المغرب يحتمي بإسرائيل وهو عاجز عن مواجهة الجزائر عسكريا

يرى أحمد عظيمي، الخبير العسكري والأستاذ بجامعة الجزائر، أنه لا مجال للمقارنة عسكريا بين الجزائر والمغرب، ما يجعل نظام المخزن عاجزا عن أي مواجهة من هذا النوع. ويعتقد عظيمي أن الخطورة اليوم تكمن في أن المغرب، الذي وبعد أن كان يخفي تعامله مع إسرائيل، جلب هذه الأخيرة إلى المنطقة ومنحها دور الحامي للعرش الملكي.

قررت الجزائر قطع علاقاتها مع المغرب. هل كنت تتوقع هذا القرار؟

أكيد ومنذ عدة أشهر، فقد تجاوز القصر الملكي، في تعامله مع الجزائر، كل الحدود ولم يعد يحترم حتى أبسط الأعراف الدبلوماسية بين الدول، فما بالك بين جارين شقيقين.

صحيح أن نظام المخزن يعيش، منذ استعادة الجزائر سيادتها، بعلة اسمها الجار الشرقي. هذه العقدة يعاني منها المخزن منذ وفاة الملك محمد الخامس رحمه الله، حيث تؤكد المعطيات المتوفرة عن تلك المرحلة أن الملك الحسن الثاني سعى، بعد وفاة محمد الخامس وبتشجيع من فرنسا، إلى مضاعفة تعداد الجيش المغربي تحسبا “لإمكانية استقلال الجزائر”، وهو ما وقع بالفعل.

وتكمن علة القصر المغربي من الجزائر في كون المنطقة المغاربية لا يمكنها أن تحتوي أكثر من دولة واحدة قوية ومؤثرة وقائدة، وقد منح التاريخ والجغرافيا والطبيعة، ولعل حتى الإرادة الإلهية، هذا الدور وهذا الموقع للجزائر، بينما يرى القصر الملكي أنه الأجدر “تاريخيا” بهذا الموقع.

كما تكمن علة القصر أيضا في الطبيعة المختلفة للنظامين السياسيين والمسارين المختلفين للشعبين الشقيقين: نظام جمهوري هنا وآخر ملكي هناك. شعب واقف لا يركع، حرر بلده من استعمار استيطاني بفضل ثورة شعبية عارمة هنا، وشعب آخر هناك فرضت عليه، عبر قرون من التاريخ، قيود الركوع وتأليه الملك وألغيت عنه الحماية بسبب ثورة الشعب الجزائري.

كل هذا صحيح ومعروف، لكن لا أحد كان يتصور أن تتطور الأمور بالشكل الذي سارت عليه خلال الأشهر الأخيرة، فمنذ سقوط بوتفليقة بفضل الحراك الشعبي المبارك، تجاوز العرش المغربي، في تعامله مع الجزائر، كل الحدود المتعارف عليها في العلاقات الدبلوماسية وحسن الجوار.

هل في رأيك محاولة المغرب اختلاق قضية انفصال في الأراضي الجزائرية كانت القطرة التي أفاضت كأس القطيعة بين البلدين؟

لقد ارتكب النظام الملكي المغربي عدة حماقات في حق الجزائر، منذ ما عرف بحرب الرمال إلى اليوم، لكن أخطرها الدعوة إلى ما أسماه “حق تقرير المصير لشعب القبائل الشجاع”، عندما قام الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، في جويلية الماضي، بتوزيع وثيقة على أعضاء مجموعة عدم الانحياز تتعلق بدعوة صريحة من الحكومة المغربية لتشجيع انفصال جزء من الجزائر عن الدولة الأم؛ وقد صبرت الجزائر على هذه الإهانة الموجهة لكل الشعب الجزائري، مطالبة حكومة الرباط بتوضيحات حول الوثيقة الموزعة، غير أنها قوبلت بصمت تام من هذه الأخيرة، ما يعني قبولها وموافقتها على محتوى هذه الوثيقة.

إن أي نظام سياسي يحترم بلده وشرف شعبه لا يقبل بممارسات مثل هذه، وعليه المبادرة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وغلق كل أبواب التعاون مع هذا النظام الذي يسعى علنية إلى تقسيم البلد.

