_ تمهيد:                        

شهدت العقود الأخيرة  بروز مجموعة من المداخل والنظريات الجديدة أخذت تنافس النظريات التقليدية كالواقعية والليبرالية التي وقد تعددت الاتجاهات الجديدة وأخذت دورها في ما سمي بالجدل الراهن في العلاقات الدولية.  ومن بين النظريات الجديدة النظرية البنائية التي يقدمها أتباعها على أنَّها جسر يصل النظريات الوضعية بالنظريات النقدية الجديدة أو ما بعد الوضعية. دخلت البنائية العلاقات الدولية مع أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، ولكن سرعان ما تطورت وأصبحت ركناً أساسياً من أدبيات علم العلاقات الدولية.

اعتبرت البنيات الأساسية للسياسية الدولية هي بنيات اجتماعية أكثر منها مادية “ادعاء يتعارض مع الفلسفة المادية للواقعيين” كما أن هذه البنيات تشكل هويات و اهتمامات اتباعها أكثر من كونها تشكل سلوكهم فقط، و بذلك فإن أصحاب النظرية النقدية كانوا أكثر براعة في الإشارة إلى ما تم حذفه من النظرية الواقعية.[1]

أولا_ مفهوم البنائية: (Constructivism)

        البنائية هي مقاربة مميزة للعالقات الدولية تشدد على البعد االإجتماعي أو الذاتي المشترك للسياسة العالمية. ويصر البنائيون على أن العلاقات الدولية لايمكن حصرها بأفعال وتفاعلات عقلية (ضمن قيود مادية كما يدعي بعض الواقعيين)، أو (ضمن قيود مؤسسية على المستويين الدولي والمحلي  كما يقول بعض  الليبراليون) فبالنسبة للبنائيين لا يندرج التفاعل بين الدول ضمن المصالح القومية المحددة،  ولكن يجب أن يتم إدراكه بصفته نمطاً للمقاربات يصوغ الهويات وتعمل هي على صوغه عبر الزمن.

         وتقدم البنائية الإجتماعية خلافاً عن للمقاربات النظرية الاخرى نموذجا عن  التفاعل الدولي الذي يدرس التأثير المعياري للهيكليات المؤسسية السياسية وللصلة القائمة بني المتغيرات المعيارية وهوية الدولة ومصالحها. ومع ذلك، تتم في الوقت عينه إعادة إنتاج المؤسسات بصورة مستمرة، وتغيريها عبر أنشطة الدول وغيرها من اللاعبين، فالمؤسسات واللاعبون يمثلون كيانات إشراطية متبادلة.[2]

ثانيا_ الافتراضات الأساسية للبنائية:

 يشير بول فيوتي ومارك كوبي إلى أن هناك أربعة افتراضات تنطلق منها البنائية في العلاقات  الدولية :

1_ تتخذ البنائية موقفاً مغايراً لموقف النظريات الوضعية من مفاهيم أساسية في العلاقات الدولية مثل المصلحة الوطنية، والهوية، والأمن القومي)، إذ يرفض البنائيون قبول هذه المفاهيم كما هي معطاة. كما يهتم البنائيون بالقوى الفاعلة غير الدولة، مثل المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية.  فضلاً عن ذلك يركز أتباع البنائية على العوامل المعرفية والذاتية التي تنتج عن تفاعل

هذه الوحات في علاقاتها البينية.

-2  يرى البنائيون بنية النظام الدولي على أنها بنية اجتماعية تتضمن مجموعة من القيم والقواعد والقوانين هذه البنية تؤثر في الهوية والمصلحة للفاعلين.

-3  البنائية كما يستدل من اسمها، تنظر إلى النظام الدولي بأنه عملية دائمة مستمرة من البناء الحاصل من التفاعل بين الفاعلين والبناء نفسه. فبالنسبة إلى البنائيين العالم دوماً هو قضية متجددة ليس شيئاً تم وانتهى وعلينا قبوله كما هو. وهذا – بالطبع- موقف مختلف عن موقف الواقعيين والليبراليين وحتى الراديكاليين بنظرتهم إلى البناء.

-4  قدم أتباع النظرية البنائية إسهامات جادة في الحوار والجدل الابستمولوجي والانطولوجي في العلاقات الدولية. إذ يرفض البنائيون الافتراضات الوضعية بوجود قوانين وشبه قوانين تحكم الظاهرة الاجتماعية والسياسية بعيدة عن إرادة الفاعل وقدرته في التأثير في محيطه. كما ترفض البنائية افتراضات الوضعية بإمكانية الموضوعية، أي فصل الذات عن الموضوع. نقطة الانطلاق للبنائية هي افتراضها الأساسي بأن الانسان كائن اجتماعي. بمعنى أنه لا يمكن لنا أن نكون أناساً دون علاقاتنا الاجتماعية. [3]

ثالثا_ المفاهيم الاساسية  في النظرية البنائية:

1 _ مفهوم الدولة والقوة لدى البنائيين:

         يرى البنائيون أن الدول تتصرف بهذا الشكل نتيجة العلاقات الاجتماعية وتفاعلها مع بنية النظام الدولي التي تشكل إطاراً اجتماعياً من القواعد والقيم التي تتصرف الدول من خلالها.

         إن مفهوم القوة كما يراه البنائيون ليس كما يراه الوضعيون أو بشكل خاص أتباع النظرية الواقعية.إذ يعد الواقعيون القوة جوهر العلاقات الدولية وخاصة القوة العسكرية التي تعد بنظرهم هدفا ووسيلة في تحقيق المصالح الوطنية. إن هذه النظرة المادية لمفهوم القوة جعلت الواقعيين يركزون على عوامل تسهم في مقدرة الدول مثل (الأرض، والسكان، والاقتصاد، فضلاً عن القوة العسكرية.

2_ المصلحة الوطنية في النظرية البنائية:

          إن مفهوم المصلحة الوطنية يعد من المفاهيم المركزية للواقعية إِذ ينظر إليه على أنه شيء تملكه الدول ويبنى على مر الزمن ويرتكز على بعض الأسس أهمها موقع الدولة الجغرافي، والموارد التي تحتويها الدولة، وعدد السكان، والأهداف الاستراتيجية للدولة، وعوامل أخرى.  بالنسبة إلى البنائية فالمصلحة الوطنية ليست شيئاً محدداً بشكل موضوعي، بل هي مشروع دائم التكوين ويختلف مع اختلاف الزمن والعلاقات الاجتماعية للفاعل. والبنائيون مهتمون اهتماماً كبيراً وبشكل مبسط فإن أتباع البنائية يعتقدون أن الهوية والأفكار والمصلحة مفاهيم لا يمكن الحديث عن إحداها دون الأخرى .

3_ أهمية الهوية في النظرية البنائية:

             يعد مفهوم الهوية تحديد المصلحة للفاعل لكنها مهمة أيضاً لصناعة السياسة العامة للدولة، إذ يفترض البنائيون أن الهوية تمنح أو تحدد للفاعل دوراً في العلاقات الدولية، وبذلك سيتصرف الفاعل دوماً بما يراه ملائماً لهذا الدور.

4_ الأمن والسلام لدى أتباع البنائية:

        اهتم أتباع النظرية البنائية بدراسة الأمن والسلام، وقد تركزت دراسات البنائيين على ثلاثة محاور:

-1 أشار بعض البنائيين إلى ما يسمى بثقافة الأمن لدى بعض البلدان التي تحدد الرؤية والسياسات الأمنية لتي تضعها هذه الدول فيما يتعلق بأمنها القومي.

-2 طور مجموعة من أساتذة العلاقات الدولية تحت عنوان “التجمعات الأمنية” أو الجماعات الأمنية مجموعة من الدراسات التي استمدت من دراسات كارل دويتش كثيراً من Security Communities الأفكار والمبادئ للأمن، مع احتفاظ كل منها بسيادته واستقلاله.

-3 المحور الثالث في إسهام البنائية في الدراسات الدولية المتعلقة بالأمن والسلام وتتمثل في.National Security انخراط مجموعة من البنائيين في الجدل المتعلق بمفهوم الأمن القومي فمن المعروف أن مفهوم الأمن القومي كان دوماً يركز على الجانب العسكري ولاسيما خلال الحرب الباردة الذي ارتبط ارتباطاً كبيراً بأدبيات النظرية الواقعية في العلاقات الدولية. إلا أن الاتجاهات الجديدة منذ الثمانينيات من القرن العشرين وبشكل خاص بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي برزت مجموعة من الاتجاهات التي تدعو إلى توسيع هذا المفهوم أي مفهوم الأمن القومي ليشمل جوانب عديدة فضلاً عن تيار يسمى الدراسات النقدية في الأمن التي تضم مجموعة من الكتاب من أتباع النظرية النقدية أو ما يسمى بمدرسة فرانكفورت.[4]

         وبناءا عليه فإن البنائية تعد العلاقات الدولية هي علاقات اجتماعية إنسانية بالدرجة الأولى،وتعد البنائية كما ذكرنا سابقاً جسراً أو وسطاً بين التيارات الوضعية والتيارات ما بعد الوضعية.

 المقاربة النسوية

          تمكنت المقاربة النسوية في نهاية القرن العشرين من احتلال مكانة متميزة ضمن المقاربات النظرية البديلة في العلاقات الدولية، إذ راهنت على تحرير عملية التنظير في الحقل مما يعرف بهيمنة أو سطوة المركزية الذكورية للإتجاه السائد ، وذلك بتقويض الأسس الفلسفية ، الإبستمولوجية والمنهجية التي قام عليها من جهة، وإعادة هيكلة نظرية العلاقات الدولية والعملية التنظيرية ككل بالاستناد إلى مفهوم “الجندر” من جهة أخرى.             

        من خلال هذا الدرس سنحاول تسليط الضوء على هذه النظرية المتميزة في حقل للعلاقات الدولية، وذلك من خلال تناول العناصر التالية:

1_  تمهيد.

2_ مفهوم النظرية النسوية.

3_ نشأة النظرية النسوية

4_ تنوع المقاربات النظرية للنسوية.

-5 انتقادات النظرية النسوية.

 اولا_ مفهوم النظرية النسوية:   

          يستند التعريف العام للنسوية الى الاعتقاد بان المرأة لا تعامل على قدم المساواة لأي سبب سوى كونها امرأة في المجتمع  الذي  ينظم شئونه ويحدد اولوياته حسب الرجل و اهتماماته، وتعتبر النسوية حركة متعدد الجوانب من الناحية الثقافية والتاريخية.

         وقد حظيت اهدافها بتأييد من شتى انحاء العالم. يتضمن التعريف البسيط للنسوية دراسة النساء والحركة النسائية ليس بوصفها  موضوعا من موضوعات المعرفة ولكن بوصفها ذات قدرة على المعرفة. كما  يعرفها معجم أوكسفورد على أنها: الاعتراف بان للمرأة حقوق وفرص مساوية للرجل، أما معجم ويبستر فيعرفها على انها النظرية التي تنادي بالمساواة  بين الجنسين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وتسعى كحركة سياسية الى تحقيق حقوق المرأة واهتماماتها وعلى ازالة التمييز الجنسي الذي تعاني منه المرأة.[5]

ثانيا_ نشأة النظرية النسوية:

         بدا نشاط المساواة بين الجنسين كحركة منظمة في النصف  الاخير من القرن التاسع عشر وركزت موجته الاولى على تساوي حقوق الملكية للنساء وحق معارضة النساء المتزوجات لأزواجهن.

         ومع نهاية القرن 19 تنقل نشاط النظرية الى كسب السلطة السياسية خصوصا ادراج النساء في التصويت الذي لم يتحقق الا سنة 1918/1928. اين كسبت النساء اخيرا حق التصويت في بريطانيا والولايات المتحدة.

          _ الموجة الثانية بدأت اوائل الستينات ودامت الى اواخر الثمانينات اين توسع نقد النسوية للرأسمالية غير العادلة والمتحيزة في الولايات المتحدة . وذلك اثناء المطالبة بالحقوق المدنية وبروز حركات نسائية ضد حرب الفيتنام .

          _أما الموجة الثالثة فقد ظهرت في بداية القرن العشرين ارتباطا بظهور المابعد بنيوة وافكار ما بعد الحداثة وتتميز الموجة الثالثة بالرغبة في معالجة الخلل الاقتصادي والعنصري الى جانب قضايا المرأة . [6]

ثالثا_ تنوع المقاربات النظرية للنسوية

            يقول مارتن غريفيثس أن المفاهيم النسوية مثلت في نهاية القرن العشرين حقلا من الأبحاث في دراسات العلاقات الدولية اتسم بالغنى والتعقيد والتناقض في كثير من الأحيان، ولذا فهي لا تقدم رؤية واحدة منسجمة حول العالم، بل هي متعددة الأبعا د، ورغم الإقرار بتنوع المفاهيم والمقاربات المشكلة للفكر النسوي، إلا أنه لا يوجد اتفاق حول تصنيفها أو عددها أو حتى تسمياتها، فهناك من يرى وجود نسوية ليبرالية، وأخرى جذرية، وأخرى ماركسية، وما بعد ماركسية، وما بعد حداثية ، … إلخ، وهناك من صنفها إلى نسوية ماركسية، ونسوية ليبرالية، واشتراكية، وراديكالية.[7]

        سنعتمد هذا التصنيف في تفصيل ما تضمنته كل مقاربة من المقاربات النسوية المختلفة، لأنه الأشمل ولأنه يجمع تقاطعات التصنيفات السابقة.

3-1 النسوية الليبرالية : Liberal Feminism

مثلت أولى الإسهامات النظرية النسوية في حقل العلاقات الدولية، ظهرت في الثمانينيات من القرن العشرين، وتعرف كذلك بالنسوية التجريبية. هي محاولة من جانب النسويين الليبراليين للمطالبة بصوت النساء المخفي حينما طرحن وبشكل قوي السؤال: أين هي مكانة النساء في السياسة العالمية؟ 30 وكذا عرض الأدوار المختلفة التي لعبنها في النشاط الإقتصادي للقوى الإقتصادية في العالم وفي التفاعلات بين الدول بصفة عامة، إنها ببساطة تٌعنى بإبراز دور النساء وإثبات قدراتهن وأهميتهن في مجالات متعددة.

32 النسوية الماركسية/الاشتراكية Marxist/Socialist Femenism  

      وهي المنافس المباشر للإتجاه السابق، تركز على الدور الكبير والحاسم الذي تلعبه القوى المادية، خاصة الإقتصادية منها في تحديد شكل حياة النساء، هذه المقاربة تأخذ أحيانا مسمى النسوية المادية.

3_3 وجهة النظر النسوية:

        ينطلق أصحاب هذا الإتجاه من محاولة تفكيك النصوص الأساسية المحددة في دراسة العلاقات الدولية، وكشف الإنحيازات الجندرية الموجودة في مجموع النقاشات التي سادت في الحقل منذ قيامه في  1919 ويجادلون بأن خبرة النساء على هامش الحياة السياسية تمكنهن من إنشاء منظورات خاصة بهن حول المسائل الإجتماعية، والتي تقدم استبصارات مهمة لفهم السياسة العالمية إذ يدعون إلى بناء المعرفة بالإرتكاز على الظروف المادية لتجارب النساء التي تعطي صورة أكثر اكتمالا عن العالم.

4_3 النسوية ما بعد الحداثية  Post-Modern Femenism       

يقول عنها روبرت كيوهين أنها مصطلح من الصعب تعريفه، كما أنها تغطي مجالا واسعا من الإتجاهات المنضوية تحتها، لكن بالنسبة لسيلفستر و هاردينغ فإن جوهرها مشترك، ويدعوا إلى مقاومة مفهوم أو تصور “الرواية الصحيحة الوحيد ة” أو “المنظور العالمي” مثل الذي يقدمه الرجل الأبيض .

5_3 النسوية ما بعد الكولونيالية:  Post-Colonial Femenism

      يشتغل النسويون ما بعد الكولونياليين على التقاطع بين مفاهيم الطبقة، الجنس، والجندر على مستوى السياسة العالمية، وخصوصا تأثير الأحداث العبر وطنية والتقسيم غير المتساوي للعمل في الإقتصاد السياسي العالمي.

رابعا_ انتقادات الفكر النسوي:

من بين الإنتقادات التي وجهت للمقاربات النسوية أن ما يفرقهم أكثر مما يجمعهم، أي عدم قدرة النسويين على تقديم تصور منسجم وموحد حول العلاقات الدولية أنطولوجيا، ابستمولوجيا، ومنهجيا،فلا هم يقدمون توصيفا محددا لواقع وطبيعة العلاقات الدولية وفواعلها وسير العمليات فيها، ونستطيع هنا الأخذ بمثال الإختلاف بين النسويين الليبراليين والنسويين الإشتراكيين، ولا هم يتفقون ابستمولوجيا ومنهجيا حينما نرى أن النسوية التجريبية تتبنى الوضعية كإطار فلسفي ومنهجي للبحث، في مقابل تبني النسويين الما بعد حداثيين لما بعد الوضعية إطارا فلسفيا ومنهجيا للبحث. إذن أولى المشكلات التي يعانيها التيار النسوي هو هذا التمزق الفكري.[8]

         وفي الأخير يمكن القول أنه يصدق على المقاربات النسوية النقد الموجه للمقاربات النقدية ككل بأن ما يجمعهم يتمثل فقط في رفض الإتجاه السائد في العلاقات الدولية.


[1] _ مي حسين عبد المنصف النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، الحوار المتمدن، على الرابط:

 faculty.kfupm.edu.sa/IAS/alosail/Lectures/lectures.

[2]_ مارتن غريفيثس تيري أوكلاهان، المفاهيم الاساسية في العلاقات الدولية (دبي : مركز الخليج للابحاث،2008) ص 108 .

[3]  _ خالد المصري، النظرية البنائية في العلاقات الدولية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية : المجلد، 30. العدد الثاني  2014. ص 318.

[4] _ المرجع نفسه. ص 319.

[5]_  بحري دلال،” النظرية النسوية في التنمية،” مجلة المفكر: ع، 15، جامعة باتنة. ص 70،71.

[6]_ بحري دلال ، مرجع سابق، ص. 72.

[7]_ عديلة محمد الطاهر، المقاربة النسوية للعلاقات الدولية، مجلة المفكر: ع، 13. ص.453_455.

[8]_ المرجع نفسه،  ص.459_ 463.