المكاسب الجيوسياسية للاستقرار السياسي والأمني – رواندا نموذجاً

شهدت رواندا عقب احداث الإبادة الجماعية عام ١٩٩٤ وبعد وصول الرئيس بول كاغامي إلى سدة السلطة في عام ٢٠٠٠، طفرة اقتصادية جبارة ونمو بمعدلات عالي حتى العام ٢٠١٨، ونتج عن ذلك استقرارا سياسياً جعلها من أسرع الاقتصادات الافريقية من حيث النمو والأكثر أماناً واستقراراً.

هذا الاستقرار السياسي والأمني وضع رواندا على الخارطة العالمية وجذب لها الدعم والمنح والاستثمارات الدولية، وجعلها معلماً رائداً في محيط مضطرب (منطقة البحيرات العظمى)، مما اتاح لها لعب أدوار تقدمية على المستوى الإقليمي والقاري.

تمكنت رواندا بعد الانضمام إلى مجموعة شرق افريقيا في العام ٢٠٠٧، من تحقيق الكثير من أهدافها الاستراتيجية الرامية لتعزيز التنمية الاقتصادية عبر زيادة القدرة التنافسية وتقليل تكاليف النقل وتحسين بيئة الأعمال وزيادة تبادل المهارات داخل مجتمع شرق أفريقيا وزيادة التركيز على الخدمات، والاندماج بصورة فعالة في الاقتصاد الإقليمي، الذي أتاح للدولة الحبيسة الاستفادة من موانئ دول المجموعة (تنزانيا وكينيا) في حركة صادراتها ووارداتها.

كذلك فرضت نفسها كلاعب إقليمي قوي منافساً لكينيا وأوغندا من حيث التنظيم والقدرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية ولفت انظار العالم اليها، مما انعكس على سياساتها الخارجية تجاه الإقليم والقارة، كما خلق لها العديد من التحالفات الإقليمية والدولية وفي الوقت نفسه الكثير من العداوات مع الجوار المنافس.

على مستوى القارة الافريقية أصبح رئيس رواندا السيد بول كاغامي نجم افريقيا على مستوى الإصلاح والحكم الرشيد، حيث أولى الاتحاد الافريقي للرئيس كاغامي قيادة عملية الإصلاح المؤسسي للاتحاد الأفريقي لمراجعة وتقديم مقترحات لنظام حوكمة للاتحاد الأفريقي، لمواجهة التحديات التي تواجه القارة بهدف تنفيذ البرامج التي لها أكبر تأثير على أفريقيا.

في السياق ذاته أضحى الرئيس بول كاغامي الأعلى صوتاً بين قادة الدول الافريقية في قضية توفير اللقاحات اللازمة لمكافحة جائحة كوفيد-19، وهو من أكثر المناديين على المستوى الدولي لضرورة التوزيع العادل للقاحات وضمان حصص افريقيا منها، حيث يتمتع الرئيس كاغامي بترأس عددا من المنتديات العالمية التي تمنحه الفرصة للدفع بأجندات القارة والدفاع عن حقوق شعوبها، كما يرأس الرئيس كاغامي حالياً لجنة توجيه رؤساء الدول والحكومات التابعة لوكالة تنمية الاتحاد الأفريقي المختصر بـ ” AUDA-NEPAD”.

(Read more)  رواندا بين الحرب الأهلية و التحول الديمقراطي

لم يتوقف دور رواندا كلاعب إقليمي مهم على شخصية الرئيس الكاريزماتية، بل تعدتها للعب أدوار أكبر من حجمها الجغرافي والجيوسياسي، حيث تساهم في العديد من بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام داخل القارة الافريقية وخارجها، كما تمكنت من تعزيز الاستقرار في افريقيا الوسطى عبر ارسالها لثلاثة كتائب عسكرية شديدة التنظيم لدعم الحكومة هنالك.

واليوم رواندا تنخرط بقوة في تنفيذ خارطة الطريقة التي وضعها الاتحاد الافريقي لإسكات البنادق في إفريقيا، ولعب دور قيادي في إحلال الاستقرار والأمن في الدول الافريقية المضطربة عبر نشر قوات ضمن بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام أو عبر اتفاقيات أمنية وعسكرية ثنائية، كما هو الحال مع جمهورية موزنبيق.

علاوة على ذلك استطاعت رواندا بناء جيش عالي التنظيم والمهارة لاسيما القوات البرية منها، مستفيدة من الحروب التي خاضتها في مطلع التسعينات وحربي الكونغو ما بين عامي 1996 و2003.

ختاماً، تحظي رواندا الآن بمكانة مميزة وسط دول شرق إفريقا خاصة ودول القارة عامةً بعد التقدم الذي حققته بفضل سياساتها الخارجية المبنية على تعزيز الأمن القومي والنمو التنموي، بهدف تقليل الاعتماد الدائم على القوى الدولية، لتتمكن الدولة من صناعة سياسة خارجية وفق رؤاها التي تتوافق مع اجنداتها الوطنية.

4.5/5 - (4 أصوات)
الصورة الافتراضية
SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

المقالات: 12693

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.