لقد تصرف العرش المغربي برعونة غير محسوبة العواقب، ويعوذ ذلك، في نظري، لكونه اعتقد أن الجزائر قد لانت وأنها في طريق الاعتراف بالأمر الواقع الذي يقول إن القصر التهم الصحراء الغربية وأن الحرب انتهت بينه وبين جبهة البوليزاريو. لقد شجع صمت الجزائر وفتور حماسها للقضية الصحراوية، طوال العقدين من حكم بوتفليقة، المغرب على الاستمرار في ظلمه وتنكره لقرارات المجموعة الدولية ولالتزاماته المتعلقة بالحوار مع جبهة البوليزاريو لإيجاد حل عادل للقضية، غير أن سقوط بوتفليقة أعاد الروح للمبادئ الكبرى التي قامت عليها الدولة الجزائرية الحديثة، ومنها الوقوف إلى جانب الشعوب المكافحة وتدعيم حقها في تقرير مصيرها.

 يسعى المخزن، من خلال طرح مسألة “تقرير المصير لشعب القبائل الشجاع”، إلى ربط علاقة تشابه بين القضية الصحراوية المسجلة لدى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والكثير من الهيئات الدولية كقضية تصفية استعمار، وبين ما يسميه بشعب القبائل الشجاع الذي يقيم فوق أرضه ويملك بلدا بمساحة مليونين وأربعمائة ألف كيلومتر مربع (هي مساحة الجزائر). لقد صدر لي مؤخرا كتاب (بالاشتراك مع الأستاذ مصطفى صايج) يتناول القضية الصحراوية منذ ما قبل الاحتلال الإسباني إلى الآن، وقد اتضح من خلال هذا العمل الأكاديمي، وبالدليل القاطع ومن خلال وثائق مغربية وأخرى صادرة عن الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، أن المغرب لا يملك ذرة رمل واحدة في هذه القطعة المسماة الصحراء الغربية.

كيف تتوقع انعكاسات هذا القرار على المنطقة؟

مؤسف جدا أن تصل الأمور إلى هذا الحد، فحلم مواطني المنطقة المغاربية كلهم هو أن ترقى العلاقات بين دول المغرب الكبير إلى درجة فتح الحدود والسفر من أقصى حدود ليبيا إلى حدود المغرب وموريتانيا دون أي مانع أو حواجز جمركية. هذا حلم، وسيبقى كذلك ما دامت أمور الرعية تسير في هذه المنطقة حسب مزاج الحاكم أو مصالح قوى خارجية. هو إذن مجرد حلم، لأن الواقع غير ذلك. لقد تعودنا على مثل هذه الأزمات في العلاقات بين البلدين.

أما من حيث الربح والخسارة، فهي انعكاسات إيجابية على جهة وسلبية على الجهة الأخرى. ستكون لهذا القرار انعكاسات إيجابية على الجزائر التي هي لحد اليوم الخاسر الكبير في علاقاتها مع الجار الغربي: أطنان المخدرات، التهريب، الهجرة غير الشرعية، السياحة من جانب واحد.. وبقطع العلاقات مع استمرار غلق الحدود، فإنه يمكن السيطرة على جزء كبير من عمليات التهريب. كما تكون له انعكاسات سلبية على المخزن الذي قد يواجه انتفاضة سكان المناطق الشرقية المحاذية للجزائر الذين تعودوا على العيش من مداخيل التهريب عبر الحدود، بالإضافة إلى تبخر مداخيل أنبوب البترول المار عبر الأراضي المغربية، وكذلك توقف التجارة بين البلدين والتي هي في صالح المغرب.

نعلم جميعا، وأرقام الأمم المتحدة تؤكد ذلك، أن المغرب هو من أكبر المنتجين للمخدرات في العالم، ونعلم أيضا أن جزءا معتبرا منها يسوق إلى العالم عبر الجزائر، ولا شك أن قطع العلاقات الدبلوماسية سيرافقه تشدد في مراقبة الحدود، ما سيؤثر كثيرا على تجارة الحشيش في المغرب ومداخيلها التي يذهب جزء كبير منها للقصر.

تورط المغرب مؤخرا في التجسس على مسؤولين ومواطنين جزائريين.. ما هي دوافعه من وراء هذا التصرف في رأيك؟

لا بد أن نعترف بأن التجسس بين الدول هو أمر قائم وشبه معترف به، بحيث يعتبر سفراء الدولة هم أكبر الجواسيس الذين يعملون لصالح بلدانهم؛ غير أن الذي يحدث مع المخزن المغربي تجاوز العرف والحدود، خاصة منذ بداية الحراك، حيث يخوض هذا الأخير حرب معلومات حقيقية ضد الجزائر، مطبقا آخر أساليب الدعاية والتضليل المعروفة لدى أكبر المخابر الدولية المتخصصة في حرب المعلومات. ولعل أخطر ما قام به المخزن في هذا المضمار، هو التجسس على المكالمات الهاتفية لشخصيات سياسية ومعارضة معروفة في الجزائر باستعمال برمجيات إسرائيلية، ما يعني أن كل التسجيلات تذهب أيضا إلى إسرائيل. إنها حرب قذرة يتحالف فيها المخزن مع الصهيونية ضد الجزائر.

