نشرت هذه الدراسة بمجلة لباب الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، العدد الثالث عشر، فبراير/شباط 2022، عبر الرابط التالي https://studies.aljazeera.net/ar/magazines/book-1450

منذ بدء الحرب في أوكرانيا شهدت إيران نقاشات أخذت مسارات مختلفة في تفسيرها لأسباب الحرب وإسقاطاتها علی المصلحة الإيرانية في جوانبها الإقليمية والنووية. تسلِّط هذه الورقة الضوء علی المواقف الإيرانية من الحرب في جانبيها، الرسمي والنخبوي، وتبحث في إثرها عن الرابط المنسوج -بشكل حقيقي أو ذهني- مع إيران، كما يراه الإيرانيون، مجيبةً في النهاية بناء علی تنوع الرؤی عن الفرص والتحديات النابعة من تلك الحرب.

أنزل اجتياح القوات الروسية الحدود الأوكرانية، ولأول مرة منذ أشهر، ملف إيران النووي ومفاوضات فيينا من صدارة الأخبار الدولية وحَدَّ بشكل ملحوظ من التركيز الداخلي علی ذلك الملف. هي أزمة تعصف بأوروبا إلا أنها تضخ بإسقاطاتها علی إيران علی صُعُد مختلفة وبمستويات متفاوتة. فالأطراف الرئيسية الجالسة علی طاولة فيينا والمشغولة بالتفاوض حول النووي الإيراني هي ذاتها الأطراف المتحاربة في أوكرانيا. كما أن ذات الأطراف ترتبط بعلاقات شدٍّ وجذب في منطقة الشرق الأوسط -علاقات تعني إيران وأمنها القومي بشكل مباشر. ولذلك، ومنذ بدء الحرب شهدت إيران نقاشات مستمرة أخذت مسارات مختلفة في تفسيرها لأسباب الحرب وإسقاطاتها علی المصلحة الإيرانية في جوانبها الإقليمية والنووية. لذلك يجب الوقوف علی محاور تلك النقاشات لتكوين فكرة عن إسقاطات الحرب علی مصلحة وأمن إيران القوميين كما يراها الإيرانيون. نحاول في هذه الورقة تسليط الضوء علی المواقف من الحرب في جانبيها، الرسمي والنخبوي، ونبحث علی إثرها عن الرابط المنسوج -بشكل حقيقي أو ذهني- مع إيران كما يراها الإيرانيون، مجيبين في النهاية، بناء علی تنوع الرؤى، عن الفرص والتحديات النابعة من تلك الحرب.

محاور الموقف الإيراني وأسبابه

أتی الموقف الإيراني الرسمي في منطقة بين معارضي روسيا ومناصريها في حربها علی أوكرانيا؛ فقد كان التفهم الإيراني لمخاوف روسيا من تمدد حلف الناتو عنوانًا رئيسيًّا تخلَّلته تفاصيل أخرى. فقد غرَّد وزير الخارجية الإيراني، أمير عبد اللهيان، مثلًا ملقيًا اللوم علی الدول الغربية وحلف شمال الأطلسي “لإجراءاتهم الاستفزازية” موضحًا في الوقت ذاته أن “الحرب ليست حلًّا” وأنه يجب التركيز علی الحلول السلمية والديمقراطية(1). وكان الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، قد أعلن تفهمه لقلق روسيا الأمني “نتيجة إجراءات الولايات المتحدة وحلف الناتو المزعزِعة للاستقرار” في مهاتفة للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين(2). وكان المرشد الإيراني أكثر وضوحًا في طرحه الرؤية الرسمية لإيران بإلقائه اللوم علی الولايات المتحدة مباشرة بالقول: إن سياسة واشنطن هي التي أوصلت أوكرانيا للوضع الحالي وذلك عبر “التدخل في شؤونها الداخلية، وتأليب الشارع ضد حكوماتها، والقيام بحركات مخملية وانقلابات ملونة، وحضور نواب مجلس الشيوخ الأميركي في مظاهرات المعارضة، والذهاب بتلك الحكومة والإتيان بهذه الحكومة”، وغيرها(3). وإلی جانب ذلك، فقد أعرب عن معارضة إيران الحرب في أي مكان في العالم كموقف مبدئي.

2

آية الله خامنئي: “نظام المافيا” الأمريكي خلق أزمة أوكرانيا (الأناضول- مكتب المرشد الإيراني)

عند التمعن، يمكن رؤية ثلاثة أبعاد تتخلَّل تلك المواقف العامة. ويأتي عدم إدانة روسيا لشنِّها الحرب أولًا. ويمكن تحليل ذلك بالتركيز علی سببين: توخي إيران الحذر في علاقتها بالقوى الحاضرة علی طاولة فيينا وتلك القريبة من موقف طهران بشكل خاص، أولًا، والنأي بالعلاقات الثنائية عن الأزمة الأوكرانية خاصة في ظل استمرار العقوبات الأميركية علی إيران، ثانيًا.

أما البُعد الثاني في الموقف الإيراني فيتمثل بإدانة الدول الغربية وتمدد حلف الناتو كسبب رئيسي للحرب الأوكرانية. وإذ يمكن وصل هذا الموقف بالعداء المستمر بين طهران وواشنطن، إلا أن وقوف طهران إلی جانب القوى الصاعدة ومناصرتها لتلك القوى؛ وذلك لموازنة القوة المسيطرة (واشنطن) في المرحلة الانتقالية للنظام العالمي، سياسة لا تُخطئها العين فيما يخص الموقف من الحرب الأوكرانية وفي ملفات أخرى.

