اسم الكاتب : أ.ريناس بنافي

مفهوم الأمن القومي قديم، إذ صَاحَبَ نشوء الدولة وتطورها وإن لم يجد الصياغة الفكرية الدقيقة إلا مؤخرًا، ولقد تعددت الصياغات العلمية للمفهوم تبعًا لنوع المعرفة الغالب على فكر الباحث (سياسي، قانوني، اجتماعي، نفسى… إلخ)، والمفهوم يفترض عند تحليله الحديث عن مكوناته ودلالاتها أولاً، ثم الحديث عن مقوماته وتعريفه العام متصلاً بحدود (سيادة الدولة الحديثة).

تُمثِّل كلمتا (الأمن) و(الأمة) المكونات اللفظية للمفهوم، وعند تحليلهما نجد أنه بالنسبة لكلمة الأمن فثمة معنيان: الأول: يعني حالة الإحساس بالثقة والطمأنينة التي تدعو إلى أن هناك ملاذًا من الخطر، والمعنى الثاني: يتمثل في الموقف المترتب على الحاجة إلى الأمن، ويرتبط بخاصية (العدوانية) لدى الإنسان البدائي، والتي تبدأ بالرغبة في (امتلاك الذات).

ولا تزال المعضلة الأمنية تشغل بال الباحثين في مجال الدراسات الأمنية والإستراتيجية، وكذا الأفراد والدول، فالجميع لا يزال يبحث – على المستويين النظري والعملي – عن الطريقة المُثلى التي تضمن الأمن والاستقرار في ظل ما يشهده العالم من انتشار للعديد من الظواهر الأمنية التي خرجت عن نطاق سيطرة الدول، فقد فرضت التحولات الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة تهديدات جديدة اتسعت معها رقعة الظاهرة الأمنية التي عبرت الحدود القومية، وأضعفت قدرة الدول على التعامل معها، فلم تعد التهديدات الأمنية ذات طبيعة خارجية، بل أصبحت الدول تواجه تهديدات داخلية أكثر من التهديدات الخارجية بسبب العولمة وتداعياتها السلبية.

وقد فرضت هذه التحولات الجديدة إعادة النظر في مفهوم الأمن؛ نتيجة لتزايد نطاق التهديدات التي شكلت خطرًا على حياة الأفراد والسكان مثل الحروب الأهلية، والفقر، والبطالة، والمرض، والانتهاكات اليومية لحقوق الفرد الذي لم يعد آمنًا حتى في دولته، ففي عالم العولمة أصبح الأمن يعني أكثر فأكثر ليس ضمان استقرار مؤسسات الدولة بقدر ما هو المحافظة على التجانس المجتمعي للدولة وضمان أمن مواطنيها، باعتبارهم المتأثرين الأوائل بالانعكاسات السلبية للعولمة.

وإذا كان المفهوم التقليدي للأمن اتَّخَذَ من الدولة مرجعيةً له في وضع المقاربات الأمنية، فإنّ هذه التحديات الأمنية الجديدة أحدثت تحولاً في المضامين والمفاهيم، فقد تجلَّى للباحثين في الدراسات الأمنية قصور المقاربات الأمنية القائمة على الدولة باعتبارها مرجعية للدراسات الأمنية، وبذلك سعوا إلى بناء مقاربة جديدة للأمن تتخذ من الفرد وحدة للتحليل عوضًا عن الدولة، وعليه أدَّتْ هذه النظرة الجديدة للمعضلة الأمنية إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن، وأصبح ينظر إلى الأمن كمفهوم واسع يمسّ ويتأثر بكافة القطاعات العسكرية منها والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ومن هنا حدث تجاوز للمفهوم التقليدي للأمن، وبدأ الحديث خلال العقود الأخيرة عن مقاربة جديدة للأمن، وهي مقاربة الأمن الإنساني الذي يهدف إلى تحقيق فعال لأمن الفرد، والدولة، والأمن والسلم الدوليين.

تُعَدّ المعضلة الأمنية أحد الظواهر السياسية التي تخضع لقانون التغير والتفاعل المتبادل مع غيرها من الظواهر، ورغم كثرة الدراسات التي عالجت الظاهرة، لا يزال مفهوم الأمن يثير اهتمام الباحثين في المسائل الأمنية، ولا يزال الخلاف مستمرًّا بشأن المرجعية ووحدة التحليل التي تنطلق منها المقاربات الأمنية، على الرغم من الإجماع حول أهمية وضرورة الاهتمام بالمسألة الأمنية بشكل عام، وتحديدًا فإنه حينما نبحث في المعضلة الأمنية نجد أنّ هناك أربعة إشكاليات:

1- طبيعة اللاأمن التي يمكن أن نعرف من خلالها مصدر التهديد، وبالتالي العمل على احتوائه.

2- المرجعية المعتمدة للتحليل (هل هي الدولة أم الفرد أم المجتمع).

3- مسؤولية ضمان الأمن، والمقصود بها الجهة المسئولة عن السياسات الأمنية.

4- وسائل ضمان الأمن، وهي الآليات التي توضع لاحتواء التهديد.

وتبعًا لهذه الإشكاليات فإنَّ النقاشات النظرية في العلاقات الدولية منذ الثمانينيات تركزتْ في ثلاثة مداخل أو مقاربات فكرية؛ المقاربة الأولى هي المقاربة التقليدية للأمن، والمقاربة الثانية – كانت توسيعًا للمقاربة الأولى – وهي مقاربة التوسيع في مفهوم الأمن، والمقاربة الأخيرة هي مقاربة التيار النقدي. فالمقاربة الأولى اهتمت بالمفهوم التقليدي للأمن، وانحصرت أفكارها في تيار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، وحصرت هذه المقاربة تفسير مفهوم الأمن في الأمن القومي والقوة العسكرية، أي بمعني أنّها فسرت الأمن على أنه مسألة تخصّ الدولة وأمنها القومي، أما المقاربة الهادفة للتوسيع في مفهوم الأمن فظهرت في فترة من الثمانينيات والتسعينيات من خلال أطروحات المدرسة الواقعية الجديدة، بهدف إعادة النظر في حصر الأمن في الإطار العسكري، وأكدت على ضرورة توسيعه وتعميقه، وما ميزها أنها قامت بتوسيع قائمة التهديدات إلى المجالات غير العسكرية للدولة من وحدات غير الدولة، إلا أن تفسيرها للأمن ظلّ – على غرار المقاربة التقليدية – في الدولة وأمنها القومي المُوَسَّع، وفي المقابل فإن مقاربة النظرية النقدية طوَّرت مفهوم الأمن، واقترحت أن يكون موضوع الأمن في الفرد والجماعة وليس الدولة، مُشَكِّلة بذلك قطيعة تصوُّرية مع المفهوم الواقعي للأمن، وبالتالي حدث تحول هامّ في المفهوم، إذ أصبح الأمن يفسر بأنه ليس ذلك الخطر المباشر للدولة، بل ما يشكله من إعاقة لتحرير الفرد، والجماعة، والدولة.[1]

وتعتبر الدراسات الأمنية واحدة من الحقول العلمية والمعرفية الأكثر اهتمامًا في العصر الحاضر؛ لِما تمثله من أهمية على مستوى الفرد والجماعة والدولة.

ومفهوم الأمن لم يتَّفق عليه الباحثون بسبب صعوبة إعطائه تعريفًا محددًا؛ لِما تعنيه الكلمة من مدلولات يفتقرُ إلى تحديدها أو تقديرها بشكل قاطع، فليس هناك إجماع حول المقصود بظاهرة الأمن القومي، لا من حيث التعريف، ولا من حيث المستهدَفين بالأمن، ولا من حيث مصادر التهديد، ولا من حيث سبل وأدوات وإستراتيجيات تحقيق الأمن القومي، وقد شكَّلَ الأمن على مرّ التاريخ الهاجس الأكبر لرجال الدولة وصُنَّاع السياسة الذين اعتبروا ضمان البقاء والاستمرار من أعلى أولويات السياسة الخارجية والداخلية.

كما يُمثِّل الأمن مشكلة للدارسين والأكاديميين؛ لكونه مفهومًا عصيًّا على الصياغة الدقيقة، وقد شهد حقل الدراسات الأمنية تطورًا كبيرًا منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، تجلَّى في صعود جيل جديد من الباحثين وظهور مدارس ومفاهيم أمنية جديدة، إضافة إلى تغيُّر حدود التخصص من العلاقات الدولية إلى تعددية التخصصات.[2]

يرى الدكتور إبراهيم محمود حبيب في كتابه (أصول دراسات الأمن القومي.. أصول إدارة الدولة) أن أهمية دراسات الأمن القومي تكمُن في قدرتها على تحديد عناصر الضعف الإستراتيجي في الإقليم القومي، من أجل العمل على تخطيها عبر اتخاذ إجراءات وقائية تضمن ألّا يكون ذلك مصدرًا لإشكاليات داخلية أو خارجية قد تكون مُدمِّرة.

وتشترك دراسات الأمن القومي اشتراكًا مباشرًا مع كافة العلوم الإنسانية والطبيعية؛ لأنها تعتبر بمثابة الإطار الجامع الذي يستخدم كل هذه العلوم لخدمة المجتمع والدولة، وتتفاوت أهمية تلك العلوم في علاقاتها التكوينية بالأمن القومي، فدراسات الأمن القومي ليست علمًا منفصلاً بذاته يُدار وفق قواعد وأسس علمية ثابتة، بل هي في الأساس تكوين فكري إستراتيجي يستخدم كل العلوم من أجل تحقيق أعلى مستويات الأمن بما يتوافق مع الغايات القومية.

وترتبط دراسات الأمن القومي بعلم الجغرافيا السياسية والطبيعية والجيوبوليتيكا والتاريخ وفلسفته أيضًا، كما تستند إلى العلوم السياسية، وتُعَدّ الدراسات الإقليمية والنظم السياسية والدبلوماسية والعلوم الأمنية بكل أنواعها من أهم الأدوات المستخدَمة في دراسات الأمن القومي، بل وتدخل في صميمها.

كذلك ارتباط العلوم الإدارية – وخصوصًا أساسيات الإدارة والتخطيط الإستراتيجي وفن القيادة – بدراسات الأمن القومي.

فالأمن القومي عند الدكتور إبراهيم محمود حبيب هو مجموعة من الإجراءات التي تتخذها الدولة وفق خطة تنموية شاملة، لحماية مصالحها الداخلية والخارجية من أي تهديد، وبما يضمن تحقيق أهدافها وغاياتها القومية.

إن الأمن القومي له خصائص أربع أساسية، فهو مفهوم إستراتيجي لكونه يعالج مكونات حياة الأمة والدولة المادية والمعنوية على المستويين المتوسط والبعيد المدى، وهو أيضًا حقيقة نسبية يتأتَّى من خلال تحديد الغايات القومية للدولة، كما أنه متغير لقدرته على توجيه الدولة نحو البناء الإيجابي، متحديًا ثوابت التاريخ والجغرافيا السيئة.

والخاصية الأخيرة التي يتمتع بها الأمن القومي هي أنه يصعب وضعه في إطار محدد؛ لعدم وجود إطار عام يحدِّد مفهومه وغاياته التي عادة ما تُستنبَط من مشروع قيادة الدولة.

هناك ثوابت ومحددات ومتغيرات للأمن القومي على أساسها تُصاغ الخطط الإستراتيجية للدولة، إذ إنه لا يمكن لأي مُخطَّط أو صانع قرار في الدولة أن يغفل حقائق الجغرافيا وتراكمات التاريخ والثقافة والدين أثناء رسمه للخطط الإستراتيجية.[3]

فالأمن – عموما- هو عكس الخوف، أي شعور الفرد بالاطمئنان والأمان، وهو يتحقق من خلال تحقيق أمن الدولة ككل، وقديمًا كان تعبير “الأمن القومي” مقصورًا على أنه تعبير يستخدمه القادة ورجال السياسة، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية بدأ مفهوم الأمن القومي يتَّسِع ويتناوله السياسيون بالدراسة، وتوصَّلَ الباحثون إلى أن الدولة تكون آمِنَة إذا ما قامت بإعداد نفسها بالأسلوب الذي يسمح لها بالانتصار في الحرب، وهنا نجد أن أمن الدولة أصبح مرتبطًا بالقدرة العسكرية، أمّا الآن في العصر الحديث، فقد تطوَّر مفهوم الأمن القومي، وأصبح يعني “قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من أية تهديدات بصرف النظر عن شكل هذا التهديد ومصدره”.

إن مفهوم الأمن القومي يتمشى مع طبيعة المرحلة الحالية والمقبلة وإستراتيجيتها، ويمكن التعبير عنه بأنه: “هو فلسفة يتبعها النظام السياسي والاجتماعي، وصولاً إلى تطبيق أنماط اقتصادية واجتماعية وثقافية وعسكرية وسياسية مختلفة، بهدف تحقيق أعلى معدلات من التنمية والحماية والأمن للمجتمع أو للجسد الاجتماعي للدولة”.

وعلى الرغم من الأهمية القصوى لمفهوم “الأمن” وشيوع استخدامه، فإنه مفهوم حديث في العلوم السياسية، ويعود استخدام مصطلح “الأمن” إلى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث ظهر تيار من الأدبيات يبحث في كيفية تحقيق الأمن وتلافي الحرب، وكان من نتائجه بروز نظريات الرَّدْع والتوازن، ثم أُنشِئ مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 1974م، ومنذ ذلك التاريخ انتشر استخدام مفهوم “الأمن” بمستوياته المختلفة طبقًا لطبيعة الظروف المحلية والإقليمية والدولية.[4]

ويمكن أن نشير إلى تعريفات عديدة تتراوح ما بين القيم المجرَّدة أو الاعتبارات الإستراتيجية المحددة أو المفاهيم المجتمعية ذات الطبيعة الشمولية:

تعريف الدكتور محمد حسين أبوصالح: إن الأمن القومي هو قدرة الدولة على تحقيق وتأمين مصالحها الإستراتيجية، ويقـوم على امتلاك الدولة لعناصر القوة الإستراتيجية التي تقوم وتستند على تحقيق الأمن الإنساني، والتي تتيح للدولة امتلاك إرادتها الوطنية، وتوفر السند المطلوب لتحقيق وتأمين المصالح الوطنية الإستراتيجية، بما يشمله ذلك من المحافظة على البيئة، وتنمية الموارد الطبيعية، وحفظ حقوق الأجيـال القادمـة ومـصالحها، والإسهام في تحقيق الأمن العالمي .

تعريف فريدريك هارتمان Fredrich Hartman: “الأمن هو محصلة المصالح القومية الحيوية للدولة”.

يعتبر هذا التعريف أكثر مرونة؛ لشموله على المصالح الوطنية والحيوية معًا، في محصلة لتفاعلهما لِتُكَوِّن أمن الدولة، ودون تحديد لها إذ هي من المتغيرات الدائمة، وقد تختلف من موقع لآخر، أو من عصر لآخر كذلك، كما أنه لم يُشِرْ إلى القوة العسكرية، باعتبار المصلحة الدفاعية أحد المصالح الوطنية الحيوية.

تعريف دائرة المعارف البريطانية: الأمن يعني “حماية الأمة من خطر القَهْر على يد قوة أجنبية”.

ومن وجهة نظر هنري كسينجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، يعني أيّ تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء.

ولعلَّ من أبرز ما كُتِب عن “الأمن” هو ما أوضحه “روبرت مكنمارا”، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وأحد المفكرين الإستراتيجيين البارزين، في كتابه “جوهر الأمن”، حيث قال: “إن الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، في ظِلّ حماية مضمونة”. واستطرد قائلاً: “إن الأمن الحقيقي للدولة ينبُع من معرفتها العميقة للمصادر التي تُهدِّد مختلف قدراتها ومواجهتها؛ لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنميةً حقيقية في كافة المجالات، سواء في الحاضر أو المستقبل”.

تعريف لورنس كروز، و ج. ناى Lawrence Kranse, J. Nye: “الأمن هو غياب التهديد بالحرمان الشديد، من الرفاهية الاقتصادية”.

تعريف هولسن، ج ويلبوك J. Holsen, J. Waelboeck: “الأمن هو الأهداف التي تسعى الدولة لتحقيقها من خلال السياسات والبرامج، والعمل على توسيع نفوذها في الخارج، أو محاولة التأثير على سلوك الدول الأخرى أو تغييره”.

تعريف روبرت ماكنمارا Robert Monomara: “الأمن عبارة عن التنمية، ومن دون التنمية لا يمكن أن يوجد أمن، وأن الدول التي لا تنمو في الواقع، لا يمكن، ببساطة، أن تظل آمِنَة”.

عبّر ماكنمارا ـ بتعريفه هذا عن مفهومه للأمن الوطني – بكلمة واحدة شاملة، هي “التنمية”، حيث تشمل تلك الكلمة أبعادًا كثيرة، فهي تنمية عسكرية واقتصادية واجتماعية، تنمية للموارد والقوى المختلفة، تنمية للدولة والمجتمع، تنمية للعلاقات الخارجية والسياسة الداخلية، كما أنه لفت النظر إلى أن التنمية تعني في مضمونها أيضًا استمرار الحياة، وهو ما كان يؤكِّد عليه الآخرون ويخصّونه بالتعريف، وربطَ ماكنمارا بين التنمية والقدرة على النمو والأمان.

تعريف مركز الدراسات الإستراتيجية، للقوات المسلحة المصرية: “الأمن القومي عملية محليّة مركبة، تحدِّد قدرة الدولة على تنمية إمكاناتها، وحماية قدراتها على كافة المستويات، وفي شتى المجالات، من الأخطار الداخلية والخارجية، وذلك من خلال كافة الوسائل المتاحة، والسياسات الموضوعة، بهدف تطوير نواحي القوة، وتطويق جوانب الضعف، في الكيان السياسي والاجتماعي للدولة، في إطار فلسفة قومية شاملة، تأخذ في اعتبارها كل المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية”.

ومع أن هذا التعريف حاول الجمع بين معظم التعريفات المعروفة، والوصول إلى تعريف شامل، إلا أنه كان أكثر تركيزًا على الناحية السياسية والاجتماعية التي تستلزم الحماية، وهي إشارة للبُعد العسكري أيضًا تاركًا باقي أبعاد الأمن بلا تحديد.

تعريف الأمير حسن بن طلال وليّ عهد الأردن (السابق): “للأمن الوطني مفهومان، أحدهما ضيق، يقتصر على حماية التراب الوطني، وكيان الدولة، ومواردها من الأخطار الخارجية، والثاني أوسع، يمتَدّ من الجبهة الداخلية، وحماية هوية المجتمع وقِيَمه، ويؤمّن المواطن ضد الخوف والفاقة، ويضمن له حدًّا أدنى من الرفاهية والمشاركة السياسية”.

ويضع هذا التعريف للأمن الوطنيّ حَدَّيْن: الأدنى، ذو صبغة عسكرية سياسية، للدفاع عن كيان الدولة ضد العدائيات الخارجية، والأوسع، يُدخل الجبهة الداخلية ضمن المفهوم، فهي دائرة أمنية.

فالأمن الوطني هو ذلك الذي يتعلق بقدرة الدولة على حماية أراضيها وشعبها ومصالحها وعقائدها وثقافتها واقتصادها من أي عدوان خارجي، بالإضافة إلى قدرتها على التصدي لكل المشاكل الداخلية والعمل على حلّها، واتباع سياسة متوازنة تمنع الاستقطاب وتزيد من وحدة الكلمة وتجذير الولاء والانتماء للوطن والقيادة.

إن التطور التاريخي والمادي والتقني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري قد وسّعَ من مفهوم الأمن الوطني لكي يشمل كل تلك الفعاليات وغيرها؛ لأن كل واحد منها أصبح جزءًا لا يتجزأ من العناصر الأخرى، وهذا يعني أن الأمن الروحي والأمن الغذائي والأمن المائي من أهم مقومات الأمن الوطني، خصوصًا في عصرٍ أصبح يشهد متغيرات كثيرة كسرت الأعراف السائدة في التعامل مع الدول والمجتمعات، حيث أصبح الحصار والمقاطعة والاحتكار والتدخل المباشر والبحث عن الأعذار والمبررات لممارسة الضغوط، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والمخرجات الصناعية الأخرى بصورة مُبرمَجة وفي أحيان كثيرة غير مُبرَّرة.

ومن التعريفات الحديثة الأكثر شمولية للأمن القومي: إنها حالة من الاستقرار تتمتع بها الدولة والنظام الحاكم، بحيث يمكن تحقيق النمو والتطور والبقاء لهذه الدولة جملة المبادئ والقيم النظرية والأهداف الوظيفية والسياسات العملية المتعلقة بتأمين وجود الدولة، وسلامة أركانها، ومقومات استمرارها واستقرارها، وتلبية احتياجاتها، وضمان قيمها ومصالحها الحيوية، وحمايتها من الأخطار القائمة والمحتملة داخليًّا وخارجيًّا، مع مراعاة متغيرات البنية الداخلية والإقليمية والدولية.

ونظرًا لتعدُّد أبعاد الأمن القومي في العصر الحديث، وتعدُّد الجهات والقطاعات التي تهتمّ وتتأثر بما يتعلَّق بالأمن القومي، ظهرت الكتابات التي تعنى بتبسيط معنى الأمن القومي وشرحه، مثل:

– الأمن العسكري: استشعار الخطر المُسلَّح، وتنمية القدرات الدفاعية، وقراءة مستقبلية لنوايا الدول الأخرى.

– الأمن السياسي: الاستقرار السياسي للدولة، وحماية الشرعية.

– الأمن الاقتصادي: حماية الثروات والموارد المالية والتنمية.

– الأمن الاجتماعي: الشعور بالأمان والتعايش السلمي بين جميع مكونات الدولة، من خلال قبول الطرف الآخر واحترام العادات والتقاليد للمكونات الأخرى، بِغَضِّ النظر عن العِرق أو الدِّين أو المذهب أو الهوية.[5]

إن الظروف والعوامل التي تدفع إلى الاهتمام بظاهرة الأمن القومي هي:

أولاً: التحوُّل في مفهوم المصلحة القوميّة إلى مسألة ضمان الرّفاهية، بما يعنيه ذلك من تأمين لمصادر الموارد، ومن ثم برزَ مفهوم الأمن القوميّ كتعبير عن كلٍّ من الرفاهية من ناحية ومحاولة ضمان مصادرها الخارجية من ناحية أخرى، وحماية الترتيبات الداخلية التي تدفع إلى زيادة معدل الرفاهية.

ثانيًا: ازدياد معدل العنف وتصاعد حدة الصراعات المباشرة، والتي قد تتطور إلى حروب، ومن ثم سار الاهتمام بالأمن القوميّ في موجات ارتبطت بتزايد الصراعات على المستويين الإقليمي والدولي.

ثالثًا: ازدياد الشُّعور لدى دول الجنوب بنوعين من التهديدات المتصلة بأمنها القومي، فمن ناحية تُعَدّ الدُّيون الخارجية المستحَقَّة عليها تهديدًا لأمنها السياسيّ والاقتصاديّ، وتحدّ بالضرورة من حرية اتخاذ القرارات الإستراتيجية، وتبلغ قيمة هذه الديون أكثر من 2000 مليار دولار، هذا فضلاً عن تكلفة خدمة الديون، وهي تكلفة تنوء عنها كواهل معظم الدول الصغرى والمتوسطة المدينة.

ومن ناحية أخرى تخشى الدول الصغرى من احتمالات قيام الدول الكبرى بإساءة توظيف المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ليس فقط لتحقيق مصالحًا ولكن للإضرار بالمصالح القومية والأمن الذاتي للدول الصغرى، ولعلَّ ما فعلتْه الولايات المتحدة بالعراق وأفغانستان وغيرها تحت مظلّة الأمم المتحدة من احتلالٍ وتدميرٍ لقدراتها العسكرية الدفاعية والهجومية وتحطيم الإمكانيات الاقتصادية، لا يغيب عن ذهن تلك الدول – بعبارة أخرى- يزيد الشعور لدى الدول الصغرى بضعفها أمام اختراق الدول الكبرى لأمنِها، وإحساسها بأنها مُعَرَّضة دائمًا للخطر.

رابعًا: تزايد الإحساس بالقلق والتوتر الداخلي، والذي يمكن أن يتحوَّل إلى مظاهر عديدة من عدم الاستقرار وعدم الأمن في الدول الصغرى، فبعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال لا تزال كثيرٌ من تلك الدول تُعاني من مشكلات كبرى في عملية الإنتاج وكذلك عملية التوزيع، ولا شك إن الإحساس بالحِرمان النسبيّ لدى المواطنين من شأنه أن يزيد من الشعور بالإحباط، ومن ثَمّ الانخراط في علميات عنف ضد النظام السياسي، كما أن الفراغ الفكريّ الذي نجمَ عن سقوط الشيوعية بسقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية قد دفع إلى البحث عن أيديولوجية بديلة أخذت طابعًا متطرفًا، سواء أكانت علمانية، ولكنها قومية أو وطنية متطرفة، أو دينية أصولية ذات ميول راديكالية.

ولا شكّ أن هذين المسارين الأيديولوجيين من شأنهما أن يدفعا الدول الصغرى إلى الاتجاه مرة أخرى إلى زيادة الإنفاق على التسلُّح، سواء لبناء مؤسسة عسكرية قوية وعصرية، أو لبناء قوات بوليس مُجَهَّزة ومُدَرَّبة لمواجهة المتطرفين قوميًّا أو فكريًّا (أو عرقيًّا) أو مذهبيًّا أو دينيًّا، ويمكن أن يقود ذلك إلى موجةٍ جديدة من الدول البوليسية بالمعنى الذي استخدمه هارولد لآسو يلHarold Lasswell في كتابه بعنوان Hypotheses Today (1973) The Garison- State من قبل الدولة العسكرية Garison State أو دولة الأمن Security state، وهي دولة تغص في الحياة العسكرية وحد أدنى من الحياة المدنية، وهي دولة تنشأ نتيجة الحرب أو الخوف من الثورة أو التغيير أو المغالاة في إنتاج واكتساب الأسلحة التقليدية والنووية أو اكتساب التكنولوجيا العسكرية، وتستهدف صيانة الاستقرار والنظام في الشئون الداخلية والدفاع عن الوضع القائم في العلاقات الدولية، في مثل هذه الدولة كما يقول دانيال يارجن في كتابه السلام الممزق Shattered Peace: The origin of the Cold War and the National Security state والتي يسيطر عليها ماديًّا ونفسيًّا وفكريًّا مفهومُ الأمن العسكريّ، فإن دور المدنيين يكون محدودًا للغاية، إذ يُنظَر إليهم على أنهم عنصر تهديد للأمن وليس عنصر تدعيم له.

خامسًا: كما يُثار الاهتمام بظاهرة الأمن القومي عند التحول من نظام الدولة القومية إلى نظام أوسع وأكثر شمولاً كالنظام الفيدراليّ، أو التجمعات الاقتصادية الدولية، كالمجموعة الأوروبية أو مجموعة أمريكا الشمالية، أو مجموعة الباسفيك أو جنوبي شرق آسيا، ففي كلتا الحالتين تُثار تساؤلات حول مصير الأمن الوطنيّ للدولة القومية وعلاقته بالأمن القومي للدولة أو الجماعة المُنشأة، وكيف يتمّ توزيع مسئوليات الأمن، وتأمين المواطنين في داخل الكيان الجديد، ومدى تحقُّق شعورهم بالأمان.

سادسًا: وأخيرًا يُثار موضوع الأمن القومي في حالة تفكُّك الدول الكبرى، وخاصة الفيدرالية، إلى دول قومية مستقلة ذات سيادة، ويُثار الأمن القومي هنا من عدة زوايا، منها: مَن يتحكَّم في مقومات الأمن القومي، وخاصة المقومات العسكرية أي الجيوش والمعدات، خاصة إذا كانت معدات أو أسلحة نووية، ومَن يحمي الجمهوريات أو الدول الوليدة، خاصة إذا كانت ذات مسحة عِرقية، وكيف تتحقق الرفاهية في الدول الجديدة، وما إذا كانت عملية التحلل تتمّ بصورة سلمية أم بصورة عنيفة وصراعية. ويتضح من التجارب الماضية والمعاصِرة لعمليات التفكُّك والتحلُّل مدى التهديد الذي يشكّله بعضها للأمن القومي أو الإقليمي، سواء تعلق ذلك بالجمهوريات المنسلخة عن الاتحاد السوفيتي السابق، أو الدول الناتجة عن انقسام يوغوسلافيا السابقة، أو ما يتهدد اليمن والعراق وفلسطين.

ولا شك أن هذه الظروف جميعًا تجعل من دراسة الأمن القومي مسألةً هامة للغاية.

إن إستراتيجية الأمن القومي تعني: مفهوم شامل للعناصر التي تُشكّل الاحتياجات الضرورية للوطن، متضمّنة الحماية الذاتية واستقلال الكيان الوطني، حماية وسلامة أراضيه، رفاهية شعبه الاقتصادية, بناء دولة المؤسسات، الدولة العصرية، وترتكز على عدة عناصر، أبرزها: ضرورة توافق القيادات الوطنية القادرة على إدارة هذه الخطط, صياغة مجموعة من الخطط والمبادئ التي تُحدد الأهداف القومية للوطن مستندًا على الغاية القومية، مع مُراعاة مبادئ الأمن القومي واعتباراته، وأن هـذه المبادئ ليست مطلقة وإنما تتحدد على أساس القوة المتاحة وقدراتها القومية والتهديدات الخارجية والتحديات المحلية وطبيعة النظام الدولي المعاصر، وأنه تصوُّر إستراتيجي، نابع من متطلبات حماية المصالح الحيوية الأساسية لأية أمَّة، ومُستمَدّ من تاريخها وما أفرزته معطيات موقعها الجغرافي وموروثها التاريخي والاجتماعي للمحافظة على الوجود الحيّ لها, أي إنها وثيقة سرية في غالبية مفاصلها، وترتكز على أبعاد وعناصر أساسية وضرورية، ولم يذكر التاريخ يومًا إن دولة ما نشرت إستراتيجيتها للأمن القومي بالكامل في المحافل الإعلامية.[6]

الدراسات الأمنية النقدية

واجهت الدراسات الأمنية النقدية ـــ باعتبارها توجُّهًا جديدًا صاعدًا في التخصص ـــ تحديات مهمة في طريق تأسيس نفسها كحقل معرفي أو نظرية أمنية بديلة، فقد ورثتْ إرثًا ثقيلاً من الأسئلة والألغاز العالِقة في الدراسات الأمنية التقليدية التي كانت تحتاج إلى حلول وأجوبة، مثل: ما هو الأمن، وما هو موضوعه؟ ما هي مصادر التهديد؟ وكيف نتعامل معها؟ هل من الممكن بناء نظرية أمنية؟ وما القواعد والضوابط المعرفية للقيام بذلك؟ ما علاقة النظرية الأمنية بإدارة وممارسة الأمن العالمي؟… وهكذا.

تعتبر الفترة الممتَدَّة من مطلع الخمسينيات إلى منتصف ثمانينيات القرن العشرين مرحلةً كلاسيكية في تاريخ الدراسات الأمنية، تميزت هذه المرحلة بهَيْمَنَة نموذج “مركزية الدّولة” State Centrism في تحليل الشؤون الأمنية، كما اتسمتْ بتركيز الاهتمام على التهديدات ذات الطابع العسكري المُوَجَّهة لما اعتبر “قيم حيوية” للدولة؛ أي البقاء والاستقلال الوطنيين، في هذه المرحلة جاء ربط الأمن (أو التهديد) بمؤسسة الدولة كتمهيد لتعريفه باعتباره كلّ ما يهدد هذه القيم أو يُقلّل منها، وهذا ما قاد عدة باحثين إلى تأطيره من منظور “دولتي”، وتبنَّاه الممارسون تحت مُسَمَّى “الأمن القومي” National Security.

بشكل عام اتسمتْ هذه المرحلة من تاريخ الدراسات الأمنية بعدة سِمات، نجملها فيما يلي:

أولاً: كانت معظم الأفكار والنظريات المطوّرة في الحقل موجّهة عبر فرضيات النموذج الواقعي؛ تعتبر أفكار مركزية الدولة، ودوافع الدولة للقوة والأمن، إضافة إلى محورية قضايا الحرب والنزاع من بين الفرضيات الأساسية للواقعية، وهي ذاتها مباني الدراسات الإستراتيجية.

ثانيًا: هَيْمَنَ مفهوم الأمن القومي على الأجندة البحثية للحقل، حيث اقتصر الاهتمام فقط على التهديدات ذات الطابع العسكريّ الموجَّهة لبقاء واستقلال الدول، لقد أدَّى هذا الاهتمام الحصريّ على فواعلية الدولة والقطاع العسكري إلى وجهة نظر ضيِّقة لمفهوم الأمن وحقل الدراسات الأمنية توصف عادة بالمقاربة التقليصيَّة.

ثالثًا: غلبت في هذه المرحلة الأفكار والنظريات التي تركز على الجوانب المادية للتهديدات، (مثل نسبة التسلُّح، قدرات الدولة، وعوامل القوة الأخرى) وتهمل أهمية القواعد والمعايير، وتاريخ التفاعل، ونمط العلاقات، وغيرها من العناصر المثالية في تعريف الأمن.

بدأت مع منتصف الثمانينيات مرحلة جديدة في تاريخ الدراسات الأمنية، تزامنت مع حدوث تغييرات مثيرة في السياسة الدولية، كانهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، وتفشّي الصراعات الداخلية (إثنية ودينية) في العديد من دول أوروبا الشرقية والبُحيرات العظمى، وتزايد مشاكل الهجرة غير الشرعية في أوربا، وصعود التهديدات غير التقليدية العابرة للأوطان، مثل الأمراض، والجريمة الدولية، ومشكلة اللاجئين، وانتهاكات البيئة، والإرهاب وغيرها، وبالرغم من إعلان هذه التغييرات الدولية بداية مرحلة جديدة في حقل الدراسات الأمنية، إلا أن المنعَطَف الأكثر أهمية كان على الصعيد النظري.

إن توسع مفهوم الأمن على الصعيد النظري لم يقابله توسيع عملي على مستوى الممارسة في العديد من الدول العربية، ففي الوقت الذي يتناول فيه باحثو الأمن المجتمعي والإنساني أجندات مكملة وموسعة لأجندة الأمن القومي، أثبت دليل الممارسة في هذه البلدان أنها متنافسة ومتناقضة مع بعضها البعض؛ وبالتالي التوسيع النظري لمفهوم الأمن وحقل الدراسات الأمنية لم يقابله توسيع موازٍ على مستوى الممارسة.

قبل الحرب العالمية الثانية كانت الدراسات الأمنية من اختصاص العسكريين والإستراتيجيين، ولكن تدخُّل المدنيين في الحرب العالمية الثانية أدى إلى تحول الدراسات الأمنية، ويمكن إجمال المراحل التي مرَّتْ بها الدراسات الأمنية – حسب ماك سويني – إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى: وتبدأ بانتهاء الحرب العالمية الأولى إلى أواسط الخمسينيات، وارتبطت بمصطلح الأمن الجماعي، وكانت دراسة الأمن جزءًا من دراسة القانون الدولي والمنظمات الدولية والنظرية السياسية.

المرحلة الثانية: من منتصف الخمسينيات بدأت مرحلة جديدة مع تطور البحث في علم السياسة، وأثناء الحرب الباردة تطوَّرَ البحث في المقاربات العلمية للتهديد واستعمال القوة للدفاع عن مصلحة الدولة واستتباب الأمن، كما ظهر مصطلحات جديدة كـ (نظام الأمن) و(الأمن الدولي) تؤكد اعتماد الدول فيما بينها.

المرحلة الثالثة: وكانت مع بداية الثمانينيات، وعرفت إعادة النظر في المقاربات النظرية الموجودة ونجاح نظريات الاعتماد المتبادل ومقاربات السياسة الاقتصادية الدولية مع جيلبان و كيوهان.

المرحلة الرابعة: وهي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين اتخذت الدراسات الأمنية أبعادًا أخرى بدخولها كل الميادين والمجالات.

لقد ميز الأكاديمي الأمريكي باري بوزان، المُهتَمّ بشؤون الأمن، خمسةَ أبعاد أساسية للأمن:

1- الأمن العسكري: ويخص المستويين المتفاعلين للهجوم المسلح والقدرات الدفاعية، وكذلك مدركات الدول لنوايا بعضها.

2- الأمن السياسي: ويعني الاستقرار التنظيمي للدول، ونظم الحكومات والأيديولوجيات التي تستمد منها شرعيّتها.

3- الأمن الاقتصادي: ويخصّ الموارد المالية والأسواق الضرورية للحفاظ بشكل دائم على مستويات مقبولة من الرفاه وقوة الدولة.

4- الأمن الاجتماعي: ويخص قدرة المجتمعات على إعادة إنتاج أنماط خصوصيتها في اللغة، والثقافة، والهوية الوطنية والدينية، والعادات والتقاليد، في إطار شروط مقبولة لتطورها.

5- الأمن البيئي: ويتعلّق بالمحافظة على المحيط الحيويّ المحليّ أو الكونيّ، باعتباره عاملاً أساسيًّا تتوقف عليه كل الأنشطة الإنسانية.

وبفعل العولمة حدثت تحوُّلات في مفهوم الأمن والمشهد الأمني العالمي، وأبرزها تحولات القوة، التي لم تعُد ترتبط ارتباطًا وثيقًا ووحيدًا بالعامل العسكري، بل تَعَدَّتْه إلى التكنولوجيا والتعليم، والنمو الاقتصادي والاعتماد المتبادَل والمعلومات، فالقوة العالمية اليوم تتأسَّس على مصادر هي من قبيل القوة اللّينة، كما تقوم على مصادر ملموسة: القوة الصلبة.

[1] فريدة حموم، (الأمن الإنساني.. مدخل جديد في الدراسات الأمنية) – رسالة ماجستير مُجازة من جامعة الجزائر (عام 2004).

[2] د. كمال محمد الأسطل، (الإطار النظري للأمن القومي العربي).

[3] د. إبراهيم محمود حبيب، (أصول دراسات الأمن القومي.. أصول إدارة الدولة).

[4] جاسم محمد، (مفهوم الأمن القومي في النظام السياسي الحديث) – مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط.

[5] أسس ومبادئ الأمن الوطني.. مفهوم الأمن القومي الأكثر شهرة – مقاتل من الصحراء.

[6] د. كمال محمد الأسطل، (الإطار النظري للأمن القومي العربي)

Print Friendly, PDF & Email