بعضها يدرس الحديث، ومن تلك المدارس توجد اليوم مدرسة الحاج محمد باشا كوكافيتسا، ومعروف لدينا أيضا مدرسة القاضي عثمان، وقد هدمت منذ زمن بعيد.

كما يذكر الرحالة جلبي أن يايتسا كان فيها مدرسة أحمد باشا، ولكن حالياً لا يوجد في يايتسا أية مدرسة.

وبحسب الرحالة جلبي كان يوجد في بروساتس (أقحصار) مدرسة كافي أفندي، وكان لكافي أفندي في بروساتس دار للحديث، بالإضافة إلى ثلاثة كتاتيب.

ويذكر جلبي مدرسة فرهاد باشا في مدينة بانيالوكا، ونحن نعلم أن بانيالوكا كان فيها المدارس الآتية: مدرسة فرهاد باشا، المدرسة الفيضية، مدرسة عتيق، مدرسة شيبيتش، مدرسة المفتي ومدرسة ماغلايليتش.

ويوجد اليوم في بانيالوكا مدرسة موَحَّدة تشكلت قبل 14 سنة من دمج ثلاثة مدارس هي: عتيق والفيضية وشيبيتش. ويوجد في بيهاتش مدرسة واحدة، وقد أنشأ مبنى تلك المدرسة أبناء الشعب البوسني على نفقتهم الخاصة.

وكان يوجد في تسازين مدرسة جميلة، ولكنها أغلقت منذ فترة قصيرة، رغم أن تلك المنطقة ما تزال تحتاج لتلك المدرسة.

وسجّل الرحالة جلبي وجود ثلاثة مساجد ومدرسة في مدينة ليفنو، بالإضافة إلى ستة كتاتيب. ويوجد في يانيا مدرسة واحدة. ويوجد في تشاينيتشا ثلاثة مدارس أشهرها مدرسة سنان باشا، كما يوجد خمسة كتاتيب. كما سجل الرحالة أوليا جلبي مدرستين في مدينة كونيتس، واليوم تعمل فيها مدرسة واحدة، وهي اليوم المدرسة الوحيدة في منطقة الهرسك كلها. أما مدينة بوتشيتل فكانت توجد فيها مدرسة واحدة هي مدرسة إبراهيم كَتْخُدا.

وكان يوجد في مدينة نيفيسينيا مدرستان إحداهما مدرسة السلطان بيازيد الاول، والثانية مدرسة مسجد ولي آغا، بالإضافة إلى دار الحديث ودار القرّاء وهما من أوقاف علي أفندي شقيق إبراهيم أفندي الروزنامجي، وكان يعلوهما قبتان مغطّاتان بألواح الرصاص، هذا بالإضافة إلى ستة كتاتيب للأطفال.

ويذكر الرحالة جلبي وجود مدرسة وكتّاب في مدينة ليوبينيا. كما سجل الرحالة جلبي وجود مدرستين وسبعة كتاتيب في مدينة هرتسك نوفي التي أسماها الرحالة “نوفوتِيْن”.

وكان يوجد في بلاغاي مدرسة واحدة وكتّاب. وذكر الرحالة جلبي أنه يوجد في راتشا مدرستان وثلاثة كتاتيب. وكانت البوسنة في الماضي تضم المدن التالية:

  • أوجيتسا: وكان يدرس فيها القرآن في ثلاثة أماكن، والحديث في مكانين، وكان يوجد فيها أحد عشر كتّابا للأطفال الموهوبين.
  • نوفي بازار: وكان يوجد فيها خمس مدارس بالإضافة إلى دار الحديث، والكتاتيب الموجودة في المساجد، ويضاف إليها أحد عشر كتّابا مستقلا.
  • برِيِبُوليا: كان يوجد فيها ثلاث مدارس وأربعة كتاتيب.
  • تاسليجا (بلييفليا): وكان يوجد فيها مدرستان وثلاثة كتاتيب.
  • بييلو بوليا: كان يوجد فيها مدرسة قديمة أكلتها النيران، فقامت بتجديدها والدة السلطان عبد الحميد.

وكانت المدارس موجودة أيضا في المدن الآتية: كلادان، فيشيغراد، روغاتيتسا، برييدور، تيشان، فوينيتسا، أوجاك، بوسانسكا غراديشكا، ماغلاي، بوغوينو، غوراجدا، غابِلا، درفِنتا، برود، دوبوي، يِلِتش، بييلينا، بوسانسكي نوفين فلاسِنيتسا، ستولاتس، مودريتشا.

وبعد هذا الاحصاء للمدارس البوسنويّة التي لعبت الدور التاريخي للحفاظ والتطوير للهويّة الاسلاميّة عند البوسناق قال محمّد خانجيتش:

“تلك هي المدارس الموجودة في البوسنة والهرسك حاليا أو التي كانت موجودة في الماضي، ولست أجزم بأنني قد جمعتها كلَّها، وذلك لشح المصادر، ولكن القارئ سيصاب بالدهشة عندما يعلم أن عدد المدارس في البوسنة والهرسك كان يقارب المائة مدرسة، والتي كانت في ذلك العصر تمثل المدارس الثانوية العصرية.”

III

لقد كان للمدارس المذكورة آنفا دور مهم في نشر الإسلام والحفاظ على الهوية الإسلامية للبوشناق، ولكن مدرسة الغازي خسرو بيك تتميز بأنها المدرسة الوحيدة التي – منذ تأسيسها في 26 من رجب 943 هـ / 8 من يناير 1537 م – لم تتوقف يوما واحدا عن أداء رسالتها، وربما يعود سبب ذلك إلى أن الغازي خسرو بيك ترك وقفية تاريخية نوردها هنا كاملة للمرة الأولى  باللغة العربيّة والانغليزية ليرى العالم أن الإسلام دين العلم والمعرفة في وقت كانت فيه أوروبا تغوص في أوحال الجهل والظلام، وهذا هو نص وقفية مدرسة الغازي خسرو بيك:

 هَذِهِ صُورَةُ الوَقْفِيَةِ المَرْضِيَّةِمَنْقُولَةٌ مِنْ صُورَتِهَا المَرْعِيَّةِ حَرَّرَها

أَفْقَرُ الوَرَى إلِى عَفْوِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

مُحَمَّدٌ رَفِيقُ بنُ عَلَيٍّ بنِ الحَاجِّ عَبْدِ اللهِ

المُفَتِّشِ لأُمُورِ الأَوْقَافِ غُفِرَ لَهُم.

 

 This is the copy of the authentic Waqfiyyah-endowment transmitted from the original manuscript and edited by the one who is in the most desperate  need of God’s forgiveness Muhammad Rafiq bin ‘Ali bin al-Hajj ‘Abdullah the inspector of the Waqf – endowment  affairs, may Allah have mercy on all of them. 
1.      Praise be to Allah Who bestowed the reaches of the earth with schools of the most desirable and luminous sciences, Who illuminated the heavens with the brightest and most sublime lights, Who taught Adam names in the school of both worlds, Who sent the clear book from the Heaven, Who designated the Heaven’s palaces for those who are of the good and beautiful deeds. It is (Allah) Who promised the gardens of Heaven to those who spend their fortunes in the way of righteousness and piety, He Who made it possible for those of His servants who wish to acquire goods that will prepare them for life in the hereafter to do so, He Who made it easy for those who want to establish charities, promote good deeds and earn the name of righteousness to do so, He Who doubles the reward for their good deeds which come out of their own will and pure love of the fact that (their good deeds) …are like a grain of corn: it grows seven ears, and each ear has a hundred grains….2.      May blessings and peace be upon Muhammad, the guide of the people to  the right path, who made the parallel of the scholars of his Ummah with the messengers of Bani Israil, may God bless his honorable and respectable family, his good and glorious companions as well as his followers of the ulama’ who are in dialogue with rational, noble and rightful men who are conducting  the lessons of wisdom in order to uncover the secrets by discussing day and night all fields of knowledge in order to demonstrate the truth.

3.      Then, may it be said – indeed that this document is based and composed on the principles of the Shari‛ah.  It is a valuable record which contains authentic and meaningful words the content of which  confirms and uncovers its secrets by showing the fact that Mawlana Muhyuddin, son of Qāsim, the Imam, has come before the honorable Shari’ah Court and the bright assembly as the wakīl – agent to declare the waqf – endowment  and the acceptance thereof, as shall be described further below, on behalf of his royalty the magnificent ruler, the great and glorious Emīr, the model of the prominent and promising men, the one who has the noble and highly regarded attributes, who has high honor and the important position, the one who is in possession of his mind and reasoning, who is raising pillars of the glorious authority, the one who is putting the foundations for the powerful state, who is raising the banner of Islam by great power, who destroys the idols of infidelity with victorious force – the victorious of the victorious and the warrior of  the warriors, the annihilator  of the infidels and polytheists, the one who is the author of highly good deeds and the deeds that last long, his royalty Husrev-bey, son of the late Farhat-bey, the wālī – governor of the Province of Bosnia, may Allah beautify the gardens of his authority by the flowers of his right thoughts and make the people’s affairs be sorted by his insightful opinions.

4.      It was established by the witness of Shujā‛, son of Chalab Wardī and Mustafa, son of Hasan, that (the wāqif – endower) has decided and acknowledged thereof that the aforementioned muwakkil – agent of his is competent to represent him, the good ruler whose heart is full of faith, and that he has realized that the good deeds will benefit their owner on the day of presentation and justice, especially those of the teaching of fiqh and the tafsīr of the Qur’an, may the reward of his good deeds be increased in the way of the increase of one’s righteousness.

5.Thereupon, he declared his waqf  and made it the unalienable state while in his life and good health with his full conscience and ability to hold his possessions and to allow his donations for the sake of the Merciful Allah, seeking the satisfaction of the Compassionate Lord on the Day whereon neither wealth nor sons will avail, but only he (will prosper) that brings to God a sound heart, and he took from what belongs to him and what is in his hands and under his control to the issuance of this waqf in the following way: – the whole house in the Cherkechi quarter of the quarters of the protected Sarajevo, which is made up of two houses, a basement, a horse stable, a garden, a shop, a warehouse and a butcher house, known as the property of Turna-dede, bordering the Muslim cemetery, public road and the property of Duke Kemal; –  another house in that area, known as the property of Mahmud, son of Chalish-hojja, bordering with the shops of Mahmud Sagraqī and the waqf of the late Isa-bey in the sūq, which is made up of a basement, a house, nine shops back-to-back with each other, and two other shops in the sūq of Efrangī, which is one of the suqs of the aforementioned protected (city), the limitation and description of which are not necessary, as it is known among the population of this place; – two houses next to the two aforementioned shops;  – two other houses that the aforementioned waqif built again next to the aforementioned two houses; – another house, also in the aforementioned protected (city) located across these two houses, bought from a Christian woman called Duya, daughter of Chavkosha, consisting of a house and basement. Description and limitation are not necessary, as it is known by ordinary people as well as the nobility; – the complete amount of 700.000 silver dirham that are in current use and are his own property. (All of this) he donated from his personal property together with the remainder of his property the limits of which were determined, and that which belongs to the concerned waqfs with all the legal rights and that which goes with it, with taxes and declarations, whether it was mentioned or not, recorded or not, should be made waqf according to the Sharī‛ah waqf law as well as the original testament.

6.      Then he conditioned that the aforementioned houses and properties be rented according to the Sharī‛ah rules and customary regulations. Also, out of the aforementioned amount a descent madrasa shall be built for the amount of 400.000 dirham, the building of which shall be great and its reputation shall be respectable among the honorable and noble men. It shall be built at the location facing the door of the glorious Mosque which was built and erected by this wāqif and the wālī and needs neither to be defined nor explained as it is known as the property of this waqif. The madrasah shall consist of 12 rooms where only the hardworking students shall reside. There shall be no place for corrupt and ignorant students. (The building of the madrasa) shall be great, and the curriculum of it shall be permanent and similar to the madrasas of the viziers and princes, May Allah reward them for their contributions that benefit all who serve others and are virtuous.

7.      Then, from the remainder of the expenditure for the madrasa building, books shall be bought and shall be used in the madrasah. These books shall be at the disposal of those who wish to read them and to those who would like to copy them among those who wish to obtain knowledge.

8.      The remaining of the aforementioned amount of 300.000 dirham, shall be invested in such a way that there be a strong reason and an insured endorsement for the income of one dirham per 10 dirham each year. This matter shall be executed in accordance to the Shari‛ah rules and in such a satisfying manner that the usury is not involved and that (this property) does not suffer loss. Let there be business relations with merchants, craftsmen, farmers, and people of different guilds who are recognized as rich, wealthy, influential as well as reliable, virtuous and honest. Their reputation should be known to the common people by their good deeds, not by their lies, cheating and delaying (in payment). Let there be no business relationship with princes, rulers, teachers, judges, old military horsemen or other army officers as well as with estate owners, evil and vicious people who are in debt, who are Sultan’s servants, and those who are likely to cheat or who are greedy, whatever class they may be.

9.      In regard to the income from the above-mentioned waqfs and the aforementioned funds, the wāqif – may the Merciful God bless him with His mercy – has ordained the law that should be abided and the rules that should be relied on so that no one shall have the chance to break the law or change it, and no one shall have the way to corrupt the law or replace it as long as the revenues cover the costs and the income is sufficient for the expenditure.

10.  Thereupon he (the wāqif) declared that there shall be the mutawallī – manager of this waqf  after him who shall be a reliable, intelligent and stable person. Also, he shall be diligent in collecting the revenues based on the clear rules and he shall spend according to the amount of the income. The mutawallī shall be the trustworthy person that shall avoid negligence and shall not engage in treason.

11.  The nāzir-jābī (the monitor-collector) of the revenues shall be the person of good insight and of the best qualities who shall know everything about the waqf affairs. He shall not neglect a single issue regarding the interest and the state of the waqf. The mutawallī shall not do anything without the knowledge of the monitor and he shall not carry out any business which is in the interest of the waqf without the monitor’s opinion and consultation.

12.  In the madrasa, which the waqif wants to build, establish, erect and devote to those who shall obtain knowledge and improve morality from among the students and common people, and to those who shall be occupied with rational and traditional knowledge, there shall be the one of them, who shall be knowledgeable, virtuous, excellent and competent, who shall uncover the secrets of realities by verbal and written words, who shall combine particular and universal as well as comprehend rational and traditional knowledge. He shall teach Qur’anic exegesis, Islamic tradition, the basics of Sharī‛ah law, the theory of law, Arabic stylistics, speculative theology as well as all other things that the custom (or time) and the place require. He shall not miss any lecture except for the reason that is justifiable by the Sharī‛ah, and the students shall not miss the lectures either except by permission. Both the time of vacation and the time of lecturing shall be as it is accustomed and thus there is no need to explain that in details. He shall issue fatwa-answers to people who shall ask fatwa-questions in accordance to the strongest madhhab-schools of law and opinions, using in each and every case the books of fatwas. Also, it is ordained that his monitoring of the waqft shall be for ever and his care of it shall be at all times and in all circumstances.

13.  The mu‛īd (repetitor) shall conduct his drill sessions as it is ordained by law and custom. The bawwāb (doorkeeper) shall conduct the cleaning and guarding of the inventory of the madrasa, and shall open and close the door. Now, it was established: – the mutawallī shall receive (his salary) from other mentioned waqfs, as it has been already established; – the nāzir-jābi (the monitor-collector) shall receive from other waqfs as well; – the mudarris shall receive 50 dirham from the mentioned waqfs every day; – each mu‛īd shall receive 4 dirham; – each pupil shall receive two dirham per day;  – the bawwāb  shall also receive two dirham per day.  The remaining funds, whether large or small, are designated to be added to the mentioned budget should it be decreased by any unpredictable event, and the rest of it shall be used for food in the ‛imaret – hostel of the above-mentioned wā qif – May Allah, the Grateful Lord, accept his good deeds – as well as for the repair of all of his waqfs. (This amount) should be guarded, together with the additional funds of the other waqfs, by the mutawallī with the knowledge of both aforementioned monitor and collector and it should be spent for the above-mentioned purposes when it is deemed necessary.

14. It is ordained that all those who reside in the madrasah – the mu‛īd, pupils and the bawwāb – are to receive a ladle of soup with a piece of meat from the food prepared in the kitchen of the ‛imārat – hostel, in the morning and evening, with four fudola (a kind of bread) each. They have the right to receive food that is usually cooked on the eve of Friday and on the occasion of Bayram Holidays.

15. The management of the concerned waqf, its administration and its monitoring as well as the realization of all what is required and necessary for its safety, are firstly in the hands of the wāqif  himself as long as his precious soul is with him and his intimate friend. Then, the most just, the most eligible and the most high of his personal and reliable servants Duke Murat, son of Abdullah, shall take the charge of the waqf, then, after him, it shall be taken by the best of his servants who are freed from slavery, then by the best of his sons and grandsons and so forth from generation to generation the best of the best; then the sons of their daughters, then the sons of their sons from generation to generation, and centuries after centuries as long as they have progeny and as long as they come one after another. When the best of them becomes the mutevellī, may the next in line according to his capacity, become the nazir – monitor and jabī- collector. When their linage dies out and their life (journey) ends, he who becomes the qādī – judge in the qadiluk – jurisdiction of the concerned area shall appoint a trustworthy and faithful as well as pious, just and incorruptible man, though, as you may see, there are few such people, to be the mutawallī.

16. It is the mutawallī’s duty to provide all the rights to those who are entitled to have them. Also, those who deserve something of the waqf shall be given what they deserve without omission or decrease, even if it is a piece of a fig as long as the income may cover expenditures and as long as the capital is sufficient for expenses. Should it be in due time for the reason of time events or intrigues that the income and the capital suffer a decrease, all expenses shall be reduced. The mutawallī is also obliged at the beginning of every three years to submit to the qādī – judge his financial report. The qādī – judge ought to review the mutawalli’s report in all details and to inspect as to where it was spent small and where big money as well as to the fact of the surplus and deficit, increase and decrease, benefit and harm of the waqf. Then, he ought to review all debtors whether they are honest or dishonest, rich or poor, weak or strong.  Furthermore, the qadi ought to review the mutawalli’s work to find out as to whether he abided by the written stipulations and whether he executed the assumed obligatory duties. If it appears that the mutawalli was reliable and honest and that he worked diligently as to get satisfactory grade, he shall be appraised and his innocence shall be declared. But if it appears that he failed his duties, neglected his obligations and if it becomes clear that he was short of applying the rules, he shall be ousted from his post and the other person shall be posted instead of him. Then, the Sharī‛ah law experts shall make sure that the waqf property remain intact, whether the capital or the commission, in the manner of applying the Sharī‛ah rules which shall prevent farther decrease, or the negligence of applying the waqf stipulations. This procedure shall be upheld for all times, as long as the moon and the sun orbit and as long as there is the exchange of day and night.

17. Then, (Mawlāna Muhyuddin) stated that the good aforementioned wāqif, may his sins be forgiven, delegated his servant, whom he gave freedom, the aforementioned Duke Murat and posted him in his stead to be in charge of all the affairs of management and of general benefits of the waqf as he saw in him the sign of honesty, maturity and stability and, thus, he asked  him not to decline this post as long as he wears the clothes-life and as long as the guardian of death does not nock on his door. This is to be considered as the legally accepted authorization from the wāqif himself both privately and publicly. Also, it is to be noticed that his authorizer, the aforementioned wāqif – endower, appointed Mawlāna ‛Abd al-Salām, the son of the Faqīh (Sharī’ah lawyer) ibn ‛Isā, as the mutawellī for registration.

18. Thereupon, the aforementioned wakīl – agent wanted to return this waqf from his (the mutawallī’s) hands, claiming that (the act of waqf) does not assume liability. But, the mutawallī opposed to that claim and thus the case was brought before the avowed judge whose inclination was in favor of the waqf and thus he came with the verdict that the act of endowment of the aforementioned things is both valid and obligatory.

19. Thereupon, he (the wāqif) submitted all the waqf real-estate as well as the waqf funds. He asserted that personally so that this became the registered waqf after all the procedures for the registration had been applied such as the procedure of offer and acceptance, then the procedure o the revocation of the waqf to the previous state of ownership and the opposition of the mutawallī to such claim and his instituting legal action against this wakīl – agent before this  avowed judge, who hopes to have gotten his Lord’s satisfaction, who declared that this waqf is valid and that its liability is established to the opinions of the authorities of the Sharī‛ah law who are independent in the interpretation of the Islamic sources – may Allah be satisfied with them – being aware of their differences about the issue of the waqf liability as well.

20. Now, therefore be it declared that from now on it is not allowed any change of this waqf, its transformation, its diversion, and its cancellation by any means or circumstances which would be contrary to this document. It is not allowed to anyone, who believes in Allah, His Messenger and in the Day of Judgment, be it the treasonous mutawallī, the tyrant sultan, the irresponsible wālī – governor, or the corruptible qādī – judge  to compete with this waqf so that to destroy it, diminish it or cancel its application by changing its rules and regulations. Thus if anyone should commit such things or if anyone breaks any of its stipulations or if anyone should change any of its rules by a false interpretation or wrong advise, he would commit the sin and provoke evil deed, but how would a faithful or a pious man have the audacity to do so before Almighty God if he had heard His words: – And to the unjust God has prepared a painful punishment. – May God’s curse be on the unjust. And the saying of the Prophet Muhammad, peace be upon him: – If a man takes a foot of ground from his fellow Muslim unjustly, God will surround him with seven ground walls  in  the fire of Hell. Indeed – whoever opposes to the Book of God and to the Right Way of His Messenger andwhoever permits of what God and His Messenger have forbidden, and whoever is eager to corrupt the work of his fellow Muslim, He will draw on himself the wrath of God, and his abodes is Hell, an evil refuge (indeed), the reward on him is the curse of God, of His angels, and of all mankind. Every one will come before God for accountability and God will punish by different kinds of punishments on he Day when no profit will it be to wrong-doers to present their excuses, but they will (only) have the curse and the home of misery; on the Day when every soul will be confronted with all the good it has done, and all the evil it has done, it will wish there were a great distance between it and its evil; on that Day every soul will be requited for what it earned; no injustice will there be that Day, for God is Swift in taking account. The Almighty God, the Giver of rewards, will reward the wāqif – endower for his intentions and hopes because He neither discredits the reward of the righteous, nor disregards the hope of the faithful.   

*This happened and was registered on the Twenty Sixth of Rajab of the Year of Hijra of Nine Hundred Forty Three (943),  corresponding to the Eighth of January of the Year of Mīlād of One Thousand Five Hundred Thirty Seven(1537).

 

The Witnesses of the Case

Mawlāna Uthman son of Mahamūd the Imām; Mawlāna ‘Abd al-Rahmān son of Muhammad al-Mudarris in the Gazi Husrev-bey Madrasa; Mawlāna ‘Umar son of Mahmūd the Imām; Muhammad son of Ibrahīm the Imām; Mawlāna Muhammad the Khatīb of the Yahya Mosque; Mawlāna Muhyuddin the Khatīb of the Wāqif’s Mosque; Mawlāna  Shams al-Dīn the teacher of the Wāqif’s Maktab; , Mawlāna ‘Alī son of Nasūh the Hāfiz, Mawlāna Ibrahīm son of …  the Imām.

1.    الحَمدُ للهِ الَّذِي عَمَّرَ بَسِيطَ الغَبْرَاءِ بِمَدَارِسِ العُلُومِ الهَنِيَّةِ وَأَسْنَاهَا، وَنَوَّرَ مُحِيطَ الخَضْرَاءِ بِالمَصَابِيحِ السَّنِيَّةِ وَأَسْمَاهَا، وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ فِي مَدْرَسَةِ الكَوْنَيْنِ، وَأَنْزَلَ مِن السَّمَاءِ الكِتَابَ المُسْتَبِينَ، وَوَقَفَ قُصُورَ الجِنَانِ عَلَى المُتَوَلِّينَ لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَالحَسَنَاتِ، وَسُبُلَ حَدَائِقِ النَّعِيمِ لِلْبَاذِلِينَ أَمْوَالَهَمْ فِي سَبِيلِ البِرِّ وَالإِحْسَانِ، وَوَقَفَ مَنْ أَرَادَ مِن العِبَادِ لادِّخَارِ الزَّادِ وَإِعْتَادِ العَتَادِ لِمِيعَادِ المَعَادِ، وَيَسَّرَ لِمَنْ يَشَاءُ إِنْشَاءَ الخَيْرَاتِ وَاكْتِسَابَ الحَسَنَاتِ وَاقْتِرَابَ المَبَرَّاتِ، وَضاعَفَ أَجْرَ حَسَنَاتِهِ، وَصدَرَتْ عَن وُفُور الرَّغْبَةِ وَخُلُوصِ الْمَحَبَّةِ {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةِ ماِئَةُ حَبَّةٍ}.2.     وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى مُحَمَّدٍ الهَادِي لِلْخَلْقِ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، المُوَازِي عُلَمَاءُ أُمَّتِهِ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَعلَى آلِهِ البَرَرَةِ الكِرَامِ وَصَحْبِِهِ الخِيَرَةِ العِظَامِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ مِن العُلَمَاءِ، مَا تَحَاوَرَ العُقَلاءُ الفُضَلاءُ الأَبْرَارُ فِي دُرُوسِ الحِكْمَةِ لِكَشْفِ الأَسْرَارِ وَتَجَادَلُوا فِي جَامِعِ العِلْمِ إِظْهَاراً لِلْحَقِّ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

3.       وَبَعْدُ: فَإِنَّ هَذِهِ صَحِيفَةٌ شَرْعِيَّةُ الأُصُولِ وَالْمَبَانِي، وَوَثِيقَةٌ أَنِيقَةٌ مَرْعِيَّةُ الأَلْفَاظِ وَالمَعَانِي، يُفْصِحُ مَضْمُونُهَا وَيُوضِّحُ مَكْنُونُهَا عَنْ ذِكْرِ مَا حَضَرَ مَجْلِسَ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ الغَرَّاءِ وَمَحْفِل الطَّرِيقَةِ الزَّهْرَاءِ مَوْلانَا مُحِيِ الدِّينِ بنِ قَاسِمٍ الإِمَامُ وَكِيلاً بِالإِقْرَارِ بِالوَقْفِ وَالقَبُولِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يُذْكَرُ آتِياً عَنْ جَنَابِ المَلِكِ الأَعْظَمِ وَالأَمِيرِ الكَبِيرِ المُعَظَّمِ، قُدْوَةِ الأَعَاظِمِ وَالأَمَالِي، حَاوِي المَكَارِمِ وَالمَعَالِي، ذِي القَدْرِ الرَّفِيعِ وَالخَطْبِ الخَطِيرِ، مَالِكِ مَمَالِكِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، مُشَيِّدِ بُنْيَانِ السَّلْطَنَةِ البَاهِرَةِ، وَمُمَهِّدِ قَوَاعِدِ الدَّوْلَةِ القَاهِرَةِ، رَافِعِ أَعْلامِ الإِسْلامِ بِالشَّوْكَةِ الشَّامِخَةِ، قَامِعِ أَصْنَامِ الكَفَرَةِ بِالصَّوْلَةِ الصَّائِلَةِ، غَازِي الغُزَاةِ وَالْمُجَاهِدِينَ، قَاتِلِ الكَفَرَةِ وَالمُشْرِكِينَ، صَاحِبِ الخَيْرَاتِ العَلِيَّةِ، وَاضِعِ الحَسَنَاتِ المِلِّيَّةِ، حَضْرَةِ خُسْرُوبِكْ ابنِ الْمَرْحُومِ فَرْهَادْ بِك، الوَالِي بِلِوَاءِ بُوسْنَةَ، زَيَّنَ اللهُ بَسَاتِينَ الإِمَارَةِ بِأَزْهَارِ آرَائِهِ الصَّائِبَةِ وَجَعَلَ أُمُورَ الجُمْهُورِ مُنْتَظِمَةً بَأَنَامِلِ أَفْكَارِهِ الثَّاقِبَةِ.

4.        فَأَقَرَّ وَاعْتَرَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ المَحْكِيَّةِ بِشَهَادِةِ شُجَاعِ بنِ جَلَبَ وَرْدِيٍّ وَمُصْطَفَى بِنْ حَسَنٍ بِأَنَّ المُوَكِّلَ المُومَى إِلَيِهِ لِمَا وُفِّقَ مِنْ قِبَلِ المَلِكِ المَنَّانِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِالإِيِمَانِ وَعَلِمَ أَنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ تَنْفَعُ صَاحِبَهَا يَوْمَ العَرْضِ وَالمِيزَانِ، خُصُوصَاً مِنْهَا تَعْلِيمُ الفِقْهِ وَتَفْسِيرُ القُرْآنِ، زَادَ فِي أَعْمَالِهِ الصَّالِحَاتِ، زِيَادَةً فِي المَثُوبَاتِ وَالحَسَنَاتِ.

5.       فَوَقَفَ وَحَبَسَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ وَنَفَاذِ تَصَرُّفَاتِهِ وَجَوَازِ تَبَرُّعَاتِهِ، ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللهِ الكَرِيمِ وَطَلَبَاً لِمَرْضَاةِ الرَّبِّ الرَّحِيمِ، يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، مَا هُوَ لَهُ وَمُلْكُهُ وَبِيَدِهِ وَقَبْضَتِهِ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ إِلَى صُدُورِ هَذَا الوَقْفِ عَنْهُ وَذَلِكَ:  _ جَمِيعُ المَنْزِلِ الكَائِنِ فِي مَحَلَّةِ جَرْكَجِي مِن مَحَلاّتِ سَرَايَ الْمَحْرُوسَةِ، الحَاوِي عَلَى بَيْتَيْنِ وَسِرْدَابٍ وَإصْطَبْلٍ وَجَنَّةٍ وَحَانُوتٍ وَمَخْزَنٍ وَدُكَّانِ قَصَّابٍ الشَّهِيرِ بِمِلْكِ طُورْنَه دَه دَه، الْمَحْدُودِ بِمَقَابِرِ المُسْلِمِينَ وَالطَّرِيقِ العَامِّ وَبِمِلْكِ كَمَالٍ وُيْوُدَهْ؛ _ وَالمَنْزِلِ الآخَرِ الكَائِنِ ثُمْنُهُ المَعْرُوفِ بِمِلْكِ مَحْمُودٍ ابنِ جَالِشِ خَوَاجَهْ المَحْدُودِ بِدَكَاكِينِ مَحْمُودٍ الصَّغْرَاقِيِّ وَبِوَقْفِ عِيسَى بِكْ المَرْحُومِ بِالسُّوقِ المُشْتَمِلِ عَلَى سِرْدَابٍ وَبَيْتٍ وَجَنَّةٍ وَتِسْعَةِ حَوَانِيتَ مُتَلاصِقَةٍ وَالحَانُوتَيْنِ الآخَرَينِ الكَائِنَيْنِ فِي السُّوقِ الإِفْرَنْجِيِّ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَحْرُوسَةِ المُسْفَرَةِ المُسْتَغْنِيَيْنِ عَنِ التَّحْدِيدِ وَالبَيَانِ لِشُهْرَتِهِمَا لَدَى أَهْلِ المَكَانِ؛ _ وَالبَيْتَيْنِ المُتَّصِلَيْنِ إِلَى الحَانُوتَيْنِ المَزْبُورَيْنِ؛ _ وَالبَيْتَيْنِ الآخَرَيْنِ الَّذَيْنِ بَنَاهُمَا الوَاقِفُ المُشَارُ إِلَيهِ جَدِيداً المُتَّصِلَيْنِ بِالبَيْتَيْن المَذْكُورَيْنِ قَبْلَ هَذَيْنِ؛ _ والمَنْزِلِ الآخَرِ الكَائِنِ أَيْضاً فِي المَحْمِيَّةِ المَذْكُورَةِ الوَاقِعِ مُحَاذِياً لِهَذَينِ البَيْتَيْنِ المُبْتَاعِ مِن الذِّمِّيَّةِ الإِفْرَنْجِيَّةِ المَدْعُوَّةِ دُويَه بِنْتِ جَاوقُوشَ المُشْتَمِلِ عَلَى بَيتٍ وَسِرْدَابٍ المُسْتَغْنِيَيْنِ كِلَيْهِمَا عَن التَّحْدِيدِ وَالتَّعْرِيفِ لِشُهْرَتِهِمَا لَدَى الوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ؛ _ وَجَمِيعِ مَبْلَغِ سَبْعِمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍِ فِضِّيٍّ رَائِجٍ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ مُفْرَزاً مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ بِجُمْلَةِ مَا لِلأَوْقَافِ المَزْبُورَةِ مِن الحُدُودِ المَقْطُوعَةِ وَالحُقُوقِ المَشْرُوعَةِ وَالتَّوَابِعِ وَاللَّوَاحِقِ وَالمَرَاسِمِ وَالمَرَافِقِ وَبِكُلِّ حَقٍّ لَهَا ذُكِرَ أو لَمْ يُذْكَرْ، سُطِرَ أوْ لَمْ يُسْطَرْ، وَقْفاً شَرْعِيّاً وَحَبْساًَ مَرْعِيّاً.

.6 وَشَرَطَ أَنْ يُسْتَغَلَّ المَنَازِلُ وَالأَمْلاكُ المَزْبُورَةُ عَلَى الوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَالأُسْلُوبِ المَرْعِيِّ وَأَنْ يُبْنَى بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلفِ دِرهَمٍ مِن المَبْلَغِ المَسْفُورِ مَدْرَسَةٌ شَرِيفَةٌ رَفِيعَةُ البُنْيَانِ جَلِيلَةُ القَدْرِ بَيْنَ الخَوَّاصِّ وَالأَعْيَانِ فِي أَرْضِهِ المُحَازِيَةِ لِبَابِ الجَامِعِ العَالِي الَّذِي بَنَاهُ وَأَعْلاهُ الوَاقِفُ الوَالِي، المُسْتَغْنِيَةِ عَن التَّحْدِيدِ وَتبْيِينِهَا لاشْتِهَارِهَا بِانْتِسَابِهَا إِلَى وَقْفِهَا، مُشْتَمِلَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ حُجْرَةً يَسْكُنُهُا القَوَابِلُ مِن الطَّلَبَةِ دُونَ الفَوَاسِقِ مِن الجَهَلَةِ، بِبِنَاءٍ مَشَيَّدٍ وَأُسْلُوبٍ مُؤَيَّدٍ، كَمَا هُوَ مَرْسُومٌ فِي مَدَارِسِ الوُزَرَاءِ وَالأُمَرَاءِ جَزَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الاِسْتِفَادَةِ وَإِفَادَةِ العُلَمَاءِ الفُضَلاءِ.

.7 وَمَا يَفْضَلُ مِن خَرْجِ البِنَاءِ المَزْبُورِ يُبْتَاعُ بِهِ الكُتُبُ المُعْتَبَرَةُ وَتُسْتَعْمَلُ فِي المَدْرَسَةِ المَذْكُورَةِ، يَسْتَفِيدُ بِهَا مَنْ يُطَالِعُهَا مِن المُسْتَفِيدِينَ وَمَنْ يَسْتَنْسِخُهَا مِن الْمُحَصِّلِينَ.

.8 وَيُسْتَرْبَحُ البَاقِي مِن المَبْلَغِ المَسْفُورِ وَهُوَ ثَلاثُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِالرَّهْنِ القَوِيِّ وَالكَفِيلِ الْمِلِّيِّ عَلَى حِسابٍيَكُونُ رِبْحُ كُلِّ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ مِنهُ فِي كُلِّ عَامٍ دِرهَماً فَيُعَامَلُ عَلَى نَهْجٍ شَرْعِيٍّ أَنِيقٍ وَطَرِيقٍ مَرْضِيٍّ وَثِيقٍ، لا يَشُوبُ فِيهِ شَائِبَةُ الرِّبَا، وَلا يَتَطَرَّقُ إِلَيهِ الضَّيَاعُ، وَأَنْ يُعَامَلَ بَأَهْلِ التُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ وَالزُّرَّاعِ مِن أَرْبَابِ المِلَلِ المَعْرُوفِينَ بِاليَسَارِ وَالمُتَمَوِّلِينَ ذَوِي الاِقْتِدَارِ، يُرَى عَلَيْهِمْ آثَارُ الأَمَانَةِ سِيَّمَا الاِسْتِقَامَةِ وَالصِّيَانَةِ، وَيَكُونُ شُهْرَتُهُمْ بَينَ النَّاسِ بِحُسْنِ المُعَامَلَةِ لا بِالْكَذِبِ وَالتَّسْوِيفِ وَالمُمَاطَلَةِ، وَلا يُدْفَعُ إِلَى الأُمَرَاءِ وَالوُلاةِ وَالمُدَرِّسِينَ وَالقُضَاةِ وَلا إِلَى الجُنْدِيِّينَ وَسَائِرِ الجُيُوشِ وَأَرْبَابِ التِّيمَارِ وَالفََسَقَةِ وَالفُجَّارِ وَلا إِلى الأَعْوِنَةِ وَأَهْلِ الدُّيُونِ وَمَمَالِيكِ السُّلْطَانِ وَلا إِلَى مَنْ نِيَّتُهُم بِالتَّزْوِيرِ والطَّمَعِ مِنْ أَيِّ فِرْقَةٍ كَانَ.

.9 فِيمَا يَحْصُلُ مِن غَلاّتِ الأَوْقَافِ المَزْبُورَةِ وَمَحْصُولاتِ الدَّرَاهِمِ المَذْكُورَةِ جَعَلَ لَهُ الوَاقِفُ المَزْبُورُ تَغَمَّدَهُ بِالرَّحْمَةِ الرَّبُّ الغَفُورُ قَانُوناً يُرْجَعُ إِلَيهِ وَأُسْلُوباً يُعْتَمَدُ عَلَيهِ، لا سَبِيلَ لأَِحَدٍ إِلَى تَغْيِيرِ هَذَا القَانُونِ وَتَبْدِيلِهِ وَلا مَجَالَ لِشَخْصٍِ إِلَى تَحْرِيفِ هَذَا الأُسْلُوبِ وَتَحْوِيلِهِ، مَا دَامَ الحَاصِلُ لِلْخُرُوجِ وَافِياً وَالدَّاخِلُ لِلصَّرْفِ كَافِياً.َ

.10حَيْثُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بَعْدَهُ مُتَوَلٍّ أَمِينٌ ذُو رَأْيٍ رَصِينٍ سَاعٍ فِي الدَّخْلِ عَلَى وَاضِحِ السُّنَنِ، كَافٍ فِي الخَرْجِ مَهْمَا أمْكَنَ بِضَبْطِ الغَلاَّتِ، مُجِدَّاً فِي الأَمَانَةِ وَمُجْتَنِبَاً عَن الإِهْمَالِ والْخِيَانَةِ.

.11 وَنَاظِرٌ جَابِي مَوْصُوفٌ بِالبَصِيرَةِ وَأَجْمَلِ الأَوْصَافِ يُحِيطُ عِلْمُهُ بِأَحْوَالِ الوَقْفِ كُلِّهَا وَلا يُغَادِرُ شَيْئاً مِن الأُمُورِالْمُتَعَلِّقَةِ بِالأَوْقَافِ مَصْلَحِهَا وَمَحَلِّهَا، وَلا يَتَصَرَّفُ المُتَوَّلِي إِلاَّ بِمَعْرِفَتِهِ وَلا يُبَاشِرُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الوَقْفِ إِلاَّ بِرَأْيِهِ وَمَشُورَتِهِ.

.12 وَأَنْ يَكُونَ فِي المَدْرَسَةِ الَّتِي يُرِيدُ ابْتِنَائَهَا وَتَشْيِيدَهَا وِإِعْلائَهَا وَوَقْفَهَا لِلَّذِينَ يُحَصِّلُونَ العِلْمَ وَيُكَمِّلُونَ النَّفْسَ مِن الطُّلاَّبِ وَالعِبَادِ وَيَشْتَغِلُونَ بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ مِنْ بَيْنِ العِبَادِ عَالِمٌ فَاضِلٌ كَامِلٌ نِحْرِيرٌ، كَاشِفُ أَسْتَارِ الحَقَائِقِ بِالتَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ، جَامٌِ بِالفُرُوعِ وَالأُصُولِ، حَاوِي بِالمَعْقُولِ وَالمَنْقُولِ، يُدَرِّسُ بِهِمْ دُرُوسَ التَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ وَالأَحْكَامِ وَالأُصُولِ وَالمَعَانِي وَالبَيَانِ وَالكَلامِ وَمَنْ سَايَرَهَا أَيْضَاً حَسْبَ مَا يَقْتَضِيهِ العُرْفُ وَالمَقَامُ، لا يَفُوتُ دُرُوسَهُمْ إلاَّ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَلا هُمْ يَفُوتُونَهُ إلاَّ بِوَجْهٍ مَرْعِيٍّ فِيهِ أَيَّامُ التَّعْطِيلِ وَالتَّحْصِيلِ بِمَا فِي العَادَةِ رِعَايَتُهُمَا لا حَاجَةَ إِلَى التَّفْصِيلِ، وَيُفْتِي الأَنَامَ فِيمَا يَسْتَفْتُونَهُ مِن المَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ بِأَقْوَى المَذَاهِبِ وَالأَقْوَالِ بِالنَّقْلِ وَالأَخْذِ مِنْ كُتُبِ الفَتَاوَى فِي كُلِّ الأَحْوَالِ، شَرْطَاً يَنْضَمُّ إِلَيْهِ نَظَارَتُهُ الحِسِّيَّةُ لِلأَوْقَافِ فِي جَمِيعِ الأَزْمَانِ وَعِنَايَتُهُ بِِهَا فِي كُلِّ الآوَانِ وَالأَحْيَانِ.

13. وَمُعِيدٌ يُرَاعِي وَظِيفَةَ الإِعَادَةِ عَلَى مَا هُوَ المُقَرَّرُ فِي القَانُونِ وَالعَادَةِ، وَبَوَّابٌ يُقِيمُ خَدَمَاتِ الْمَدْرَسَةِ مِنْ كُتُبِهَا وَمُحَافَظَةِ أَسْبَابِهَا وَفَتْحِ بَابِهَا وَإِغْلاقِهَا: _ وَعَيَّنَ لِلْمُتَوَلِّي مَا عُيِّنَ مِنْ غَيْرِ الأَوْقَافِ الْمَذْكُورَةِ؛ _ وَلِلنَّاظِرِ الجَابِي مَا تَعَيَّنَ مِنْهُ أَيْضَا؛ _ وَعَيَّنَ لِلْمُدَرِّسِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسِينَ دِرْهَمَاً مِنَ الأَوْقَافِ المَزْبُورَةِ؛ _ وَلِلْمُعِيدِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ؛ _ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِن الطَّلَبَةِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ؛ _ وَلِلْبَوَّابِ أَيْضَاً دِرْهَمَينِ. وَعَيَّنَ البَاقِي قَلِيلاً كَانَ أَو كَثِيرَاً لِتَكْمِيلِ المَبْلَغِ المَزْبُورِ إِنْ انْتُقِصَ لِحَادِثَةٍ مِنْ طَوَارِقِ الْحُدْثَانِ ثُمَّ لِيُخْرَجَ مَا يُنْتَقَصُ مِنْ أَطْعِمَةِ عِمَارَةِ الوَاقِفِ المَذْكُورِ، تَقَبَّلَ اللهُ حَسَنَاتِهِ المَلِكُ الشَّكُورُ، ثُمَّ لِمَرَمَّةِ عَامَّةِ أَوْقَافِهِ، فَيُحْفَظَ مَعَ سَائِرِ الزَّوَايِدِ مِنْ سَايِرِ الأَوْقَافِ بِيَدِ المُتَوَلِّي بِمَعْرِفَةِ النَّاظِرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ وَيُصْرَفَ إِلَى المصَارِفِ المَرْقُومَةِ وَقْتَ الاِحْتِيَاجِ.

14. وَعَيَّنَ لِكُلِّ مَنْ يَسْكُنُ فِي المَدْرَسَةِ مِنَ المُعِيدِ وَالطَّلَبَةِ وَالبَوَّابِ أَنْ يُعْطَى لَهُمْ مِن الأَطْعِمَةِ المَطْبُوخَةِ فِي مَطْبَخِ العِمَارَةِ العَامِرَةِ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ كِفْلَينِ وَاحِدٌ مِن المَرَقِ مَعَ قِطْعَةِ لَحْمٍ وَأَرْبَعَ فَوَادِلَ، وَيُرَاعَى فِي حَقِّهِمْ لَيَالِي الجُمَعِ وَأيَّامُ الأَعْيَادِ بِإِعْطَائِهِمْ مِن المَطْبُوخَاتِ عَلَى مَا هُوَ الدَّأْبُ المُعْتَادُ.

15. وَشَرَطَ تَوْلِيَةَ الأَوْقَافِ المَزْبُورَةِ وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا وَالنَّظَارَةَ عَلَيْهَا وَالقِيَامَ عَلَى مَوَاجِبِهَا وَلَوَازِمِهَا أَوَّلاً لِنَفْسِهِ النَّفِيسَةِ مَا دَامَ رُوحُهُ الشَّرِيفُ مَعَهُ وَكَانَ أَنِيسَهُ ثُمَّ لأَعْدَلِ عَبِيدِهِ وَأَوْلاهُمْ وَأَعْلاهُمُ عُمْدَةِ خَوَاصِّهِ مُرَادَ وُيْوُدَهْ بنِ عَبْدَاهْ، ثُمَّ لأَصْلَحِ عُتَقَاءِ الوَاقِفِ المَزْبُورِ ثُمَّ لأَصْلَحِ أَوْلادِهِمْ وَأحْفَادِهِمْ ثُمَّ وَثُمَّ نَسْلاً بَعْدَ نَسْلٍ وَفَرْعاً بَعْدَ فَرْعٍ، الأَصْلَحَ فَالأَصْلَحَ فَيَتَقَدَّمُ الأَرْشَدُ وَالأَفْلَحُ ثُمَّ لأَِوْلادِ بَنَاتِهِمْ ثُمَّ لأَبْنَاءِ أَبْنَائِهِمْ بَطْنَاً بَعْدَ بَطْنٍ وَقَرْنَاً بَعْدَ قَرْنٍ مَا تَنَاسَلُوا وَتَعَاقَبُوا فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمْ الأَصْلَحُ مُتَوَلِّيَاً يَكُونُ الأَشْرَفُ الآخَرُ نَاظِرَاً وَجَابِيَاً، فَإِذَا انْقَرَضُوا بِقَبِيلَتِهِمْ وَمَضَوْا بِسَبِيلِهِمُ يُوَلِّي عَلَيْهَا مَنْ يَكُونُ حَاكِمَاً بِالقَضَاءِ المَحْرُوسَةِ المَزْبُورَةِرَجُلاً مَعْرُوفَاً بِالأَمَانَةِ وَالدِّيَانَةِ مَوْصُوفَاً بِالاِسْتِقَامَةِ وَالصِّيَانَةِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ فَإِنَّ الْمُتَوَلِّينَ كَمَا تَرَاهُمْ.

16. وَشَرَطَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَيُوصِلَ إِلَى المُسْتَحِقِّ مُسْتَحَقَّهُ مِنْ غَيْرِ بَخْسٍ وَنَقْصٍ وَلَوْ مِنْ تَمْرَةٍ بِشِقْصٍ، مَا دَامَ الدَّخْلُ لِلْخَرْجِ وَافِيَاً وَالأَصْلُ فِي الفَرْعِ كَافِيَاً، وَإِنْ دَخَلَ نُقْصَانٌ فِي الدَّخْلِ وَانْحِطَاطٌ فِي الأَصْلِ بِحَادِثٍ مِنْ حَوَادِثِ الزَّمَنِ وَطَارِقٍ مِنْ طَوَارِقِ الفِتْنَِ، يُدْخَلُ الكَسْرُ فِي جَمِيعِ المَصَارِفِ، وَأَنْ يَعْرِضَ مُحَاسَبَتَهُ فِي رَأْسِ كُلِّ ثَلاثِ سِنِينَ عَلَى مَنْ يَكُونُ حَاكِمَا ثَمَنَهُ، فَيُحَاسِبُهُ عَلَى النَّقِيرِ وَالقِطْمِيرِ وَيَسْأَلُهُ عَلَى القَلِيلِ وَالكَثِيرِ وَيَتَفَحَّصُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالاِرْتِفَاعِ وَالاِنْحِطَاطِ وَالنَّفْعِ وَالخُسْرَانِ وَيَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ الذِّمَمِ غَثِّهِمْ وَسَمِينِهِمْ، فَقِيرِهِمْ وَغَنِيِّهِمْ وَمُعْسِرِهِمْ وَمُوسِرِهِمْ وَيَكْشِفُ مِن أَحْوَالِ المُتَوَلِّي هَلْ رَاعَى الشَّرَائِطَ المَذْكُورَةَ المُعْتَبَرَةَ وَأَدَّى خِدْمَتَهُ المَسْطُورَةَ الْمُقَرَّرَةَ، فَإِنْ ظَهَرَ أَمَانَتُهُ وَاسْتِقَامَتُهُ وَاتَّضَحَ سَعْيُهُ وَكِفَايَتُهُ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَسَلِمَتْ، وَأَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ خِيَانَتُهُ وَإِهْمَالُهُ أَوْ وَضَحَ تَقْصِيرُهُ وَإِخْلالُهُ فَيُعْزَلُ عَنْ التَّوْلِيَةِ وَيُنْصَبُ غَيْرُهُ مَكَانَهُ ثُمَّ يُضَمَّنُ مَا يَرَى أَهْلُ الشَّرْعِ ضَمَانَهُ عَنْ مَالِ الوَقْفِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ شَرْعَاً، أَصْلاً كَانَ أَوْ فَرْعَاً بِتَقْصِيرٍ عَنْهُ أَوْ إِخْلالٍ بِشَرْطٍ مِنْ شَرَايِطِهِ أَوْ عُذْرٍ أَوْ إِهْمَالٍ بِشَيْءٍ مِنْ ضَوَابِطِهِ، وَيُرَاعَى هَذَا الأُسْلُوبُ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ مَا دَارَ النَّيِّرَانِ وَتَوَاتَرَ الْمَلَوَانِ.

17. وَأَقَرَّ بِأَنَّ الوَاقِفَ المَذْكُورَ الخَيِّرَ المَغْفُورَ وَكَّلَعَتِيقَهُمُرَادَوُيْوُدَهْ المَزْبُورَ وَأَنَابَ مَنَابَ نَفْسِهِ بِجَمِيعِ أَحْوَالِ التَّوْلِيَةِ وَعَامَّةِ مَصَالِحِهَا لِمَا رَأَى عَلَيْهْ أَثَرَ الصَّلاحِ وَسِيمَاءَ الرُّشْدِ وَالفَلاحِ وَعَهَدَ بِأَنْ لا يَعْزِلَهُ عَنْهَا مَا دَامَ هُوَ لابِسَاً لِبَاسَ الحَيَاةِ وَلَمْ يَقْرَعْ بَابَهُ حَاجِبُ الْمَمَاتِ، تَوْكِيلاً شَرْعِيَّاً مَقْبُولاً مِنْ قِبَلِهِ وِجَاهَاً وَشِفَاهَاً وَبِأَنَّ مُوَكِّلَهُ الوَاقِفَ المَذْكُورَ قَدْ نَصَبَ مَوْلانَا عَبْدَ السَّلامِ بنَ عِيسَى فَقِيه مُتَوَلِيَّاً لأَجْلِ التَّسْجِيلِ.

18. فَبَعْدَ ذَلِكَ أَرَادَ الوَكِيلُ المَزْبُورُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْ يَدِهِ مُحْتَجَّاً بِعَدَمِ اللُّزُومِ فَقَابَلَهُ الْمُتَوَلِّي المَزْبُورُ مُتَرَافِعَاً إِلَى الحَاكِمِ المُوَقِّعِ فَرَجَّحَ هُوَ جَانِبَ الوَقْفِ وَحَكَمَ بِصِحَةِ مَا وُقِفَ مِن الأَشْيَاءِ المَذْكُورَةِ وَبِلُزُومِهَا فَسَلَّمَ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِن العَقَارَاتِ وَالدَّرَاهِمِ لِلْوَقْفِ.

19. وَأَقَرَّ قَرَارَاً مُصَدَّقَاً مِنْ قِبَلِهِ وِجَاهَاً ثُمَّ صَارَ هَذَا وَقْفَاً مُسَجَّلاً بَعْدَ مَا رُوعِيَ شَرَائِطُ التَّسْجِيلِ مِن التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ المَزْبُورَيْنِ، وَإرَادَةُ الرُّجُوعِ وَاسْتِرْدَادِهِ إِلَى المِلْكِيَّةِ وَامْتِنَاعُ المُتَوَلِّي وَمُرَافَعَتُهُ مَعَ هَذَا الوَكِيلِ إِلَى الحَاكِمِ المُوَقِّعِ أَعْلاهُ المُتَوَقِّعِ رِضَاءَ مَوْلاهُ، وَحَكَمَ بِصِحَّةِ وَقْفِيَّتِهِ وَلُزُومِهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهُ مِن الأَئِمَّةِ المُجْتَهِدِينَ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، عَالِمَاً بِاخْتِلافِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الوَقْفِ.

20. فَإِذَنْ لا يَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ تَغِيِيرُ هَذَا الْوَقْفِ وَتَبْدِيلُهُ وَلانَقْضُهُ وَلا تَعْطِيلُهُ بِمَا يُنَاقِضُ مَضْمُونَ هَذَا الكِتَابِ بِوَجْهٍ مِن الْوُجُوهِ بِسَبَبِ مِن الأَسْبَابِ، وَلا يَحِلُّ لأَِحَدٍ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَبِاليَوْمِ الآخِرِ مِنْ مُتَوَلٍّ خَايِنٍ أَوْسُلْطَانٍ مُتَغَلِّبٍ أَوْ وَالٍ مُبْطِلٍ أَوْ قَاضٍ مُبَرْطَلٍ أَنْ يُزَاحِمَهُ فَيُبْطِلَهُ وَيَنْقُضَهُ أَوْ يُعَطِّلَهُ أَوْ يُغَيِّرَ شَرْطَهُ أَوْ يُحَوِّلَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ ارْتَكَبَ بِشَيْءٍِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ خَالَفَ شَرْطَاً مِنْ شَرَايِطِهِ أَوْ غَيَّرَ شَيْئَاً مِنْ ضَوَابِطِهِ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ أَوْ تَوْجِيهٍ كَاسِدٍ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَ وَاسْتَوْجَبَ المَأْثَمَ، وَكَيْفَ يَتَجَاسَرُ عَلَى ذَلِكَ مُؤْمِنٌ أَوْ يَتَصَدَّى لَهُ خَايِفٌ مِن اللهِ المُهِينِ بَعْدَ مَا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ وَعَظُمَ سُلْطَانُهُ: {وَالظّالِميِنَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابَاً أَلِيمَاً} وَقَوْلَهِ: {أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}،  وَقَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “شِبْرٌ مِن الأَرْضِ يَأْخُذُ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ طَوَّقَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ”. فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَاسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَسَعَى فِي فَسَادِ عَمَلِ أَخِيهِ المُسْلِمِ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِن اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَاللهُ حَسِيبُهُ وَمُكَافِيهِ وَطَلِيبُهُ وَمُجَازِيهِ بِأَصْنَافِ العَذَابِ وَأَصْنَافِ العِقَابِ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً، وَيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ. وَأَجْرُ الوَاقِفِ فِيمَا نَوَاهُ وَهَمَّهُ وَابْتَغَاهُ عَلَى المَلِكِ الوَهَّابِ إِنَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ وَلا يُخَيِّبُ رَجَاءَ المُؤْمِنِينَ. جَرَى ذَلِكَ وَحُرِّرَ فِي اليَوْمِ السَّادِسِ وَالعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَجَبَ المُرَجَّبِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ.

شُهُودُ الحَالِ:

مَولانَا عُثْمَانُ بنُ مَحْمُودٍ الإِمَامُ، مَولانَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مُحَمَّدٍ المُدَرِّسُ فِي مَدْرَسَةِ خُسْرُوبِك، مَولانَا عُمَرُ بنُ مَحْمُودٍ الإمامُ، مُحَمَّدٌ بنُ إِبراهيمَ الإِمَامُ، مَولانَا مُحَمَّدٌ الخَطِيبُ بِجَامِع ِ يَحْيَى بَاشَا، مَولانَا مُحِيِ الدِّينِ الخَطِيبُ بِجَامِعِ الوَاقِفِ، مَولانَا شَمسُ الدَّينِ المُعَلِّمُ فِي مَكْتَبِ الوَاقِفِ، مَولانَا عَلِيٌّ بنُ نَصُوحٍ حَافِظٌ، وَمَولانَا إبراهيمُ بنُ… الإمامِ.

IV

إنه ليس  من المفيد أن نقارن الغازي خسرو بيك مع نظرائه في الشرق فقط، بل لا بد من مقارنته مع نظرائه من مؤسسي المدارس الغربيين أو الأوروبيين، من أمثال روبرت دي سوربون (1201 – 1274) الذي كان القسيس المفضَّل لدي الملك الفرنسي لويس التاسع، كما كان الغازي خسرو بيك (1480 – 1541) حفيدا للسلطان العثماني بيازيد، فكلاهما أنشأ مدرسة على أساس المعتقدات الدينية. ولكن تاريخ مدرسة كل منهما كان مختلفا.

فبدلا من تقديم كل الإمكانيات المعرفية “بحسب الزمان والمكان”، بقيت مدرسة الغازي خسرو بيك عصِيَّة على الأنشطة العصرية، وبالتالي لم تتطور لتصبح جامعة فذّة، مثلما حدث لجامعة السوربون في باريس.

وهذا ليس لأن مدرسة الغازي خسرو بيك لم يكن لديها تلامذة أمثال ديكارت وسبينوزا وفولتير وروسو وغيرهم من طلاب السوربون الذين عانوا من ضيق أفق روبرت دي سوربون، بل لأن المسلمين فقدوا بصيرتهم شخصيات بارزة مثل الفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد وبن خلدون، الذين لم يعانوا من سعة الأفق عند الغازي خسرو بيك.

وبالطريقة نفسها، يمكن مقارنة مدرسة الغازي خسرو بيك في سراييفو ببدايات مدرسة أكسفورد التي أسست في القرن الثاني عشر، تَأَسِّيَاً بمدرسة السوربون. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أيضا أن مدرسة هارفارد كانت قد تأسست على يد القس البروتستانتي جون هارفارد (1607 – 1638)، الذي كان عضوا في الكنيسة البروتستانتية الإنكليزية.

إن أكسفورد وهارفارد اليوم جامعتان عالميتان وما تزال ممتلكاتهما الموقوفة في ازدياد مستمر. إنهما تقدمان دراسات في شتى ميادين المعرفة، تماما كما جاء وقفية الغازي خسرو بيك  “ حَسْبَ مَا يَقْتَضِيهِ العُرْفُ وَالمَقَامُ “، بما في ذلك الدراسات الإسلامية، بينما تناقصت أوقاف مدرسة الغازي خسرو بيك، بسبب التقلبات التاريخية التي حدثت في القرن الماضي، حتى وصل بها الحال أنها ما بقي من الأوقاف لا يكفي للمحافظة على المدرسة التي أنشئت على الوقف الدائم الذي يدر عليها دخلا دائما. ورغم ذلك فإن مدرسة الغازي خسرو بيك ما تزال قائمة ونشيطة في تأهيل الأئمة والخطباء (الوزراء والدعاة) الذين حصلوا على سمعة طيبة بسبب ما قاموا به من أعمال، ليس فقط في البوسنة والهرسك، ولكن في أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا الخ.

إن مدرسة الغازي خسرو بيك تفتخر بأنها خرَّجت عددا من أشهر الشخصيات البوسنية الدينية والفكرية والثقافية والسياسية، مثل العالم الكبير أحمد بوريك ومحمد أمين ديزدار (دكتور في الشريعة الإسلامية)، محمد سيّد سرداريفيتش (فقيه كبير)، وحمديا كريشيفلياكوفيتش (مؤرخ)، وشاكر سيكيريتش (نحوي بارع)، محمد قنطارجيتش (عالم رياضيات)، ومحمد خانجيتش (عالم ومؤرخ)، وعزّت ناميتاك (كاتب)، وقاسم دوبراتشا (عالم)، وحسين جوزو (عالم ومصلِح)، ومصطفى بوصُلاجيتش (عالم في تاريخ الأديان والثقافة)، وكامل عبديتش (خطيب – مفكّر)، وحازم شعبانوفيتش (عالم في تاريخ الثقافة البوسنية)، وفيض الله حجيبايريتش (عالم كبير ومتصوف)، وقاسم حجيتش (مفكر)، وحارث سيلايجيتش (سياسي وعضو مجلس رئاسة البوسنة حاليا) وكثيرون غيرهم.

وقد شهد العام الماضي تخريج الدفعة السادسة والخمسين بعد الأربعمائة من طلاب مدرسة الغازي خسرو بيك الذين حازوا على شهادات تمكنهم من مواصلة التعليم في أي جامعة من جامعات البوسنة والهرسك.

وتحتفل مدرسة الغازي خسرو بيك في هذه السنة بالذكرى السنوية السبعين بعد الأربعمائة لتأسيسها (1537-2007) مما يبين أن مدرسة الغازي خسرو بيك تعتبر – بحسب جميع السجلات – من أقدم المؤسسات التعليمية في  البلقان، وربما في أوروبا أيضاً.

V

إنه بناء على الازدياد الأخير في عدد المدارس الثانوية الإسلامية[16]، حيث أصبح عددها اليوم ثمانية مدارس، فإن المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك قررت منذ العام الدراسي 2004/2005 أنّ شهادات المدرسة الثانوية الإسلامية لم تَعُدْ كافية لتخويل حاملها بممارسة وظائف الإمامة والخطابة والدعوة.

لذلك، فإنه يجب على الأئمة والخطباء في المستقبل في البوسنة والهرسك والسنجق وصربيا وكرواتيا وسلوفينيا[17] أن يدرسوا ثلاث سنوات في كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو أو في كليتي التربية الإسلامية في زينيتسا وبيهاتش، لكي يحصلوا على المؤهل العلمي الذي يؤهلهم للعمل في مجال الإمامة والخطابة.

وكما ذكرت آنفا، فبعد الحصول على الشهادة من إحدى المدارس الثانوية الإسلامية الثمانية التابعة للمشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك، لا بد لمن يرغب في ممارسة وظيفة الإمام والخطيب في المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك أن يحصل على تأهيل مدته ثلاث سنوات في كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، التي تعتبر وريثة المؤسسات التعليمية الإسلامية في البوسنة والهرسك والتي تعود إلى زمن الحكم العثماني الذي دام 415 سنة (1463-1878).

ومن المعروف أن السلاطين العثمانيين قد وظفوا استثمارات كثيرة في البنية التحتية الدينية والتعليمية والتجارية، وفي طرق المواصلات.

فقد صرفوا الأموال الطائلة على بناء المساجد والمدارس الدينية والخانات والأسواق والحمامات العامة والجسور وغيرها.

إلا أن المدرسة التي كان يقف وراءها مؤسسة وقفية ومكتبة كانت تستأثر باهتمامهم الخاص لأنهم كانوا يسعون إلى الحفاظ على القانون والنظام في المجتمع القائمين على مبادئ الشريعة.

ولكن أهم تركة خلفها العثمانيون في البوسنة تتمثل في الخط الحنفي الماتوريدي الفريد في علم الكلام والفقه، والذي انتقل إلى البوسنة عبر بلاد ما وراء النهر واسطنبول قادما من قلب الجزيرة العربية[18].

 هذه شهادة تاريخيّة للعالم البوسنوى حسن الكافي الاختصارى (1544 – 1616) على التواتر الثابت في العقيدة و الفقه علي المذهب الحنفي في البوسنة قال فيها:

الحمد لله الذي هدانا للعلم والإيمان، ونهانا عن الكفر والعصيان، والصلاة على نبيه النبيه، وحبيبه الوجيه محمد المبعوث بخير الأديان، وعلى آله السابقين بخير إحسان، وأصحابه التابعين بإذعان، وبعدُ:

فلما كان الإيمان أولَ ما يجب على الإنسان، وآخرَ ما يُطلب عند نزع الأرواح عن الأبدان، بل هو الغرض الأصلي من فيض الوجود، والمقصود الأقصى من أخذ الميثاق المعهود، ولا يحصل إلا بعد العلم بواجب الوجود، ولا يكمل إلا بإثبات صفات فائض الجود، وجب على كل عاقل صرف الوجود إلى كسبه وتحصيله بالأدلة البشرية ليتخلص من عقد التقليد في عقائد التوحيد؛ فالإيمان رئيس الاعتقادات الدينية، ورأسُها العلمُ الكاملُ بتحقيق أصل العلوم اليقينية، وأساسها وهو علم التوحيد والصفات، وقد وُجِدَتْ فيه أحسنُ المصنّفات وأحصرُ المؤلفات: الفقه الأكبر لإمامنا الأعظم، ثم عقائد الطحاوي وعقائد عمر النسفي وعقائد السيوطي عليهم رحمة ربهم الغنيّ، فإنها مع ما فيها من حسن التَّنظيم والتركيب، وصباحة الترتيب، وغاية التنقيح ونهاية التهذيب، مشتملة على غُرَرِ الفرائد من أصول الدين، ودرر الفوائد من قواعد عقائد اليقين، بحيث تستوجب أن تُحَرَّرَ وَتُزْبَرَ على صفحتي الشمس والقمر، لكن لخلوِّها عن الأدلة في التمهيد لا تكتفي للتفصي عن التقليد، فكنت أدير في نفسي وفي خَلَدي، وأستخير الله في كدِّي وملدي أن أستخرج من هذه الأصول لهؤلاء الفحول مختصرا رصينا مشتملا على المعقول، ومتنا متينا متضمنا لِنُخَبِ المنقولِ من أماثِل الأدلة وأصائل الأصول، من غير إيراد أسئلة المعارضين وأدلة المخالِفين، فرتبته على ما وقع من جواب سيد المرسلين حين سأله جبريل عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره من الله تعالى. فهذه سبعة أصول، وبعد ما صدرتها ببيان حقيقة الإيمان صارت ثمانية فصول، فسميته بروضات الجنات في أصول الاعتقادات، واللهَ تعالى أسألُ أن يجعل التوفيق رفيقي، ويُسَهِّلَ عليَّ تأليفَهُ وتحقيقَهُ فإنه مجيب الدعوات وقاضي الحاجات. وهذه سلسلة الروايات الفقهيّة الحنفيّة من خلال أسماء العلماء الحنفيّين:

كمال الدين بن الهمامِ (صاحب “فتح القدير”)، عن السِرّاج عمر (الشهير بقاريئ “الهداية” وصاحب “الفتاوي” الشهيرة)، عن علاء الدين السِّيراميِّ، عن السيّد جلال الدين (شارح”الهداية”)، عن عبد العزيز البخاري (صاحب “الكشف والتحقيق”)، عن حافظ الدين النسفي (صاحب “الكنز”)، عن شمس الأئمّة الكَرْدَرِيِّ، عن برهان الدين علي المرغينانيِّ (صاحب “الهداية”)، عن فخر الاسلام البَزْدَويِّ، عنشمس الدين السَّرَخْسيِّ، عن شمس الأئمّة الحَلْواني، عن القاضي أبي علي النسفي، عن أبي بكر محمد بن الفضل البخاري،  عن أبي عبد الله السَّبَذْيوُنيِّ، عن أبي حفصٍ عبدِ اللهِ ين أبي حفصٍ الصغيرعن والده أبي حفصٍ الكبير، عن الإمام محمد بن الحسن الشيبانيِّ، عن إمام الأئمّة و سراج الأمّة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفيِّ، عن حَمَّادِ بن سليمان، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله تعالي عنه، عن النّبيّ صلي الله عليه و سلّم، عن أمينِ الوحيِ جبريلَ عليه السلام، عن الحكم العدل جلّ جلالُه و تقَدّسَتْ أسماؤُهُ.

 وبالرغم من أن البوسنة كانت تحتل مكانة عالية جدا في النظام التعليمي العثماني، إلا أن الطلاب البوسنيين في ذلك الوقت كان عليهم أن يذهبوا إلى اسطنبول للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه.

إن العلماء البوسنيين الذين درسوا في اسطنبول أيام الحكم العثماني تمكنوا جيدا من لغات الحضارة الإسلامية الثلاث: العربية والفارسية والتركية[19].

وكان الشيخ محمد جمال الدين تشاوشيفيتش رئيس العلماء الرابع (1913 – 1930) في البوسنة والهرسك[20] بعد مؤتمر برلين (1878)، آخر رئيس للعلماء من الذين درسوا في اسطنبول وكان يتقن اللغة التركية جيدا[21]. وكان قادرا على القيام بأكبر قدر من الإصلاح الإسلامي[22] أو التحول من “منطقة نفوذ إلى المنطقة الأوروبية للإصلاح المتسارع”[23].

ومع مرور الوقت، وخاصة بعد إلغاء مكتب الخلافة في اسطنبول سنة (1924) انقطعت جميع الاتصالات الاعتيادية والطبيعية بين سراييفو واسطنبول. وصار لزاما على مسلمي البوسنة أن يبحثوا عن بديل للمحافظة على الاستمرارية الروحية والتعليمية.

كان عليهم أن يقوموا بعملية “التفاف روحي” فتوجهوا نحو جامعة الأزهر الشريف[24] في القاهرة ساعين إلى تحصيل العلوم الإسلامية هناك. ولقد أدى هذا الانتقال من اسطنبول إلى القاهرة إلى استعراب العلماء البوسنيين بمعنى أنهم فقدوا صلتهم المباشرة مع اللغة التركية، وقد نتج عن ذلك أن أصبح تاريخ تأهيل الأئمة والخطباء البوسنيين في القرن الماضي مرتبطا بالتاريخ التعليمي العربي الإسلامي، ليس فقط على صعيد اللغة، بل أيضا على صعيد الفلسفة والثقافة.

كانت السلطات النمساوية – المجرية، تسعى لاجتذاب ولاء مسلمي البوسنة، فكانت من جهة أولى تبدي اهتماما باحتياجاتهم التعليمية، ومن الجهة الثانية كانت تمنع الطلبة من الذهاب إلى اسطنبول للحصول على التعليم الإسلامي العالي، ولذلك فتحت تلك السلطات عملية أسمتها “تحرير المثقفين المسلمين من أي تأثير خارجي”.

وهكذا صدر في عام 1881 مرسوم بتأسيس أول “مكتب نواب” في سراييفو (المدرسة العليا للشريعة الإسلامية) وكان الهدف منها تأهيل القضاة الشرعيين. ويجدر بالذكر أن سلطات الإمبراطورية النمساوية الهنغارية أعطت المسلمين البوسنيين الاستقلالية الدينية مما أدى إلى استمرار وجود المحاكم الشرعية في البوسنة والهرسك حتى عام 1946، عندما ألغت الحكومة الشيوعية اليوغوسلافية جميع المؤسسات التي كانت تمارس أي شكل من أشكال النشاطات الدينية.

ولقد حصلت فكرة تأسيس أول مكتب نواب في سراييفو على دعم القيادة المسلمة في ذلك الوقت، بحيث خصصت الأوقاف الإسلامية قطعة الأرض التي أقيم عليها مبنى مكتب النواب.

وقد قام بالتصميم المعماري لمبنى مكتب النواب المهندس المعماري التشيكي كارلو بارجيك، وتم الانتهاء من تشييده سنة 1887، مما يعني أنه في هذه السنة (2007) يكون قد مر على افتتاحه 120 سنة.

ومما لا شك فيه، أن مكتب النواب كان قد لعب دورا كبيرا في الإصلاح الإسلامي في البوسنة والهرسك. ويعتبر الطراز الأندلسي لمبنى مكتب النواب رمزا لوجود الإسلام  في أوروبا.

وللأسف، فإن النظام الشيوعي اليوغوسلافي أغلق مكتب النواب في سنة 1945، وأمم وصادر جميع الأوقاف الإسلامية، ومن بينها مبنى مكتب النواب.

وفي عام 1993 أعيد افتتاح مبنى مكتب النواب وهو اليوم يعتبر أحد أجمل القطع المعمارية في سراييفو بعد أن تم تجديده بفضل العطاء السخي الذي قدمته دولة قطر.

لم يكن لدى المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك حتى عام 1977 مؤسسة تعليمية جامعية، وكان التعليم الديني مقتصرا على مدرسة الغازي خسرو بيك الثانوية الإسلامية في سراييفو، التي كانت تخدم حاجات المسلمين الدينية في يوغوسلافيا السابقة من البوسنيين والألبان.

وبعد سنوات طويلة من كفاح المشيخة الإسلامية في يوغوسلافيا السابقة، سمح النظام الشيوعي بافتتاح كلية الشريعة الإسلامية في سراييفو سنة (1977) – ونحن نحتفل في عامنا هذا بالذكرى الثلاثين لتأسيسها.

وقد اتخذت الكلية مقرا لها في ذلك الحين داخل مبنى مدرسة الغازي خسرو بيك المجاورة لمسجد الغازي خسرو بيك، لتنتقل في عام 1993 إلى مبنى مكتب النواب وأصبح اسمها كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو.

وتعتبر هذه الكلية اليوم أعلى مؤسسة تعليمية إسلامية تابعة للمشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك، وتوفر هذه الكلية دراسات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في ثلاثة أقسام هي: أصول الدين، والتربية الإسلامية وتأهيل الأئمة والخطباء.

VI

ومع استيلاء الشيوعيين على الحكم في البوسنة والهرسك ضمن جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية السابقة، أغلقت كافة المدارس الإسلامية في البوسنة والهرسك باستثناء مدرسة الغازي خسرو بيك، واستمر الأمر على هذا الحال إلى عام 1992 م عندما أعلنت البوسنة والهرسك استقلالها، ومنذ ذلك العام بدأت المشيخة الإسلامية بإعادة افتتاح المدارس الثانوية الإسلامية في البوسنة والهرسك وفي كرواتيا والسنجق، حتى أصبح عددها ثمانية مدارس، ستة منها في البوسنة والهرسك وواحدة في زاغرب عاصمة كرواتيا وأخرى في نوفي بازار في السنجق.

ومنذ ثلاثة أعوام تعمل هذه المدارس وفق خطة وبرنامج مُوَحَّدَين، بعد أن أُدخِلَ عليهما العديد من التعديلات والتحسينات. وفي العام الدراسي 2006/2006 بلغ مجموع عدد التلاميذ في هذه المدارس الثمانية 1946 طالبا وطالبة.

وأقدم هنا لمحة موجزة عن هذه المدارس حسب البيانات الصادرة عن رئاسة المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك للعام الدراسي 2005/2006:

مدرسة الغازي خسرف بك الثانوية الإسلامية  في سراييفو:

وكما قلنا، تعتبر هذه المدرسة في سراييفو من أقدم المؤسسات التعليمية الإسلامية، فقد تم تأسيسها سنة 1537 م، ومنذ تأسيسها وحتى اليوم لم تتوقف عن أداء رسالتها التعليمية الإسلامية. ويتلقى 376 تلميذ وتلميذة تعليمهم فيها.

هذه المدرسة بقسميها للذكور والإناث. ويعمل فيها 24 مدرسا و 21 مربيا. والمدرسة من النمط الداخلي، حيث يمضي التلاميذ كامل وقتهم فيها بما في ذلك المبيت. ومدير المدرسة الحالي هو الأستاذ زياد لييفاكوفيتش.

مدرسة بهرم بك الثانوية الإسلامية في توزلا:

أعيد افتتاح هذه المدرسة في توزلا سنة 1993، ويتلقى 404 تلميذ وتلميذة تعليمهم فيها. ويعمل فيها 34 مُدرّسا و 20 مربيا. ومديرها الحالي الأستاذ وحيد فازلوفيتش.

مدرسة إبراهيم التشي باشا الثانوية الإسلامية في ترافنيك:

جَدَّدَت هذه المدرسة عملها سنة 1994، ويتلقى 196 تلميذ وتلميذة تعليمهم فيها. ويعمل فيها 20 مدرسا و 7 مربين. ومديرها الحالي الأستاذ محرم داوتوفيتش.

مدرسة عثمان ريجوفيتش الثانوية الإسلامية في غراتشانيتسا:

تأسست هذا المدرسة غراتشانيتيا – فيسوكو سنة 1992، ويتلقى 238 تلميذ وتلميذة تعليمهم فيها. ويعمل فيها 22 مدرسا و7 مربّين. ومديرها الحالي الأستاذ جمال صالحسباهيتش.

مدرسة قره جوز بك الثانوية الإسلامية في موستار:

جّدَّدَت هذه المدرسة عملها سنة 1995، ويتلقى 121 تلميذ وتلميذة تعليمهم فيها. ويعمل فيها 21 مُدرِّسا و 4 مُربّين. ومديرها الحالي الأستاذ شيفكو تينياك.

مدرسة جمال الدين تشاوشيفيتش الثانوية الإسلامية في تسازين:

تأسست هذه المدرسة سنة 1993، ويتلقى 224 تلميذ وتلميذة تعليمهم فيها. ويعمل فيها 30 مدرسا و8 مُرَبِّين. ومديرها الحالي الأستاذ أنس ليوبيانكيتش.

مدرسة الغازي عيسى بك الثانوية الإسلامية في نوفي بازار (السنجق):

بدأت هذه المدرسة عملها سنة 1990، ويتلقى 286 تلميذا تعليمهم في هذه المدرسة. ويعمل فيها 13 مدرسا و 4 مُرَبِّين. ومديرها الحالي الأستاذ نجاد حسانوفيتش.

مدرسة د. أحمد اسماعيلوفيتش الثانوية الإسلامية في زغرب (كرواتيا):

تأسست هذه المدرسة في زاغرب سنة 1992، ويتلقى 101 تلميذ وتلميذة تعليمهم فيها. ويعمل فيها 18 مدرسا ومربيان. ومديرها الأستاذ مراد حجيسماعيلوفيتش. ويتضح من هذا العرض الموجز أن المدارس الثانوية الإسلامية تضم 1946 تلميذا وتلميذة يتلقون فيها تعليمهم الديني.

إن الهدف الرئيسي من قسم تأهيل الأئمة والخطباء هو التأهيل الديني والفكري والأخلاقي والاجتماعي والثقافي للأئمة والخطباء. إن برنامج تأهيل الأئمة والخطباء مصمم بطريقة تزود الإمام الخطيب بالمعرفة النظرية والتطبيقية التي يحتاجها للنجاح في حسن قيادة جماعة مسجده.

والتسجيل في قسم تأهيل الأئمة والخطباء مخصص لحملة شهادة الدراسة الثانوية من إحدى المدارس الثانوية الإسلامية الثمانية التابعة للمشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك. وتستمر الدراسة في هذا القسم ستة فصول دراسية ينجح خلالها الطالب في 48 امتحان نظري وعملي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] سورة آل عمران، الآية 85.

[2] Cf., C. E. Bosworth, The Islamic Dynasties, Edinburgh, the University Press, 1967, pp. 14-41.

[3] Cf., Mehmed Handžić, „Islamizacija Bosne i Hercegovine” [Islamization of Bosnia Herzegovina] in Izabrana djela II – Teme iz opće I kulturne historije, Ogledalo, Sarajevo, 1999, pp. 7- 46; Muhamed Hadžijahić, Porijeklo bosanskih Muslimana (The Origin of Bosnian Muslims), Bosna, Sarajevo, 1990.

[4] María Rosa Menocal, The Ornament of the World – How Muslims, Jews, and Christians Created a Culture of Tolerance in Medieval Spain, Little, Brown & Company, New York, 2002.

[5] Averroës and the Enlightenment, ed. Mourad Wahba & Mona Abousenna, Prometheus Books, New York, 1996.

[6] Washington Irving, A Chronicle of the Conquest of Granada, 2 vols., Darf Publishers, London, 1986.

[7] سورة الصف، الآيتان8 -7 .

[8] السفارد – اليهود المتحدرون من أولئك الذين كانوا يعيشون فى شبه الجزيرة الأيبيريه قبل 1492 (بالعبرية: سفاراد تعني أسبانيا). لكن غالبا ما يستخدم تعبير السفارد للإشارة إلى اليهود من غير الأشكناز (مقتبسة من : “السفارد” في قاموس أكسفورد لأديان العالم، نشر: John Bowker، نشرة جامعة أكسفورد، أكسفورد ، 1997.

[9] نفس المصدر السابق، “هاغادا”.

[10] راجع: مصطفى تسريتش “أوروبا الجديدة في أحلام مسلم أوروبي عريق” ألقيت المحاضرة في مؤتمر الأئمة في مدينة  غراتس من 13-15/06/2003، تحت عنوان: “دور الإسلام في أوروبا – حقوق الإنسان والتعليم”. وكلمة الدكتور  مصطفى تسريتش بمناسبة الذكرى المائة والعشرين (1882-2002) على تأسيس مكتب رئيس العلماء ومؤسسة رئاسة المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك البوسنة (باللغتين البوسنية والعربية)، سراييفو، 2002.

[11] جاء الإسلام إلى البوسنة عن طريق الأتراك العثمانيين الذين تبنوا عقيدة أبي منصور الماتوريدي ومذهب أبي حنيفة في الفقه. أحد الأسباب التي جعلت الأتراك يتبنون العقيدة الماتوريدية والمذهب الحنفي هو أنّ الإسلام وصل إليهم عن طريق بلاد ما وراء النهر التي كانت في ذلك الوقت مركزا للماتوريدية والمذهب الحنفي. أضف إلى ذلك أنّ أبا حنيفة نفسه كان من أصل فارسي (أي من العجم) وكان أكثر مرونة في تعامله مع المسائل الفقهية بحيث يسهل على المسلمين الجدد التزامهم بالدين. راجع: W. Madelung، “انتشار الماتوريدية والأتراك” في وثائق المؤتمر الرابع للدراسات العربية والإسلامية، كويمبرا-ليسبوا، 1968، ص: 109-168. لايدن: E. J. Brill، 1971.

[12] بدأ الإصلاح الإسلامي في البوسنة مع رئيس العلماء جمال الدين تشاوشيفيتش (1870-1938)، انظر: “الرئيس جمال الدين تشاوشيفيتش – منوّر ومصلح”، أنس كاريتش ومويو ديميدوفيتش، ليليان، سراييفو، 2002. وتابعه حسين جوزو (1912-1982)، انظر: “حسين جوزو – أعمال مختارة”، 4 مجلدات، دار القلم، سراييفو، 2006.

[13] كُتبت وقفية مدرسة الغازي خسرو بيك في سراييفو سنة 943 هـ/1537 م. التذكرة بمناسبة مرور أربعمائة سنة على مدرسة الغازي خسرو بيك) المطبعة المساهمة الإسلامية، سراييفو، 1932.

[14] ولد الغازي خسرو بيك بن فرهاد بيك في سيريز بروميلية سنة 1480 م وكانت أمه السلجوقية الأصل ابنة للسلطان بيازيد. حكم الغازي خسرو بيك البوسنة ثلاث مرات: 1521-1525، 1526-1535 1536-1541 وانتهى حكمه بوفاته في تلك السنة. ولم يترك وراءه أولادا، ولم يعرف عنه أنه تزوج. يوجد قبره على يسار مسجده في سراييفو. انظر المصدر السابق.

[15] أنس تشينغيتش، “مع كرليجا يوما بيوم، (1975-1977) – نافخ في البوق في صحراء الروح”، غلوبوس، زاغرب، 1986، ص: 32.

[16] أثناء حكم تيتو تم إغلاق العشرات من المدارس الدينية، وكانت مدرسة الغازي خسرو بيك في سراييفو هي المدرسة الوحيدة التي تخرج الأئمة والخطباء. بعد زوال الحكم الشيوعي أعادت المشيخة الإسلامية فتح خمسة مدارس دينية: مدرسة كرا جوز بيك في موستار، مدرسة بهرم بيك في توزلا، مدرسة جمال الدين تشاوشيفيتش في تسازين، مدرسة ألتشي إبراهيم باشا في ترافنيك، مدرسة عيسى بك في نوفي بازار، إضافة إلى مدرستين جديدتين وهما: مدرسة عثمان أفندي ريجوفيتش في فيسوكو، ومدرسة أحمد سماعيلوفيتش في زاغرب.

[17] بالرغم من أن المشيخات الإسلامية في السنجق وكرواتيا وسلوفينيا تتمتع قانونيا بالاستقلال، إلا أنها من الناحية الواقعية تعتمد على المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك في مجال تأهيل الأئمة وغيره من الاحتياجات الفكرية. فالسنجق وكرواتيا وسلوفينيا لديهم مندوبيهم في الجمعية العمومية للمشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك وهي التي تنتخب رئيس العلماء الذي يعتبر المنصب الأعلى في المشيخة الإسلامية، والذي بدوره يرشح المفتين في السنجق وكرواتيا وسلوفينيا.

[18] خلص الأستاذ فكرت كارتشيتش إلى القول أن “التحليل التاريخي والجغرافي لسلسلة حسن كافي بروشتشاك يكشف الخط التالي لانتقال المذهب الحنفي من شبه الجزيرة العربية (القرن الأول الهجري/ السادس الميلادي) ووصوله إلى البوسنة (القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي): الحجاز ← العراق ← ما رواء النهر ← القاهرة ← حلب ← الأناضول ← اسطنبول ← البوسنة. ويمكن لهذا الاستنتاج أن يخضع للتمحيص الإضافي ببحث سِيَرِ العلماء البوسنيين في في أوائل العهد العثماني وإجازات التدريس. مهما يكن من أمر، فقد يظهر اختلاف حول انتقال المعرفة من الأناضول أو روميلية (كان اسم روميلية يطلقه العثمانيون على شبه جزيرة البلقان)، ولكن لا يوجد شك في مسار انتقال المذهب الحنفي من شبه جزيرة العرب إلى الأتراك العثمانيين”، فكرت كارتشيتش، “كيف جاء المذهب الحنفي إلى البوسنة – شرح سلسلة حسن كافي بروشتشاك” مجلة (المعلّم الجديد) جمعية علماء، سراييفو، المجلد الثالث، العدد: 8 (5 يناير 2002) ص: 20.

[19] للتوسع في إسهامات العلماء البوسنيين في الحياة الروحيه والثقافيه للعثمانيين، انظر: حازم شعبانوفيتش، “أدب مسلمي البوسنة والهرسك باللغات الشرقية”، سفييتلوست، سراييفو، 1973؛ محمد جدرالوفيتش، “ناسخو المؤلفات في المخطوطات العربية” مجلدان. سفييتلوست، سراييفو، 1988؛ عبد الرحمن ناميتاك، “مختارات من أدب الحميادو البوسني”، سفييتلوست، سراييفو 1981.

[20] يعتبر منصب رئيس العلماء والمفتي في البوسنة والهرسك مؤسسة فريدة للسلطة الإسلامية، وقد تم استحداثه في فترة ما بعد العهد العثماني نتيجة لمؤتمر برلين (1878) عندما وضعت البوسنة والهرسك تحت إدارة أمبراطورية النمسا وهنغاريا وضمّت إليها. رئيس العلماء الحالي في البوسنة هو الثاني عشر في الترتيب.

[21] جدير بالذكر أن رئيس العلماء الخامس الحافظ إبراهيم ماغلايليتش (1930-1936) قد درس في اسطنبول ولكن تأثير اسطنبول على التعليم الإسلامي في البوسنة كان قد تناقص.

[22] من بين الأمور الأخرى التي قام بها رئيس العلماء جمال الدين تشاوشيفيتش أنه استبدل الأبجدية اللاتينية بالأبجدية العربية وأمر أن تقرأ خطبة الجمعة باللغة البوسنية بعد أن كانت تقرأ باللغة التركية القديمة وبالعربية.

[23] انظر فكرت كارتشيتش، “ماذا نقصد بالتقاليد الإسلامية عند البوشناق؟”، في “قرار المشيخة الإسلامية حول تفسير الإسلام”، دار القلم، سراييفو، 2006.

[24] للمزيد عن الأزهر انظر: Bayard Dodge، “الأزهر ألف سنة من التعليم” طبعة تذكارية، معهد الشرق الأوسط، واشنطن، 1974؛ Jonathan Berkey، “نقل المعرفة في القاهرة في القرون الوسطى – التاريخ الاجتماعي للتعليم الإسلامي”، نشرة جامعة برينستون، برينستون 1992.