المعلومات كفاعل مؤثر في عملية صنع واتخاذ القرار

تعتبر المعلومات والاتصالات من المستويات المحركة لعملية صنع القرار كما يرى سنايدر حيث انه بدون الحقائق الأساسية التي تبنى عليها القرارات في السياسة الخارجية تصبح هذه السياسة دون أساس، كما أن المعلومات تتيح الفرصة لصانع القرار بان يتعرف ويدرس الوضع جيدا سواء بدراسة العدو مثلا أو دراسة سلوك دولة معينة من خلال الأطراف التي تعمل على توفير قدر كافي من المعلومات الدقيقة لصاحب القرار والتي تساعده على رصد عدة بدائل، ومن ثم اختيار بديل يتم من خلاله اتخاذ قرار عقلاني وسليم.

وتنقسم المعلومات إلى ثلاثة أنواع:

المعلومات التقنية: وتشمل كل ما يمكن معرفته عن الأسلحة والمعدات والذخائر أي كل ما يتعلق بحجم الترسانة العسكرية.

المعلومات ذات طابع كيفي أو نوعي: وتشمل المعرفة السيكولوجية بصانع القرار.

معلومات دبلوماسية: التي يتحصل عليها صانع القرار من البرقيات الدبلوماسية والبيانات الرسمية وإذا كانت المعلومات هامة في عملية صنع القرار فان مصادرها أو بالأحرى قنواتها أهم ومن بينها: الاتصال الشخصي المباشر عن طريق الوسائل السلكية، البرقيات، السفارات. إذ أن المعلومات التي يتحصل عليها الدبلوماسي تتأثر بمدى علاقة بلاده بالبلد المعتمد فيه وكذلك المخابرات والغاية منها هو الحصول على كم هائل من المعلومات المفيدة، وقد لعبت دور كبير في عملية صنع القرار في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، فمن حيث قنوات الاتصال نجد وكالة المخابرات الأمريكية “CIA” حيث أرسلت هذه المخابرات إلى الرئيس كينيدي برقية تنص فيها على نصب الصواريخ السوفياتية على الأرض الكوبية. أما فيما يتعلق بالاتصالات الشخصية فتكون من طرف صناع القرار لكل دولة. أما من حيث السفارات فتلعب هذه الأخيرة دور كبير في نقل المعلومات.

فصانع القرار إذن لا يستطيع اتخاذ أي قرار إلا بعد حصوله على كم هائل من المعلومات المفيدة وكذلك لكي يحقق صانع القرار ما يسمى بعقلانية القرار لا بد من حصوله على معلومات دقيقة بشان قرار يعظم المكاسب ويقلل الخسائر لكي لا يقع فيما يصطلح عليه بالخطأ الإدراكي، مثال: ما عرف بالحرب السادسة الإسرائيلية على لبنان، فعدم دقة المعلومات وعدم إدراك صانع القرار الإسرائيلي لحجم القدرات

الهائلة لعناصر المقاومة أوقعه رهينة الخطأ الإدراكي، فلم يدركوا أن الحرب ستكون بهذه الدرجة وسوف تضربهم في الداخل بعدما كانت حروب إسرائيل كلها خارج حدودها.

وهنا نفهم قصد أصحاب نظرية القرار فيما يخص التحديد الدقيق للواقع من قبل صانع القرار، وذلك من خلال إدراكه أن المعلومات التي يجب أن يبحث فيها يجب أن تكون المعلومات التي يستطيع من خلالها الإجابة على كل التساؤلات التي تدور في ذهنه حول كل ما يتعلق بالموقف الذي يجب أن يتخذه، ومن ثم يستجيب بسرعة وكذلك يجعل من عملية صنع القرار عملية عقلانية، مثال: قرار روسيا بالانضمام إلى الحلف الأطلسي هو قرار عقلاني لأنه يصب في المصلحة الوطنية لها، وأيضا من خلال دراسة للمحيط الخارجي فانضمامها إلى الحلف كان مبني على إدراك ودراية تامة لأهمية الموقف وخاصة وان روسيا في مرحلة الترميم والإصلاح.

 تأثير الأزمة في عملية في صنع واتخاذ القرار

المتتبع لعملية صنع القرار السياسي يلاحظ مدى توفر عدة عوامل تحرك هذه العملية وتؤثر عليها بشكل أو بآخر، ولكن لكل متغير اثر معين لكن هناك متغيرات وقعها يكون له أهمية كبرى في عملية صنع القرار القائمة على تعظم المكاسب وتقليل الخسائر، إلا انه يتبادر إلى أذهاننا تساؤل: ماذا لو كانت هناك أزمة مفاجئة كيف يتخذ صانع القرار موقفه؟ وهنا لابد من فهم عدة معطيات للوصول إلى إجابة كافية لتأثير هذا العامل على عملية صنع واتخاذ القرار.

تختلف الأزمة عن النزاع، وتختلف أيضا عن الصراع، وهي توتر دولي طارئ لا يبلغ مرحلة الحرب المسلحة. أنها تنذر بوقوع الحرب هذا فيما يخص تعريف الأزمة الدولية. وبالتالي هي تعبر عن خلل في العلاقات الطبيعية بين الدول، وقد تكون أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو عسكرية وخلال وقت محدود، وما يميز الأزمة عدة خصائص كعنصر التهديد والمفاجأة وضيق الوقت والغموض، وكل هذه العناصر تضع صانع القرار في موقف صعب خاصة وانه أمام موقف دقيق يتسم بضيق الوقت والمفاجأة، وهنا يأتي الدور الفعال لصانع القرار، فعادة ما يقع في الخطأ الإدراكي نظرا لضيق الوقت الأوفر، فبقدر ما يقوم رجل القرار بتصفية المعلومات المفيدة بقدر ما يستطيع اتخاذ قرار عقلاني حيث يقول دمينيكان وزير خارجية أمريكي سابق «ليس هناك سياسة خارجية قوية إلا من خلال مدى حصولها على معلومات أوفر وأفيد». لذلك جاء كل من روبنسون وسنايدر بمفهوم جديد هو “مناسبة صنع القرار” والذي يشيران من خلال إلى خصائص الموقف القائم لحظة اتخاذ القرار مثل وجود أزمة أو عدم وجودها في تلك اللحظة والحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006 والتي شهدناها خير دليل على مدى تأثير الأزمة على عملية اتخاذ القرار، خاصة فيما يتعلق بعقلانية القرارات، وهنا يمكن تفسير عقلانية القرارات بالرجوع إلى نماذج اليسون حيث المتتبع لهذه النماذج يجد أن النموذج البيروقراطي هو مكمل للنموذج العقلاني لان الأول يهتم بالتغيير الداخلي والثاني بالمتغير الخارجي، وبذلك دمج النموذجين سيساعد في فهم مدى عقلانية القرارات.

ويصر عدد من الباحثين أن في العلاقات الدولية هناك جزء هام من السلوك هو سلوك عقلاني بل انه عند محاولة فهم السلوك اللاعقلاني نستخدم معايير عقلانية، وهنا سنايدر لا يأخذ بعملية العقلانية في السلوك كمسألة مسلم بها، بل انه يدرس عملية السلوك من خلال الربط بين العقلاني واللاعقلاني بمعنى أن السلوك ليس نشاطا عشوائيا، ويرى ديفيد سينغر على أن القلق والضغط والظروف المحيطة قد تجعل صانع القرار يفكر ويتخذ قرار طبقا لمقاييس غير عقلانية بمعنى أن القرارات العقلانية هي ناتج عن الأزمة المفاجئة أي أن الضغوط والوقت القصير يمكن أن تؤدي إلى اتخاذ قرار على مقاييس غير عقلانية.

وقد أشار جوزيف فرانكيل إلى أن اللاعقلانية تظهر أكثر في فترة الأزمات حيث كثيرا من الأحيان نجد صناع القرار يقعون في الخطأ الإدراكي، مثال: حينما حاولت الشيشان الاستقلال الرئيس الروسي لم يعالج الأمر بطريقة عقلانية بل لجأ إلى قرار شن حرب وحشية عام (1994-1996) وكان من نتائج قراره هزيمة القوات الروسية.

ولذلك تبقى العقلانية فكرة غير مفصول في أمرها لأنه ممكن اتخاذ قرار عقلاني واعتباره كذلك لكن يبقى ذلك مرتبط بنتائج ذلك القرار هل هي عقلانية أم لا؟ وهذا ما يحدث في العراق منذ غزوها عام 2003 إلى حد الآن، فالنتائج التي حققتها المقاومة تبين أن القرار الأمريكي قرار غير عقلاني نظرا للخسائر التي أصابت القوات.

 

Print Friendly, PDF & Email