أما الهدف من وراء ذلك فهو الحصول على معلومات حول الجيش والأجهزة الأمنية، خاصة في محاولة لاختراق أهم مؤسسة بقيت واقفة في الجزائر خلال العقدين الماضيين. إننا نعيش في زمن أصبحت للمعلومة قيمة استراتيجية، لذلك تسعى مختلف الدول والمؤسسات الأمنية والاقتصادية للحصول على معلومات تفيدها في التخطيط لضرب مصالح القوى العدوة أو غير الصديقة.

ما هي خطورة ما أدلى به وزير الخارجية الإسرائيلي حول شعوره بالقلق من التقارب الجزائري الإيراني على الأمن القومي الجزائري؟

المعروف أن تنظيم الندوات الصحفية المشتركة بين وزيرين للخارجية يخضع لبروتوكول صارم، بحيث يتم الاتفاق على كل ما يقال وكيف يقال ومن يقوله وكذلك ما لا يقال، وكيف يتم التهرب من الأسئلة. وعليه فإن ما أدلى به وزير خارجية إسرائيل يدخل في باب المتفق عليه بين الدولتين أو الوزيرين على الأقل: الوزير الإسرائيلي والوزير المغربي، بمعنى أن موقف المغرب من الجزائر هو نفسه موقف إسرائيل. هذا من جهة، ونلاحظ من جهة أخرى أن خطاب الوزير الإسرائيلي موجه بالأساس للولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا لإقناعها بضرورة مساندة المغرب في استحواذه على الصحراء الغربية، وإلا فإن إيران هي من ستستفيد من قيام الجمهورية الصحراوية المستقلة. غريب ! إنه نفس الكلام الذي كان يدور في مرحلة الحرب الباردة باتهام الجزائر بالشيوعية وانتمائها للكتلة الشرقية.

الخطورة إذن تكمن في الموقف المغربي الذي، وبعد أن كان يخفي تعامله مع إسرائيل، جلب هذه الأخيرة إلى المنطقة ومنحها دور الحامي للعرش الملكي. كل الخطورة تكمن على هذا المستوى. أما فيما تعلق بتهديد إسرائيل للجزائر، فالموقف الصهيوني من بلدنا معروف منذ استعادة الجزائر سيادتها الوطنية، وحتى قبل ذلك.

هل يمكن أن تصل حالة التوتر بين البلدين إلى مواجهة عسكرية؟

لو كان الأمر بيد المخزن ولو كان في مقدوره إلحاق الضرر بالجزائر لما تأخر. لكن الأمر ليس كذلك. هناك معطيات كثيرة تؤخذ بعين الاعتبار عند اتخاذ قرار الدخول في حرب، منها: قوة الجيش الذي ستدخل في حرب معه وقدرات الدولة وحجمها واحتياطاتها البشرية والمادية وتحالفاتها مع القوى العالمية، ومدى تلاحم المواطنين مع قضاياهم المصيرية..

بالنسبة للجزائر والمغرب، أرى أنه لا مجال للمقارنة بينهما، فيكفي مثلا أن نسرد النقاط التالية لتوضيح استحالة تحقيق أي انتصار من طرف المغرب على الجزائر:

أولا، العمق الجغرافي للدولة، فالعاصمة الجزائرية مثلا تبعد عن الحدود المغربية بحوالي أربعمائة كيلومتر، بينما تقع أبعد نقطة في المغرب عن الحدود الجزائرية بحوالي 200 كلم، ما يعني أن العاصمة المغربية وكل المواقع العسكرية والاستراتيجية للمملكة موجودة في مرمى الصواريخ والمدفعية الجزائرية؛

ثانيا، القدرة على تحمل الضربة الأولى، فالحرب خدعة ومن يبدأ بها يكسب من خلال عنصر المفاجأة، بحيث يستطيع تدمير جزء معتبر من قوات العدو على الأرض (حرب 1967)، غير أن هذا العنصر يفقد قيمته بالنسبة للجزائر لتواجد الوحدات الأساسية لجيشها عبر مساحات شاسعة ليس من السهل الوصول إليها وتدميرها في وقت قصير؛

ثالثا، قوة الجيش وقدرته على تعويض ما يفقده من رجال في الحرب؛ فالجيش الجزائري، حسب العديد من الدراسات الأجنبية، أقوى بكثير من الجيش المغربي بتعداده ونوعية أسلحته، كما أنه يحظى بدعم شعبي كبير وله قدرات معتبرة على تعويض خسائره من الجانب البشري. من هذا الجانب، يجب التأكيد على أن حظ الجزائر في جيشها وحظ الجيش في شعبه الذي يعرف كيف يلتف بجيشه وبوطنه عند الضرورة.

ثم، وهذا معروف، ليس القصر ولا المخزن من يقرر في الأمور الاستراتيجية للمغرب. أنت تعرف أن الملك لا يعيش في المغرب إلا نادرا، هو يقيم بصفة تكاد تكون دائمة بفرنسا، وحتى الرئاسة الفرنسية منزعجة من تواجده الدائم بأراضيها وتركه لأمور الحكم وعدم التحكم فيها.

قوى خارجية هي من تتخذ القرارات الكبرى في المغرب. هناك أولا فرنسا، التي تعتبر المغرب كدولة تابعة وتحت الحماية، وهذه لن تسمح بقيام حرب بين الجارتين ليس حبا في الجزائر بل خوفا على مصالحها. فرنسا والدول الغربية الأخرى تعلم جيدا أن دخول الجزائر في حالة عدم استقرار من شأنه فتح باب جهنم عليها، إذ ستجد نفسها أمام الملايين من الأفارقة والجزائريين الذين سيقطعون البحر ويذهبون إليها. كما أن وجود عدة ملايين من الجزائريين المقيمين بالدول الأوروبية يجعل هذه الأخيرة تخشى على أمنها منهم في حالة مساعدتها للمغرب في أي حرب يعلنها على جارته.

هناك أيضا أمريكا، التي تنظر إلى المغرب، منذ أيام الحرب الباردة، كحليف استراتيجي وتعتبر الأراضي المغربية كقاعدة عسكرية مفتوحة وجاهزة لاستقبال قواتها في حالة الاحتياج إليها، وهذه لها أيضا مصالح في المنطقة (البترول خاصة)، كما تخشى من تسرب قوى عالمية أخرى (روسيا والصين) إلى المنطقة في حالة قيام حرب بين الدولتين.

أما الطرف الثالث الذي له التأثير على القرارات السياسية والعسكرية وحتى الاقتصادية في المغرب فهي إسرائيل، خاصة من خلال المستشارين اليهود في القصر الملكي الذين يتحكمون ويتابعون كل صغيرة وكبيرة في هذا البلد. إسرائيل أيضا تخشى على مصالحها من ردة فعل الجزائريين المقيمين في الخارج. يجب أن نعرف ونعترف بأن إسرائيل تسير بوسائل وآليات الدولة العصرية، وفي الدولة العصرية فإن الخبراء ومراكز البحث هم من يحضرون القرار ويوجهون السياسيين نحو أفضل الحلول. الإسرائيليون يعرفون جيدا الجزائريين ويدركون أن قيام أية حرب ضد الجزائر بمساعدة إسرائيلية من شأنه تعريض مصالح إسرائيل عبر العالم للخطر.

تهتم إسرائيل كثيرا بالجزائر كما سبق لها أن اهتمت بالعراق، وهي لا تتوقف عن السعي إلى تفتيت كل الدول العربية الكبرى إلى دويلات متقاتلة متناحرة، حتى تضمن تفوقها وسيادتها على كل المنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط بشعوبها وخيراتها؛ والجزائر موجودة ضمن هذا المخطط، لذلك فإن سعي إسرائيل كان ولا يزال يكمن في محورين، يتعلق الأول بمحاولة اختراق النظام السياسي الجزائري وخاصة الجيش والأجهزة الأمنية، ويتمثل المحور الثاني في تشجيع النعرات عبر حرب معلومات قائمة ضد الجزائر منذ عدة سنوات. وتسعى إسرائيل من خلالها إلى تأليب الجزائريين على بعضهم البعض. والمؤسف هو أن الجزائر لم تعرف لحد الآن كيف تضع استراتيجية اتصالية وطنية وتنشئ مراكز لليقظة ولتكوين مختصين في مجالات حرب المعلومات.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14307

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *