بقلم إدريس آيات، أكاديمي وباحث متخصص في الشؤون الإفريقية.

باتت المعادن الإفريقية جزءًا من التنافس الدولي، وتجلَّى ذلك في المسارات التي تبنَّتها الأطراف المتنافسة بُغية الاستحواذ على معادن القارة. وتطور ذلك من أنواع جديدة من سياسة الاحتواء إلى الأشكال الحديثة لما صار يُعرف بـ”الحرب الباردة الجديدة” وهو ما تحاول هذه الورقة التحليلية تبيانه.

قراءة في التاريخ لفهم أبعاد التنافس الراهن

قد يكون التنافس الأوروبي على المعادن أقدم إطار في التوجه الأجنبي نحو القارة، فيما سُمي بـ”التكالب على إفريقيا”. وترجع جذوره إلى خواتيم القرن الـ19، ففي يناير/كانون الثاني 1894، اكتشفت الإمبراطورية الألمانية رواسب ضخمة من معدن الماس في “سود ويست أفريكا” (Südwestafrika)، جمهورية ناميبيا الحالية. وفي محاولة لإبعاد خصميها، فرنسا وبريطانيا، قرر الإمبراطور الألماني “غليوم الثاني” (Guillaume II) أن ناميبيا ستكون مستعمرة للألمان البيض، مطهَّرةً من السود؛ السكان الأصليين. أما بعض النساء فيمكنهن البقاء لتلبية الاحتياجات الجنسية للألمان وسيحل أولادهم “المزدوجين عرقيًّا” محلَّهم(1). في هذه السياقات تولدت “أول إبادة جماعية” في القرن الـ20.

وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 1904، أصدر جنرال القوات الألمانية “لوثر فون تروثا” حُكْمَ الإعدامِ ضد شعب هريرو، وجاء في فحواه: “إن هريرو ما عادوا من رعايا الألمان. وعليه يتعين عليهم الخيار بين: المغادرة أو الموت، حال عدم الانصياع. ومن يُعثَر عليه داخل الحدود (الناميبية)، مسلحًا كان أو أعزل، سيتعرض للإعدام؛ فضلًا عن أن مصير النساء والأطفال سيكون التهجير أو الإعدام حال عدم الإذعان[…] ليعلم الهيريرو أن الإمبراطورية لن تحتفظ بأسرى من الذكور؛ بل ستُقدم على إعدامهم. هذا هو قراري الذي اتخذته بخصوص شعب هيريرو”(2).

وعلى إثر ذلك ثار الناميبيون، ليسقط بين 1904-1908 قرابة 90٪ من هيريرو نتيجة الإبادة التي خلَّفت 15 ألفًا فقط، من بين مئة ألف. وعلى نحو مماثل، لقيَ 50٪ من جيرانهم من قومية “ناما”، البالغ عددهم 20 ألفًا، حتفهم(3).

إن سرد البعد التاريخي إنما هو للتذكير بمحورية المعادن في النكبات التي شهدتها القارة، وللإشارة إلى أنَّ تفسير الإبادة الألمانية، دون اعتبار لسياق النسق الدولي المجحف آنذاك كان مجرد “نتيجة تمرد على الاستعمارية”. لذا، لم يحلِّلها جمع كثير من المؤرخين بوضوح باعتبارها مستقاة من تخطيطات الامبريالية الرأسمالية، ومقدمة لبداية التنافس الأوربي على معادن القارة. وما التكالب المتسع على الثروات المعدنية الإفريقية في الوقت الراهن إلا امتداد للإبادة الناميبية في حلتها الجديدة.

أنواع المعادن الإفريقية

دشَّن البنك الدولي بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي عام 2014 مبادرة تهدف إلى رسم خريطة حديثة للموارد المعدنية الإفريقية، أُطلق عليها “خريطة المليار دولار”، وهي الميزانية المخصصة للمسح الجيولوجي المعني بالاكتشافات، استعانة بالتكنولوجيا المتقدمة. وأسفرت النتائج الأولية عما سمي بـ”فضيحة جيولوجية”(4). وقد عزم مدير المشروع “باوُلو ديسا” الإعلان عن نتائجها بعد 5 سنوات، لكنها تأجلت، بسبب كوفيد-19. إلا أن الاستنتاجات الأولية توحي بأن الاحتياطيات الإفريقية تدخر أمورًا تتخطى الخيال.

وآخر دراسة معمقة، وقد شملت بعض الدول الإفريقية فقط، عن احتياطيات المعادن الإفريقية ترجع إلى عام 2008 بعد الأزمة العالمية، والتي أبانت عن كمية من الاحتياطيات، حيث تحتوي القارة على: 30٪ من البوكسيت، و60٪ من المنغنيز، و75٪ من صخور الفوسفات، و85٪ من البلاتين، و80٪ من الكروم، و60٪ من الكوبالت، و30٪ من التيتانيوم، و75٪ من الماس، وقرابة 40٪ من ذهب العالم(5). مع أن القارة تدخر أكثر من ذلك، فالدراسة لم تشمل الماس الصناعي والفيرميكوليت والزركونيوم، والحديد، والنحاس، والفضة، والكولتان، والليثيوم، وعناصر الأرضية النادرة المكتشفة مؤخرًا(6).

يُضاف إلى ما سبق، أن احتياطيات المعادن وإن كانت متعددة، فإنها كذلك متمايزة، ويصنِّفها خبراء مؤسسة “باريس للتقنية” منطلقًا من أُطر جيولوجية(7)، يُمكن حصرها جميعًا في أربعة أصناف كما يلي:

  • الأحجار الكريمة: واشتُهر منها الزمرد والياقوت اللذان تعد مدغشقر أكبر منتج لهما بحوالي 60٪ و80٪ على التوالي(8)، واستفردت بإنتاجهما منذ 40 عامًا فرنسا وسويسرا(9)، وحجر الماس للمجوهرات الثمينة، والذي تتربع كل من بوتسوانا وجنوب إفريقيا، وناميبيا، وإفريقيا الوسطى على عرش منتجيه(10).
  • المعادن النفيسة: وأشهرها الذهب، الذي تعتبر غانا، وجنوب إفريقيا، والسودان، ومالي، وبوركينا فاسو من أكبر منتجيه في القارة.
  • المعادن الصناعية، ومن أشهرها: البوكسيت، المعدن الأساسي للألومنيوم، والموظَّف في صناعة الطائرات، والسيارات، وغيرها، والذي تنتجه دولة غينيا، وتمتلك أكبر رواسب له في العالم في جبال “سيماندو”(11). ومعدن النحاس اللازم في التصنيع البنائي، وتعتبر زيمبابوي رابعَ، والكونغو سادسَ منتج له في العالم(12).
  • المعادن الاستراتيجية: هي التي يحتدم التنافس الدولي عليها بكثافة، بوصفها ضرورية للصناعات التكنولوجية المتقدمة، وأكثرها شيوعًا: الكولتان، والكوبالت، والليثيوم، التي تعتبر الكونغو الديمقراطية أكبر منتج لها جميعًا(13) ويُضاف إليها “عناصر الأرضية النادرة”، وتسمى لَبِنة التقنيات الجديدة، واعتبرها البعض “ذهب القرن الـ21″(14). والأرضية النادرة، مجموعة مكونة من 17 عنصرًا، لها خصائص مغناطيسية وكهروكيميائية فريدة. لذا، أمْسَتْ حيوية في إنتاج عقاقير علاج السرطان، والهواتف الذكية، وتقنيات الطاقة المتجددة، ومهمة أيضًا للقوى العظمى لأنها تُستخدم في صناعة الأسلحة، وعدسات التليسكوب، وفي الليزر، والصواريخ. بعبارة أخرى: من يسيطر عليها، تكن له الأسبقية في سباق الابتكارات الحديثة للقرن الـ21. وفي عام 2015، اُكتشفت الأرضية النادرة بكمية ضخمة في دولة بوروندي، فطمعت القوى الغربية فيها، لكن بوروندي آثرت الصين وروسيا، ما كان سببًا في اندلاع أزمة داخلية في البلاد، مدعومة من أطراف خارجية(15).

بواعث التنافس الدولي على المعادن

خلال عشرين السنة الأخيرة، تندر متابعة عالم التكنولوجيا والتقنيات الإلكترونية الجديدة دون الوقوع على عبارة “غافا” (GAFA)، والتي تعني الحروف الأوائل من غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون (Google- Apple- Facebook- Amazon)، ولطالما اعتُبرتْ فخر الصناعة الغربية. لكن يغيب عن الكثير أن هناك عمالقة موازين لها في الصين تُعرف اختصارًا بـ”باتكس” (BATX)؛ وتعني الحروف الأوائل من: “بايدو و”علي بابا” و”تنسنت” و”سياومي” (Baidu-Alibaba-Tencent-Xiaomi)(16).

 وللتوضیح، فإن:

  • الأول: بايدو هو محرك البحث الصيني مع قرابة سبعمئة مليون زائر يوميًّا، والمنافس الحقيق لـ”غوغل”، وله ميزانية تقدر بـ164 مليار دولار(17).
  • أما الثاني، “علي بابا”، فهو الشركة الصينية المنافسة لـ”أمازون” الأميركية(18).
  • بينما تعتبر “تنسنت” الشركة الصينية التي تستحوذ على تطبيق الرسائل الآنية (WeChat) والمنافس لـ”واتساب”، مع قرابة تسعمئة مليون مستخدم(19).
  • أما سياومي، وهي بمنزلة “آبل” الصينية، فقد تأسست عام 2000، بقيمة سوقية قُدِّرت في 2021 بحوالي 88 مليار دولار(20).

تتنافس (غافا) -ويمكن إضافة “ميكروسوفت” عليها- مع “باتكس” التي تلتقي بشركة “هُواوي” -الحاضنة الرئيسية للشركات الصينية. ولكلٍّ من “غافا” و”باتكس” استثمارات عظيمة في قطاعيْ التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي (25 مليار دولار سنويًّا من واشنطن، مقابل 65 مليار دولار من بكين). كما تقدر قيمتهما السوقية المشتركة بنحو 4.5 تريليونات دولار(21)؛ ما يفوق الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا رابع أكبر اقتصاد في العالم مثلًا، وأقل بـ2.2 تريليون من مجموع اقتصاد إفريقيا (55 دولة) المقدَّر بـ6.7 تريليونات دولار، بحسب صندوق النقد الدولي(22). ولروسيا أيضًا -بدورها- شركات أقل انتشارًا، لكنها تواصل تجذرها في المجال، كـ(VK) منصة التواصل الاجتماعي الشهيرة في موسكو، و(Yandex) محرك البحث الروسي. وعمالقة أُخَر كـ”سامسونغ” الكورية الجنوبية، و”ويكو” و”إكو-Echo” الفرنسيتين و”نوكيا” الفنلندية، والعديد غيرها. المثير أن ما بين 60% و70٪ من المعادن الاستراتيجية الضرورية، التي تستخدمها الشركات أعلاه، مستوردة من إفريقيا(23). وهو أحد الأسباب -إن لم يكن السبب الرئيس- في نمط التنافس المفترس في القارة، فحين صارت المعادن الاستراتيجية تلبي احتياجات عمالقة التكنولوجيا، تنافست الشركات متعددة الجنسية عليها بغية تحقيق الأسبقية على الخصوم، وغني عن البيان أن لصراعاتها تداعيات أمنية، واقتصادية على إفريقيا ومناخها السياسي.

إطار عام لفهم التنافس على المعادن الإفريقية 

كما كان باعث التفوق الاقتصادي بين الأقران للاستحواذ على الذهب والفضة، مفتاحًا لفهم نهب القوى الأوروبية لإفريقيا في القرن الـ19، فإن ظهور التصنيع التقني الحديث وانطلاق الاقتصاد القائم على الابتكارات المرتبطة بالتكنولوجيا قد يفسران سباق القوى على إفريقيا في العصر الراهن. ولفهم رهانات السباق، من الضروري الوقوف على بعدين رئيسيين من أبعاد التنافس، فله شق اقتصادي، وآخر جيوسياسي.

أ‌- الرهان الاقتصادي: بعد فترة “ما بعد الاستعمارية” والعهود التي سميت بـ”فترات الاستقلال” عمدت الدول الغربية المتسيدة، وفي مقدمتها بريطانيا، وفرنسا، وأميركا، وعلى مستوى أقل: كندا واليابان، إلى الاستحواذ على امتيازات المعادن، دون أن تدرك الحكومات الإفريقية أهمية الموارد التي تمتلكها لعالم المستقبل، ما لم يكن المعدن ذهبًا. ولاحقًا ظهرت -في المقابل- قوى صاعدة تنافسها، خاصة بعد الحرب الباردة، وهي: الصین، وروسيا، وإلى حدٍّ ما إسرائيل. ومن هنا يمكن فهم السباق المحتدم بين الطرفين لمخاطبة ود الحكومات الإفريقية مؤخرًا للحصول على عقودٍ من شأنها أن تعطيها الأسبقية -بفضل المعادن الاستراتيجية- على خصومها. وفي هذا الصدد، تفرض الصين نفسها منافسًا قويًّا للغرب على الصعيد الاقتصادي.

ب- الرهان الجيوسياسي: نظرًا لتغير طبيعة التنافس بين القوى الدولية بعكس ما كان عليه في عهود الاستعمارية، نتيجة اتساع هامش المناورة لدن الحكومات الإفريقية، ولظهور لاعبين جدد في الساحة، فقد سعى الغرب إلى دمج التقارب السياسي المرن مع الضغوطات الخشنة محاولة منه تحقيق مصالحه جنبًا إلى جنبِ تلبية مطالب شعوبه بضرورة التحول الديمقراطي في إفريقيا والكف عن دعم الأنظمة “الديكتاتورية”. فحين تعمل الشركات الغربية على الحصول على امتيازات التعدين، من جهة، تعمل منظمات حقوق الإنسان بالضغط على الحكومات الإفريقية في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، من جهة أخرى، والتي تبدو أنها ليست في مقدمة اهتمامات الشركات والحكومات الغربية، وهي ازدواجية طالما استاءت منها القيادات الإفريقية، بوصفها قوى إمبريالية لا تُخرج ملفات حقوق الانسان إلا للضغط على الحكومات أو لتعديل سلوكها المتمرد.

وفي هذا المنظور، تأتي روسيا الاتحادية للرئيس “فلاديمير بوتين” باعتبارها البديل الآخر الذي يدعم الحكومات الأوتوقراطية التي في خصومة مع الغرب. فعلى حدِّ تعبير المفكر السياسي، عزمي بشارة: إن الظاهرة “البوتينية” تتجلى في سعيها الحثيث للتعاون والحفاظ على الأوتوقراطيات في العديد من المناطق، متداخلة في حوار مع ديكتاتوريات عديدة على مستوى العالم باعتبار الديمقراطية توسعًا غربيًّا إمبرياليًّا (إمبريالية الناتو). وبالتالي، يُنظر إليها جيوستراتيجيًّا، بوصفها توسُّعَ النفوذ الغربي(24). ومن هذا المنطلق، تستنجد الحكومات الإفريقية غير الراضية عن النفوذ الغربي المفرط وقوائم إملاءاته بروسيا. ويمكن التدليل عليه بالإشارة إلى عمر البشير من السودان قبل الإطاحة به؛ حيث كانت زيارته الأولى -بعدما تخلص من مذكرة التوقيف الدولية- إلى موسكو. طلب البشير من بوتين حمايته من سلوك الولايات المتحدة “العدواني” تجاه بلاده(25). وعلى النحو نفسه تعاون الرئيس الزيمبابوي الراحل “موغابي” مع روسيا، عندما تأزمت علاقاته مع الغرب. وفي العادة -كردة فعل- تسحب الدول الإفريقية غير الراضية رُخص التعدين من الغرب لتعطيها لمنافسيه ما يفضي في كثير من الأحيان إلى انقلابات أو -كما هو منتشر مؤخرًا- إلى محاولة انقلابية. مع شدِّ الانتباه إلى أن الغرب نفسه يعزز الأوتوقراطيات طالما تضمن له أسبقيته، فالديمقراطية وحقوق الإنسان تتضاءل أمام المنافع، ولا يظهر عداؤه إلا حين تصدر منها سلوكيات يعتبرها تمردًا على هيمنته أو تهديدًا لمصالحه. فقد دعمت فرنسا “ديكتاتور” جمهورية توغو، الرئيس “غياسينغبي إياديما”، ليبقى في الحكم من عام 1976 حتى وفاته 2005، لمنحها امتيازات المنغنيز، والبوكسيت، والفوسفات، والحديد، وهو مثال من بين العشرات.

يفسر جميع ما سبق، نظرية “تحول القوى” (power transition theory) في العلوم السياسية، فالسباق الراهن يُجسد المراحل الأولى لنقطة تحول في ديناميات القوى في السياسة الدولية. ووفقًا لتحول القوى، ثمة أربعة أصنافٍ من الدول في النسق الدولي(26):

  1. قوى مهيمنة، وراضية بالوضع الراهن (ستاتسکو) وتفضِّل بقاءه والحفاظ عليه (حالة الولايات المتحدة- فرنسا مثلًا).
  2. قوى متوسطة، وراضية بـالـستاتسکو لأن حلفاءها من القوى الكبرى يحافظون على النظام الذي يحقق بقاؤه مصالحها (مثال: ساحل العاج، والسنغال، وبولندا والدول الإسكندنافية في أوروبا مثلًا).
  3. قوى عظمى، وهي دول غير راضية بالوضع الراهن، وتمتلك الموارد والإمكانيات للتأثير في الوضع الراهن، وتدرك ذلك، فتوظِّف إمكاناتها لمحاولة تغيير النظام الذي يرعاه الصنف الأول. ويتجلى بأوضح صورة في روسيا بوتين، والصين للرئيس “شي جين بينغ”، وحلفائهما، وإلى حدٍّ ما تركيا أردوغان.
  4. قوى صغرى، وهي دول غير راضية بالوضع الراهن، لكنها تفتقر إلى مقومات تغييره، لذا تخضع، لكن حالما تشعر بأن هنالك قوى قادرة على تغيير الوضع الراهن، تتعاون معها. ويفسرها تطبيقيًّا تحالف القوى الإفريقية المتمردة مع القوى العظمى الساخطة على هيمنة أميركا وفرنسا مثلًا، وتتعاون معها بالاصطفاف الكلي، أو على مستوى أقل، بمحاولة اللعب على التناقضات. مثال الدول الإفريقية على ذلك راهنًا: مدغشقر، وبوروندي، وإفريقيا الوسطى، ومالي، وغينيا الاستوائية، وإثيوبيا، من بين آخرين.    

1- القوى الغربية التقليدية والصيد المحروس

بحسب الخبیر القانوني من الکامیرون، “جانفيي مومو”، فإنه عندما يُقْدِم بلد استعماري على مسح جيولوجي لاكتشاف موردي النفط والمعادن، غالبًا يخفي النتائج عن الدولة المعنية، لإيهام الدول المنافسة أن دولة (أ) أو (ب) معدومة الموارد، إلى حين الحاجة، ثم تعلن عن اكتشاف حديث مذهل. هكذا عمدت بلجيكا الاستعمارية إلى ذكر كلمة “فقر” جوار “بوروندي”، حتى أضحى تكرار الكذبة حقيقة. ويُسمي الموارد المخفية بـ”الصيد المحروس” ” la chasse gardée “(27).

أ- حالات أميركا-بريطانيا-بلجيكا والصيد المحروس: في عام 2020، أعلنت الكونغو أن الكوبالت والكولتان، ستُسجَّلان کمعادن “استراتيجية”، ما يُكسبها أهمية إضافية بمضاعفة عائدات الدولة. ما أدى إلى معارضة الشركات الأجنبية له بشدة. خاصة، شركة “جلنكور” الأنجلو-سويسرية. وبموجب القانون الجديد قفزت الإتاوات المدفوعة للحكومة الكونغولية من 2٪ في السابق إلى 10٪(28). وذلك عقب تقرير كشفته، في ديسمبر/كانون الأول 2019، صحيفة الغارديان عن أن عائلات كونغولية رفعت دعوى قضائية في واشنطن ضد عمالقة التكنولوجيا، باعتبارها تقتل وتشوِّه أطفالها أثناء التنقيب عن الكوبالت المستخدم في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والسيارات الكهربائية. والشركات المعنية بالدعوى هي: (آبل، وغوغل، ومایکروسوفت، وتسلا، وديل)، بواسطة مؤسسة حقوق الإنسان ( (International Rights Advocates نيابة عن 14 عائلة. وتتهم الدعوى -التي ظهرت نتيجة البحث الميداني الذي أجراه الخبير الاقتصادي لمكافحة العبودية المعاصرة، سيدهارث كارا- الشركات بالضلوع في وفاة وتشويه الأطفال الذين يعملون في مناجم سلسلة التوريد. محاجِجَة بأنهم يعملون بشكل غير قانوني في مناجم مملوكة لشركة التعدين البريطانية “جلنكور”، بوصفها تمتلك ثلث مناجم الكوبالت، وتستورده شركة “يوميكور”( (Umicore البلجيكية -الدولة الاستعمارية السابقة-، التي تبيع الكوبالت بدورها لـ”آبل” و”تسلا” وبقية العمالقة(29). وعلى نحو الكونغو يتكرر السيناريو عينه مع شركات التعدين الغربية في زامبيا، ومالي، وغينيا، وزيمبابوي، والسودان، والعديد من البلدان الأخرى الثرية بالمعادن.

ب‌- كندا: من جانبها، تتفوق كندا على منافسيها في تعدين الذهب؛ حيث شرع العديد من شركاتها في استكشاف باطن الأرض الإفريقية الغنية بالمعدن الأصفر عام 2008 بعد الأزمة، وعلى الرغم أن الاستكشاف الواسع في غرب إفريقيا وحده قد بدأ قبل عقد من الزمن، إلا أن إنتاج المنطقة قارب 9 ملايين أوقية سنويًّا، وهو مستوى يقترب من أميركا الشمالية “12 مليونًا”(30). وتعمل الشرکات الكندية، على غرار “أورمين” Oromin Group)) و”سابودالا غولد” Sabodala Gold) )، وهي شركة سنغالية مملوكة بنسبة 90٪ لمؤسسة (Teranga Gold) الكندية، في غانا، أكبر منتِج في المنطقة مع 9 مناجم نشطة. كما ارتفع إنتاج مالي عام 2019 بنسبة 21٪ أي 60 طنًّا (2.1 مليون أونصة)، وبوركينا فاسو (55 طنًّا)، وساحل العاج (25 طنًا)، والسنغال (7 أطنان) من الذهب(31). ووفقًا لـ””Natural Resources Canada، وهي وزارة اتحادية لكندا، فإن لـ155 شركة كندية أصولَ تعدين تراكمية يبلغ مجموعها أكثر من 31.6 مليار دولار كندي (30.5 مليار دولار) تعمل في 39 دولة في إفريقيا مع حلول 2011. ذلك بعدما تفاوض رئيس الوزراء الكندي المحافظ، ستيفن هاربر، على اتفاقيات ترويج الاستثمار وحمايته مع دول إفريقية(32). وأظهرت البيانات أن معدنَيْ النحاس والذهب يمثلان الغالبية العظمى من إنتاج المناجم الكندية في القارة(33).

ج- فرنسا: مع نمو الثورة الصناعية في أوروبا، أرسلت فرنسا فريقًا من الجيولوجيين من المكتب الفرنسي لأبحاث البترول “Bureau de recherche du pétrole français” -والذي انبثقت منه الشركة الوطنية الفرنسية للمناجم- إلى شبه جزيرة داكار، عام 1920، ولم تبدأ التنقيبات حتى عام 1952 مع وصول دفعة أخرى من الجيولوجيين إلى جمهورية مالي(34). ذلك نتيجة مصطلح “الکنز المجهول” الذي استخدمه الجيولوجي الفرنسي، مارسيل روبولت، بعد الحرب العالمية الثانية واصفًا معادن الإمبراطورية الفرنسية في إفريقيا السوداء، کتعبیر يحث فرنسا على مهمات التنقيب في مستعمراتها(35). فقد أشار أرشيف مجلة “لوموند” لعام 1960 عن نتائج واعدة بعد تنقيبات المكتب؛ إذ أبان التقرير النهائي عن جمهورية مالي بشكل أساسي عن فوسفات الألومينا، والكالسيوم، وخام الزركونيوم، والحجر الجيري لصناعة الإسمنت. وقد تفردت الشركات الفرنسية باستخراج آلاف الأطنان منها بوصفها القوة الاستعمارية، ثم كثف المكتبُ البحوثَ، ليعلن عن رواسب حديد ضخمة في منطقة “كيدوغو”، والبوكسيت في “باماكو”، و”الليثيوم” في منطقة “بوغوني”، وتكوينات الفوسفات في وادي تيلمسي، من مدن جمهورية مالي. هذا عدا الهيدروكربونات في الأحواض الرسوبية الثلاثة في البلاد، لأن تسعة أعشار مساحة سطح مالي مكونة من أرض رسوبية. لذلك، تُقدم البلاد آفاقًا نفطية ومعدنية مثيرة للاهتمام(36). وربما الكنوز المحروسة ما تفسِّر استياء فرنسا من التقارب المالي-الروسي مؤخرًا.

ثم انتقلت الأبحاث الفرنسية إلى دول الجوار، فأثناء الحفر الاختباري في السودان مثلًا، أبلغ المكتب عن اكتشاف المنغنيز والنحاس والكروم والحديد والباريوم والألومنيوم والقصدير والرصاص والزنك والذهب والليثيوم. وفي السنغال، عن المنغنيز والذهب والحديد وأخرى، كما أعلن تقرير 1952 عن مؤشرات عديدة لعثور المكتب على الماس، والزنك، والقصدير، والتيتانيوم، والباريوم، والليثيوم، والذهب، والحديد، والألماس، والأرضية النادرة في دول عديدة في إفريقيا السوداء(37).

لم ينحصر استغلال الشركة الوطنية الفرنسية للمناجم على مالي والسنغال فحسب، فمثلًا في جمهورية إفريقيا الوسطى، اكتُشف الماس والذهب لأول مرة في أوائل القرن العشرين، عندما كانت البلاد لا تزال تحت حكم الاستعمار الفرنسي فمارست الإدارة الاستعمارية سيطرة محكمة عليها ومنحت امتيازات خاصة لشركات فرنسية لاستغلال المطاط والبُن والقطن. وسرعان ما أصبح الماس المنتج الثاني للتصدير في البلاد بعد القطن؛ حيث بلغت أرقام إنتاج الماس 147104 قراريط في عام 1954(38). لتعلن فرنسا من وقتئذٍ حتى عهد الرئيس “جان بيدل بوكاسا” (1966-1976) أن “ما تحت الأرض إلى خمسين مترًا بإفريقيا الوسطى وما تحتويها من المعادن ملك لفرنسا”(39).

وانطلاقًا مما سبق، لاقت فرنسا انتقادًا واسعًا عام 2014، بعد تسريبات “ويكيليكس” لوثيقة عن نهب الشركة الفرنسية TSA, Global Services Africa” للماس وسط الإفريقي، موضحةً وضعًا نموذجيًّا لإفقار بلد إفريقي بشكل غير قانوني عن طريق استخراج الذهب والماس، وعن التجاهل العام لقواعد البلاد من قِبَل الصناعات التعدينية الفرنسية(40). فردَّ الوزير الفرنسي “أرنو مونتبورغ” بأن شركات فرنسا تعمل على اكتشاف ما في باطن الأرض فقط؛ حيث تود البلدان الإفريقية الناطقة بالفرنسية، على وجه الخصوص، العمل مع فرنسا بدل الشركات متعددة الجنسيات للبلدان الأخرى(41).

هكذا استفردت القوى الاستعمارية التقليدية بالامتيازات في القارة، حتى وصول كل من روسيا والصين ليبدأ فصل جديد من أساليب اقتصادية مفترسة.

2- ظهور القوى المنافسة

 أ- روسيا: في السابق، ساعد الاتحاد السوفيتي بلدانًا إفريقية في مساعي التحرير من التأثيرات الأوروبية في فترات الاستقلال تماشيًا مع الفكر الشيوعي. لكن بعد انهياره، انسحبت روسيا من المنطقة، عدا حضور طفيف. وظل الوضع كذلك، حتى بواكير العقد الأول من القرن الحالي، حين بدأ الرئيس “بوتين” في إظهار اهتمام محدود بإفريقيا. وبحلول عام 2014، نهجت نهجًا مغايرًا لزيادة نفوذها، نتيجة العقوبات الاقتصادية من القوى الغربية في أعقاب ضمِّها لشبه جزيرة القرم، فقررت غزو أسواق جديدة، لتنويع أصولها الاقتصادية وتلبية احتياجاتها. وفي الصدد، وخلال مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية “تاس”، قال بوتين -الذي يسعى لإعادة صياغة النظام الدولي-: “إنه ليس من قبيل الصدفة اتجاهنا نحو إفريقيا؛ فقد أصبحت بشكل متزايد قارة للفرص، وتمتلك موارد هائلة وجاذبية اقتصادية محتملة لمنتجاتنا”(42).

 لكن مقاربة روسيا هي جيوسياسية أساسًا، ثم اقتصادية؛ إذ تحرص على نسج علاقات مع القوى الإفريقية التي في خلاف مع الغرب. فعلى سبيل المثال، اقتربت روسيا من الرئيس الزيمبابوي “روبيرت موغابي”، في الوقت الذي تخضع فيه زيمبابوي لعقوبات اقتصادية من الغرب بعد مزاعم أن نظامه مسؤول عن أعمال عنف وتعذيب لخصومه. فوقفت روسيا -إلى جانب الصين- مع زيمبابوي، واستخدمتا حق النقض ضد قرار مجلس الأمن بشأن حظر الأسلحة، عام 2008، منتقدتين العقوبات الغربية تجاه زيمبابوي. ولاحقًا، تطورت العلاقات إلى اقتصادية، حيث استأنفت روسيا تصدير عدد من المواد والسلع الجاهزة إلى البلاد، من الخشب والأسمدة إلى المواد المطبوعة وعربات السكك الحديدية والإلكترونيات. وتستورد روسيا من زيمبابوي البن والتبغ. كما زاحم الروس الشركات البريطانية -البلد الاستعماري السابق- في مشاريع تعدين الماس والذهب في البلاد؛ حيث تقاسم الشركات الروسية زيمبابوي، مشروعًا مشتركًا باسم ((Darwendale لتعدين وصهر أحد أكبر رواسب معادن البلاتين في العالم، والمقرر إنتاجه في عام 2021(43).

ووفقًا لـدراسة أجرتها الخبيرة ناتاليا بوغايوفا وآخرون، لمعهد الدراسات الحربية “ISW“، فإن شركة تعدين الماس الروسية (Alrosa) تعمل على مناجم إفريقيا الوسطى خلفًا لفرنسا، كما تعمل أيضًا شركة الذهب الروسية (Nordgold)، وشرکة ألومنيوم الروسية (Rusal) وشرکة (Nornickel) على توسيع نطاق الأنشطة في تعدين الكولتان والكوبالت والذهب والماس في جميع أنحاء القارة. وتفيد الدراسة بأن شركة (Ferrum Mining) الروسية المرتبطة بحكومة الكرملين اشترت 70٪ من حصة شركة ((Kraoma Mining S.A التابعة لحكومة مدغشقر(44). فالظاهر، أن منافسة الغرب في سباق المعادن تتماشى مع الرؤية الجيوسياسية الروسية، فلا يقتصر اهتمامها المتزايد بالقارة على الأسباب الاقتصادية فحسب، بل تشمل أسبابًا سياسية واستراتيجية بالمقام الأول؛ إذ تعتبر إفريقيا شريكًا محتملًا رئيسيًّا في رؤيتها لنظام عالمي متعدد الأقطاب.

 ب-جمهورية الصين الشعبية: على نقيض روسيا التي تكمن دوافعها الأساسية في الجيوبوليتيك، فإن الصين بواعثها اقتصادية، ثم سياسية. وإن تحليلًا جيواقتصاديًّا عميقًا في تمحورها نحو إفريقيا يلقي الضوء على نهجها “المفترس”، حتى غدت موصوفة بـ”قوة استعمارية جديدة”، خاصة أنها استطاعت تجاوز منافسيها خلال 20 عامًا فقط(45). فبحلول عام 2007، دخلت أكثر من 7000 شركة صينية متعددة الجنسيات بالاستثمار الأجنبي المباشر في 173 دولة حول العالم؛ مما أدى إلى إنشاء ما لا يقل عن 10000 شركة تنافس الشركات الغربية، بما في ذلك 1000 شركة في إفريقيا(46).

تشير التقارير إلى اتباع الصين استراتيجيتين شاملتين تجاه إفريقيا؛ الأولى: الاستثمار مقابل البنية التحتية. الثانية: القروض مقابل المواد الخام؛ حيث وصلت قروضها التراكمية للقارة ما بين 2000-2017 إلى 124 مليار دولار(47). وبالطبع، تتوقع امتيازًا في المقابل.

وتجد الاستراتيجيتان أوثق إثبات لهما في الكونغو الديمقراطية؛ حيث تذهب نسبة 70٪ من الصادرات الكونغولية من قطاع التعدين إلى الصين. فمثلًا، تهيمن شركات التعدين الصينية على قرابة (70 إلى 80٪) من النحاس والكوبالت الكونغولي. ويأتي الاستثمار الصيني من المؤسسات العامة المملوكة للدولة كشركة (Chinalco) و(Sinosteel)؛ لتقيم شراكات بينها والدول المضيفة، بمشاركة الحكومة الصينية حتى تتمكن من التحكم في استراتيجيات المشاريع المشتركة. وتأخذ الاتفاقيات الصينية صيغة “اتفاق حكومة-حكومة” بعكس الغرب الذي تكون اتفاقياته “صفقة شركة مع دولة”. ومن هنا، أُبرمت اتفاقية القرض الميسر الصيني البالغ 8.5 مليارات دولار مع الكونغو في عام 2007، أي على الاستراتيجية الأولى، عقود التعدين مقابل البنية التحتية. كمشروع تعدين مشترك سُمي “سوكومين” (Socomines)، بين الشركة العامة الكونغولية (Gecamines) وتملك 32٪ مقابل 68٪ خمس “كونسورسوم” من شركات صينية، نتيجة قرض صیني للبلاد من ((Exim Bank، قيمته 12 مليار دولار، سيتعين بموجبه على “سوكومين” إنتاج قرابة 10 ملايين طن من النحاس وستمائة ألف طن من الكوبالت، ومعادن أخرى لم تُحدَّد، من جميع الموارد المعدنية للبلاد على مدار 25 عامًا. لتسدد الكونغو استثمارات البنية التحتية، التي شملت مجال النقل، والسكك الحديدية، والطرق ومشاريع اجتماعية (جامعتين و32 مستشفى وخمسة آلاف سكن اجتماعي) من بين أمور أخرى. كان من المفترض أن تُمنح المشاريع للشركة البلجيكية “يوميكور” -القوة الاستعمارية السابقة- لكن تغلبت الصين وحازت الصفقة؛ ما فتح آفاقًا جديدة للتنافس بين الصين والاتحاد الأوروبي.

مثال آخر في دولة الغابون؛ حيث افترست الصين مشاريع افترضت أن تحصل عليها فرنسا -القوة الاستعمارية- لكن حصلت شركة “هندسة الماكينات الصينية” (China Machinery Engineering) وشركة “سينوستيل كونسورسيوم” (Sinosteel Consortium) المستفيدة من التمويل الميسر من” أغزيم بنك”، على الحقوق الحصرية لتفعيل منجم الحديد في منطقة “بيلينغا” الواقعة شرق الغابون. يمثل المشروع استثمارًا بقيمة 3.5 مليارات دولار، (يعادل 30٪ من الناتج المحلي للغابون). في المقابل، تبني للغابون خط سكة حديد بطول 560 كم بين “بيلينغا”ومنطقة “سانتا كلارا” التي يقع فيها ميناء البلاد على الأطلسي، عطفًا على بناء سدٍّ لتوليد الطاقة الكهرومائية للبلاد. ومن المتوقع أن يمتد المشروع، الذي بدأ في عام 2011، على مدى 20 عامًا(48). بالمثل، في الجزائر، التزمت الشركات الصينية بعقد إيجار للتنقيب عن الفوسفات بقيمة 6 مليارات دولار مقابل إعادة مشروع خط سكة حديد في المغرب العربي على نحو سكة حديد مومباسا في كينيا، بنحو 3.2 مليارات دولار، وسد “سوبر” (Soubre) الضخم بتكلفة مليار دولار في ساحل العاج، بتمويل من بنوك الدولة الصينية مقابل الذهب(49).

ثمة قدرٌ كبير من رمزية النفوذ في القروض؛ حيث تمنح الديون الصين شبه سيطرة على الدول، وبالتالي القدرة على لعب دور القوة المهيمنة في الدوائر الحكومية، وتجلَّى ذلك في زامبيا، حين سيطرت الصين على مناجم النحاس، نتيجة قروض عجزت زامبيا عن تسديدها. وبحلول عام 2018، استخدمت زامبيا أصولها العامة، بما في ذلك مطار زامبيا الدولي، لدعم دورات تسديد القروض، وهي قرابة 6.4 مليارات دولار من الديون الصينية(50). وجرى مثله في نيجيريا ودول إفريقية عديدة، وهي المُمارسات التي أطلق عليها خصوم الصين “دبلوماسية فخ الديون”.

وللصين أيضًا طموحات جيوسياسية مقابل قروضها، وهي متعلقة أساسًا بتايوان. ففي تاريخ اليوم، هناك 46 دولة من أصل 55 تدعم الصين بشكل واضح، حين طالبت الدول الإفريقية بعدم الاعتراف باستقلال تايوان، بل ساعدت الدول الـ46 الصين على عزل تايوان دبلوماسيًّا(51). ويعتبر الإنجاز مرجعًا قويًّا للصين في سعيها للحصول على دعم الدول الإفريقية في الهيئات الدولية.

تداعيات التنافس الدولي على استقرار القارة: ما يضفي على المعادن الإفريقية طابع الصراع هو خضوعها لشروط الندرة، لناحية حيويتها لعمالقة التقنيات، باعتبارها ضرورية للابتكارات الحديثة. وشهدت إفريقيا الثرية في المعادن حروبًا داخلية، صراعًا على السلطة تغذيها دائمًا طموحات الهيمنة على رواسب المعادن. فمثلًا، كان لمعدن الذهب دور في حرب دارفور السودانية لعام 2013؛ حيث أدى الاحتراب حول مناجم الذهب في جبل “عامر” بالسودان إلى مقتل قرابة 1000 شخص وتشريد حوالي 150 ألفًا آخرين في نفس العام. ويُعتقد أن الذهب يشق طريقه إلى مصافي دبي؛ فالإمارات هي أكبر مستورد للذهب السوداني بحسب بيانات التجارة العالمية لعام 2018، فقد استوردت 99.2٪ من صادرات الذهب السوداني. وتؤكد “جلوبال ويتنس” أن شركة التكرير البارزة في الإمارات “كالوتي” هي التي اشترت الذهب المرتبط بالجماعات المسلحة في دارفور في عام 2012. ففي عام 2018 وحده، ذكرت أكثر من 270 شركة دولية في تقارير قصدت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أنها حصلت على الذهب من “كالوتي”، من بينها أكبر شركة تكرير الذهب في العالم “فالكامبي” السويسرية. ونتيجة لذلك، يدخل ذهب الصراع السوداني في منتجات العلامات التجارية المنزلية الكبرى، مثل: “أمازون” و”ستاربكس” و”سوني” و”ديزني” و “إتش بي”(52).

وعلى نحو السودان، عرفت الكونغو الديمقراطية أطول الحروب الأهلية الإفريقية بمنطقة “كيفو” الواقعة شرق البلاد، والمسمى بـ”القرية العالمية”. فالحرب الأهلية الأولى (1996-1997)، والتي أُطلق عليها أيضًا “الحرب العالمية الأولى” لإفريقيا، دارت في زائير الكونغو، مع انتشار كبير لها في السودان وأوغندا. وحرب ثانية اندلعت من 1998 إلى 2003، وفي بواكير 2014 اندلعت الثالثة ولا تزال مستمرة. وقد غذَّت الأحجار الكريمة والذهب والكوبالت والكولتان الصراع وتموِّله، لما تجنيه الميليشيات وأعضاء الجيش الكونغولي منه عبر السيطرة غير القانونية على تجارة المعادن(53). وحاليًّا يوجد ما يفوق 100 جماعة مسلحة في شرق الكونغو. وحوالي 10 منهم يحصلون على إيرادات كبيرة من التعدين. على سبيل المثال، تسيطر ميليشيا (NDC-Rénové) على ما يفوق 100 موقع لتعدين الذهب والكوبالت في شمال كيفو. وحركة (M23) المتمركزة بمنطقة (ليتوري) تسيطر على العشرات هي الأخرى، فالأرباح ذات الصلة -التي تقدر بملايين الدولارات- كانت دائما محركًا لأنشطتها(54)، وزبائنها من الشركات الأميركية، والبلجيكية، والكندية، والعديد من الشركات الصينية. وقُدِّر ضحايا الحروب الكونغولية الثلاثة بنحو 6.4 ملايين قتيل بدءًا من 1998 حتى 2021(55). قدَّرت مؤسسة (Global EDGE) للدارسات المالية؛ قيمة رواسب الكونغو غير المستغلة من المعادن الخام بأكثر من 24 تريليون دولار أميركي(56)، ما يعادل الناتج الإجمالي الأميركي، أكبر اقتصاد في العالم. ما يجعل من الكونغو -وعلى نطاق واسع- أغنى دولة في العالم من حيث الموارد الطبيعية، وبالمفارقة واحدة من أفقر دول العالم.

وعلى النحو نفسه في بوروندي، كانت الدولة الاستعمارية بلجيكا، أذاعت أنها فقيرة في الموارد، حتى عام 2007 حين منحت بوروندي حق التنقيب لشركة “سامانكور” (Samancor) جنوب الإفريقية، ثم لشركة صينية ما أفضى إلى دعم بلجيكي للمعارضة البوروندية وحركاتها المسلحة، حتى اندلعت الأزمة الدموية لعام 2015 و2016 التي أعقبت الانتخابات الرئاسية للولاية الثالثة التي سعى لها الرئيس “نكورونزيزا” بدعم من روسيا. في ظل تنافس بلجيكا مع شركات جنوب إفريقية وصينية على “الأرضية النادرة” البوروندية. فبعدما أعلنت بوروندي عن اكتشاف رواسب ضخمة للأرضية النادرة، قدَّمت الامتيازات لجنوب إفريقيا والصين، فاستاءت بلجيكا وحليفها الاتحاد الأوروبي، ومنذ 6 سنوات تعيش بوروندي تحت تهديد التمرد المسلح، كما تعاني الحكومة البوروندية من هجوم إعلامي مكثف من لوبيات حزب “أم آر” (MR) الحكومي في بلجيكا بقيادة وزير الدولة الاتحادي البلجيكي للرقمنة، ماثيو ميشيل، نجل المفوض الأوروبي السابق في بروكسل، لويس ميشيل(57).

فمن تداعيات التنافس على المعادن، أنه أفرز قدرًا لا بأس به من النزاعات في القارة، نتيجة دعم القوى المتنافسة للأحزاب ومعارضيها، رغبةً في الحصول على رخص التنقيب بعد وصول أنصارها إلى سدة الحكم. فبينما تدعم روسيا والصين موغابي مثلًا، عملت بريطانيا وأميركا على دعم الرئيس الحالي “إمرسون منانغاغوا” في زيمبابوي. كما دعمت روسيا عمر البشير في السودان، تدعم الولايات المتحدة وفرنسا حكومة رئيس الوزراء الانتقالي، عبد الله حمدوك، وقد صرَّحت حكومته بعزمها مراجعة الاتفاقية السودانية-الروسية لبناء قاعدة عسكرية للأخيرة في البحر الأحمر، منحتها حكومة البشير(58). وفي سياق متصل، دعمت فرنسا قوات الرئيس السابق “بوزيزي” في إفريقيا الوسطى، وجاءت روسيا لتدعم الرئيس الحالي “أركانج تواديرا” وهو الآن يعمل على إبعاد فرنسا وشركاتها من البلاد. والحال نفسها في مالي حيث كان الرئيس المخلوع “بوبكر كيتا” حليفًا لفرنسا، ولكن السلطة الانتقالية بقيادة العقيد “هاشمي غويتا” أعلنت رغبتها في التعاقد مع مجموعة “فاغنر” الروسية، ما صاحبه استياء وتهديد فرنسي مدعوم من الاتحاد الأوروبي(59).

علاوة على ما سبق، تأتي حالة الكونغو؛ فالرئيس الراحل “جوزيف كابيلا” كان حليف روسيا والصين، لكن الحكومة الجديدة بقيادة “فيليكس تشيسكيدي” -حليف الغرب- سحبت العديد من الامتيازات وراجعت عقود التعدين للكولتان والكوبالت ومعادن أخرى مع الشركات الصينية. ما سبق، يفسر أيضًا عدم تجديد “تشيسكيدي” تراخيص النفط والمعادن للشركات المرتبطة برجل الأعمال الإسرائيلي المثير للجدل “دان جيرتلر”. حيث رفضت الحكومة تجديد تصاريح التنقيب عن مناطق النفط 1 و2 في بحيرة ألبرت، والتي مُنحت له عام 2010. وكان “جيرتلر” يُعتبر سابقًا “مستثمرًا لا يمكن المساس به” داخل القطاعات الاستخراجية للكونغو، بسبب صلاته بالرئيس السابق، كابيلا. وجاء رفض منحه التصاريح على خلفية الطلاق السياسي بين الرئيس تشيسكيدي وكابيلا(60). هذا، ويمكن سرد التنافس بدعم الأطراف الخارجية في كل من غينيا الاستوائية الغنية بالغاز والبوكسيت، وبوروندي و”الأرضية النادرة” وموزمبيق التي اكتشفت أكبر منجم للياقوت في البلاد(61) أو غينيا التي تمتلك أكبر منجم للحديد والبوكسيت في القارة والتي عرفت انقلابًا مؤخرًا. جميع ما سبق أمثلة من التنافس الدولي على الثروات المعدنية الإفريقية، والمزيد من الصراع يلوح في الأفق، بحكم الحاجة المتزايدة للمعادن الاستراتيجية.

نتائج التنافس الدولي على القارة

يمكن حصر نتائج الاتجاهات العامة للصراع القائم بين الغرب والكتلة “الصينو-روسية” -إن جاز التعبير- على معادن القارة في خمس نقاط رئيسية، وفق رأي الكاتب، وذلك كما يلي: 

1- يُحتمل أن تكون إفريقيا مسرح الصراع القطبي القادم، على نحو مركزية الشرق الأوسط في الحرب الباردة. وعلى خلاف المزاعم الغربية، فإن الكتلة الصينو-روسية ترفض أن تكون إفريقيا “صيدًا محروسًا” كما يدَّعي خصومها. ويرشح الكثيرون أن تكون منطقة الساحل الإفريقي -بمدلوله الواسع وبموارده واضطراباته الأمنية- كما كانت أفغانستان في الحرب الباردة.

2- إن روح الحرب الباردة وسياسة الأقطاب البديلة رجعت، ويتجلَّى ذلك حين تلوِّح الجماهير في مالي -حال التوتر مع فرنسا- بالعلم الروسي، وفي مظاهرات إثيوبيا، والمسيرة الداعمة للرئيس تواديرا بإفريقيا الوسطى، لها دلالات جيوسياسية تفيد بأن هناك بديلًا غير الغرب، والضغوطات الأوروبية، والانقلابات، ما عاد سيف الجلاد كما كان سابقًا، ولهذه الدلالة إسقاطاتها على التنافس الدولي على إفريقيا.

على نقيض الاعتقاد السائد لدى جموع من المحللين بأن التنافس ضار للاستقرار الإفريقي، باعتبار القارة مضطربة أمنيًّا إلا أن التنافس الفرنسي-الروسي، والذي بين القوى الغربية التقليدية والقوى الصاعدة في العموم، يمكن أن يكون متنفسًا جيوسياسيًّا، باعتباره يَهَبُ خياراتٍ بين أكثر من بديل، بخلاف فترات هيمنة الغرب المفرط لتفرده. فمثلًا بعد الانقلاب الثاني في مالي بقيادة العقيد “هاشمي غويتا”، في مايو/أيار 2021، جمدت فرنسا عملياتها العسكرية مع مالي؛ فبادر المجلس العسكري المالي، بعد مرور بضعة أيام على الإعلان، بتوقيع صفقة تعدين مع الشركة الصينية “غان فنغ” باستثمار قيمته 130 مليون دولار لشراء 50% من منجم “غولامینا” بجنوب مالي لاستخراج الليثيوم، المادة الضرورية لصناعة البطاريات(62). وقد اعتبر المراقبون الصفقة ترحيبًا صينيًّا بالفراغ الفرنسي، ورسالة إلى فرنسا بأن “لدينا بديلًا، ولديكِ ما قد تخسرينه”، خاصةً امتيازات المعادن. لتلغي فرنسا قرارها في غضون أسبوع. إنها سياسة اللعب على التناقضات من القوى الصغرى خلال التنافس بين القوى العظمى، وقد حصل أمر شبيه بهذا في ستينات وسبعينات القرن الـ20 إثر الحرب الباردة حين لجأت مصر إلى الاتحاد السوفيتي إبَّان أزمتي قناة السويس والسد العالي.

فالدول الناطقة بالفرنسية، التي تود تنويع الشركاء، مقابل ضغط فرنسي تستنجد بمنافستها، (في حالة رواندا والغابون) كانت الدول الأنغلوساكسونية، وانضمَّتا إلى منظمة الكومونولث، وفي حالة كلٍّ من (بوروندي، وموزمبيق، وإفريقيا الوسطى، وغينيا الاستوائية) كانت روسيا بينما الصين تدعم تلك الدول في حالات التصويت بمجلس الأمن. ويُلاحظ دعم الصين بـ”فيتو” مزدوج مع روسيا، رغم أن فيتو واحدًا يفي بالغرض.

3- يشير العديد من الدلائل إلى اختلال ميزان القوة الاقتصادية لصالح صيغة صفقة “حكومة-حكومة” الصينية على صفقة “شركة-حكومة” الغربية، نتيجة السيولة المالية (Cash) لدى الحكومة الصينية؛ إذ لا شركة غربية قادرة على وضع 12 مليار دولار (حالة الكونغو) على طاولة المفاوضات بينها وحكومة إفريقية. عطفًا على أن الشركات الصينية المملوكة للدولة تتحمل كافة المسؤوليات وقت تنفيذ المشروع، بينما تطالب الشركات الغربية بميزانية إضافية عن “المخاطر غير المتوقعة”. وعليه، وبغضِّ النظر عن تحذيرات المتخصصين الأفارقة والدعاية الغربية عن “فخ الديون الصينية” سيتجه العديد من الحكومات نحو الصين، خاصةً تلك التي لا تخضع لمساءلة شعبية.

4- إن النزعة البوتينية تلقى صدًى لدى حكومات إفريقية -والعديد من شعوب غرب إفريقيا- باعتبارها تتقابل مع التطلعات الجديدة للأفارقة المتمثلة في “عدم التدخل الغربي في شؤونهم الداخلية” و”حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية” بوصفهم -الأفارقة- يئسوا من إملاءات الغرب ومعاييره المزدوجة. فالبوتينية، تتداخل مع رؤية الأوتوقراطيات الإفريقية من منطلق السيادة والوطنية المطلقة، بمفهوم كارل شميت لجوهر السيادة، بجعل المسطرة والقياس هو مصلحة الدولة بمنظور النظام، لا تعهدات على أساس الأخلاق، وحرية النظام في التصرف دون محاضرات قيمية من قوى أجنبية. وهذه الأفكار هي ما يحاول النظام الروسي صياغتها كأيديولوجية بحدِّ ذاتها؛ تنافس الليبرالية والنفوذ الغربي. فبالنسبة لروسيا الجيوبوليتيك أولًا وأمام كل شيء، وستجد أرضية خصبة مع الحكومات التسلطية. وانطلاقًا مما سبق، خسرت روسيا في الـ10 سنوات الماضية، ثلاث حكومات حليفة، عمر البشير في السودان، وموغابي في زيمبابوي، وجوزيف كابيلا في الكونغو، لصالح الغرب. وكسبت بالمقابل -على حساب فرنسا- إفريقيا الوسطى، وغينيا الاستوائية، والمنافسة محتدمة وراهنة على مالي وإثيوبيا.

5- بما أن السياسات الغربية التي تشترط الحكم الديمقراطي لم تُفْضِ إلى خلق تنمية اقتصادية واجتماعية في أي دولة إفريقية لتُعتبر نموذجًا يجب الاحتذاء به، بل على العكس تعاونت الديمقراطيات الإفريقية الصُورية مع الغرب (فرنسا في مالي، عهدَ الرئيس عمر كوناري) لاستغلال مفرط لمعادن الذهب في البلاد، وتخلَّى الغرب (فرنسا) نفسه عن الديمقراطية في تشاد مقابل خدماتها في “مكافحة الإرهاب” وصفقات بيع الأسلحة؛ فقد سهَّل الغرب على الأوتوقراطيات المتمردة السبيل لوصف الغرب بـ”المنافق المصلحي”. وفي هذا السياق خصوصًا، يجب عدم التهاون بهذا الإدراك المتنامي في الثقافة الشعبية الإفريقية؛ إذ باتت الشعوب الإفريقية تفضِّل الأوتوقراطيات المقاومة لازدواجية الغرب وإن كانت اتجاهات سياساتها في الداخل غير واضحة المعالم. فبنظرهم، البديل الوطني وإن كان غير واضح المعالم، يبقى أفضل من الممارسات الغربية التي تشبه إمبريالية مغلَّفة برداء الديمقراطية. ومن هنا تُسهم روسيا في قلب المعادلة لصالحها، واضعةً نفسها موضع حامي السيادة الوطنية في الساحة الدولية، والداعمة لـ”حلول إفريقية للأزمات الإفريقية”.

خاتمة

إن مآلات التنافس الدولي على المعادن، اعتمادًا على جميع ما سبق، تتجلَّى في أن قطاع التعدين في إفريقيا بات ظاهرة جيواقتصادية شاملة توضح بشكل ملحوظ التقارب المزعج، والخطير أحيانًا، بين السياسة والاقتصاد في العالم المعولم والمتجه نحو التغيير في نسق نظامه. ومن هنا، يمكن القول: إن التنافس على قطاع التعدين في إفريقيا يعجِّل بتعدد الأقطاب، وربما بما بات يُعرف بـ”الحرب الباردة الثانية”. وباختصار، إن تأملًا نقديًّا في سباق القوى الأجنبية على معادن القارة، يُظهر نقطة التقاء إفريقية وعالمية في آن واحد، كمحاولات الأطراف اللعب على سياسات “منطقة النفوذ التقليدية” بطريقة ضمنية، حال الغرب. أو الشراكات الجديدة من الصين وروسيا التي تغري الدول الإفريقية “المتمردة” بأنها تجمعها “رؤية مشتركة” لما يجب أن يكون عليه النظام العالمي. وجميعها يُوحي بأن مستقبل الصراع على الهيمنة العالمية سيكون في، وعلى إفريقيا. وإن كان ثمة حرب باردة “جديدة”، فإنها حتمًا تجد تبلورها في القارة السمراء، وللمعادن النفيسة والاستراتيجية دورٌ عظيم في تزكيتها.

مراجع

(1)– Joël Kotek, “le génocide oublié des Hereros -“l’Histoire, janvier 2002– (access 20 Aout 2021) sur: L’histoire.fr

 (2) المرجع السابق

(3)- Jean-Paul Pougala ” Pourquoi l’Allemagne a pendu Douala Manga Bell”. Pougalanet. 30/6/2021 (acces 11 Juillet 2021) sur: https://pougala.net/ieg/index.php?p=articles&artid=277

(4)- Rapport; ” Afrique : la Banque mondiale veut dresser une carte des ressources minières “Les Échos, 5 février 2014.) Accès 1aout 2021(Sur: https://www.lesechos.fr/2014/02/afrique-la-banque-mondiale-veut-dresser…

(5)- Minera Info ” Ressources minérales et développement en Afrique” Document d’orientation stratégique” Mai 2008, P: 8-9

(6)- Saïd Al-Hatrit “Terres rares: l’Afrique entre dans l’arène “Jeune Afrique” 10Fevrier 2015.) Accès 9aout 2o21) sur; https://www.jeuneafrique.com/3358/economie/terres-rares-l-afrique-entre…/

(7)- Mines ParisTech Musée ” Les Minéraux et leur Classification” Musée de Minéralogie, ParisTch, p;6-9.

(8)- Statistique Mondiale ” Production mondiale de saphirs” Planetscope” 21 janvier 2021) accès 5juillet 2021(sur : https://www.planetoscope.com/sols/1441-production-mondiale-de-saphirs.h…

(9)- Jean-Marc Châtaigner ” Madagascar : le développement contrarié” Afrique contemporaine(n° 251), novembre 2014.pp:107-124

(10)- Hebdo P2 ” L’Afrique, terre de diamants: 9pays producteurs et 9pierres célébrissimes” Agenceecofin, org; 07février 2019.) Accès 10 juillet 2021): https://www.agenceecofin.com/hebdop2/0702-63821-l-afrique-terre-de-diam….

(11)- Mouctar Ficoum ” La Guinée détrône la Chine et devient le deuxième plus grand producteur de bauxite dans le monde” VivaFrik.com 10Décembre 2020) accès 28aout 2021(sur: https://www.vivafrik.com/2020/12/10/la-guinee-devient-le-2eme-plus-gran…

(12)- Serge Lerat ” Le cuivre dans le monde troisième article)” Les Cahiers d’outre-Mer; 1960, pp: 397-400

(13)- John Campbell “Why Cobalt Mining in the DRC Needs Urgent Attention”, CFR.org, 29 October 2020: (access 12 august 2021) https://www.cfr.org/blog/why-cobalt-mining-drc-needs-urgent-attention.

(14) “عناصر الأرض النادرة: ذهب القرن الحادي والعشرين”، بي بي سي، 20 يونيو/حزيران 2011، (تاريخ الدخول: 19 سبتمبر/أيلول 2021):

https://www.bbc.com/arabic/multimedia/2011/06/110620_rare_elements

(15) مرجع سابق.

(16)- Raphaël Balenieri “Gafa américains versus BATX chinois: qui va gagner?” les Echos.fr. 18janvier 2020) accès8septembre 2021) https://www.lesechos.fr/tech-medias/hightech/gafa-americains-versus-bat…

(17)- Report “Baidu Company Info”(access 1august 2021) at: https://www.bloomberg.com/profile/company/BIDU:US

(18)- Bloomberg “Ali Baba Profile” (access 3august 2021) https://www.bloomberg.com/profile/company/1688:HK#:~:text=Alibaba.com%2…

(19)- Tencent Holdings “Forbes on Tencent Holdings” Forbes, 13May 2021 (access 1September 2021)at; https://www.forbes.com/companies/tencent-holdings/?sh=2ddc85ab158b

(20)- Xiaomi profile ” Xiaomi Company information ” Fortune.com, 8 February 2021,( access 28august 2021) at: https://fortune.com/company/xiaomi/

(21)- Cecile Chevré, Translated by Simon McGeady “GAFA vs BATX: To Rule Them All” Decideurs Magazine, 7th March 2019 ( access 29 August 2021) at: https://www.leadersleague.com/fr/news/gafa-vs-batx-to-rule-them-all

(22)- Africa Combined Economy “GDP Nominal and PPP Data, current prices”. International Monetary Fund. 2018. access 6 March 2020

 (23)- Punam Chuhan-Pole, and others “Mining in Africa Are Local Communities Better Off?” African Development Forum, World Bank Group, PP:154-165.

(24) عزمي بشارة، “الشعوبية والأزمة الدائمة للديمقراطية”، سياسات عربية، العدد 40، سبتمبر/أيلول 2019، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

(25)- Report ” Sudan’s President Bashir asks Putin for ‘protection’ from ‘aggressive’ US” France24, 23 November 2017, (access 10September 2021) at: https://www.france24.com/en/20171123-sudan-president-bashir-asks-putin-…

(26)- Woosung Kim ” Power transition theory and the rise of China” IASR, International Area Studies Review, Vol 18,(3),PP:220-25

(27)- Investigation ” URUNDI/ DEVELOPPEMENT: LES DEFIS DE L’EMERGENCE ANALYSE DE Me JANVIER MOMO” Afrique Media,YouTube Vidéo, 17 Juillet 2021,) accès 20 Juillet 2021) sur: https://www.youtube.com/watch?v=R7sPvkjYLiQ

(28)- Reuters “ Cobalt to be declared a strategic mineral in Congo” 14 Mars 2018. (Access 25 august 2021) available at : https://mobile.reuters.com/article/amp/idUSKCN1GQ2RX

(29)- Annie Kelly “ Apple and Google named in US lawsuit over Congolese child cobalt mining deaths” The Guardian, 16December 2019, (access 20 august 2021) at: https://amp.theguardian.com/global-development/2019/dec/16/apple-and-go…

(30)- Jeune Afrique “ARCHIVES Sénégal : le nouvel eldorado minier” Jeune Afrique, 12Février 2012. (Accès 3aout 2021) sur: https://www.jeuneafrique.com/143038/archives-thematique/s-n-gal-le-nouv…/

(31)- Olivier Monnier “ Or : les compagnies minières canadiennes à l’assaut de l’Afrique de l’Ouest” Jeune Afrique, 07 janvier 2019, (accès 3aout 2021) sur: https://www.jeuneafrique.com/mag/692474/economie/or-les-compagnies-mini…/.

(32)- Travis Lupick “Canada-Africa: The mines and the money” The Africa Report, 25 November 2020 (access 04 august 2021)at: https://www.theafricareport.com/5038/canada-africa-the-mines-and-the-mo…/

(33)- Canadian International Development Platform “ Canadian Mining in Africa” CIDP, 3 November 2012. (Access 2 Septembre 2021).

(34)- Le monde Diplomatique “De l’orpaillage médiéval à l’exploitation des mines modernes” Archive MondeAfrique, Avril 1960 (accès 20 aout 2021)p:11sur: https://www.monde-diplomatique.fr/1960/04/A/23558

(35)- Stephanie Samson “Les trésors méconnus de l’Afrique subsaharienne française

De l’exploration à la prospection minière, 1850-1940”Revue Économie Faite Homme, P:385-391. Sur : https://www.cairn.info/l-economie-faite-homme–9782600014595-page-385.h…

(36) المرجع السابق.

(37) المرجع السابق.

(38)- Ken Matthysen & Iain Clarkson” Gold and diamonds in the Central African Republic” IPIS, February 2013, P: 5-6

(39)- Afrique Media, Op. Cit.

(40)- Wikileaks “Mining Convention in Central Africa” Wikileaks, 2014. (Access 20 August 2021) at: https://wikileaks.org/car-mining/html/Convention-TSA-Note/page-1.html#l…

(41)- Survie “ COMPAGNIE DES MINES DE FRANCE (ET D’AFRIQUE)” SurvieORG; 3 mars 2014, (accès 2 septembre 2021) sur: https://survie.org/billets-d-afrique/2014/233-mars-2014/article/compagn…

(42)- Tatiana Kondratenko ” Russian arms exports to Africa: Moscow’s long-term strategy” by DW, 29 august 2020. Access 3th September 2021, available at: https://www.dw.com/en/russian-arms-exports-to-africa-moscows-long-term-…

(43)-Amadou A (Russia building military bases in Africa: Report – Daily publishes details of reported secret German government document on ‘Russia’s new Africa ambitions’ -2020

(44)- Nataliya Bugayova; and others ” THE KREMLIN’S INROADS AFTER THE AFRICA SUMMIT” Institute for the Study of War(ISW), 8 November 2019 at: https://www.understandingwar.org/backgrounder/kremlins-inroads-after-af…

(45)- Théophile Dzaka-Kikouta, “L’INVESTISSEMENT CHINOIS EN AFRIQUE CENTRALE” Outre-Terre 2011/4 n° 30 | pp:207-226

(46)- Théophile Dzaka-Kikouta, Op Cit. PP3-5.

(47)- Melvi Boss “Afrique. Minerais de sang et néocolonialisme en République Démocratique du Congo (RDC)⁃ Le conflit au Kivu, zone grise en proie à de cruciales rivalités géoéconomiques” DiplomateWeb, 4 Octobre 2020 (accès2 Juillet 2021) sur: https://www.diploweb.com/Afrique-Minerais-de-sang-et-neocolonialisme-en…

(48) المصدر السابق.

(49)- Dylan Yachyshen “Great Power Competition and the Scramble for Africa” Foreign Policy Research Institute, 30 April 2020 (access 28 September 2021) at: https://www.fpri.org/article/2020/04/great-power-competition-and-the-sc…/

(50) مرجع سابق.

(51)- Eleftheris Vigne ” Présences chinoise et russe en Afrique : différences, convergences, conséquences” institue Royale Supérieur de Défense; Bruxelles Focus Paper 37, Juillet 2018,PP:7-10

(52)- Katie Burton “New report reveals risk of links between Sudanese conflict gold and major companies”Geographical, 22 Development2020, (access 22 July 2021) at: https://geographical.co.uk/people/development/item/3763-new-report-reve…

(53) مرجع سابق.

(54)- Misha Ketchell ” Why responsible sourcing of DRC minerals has major weak spots” Conversation, 22 Avril 2019, (access 12 August 2021) at : https://theconversation.com/why-responsible-sourcing-of-drc-minerals-ha…

(55)- Alberto Rojas BlancoRaquel Villaecija “Blood and Minerals who profits from the Conflict in RDC?” Al-Jazeera, 19, January 2016, (access 17 August 2021) at; https://www.aljazeera.com/features/2016/1/19/blood-and-minerals-who-pro…

(56)- Global EDGE Insight ” Democratic Republic of the Congo: Economy, (access 17 August 2021) at: https://globaledge.msu.edu/countries/democratic-republic-of-the-congo/e…

(57)- Pascal Nahimana “Le géopoliticien M. Luc Michel : L’occident veut saboter les processus des élections démocratiques de 2020 au Burundi” Burundi-forum. 24 Novembre 2019 (acces 2 Aout 2021(sur: https://www.burundi-forum.org/37128/

(58) تقرير “الخرطوم تراجع اتفاقية القاعدة الروسية… والكرملين يتحدث عن نقاشات {دبلوماسية}”، جريدة الشرق الأوسط، 3 يونيو/حزيران 2021، (تاريخ الدخول: 10 سبتمبر/أيلول 2021):

 https://aawsat.com/home/article/3006261/

(59) إدريس آيات، “فرنسا تبدي استياءها من محادثات مالي مع “فاغنر”، الأفارقة”، 19 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 22 سبتمبر/أيلول 2021):

 https://theafrikans.com/4854/abdelaziz-bouteflika-mali-vagner-turkey-bu…/

(60) إدريس آيات، “الكونغو تراجع صفقة تعدين مع مستثمرين صينيين”، الأفارقة، 4 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 22 سبتمبر/أيلول 2021):

 https://theafrikans.com/4842/drc-chinese-miners-new-oil-discovery-in-iv…/

(61) تقرير “موزمبيــق وصــراع عمال المناجـــم على الياقــوت”، عُمان ديلي، 21 أبريل/نيسان 2017، (تاريخ الدخول: 20 سبتمبر/أيلول 2021):

 https://www.omandaily.om/

(62)– Report ” China’s Ganfeng to acquire stake in Goulamina lithium mine for $130m” Mining Technology, 15 June 2021, (access 20 September 2021) at: https://www.mining-technology.com/news/ganfeng-stake-mali-lithium-mine/