قضايا سياسية

المصادر المتجددة في إنتاج التطرف والآثار الأمنية

 

تشير التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والاتحاد الأوربي ومنظمات مستقلة أخرى بأن لتونس حصة كبيرة من الشباب المجندين في صفوف التنظيمات الإرهابية عبر العالم، وهي حقائق ليست منبثقة من فراغ، وإنما هي مخرجات أمنية سلبية لفترة طويلة من الحكم الديكتاتوري للرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي (1989-2011)؛ التي مورست فيها أسوأ أشكال القمع السياسي والفكري والثقافي والديني بواسطة الأدوات الأمنية القاسية، انتهكت خلالها الكرامة الإنسانية بشكل مريع. من ذلك تجريم صلاة الجماعة في الأماكن العامة، العقوبة على التجمعات لأي سبب، الصلاة الجمعة بالتناوب ناهيك عن تجريم العمل السياسي والإعلامي المعارض. في مقابل ذلك، الغلو في الفرض الإكراهي للعلمنة والنمط الغربي على المجتمعي التونسي.
لقد بدا المجتمع التونسي خاضعا ومتجاوبا مع المقاربة التغريبية لنظام بن علي على مدى عشرين سنة، لكن تونس ليس استثناءً من القاعة السوسيولوجية العامة القاضية بأن التطرف يولّد التطرف المضاد، إذ حتى وإن بدت الثورة التونسية ضد نظام بن علي هادئة وسميت “بثورة اليسامين”؛ إلا أنها كانت تحمل في مضمونها أثقالا من مشاعر الاضطهاد وآلام القبضة الأمنية، ولا بد من التعبير أو التنفيس عنها بطريقة عنيفة ومتطرفة. انعكس كل ذلك في القابلية الشديدة للشباب التونسي للتجنيد في صفوف الجماعات المسلحة المتشددة، ولم تستطع العملية السياسية استيعاب كل تلك الآلام المتراكمة عبر السنوات الماضية. العامل الذي ساعد على عملية تصعيد مستويات التجنيد هي الشعور لدى دائرة كبيرة من فئة الشباب أنهم لم يجدوا أنفسهم ممثلين في التغيير السياسي الجديد في تونس، بسبب الأزمة الأمنية المفتعلة بواسطة الثورة المضادة وعودة رموز النظام السابق للحكم، بالرغم من أن معظمهم لم يتجاوزوا فقط سن التقاعد وإنما تجاوزوا الحدود الدنيا للقدرة البشرية في إدارة المسئوليات داخل المؤسسات العامة للدولة.
في العهد السبسي الجديد، بالرغم من أن التحالف مع حزب النهضة كان عاملا ملطّفا لنزعة التطرف من خلال تصدي قادة النهضة للسلفية الجهادية فكريا ودعم المؤسسات الأمنية في حربها ضد الإرهاب، إلا أن في فترة الأخيرة بدأت تظهر بوادر العودة للتطرف العلماني عند إعلان الرئيس التونسي مبادرة تغيير نظام الأحوال الشخصية والتسوية بين الجنسين في الإرث، القائم على مبادئ الشريعة الإسلامية. بالطبع التطرف السبسي سوف يقابل آليا بالتطرف في الجهة المقابلة من خلال خلق مبررات إضافية للجماعات المتطرفة في تجنيد مزيد من المقاتلين أو على الأقل زيادة عدد المتعاطفين والخلايا النائمة التي تضرب فجأة المجتمعات هنا وهناك.
للتطرف جنسية واحدة ذات آثار أمنية متماثلة، وبالتالي ليس هناك فرق -من الناحية الأمنية- بين تطرف القائد السبسي وأبو محمد الجولاني (زعيم جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة) وأبو بكر البغدادي (زعيم تنظيم داعش)؛ الفرق الوحيد هو أن السبسي يقف على جانب التطرف العلماني، ويقف الآخران على الجهة المقابلة. المفارقة أن السبسي انزعج من الانتقادات التي وجهت إليه سواء في شكلها السياسي أو الديني، ولم يبالي حين صدم مشاعر المسلمين عبر العالم بواسطة التعدي على مسائل ثابتة في الدين بالضرورة، الذي تعتنقه أغلبية الشعب الذي يحكمه.
النتيجة المهمة أن الأفعال السياسية من قبيل المقترحة من قبل السبسي سوف تعزز التطرف في المنطقة وتوسع دائرة الجماعات الإرهابية ومعسكر المتشددين عبر المناطق؛ وإذا كان نظام بن علي قد خلق قاعدة للتطرف على المستوى الوطني في المجتمع التونسي، فإن السبسي يخلق ويغذي قاعدة التطرف عبر المناطق في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وأوربا، بحكم تأثير عناصر العولمة الإعلامية والاتصالية؛ وبالتالي سوف يساهم في الهشاشة الأمنية الإقليمية وما بين إقليمية.

د.عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock