عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

ردت تجمع من أحزاب وشخصيات المعارضة على مبادرة السلطة بالرفض جملة وتفصيلا، مما يعني بطريقة أخرى رفض الحوار والاتصال مع السلطة في حل الأزمة، والتشبث بالمقاربة الراديكالية المتضمنة مطلب رحيل النظام ككل. بالرغم من أن هذه المقاربة تحظى بزخم تأييد الحراك الشعبي لها، إلا أنها غير واقعية وسوف تؤدي إلى مزيد من تعقيد الوضع بدل حلحلته؛ لأن الأزمة إذا لم تتقدم نحو الأمام سوف تتعفن؛ وحينئذ سوف تحل المقاربة الصعبة بدل اللينة في حلحلتها، والتي لا يكون فيها دور كبير للمجتمع السياسي والمدني.
إن الوضع الحالي يشبه نوعا ما الانسداد الذي حدث في مصر عام 2012 عندما لم تستطع القوى السياسية أن تتحاور مع بعضها البعض للوصول إلى حل، وهو الوضع الذي أدى إلى حالة الاحتقان والاستقطاب السياسي الذي أنتج انقلاب 03 يونيو 2013؛ القرار الذي نقل المجتمع إلى الانغلاق السياسي وسيطرة النزعة العسكرتارية في التعامل مع كل الملفات، وإنتاج الأمننة المتزايدة التي طالت الجميع بما فيهم متقاعدي الجيش الذين أرادوا المشاركة في العملية السياسية؛ ثم تجري هذه الأيام عملية تعديل الدستور التي تتيح للرئيس عبد الفتاح السيسي المكوث في الحكم إلى غاية عام 2032.
ليس من المناسب استمرار الناس في الشوارع بدون أفق للحوار السياسي، وليس من الواقعية إلغاء الآخر بحجة أنه يمثل النظام. فالنظام الجزائري مثل غيره من الأنظمة العربية متجذر في المجتمع والمؤسسات ولديه أحزاب ومجتمع مدني وشخصيات؛ ومن ثم، إعطاء فرصة للحوار السياسي من أجل حلحلة الوضع الجامد للأزمة وكسر حالة الانسداد سوف تؤمّن عملية تجنب الخيارات الصعبة التي سوف يخسر فيها الجميع.
إن المعارضة السياسية المدفوعة بواسطة إغراءات زخم الحراك الشعبي تتدحرج نحو حالة المقامر المدمن الذي لا يستطيع أن يبتعد عن طاولة النرد ويحسب أرباحه وخسائره بعقلانية.
الفكرة الأساسية هنا: عندما تتقلص خيارات الحل السياسي تتراجع معها حظوظ العقلانية وتتقدم فرص المقاربات الصعبة.