ويرتبط البُعد الثالث بعدم دعم روسيا وهو ما ظهر في تصريحات مسؤولي إيران كما في امتناعها عن دعم روسيا أمام قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المندِّد بالحرب علی أوكرانيا. فعلی الرغم من إدانتها الغرب لإثارة الأزمة عبر تمدد حلف الناتو وتفهمها لمخاوف روسيا الأمنية، لا يمكن لطهران تأييد انتهاك سيادة دولة مستقلة لوطأته الثقيلة علی الذاكرة الجماعية للإيرانيين، من جهة، ولمخاطر شرعنة هذا الانتهاك عليها وعلی محيطها، من جهة أخری.

ويمكن القول بأن الموقف الإيراني يعكس اهتمامات البلاد الدولية في المرحلة الحالية وهو ما يعكس مصالحها وأمنها القوميين. فالحياد حري بإبعاد إيران عن الولوج في مشادات غربية-روسية هي في غنی عنها. ورغم أنه يأتي غير ملائم مع قولها بضرورة احترام سيادة الدول المستقلة، إلا أنه لا يعني بالضرورة تأييدًا للحرب والطرف البادئ بها، أي روسيا. فتغليب المصلحة الوطنية يعني بالنسبة لطهران موازنة السياسة الأميركية المعادية عبر إقامة علاقات استراتيجية مع الأقطاب الصاعدة في النظام الدولي دون الانجرار خلف سياساتها، وجرى التذكير بذلك ردًّا علی اشتراطات موسكو الجديدة لتوقيع الاتفاق النووي(4). فذلك يدخل في خانة الأحلاف الاستراتيجية وغني عن القول: إن العلاقة الإيرانية-الروسية لم تصل لهذا المستوى.

محاور النقاشات الإيرانية

بينما يأتي الموقف الرسمي من الحرب منسجمًا مع علاقات طهران بالقوى الكبرى، تختلف الرؤى النخبوية في الداخل الإيراني حول الحرب وأثرها علی إيران ومصالحها. ويمكن تقسيم تلك الرؤى إلی عنوانين عريضين يضمان منتقدي السياسة الروسية -والموقف الإيراني من الحرب من جهة والمتمسكين بالحسابات الجيوسياسية المعقلنين سياسة طهران الرسمية تجاه الحرب- الذين نضعهم هنا تحت اسم الجيوسياسيين للاختصار.

يرى منتقدو السياسة الإيرانية أنه من الضروري لدولة كإيران مبدئيًّا، وذلك بناء علی استقلالها المرسوم في شعار “لا شرقية ولا غربية” ونظرًا لتاريخها الحديث -واحتلالها وانتهاك سيادتها وحيادها في الحربين العالميتين- أن تكون سبَّاقة في إدانة الحرب علی أوكرانيا باعتبارها انتهاكًا لسيادة دولة مستقلة. يرد الطرف الآخر بتأييد انتهاك الحرب لسيادة أوكرانيا لكن برفض اعتبار روسيا سبَّاقة في التطورات المنتهية للحرب؛ إذ من وجهة نظر هؤلاء، فقد وضع انقلاب 2014 وتمدد حلف الناتو روسيا أمام واقعين: القبول بمجاورة الناتو أو منع أوكرانيا من الانضمام له. لذلك، وفي ظل الانقسام القائم حول الحرب فإن أية إدانة تعني الوقوف في معسكر معاد لروسيا -ولإيران في ملفات عدة- وهو موقف يخرج من الإطار العام للمصلحة الوطنية.

ويرد المنتقدون بأن الوقوف في خانة روسيا أيضًا قد يضع إيران أمام عواصف مستقبلية ويتلقون الإجابة بأن إيران محايدة ولم تقف لجانب روسيا إذ نأت بنفسها في خطابها وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة. وترى المجموعة الجيوسياسية أن الحرب القائمة ذات أبعاد عابرة لمنطقتها الجغرافية في شرق أوروبا وقد تؤثر علی محيط إيران الجغرافي خاصة في الشرق الأوسط عبر انتقال إسقاطات التنافس علی مستوى النظام الدولي إليها. لذلك، يركز هؤلاء علی ضرورة عدم مجابهة روسيا -الطرف الأكثر قربًا بمواقفه من سياسة إيران-. كما تزداد أهمية روسيا في ظل علاقة العداء بين إيران والولايات المتحدة.

هذا، بينما يعوِّل المنتقدون علی انفراجة في الملف النووي تنهي عداء واشنطن تجاه إيران -ولو إلی حين- ويرون في السياسة الإيرانية تجاه الحرب الأوكرانية سببًا آخر لاستمرار الدول الغربية في معاداة إيران. وإذ يركز هؤلاء علی الاحتمالات المستقبلية في رؤيتهم تلك، يرد الجيوسياسيون بأن الواقع الحالي يفرض ضرورة عدم استعداء روسيا لأنها أحد الأطراف الداعمة لإيران في المفاوضات النووية -وتأتي بثقلها إلی جانب الصين لتوازن الضغوط الغربية- كما أن بمقدورها عرقلة المفاوضات إن هي أرادت.

وفي ذات السياق، يرىى المنتقدون أن الميل نحو موسكو يمكن أن يأتي علی فرص العودة للاتفاق النووي، ويقولون بناء عليه بضرورة اتخاذ إيران موقفًا أكثر توازنًا بين موسكو وواشنطن للحد من إسقاطات المواجهة الأوكرانية علی المفاوضات النووية. هذا، بينما يرد عليهم الفريق الآخر بأن الأطراف الغربية معادية لإيران بكل الأحوال ولن يغيِّر الموقف الإيراني من الحرب سياستها التفاوضية في فيينا. لذلك، وبدل التركيز علی إرضاء أطراف معادية، وجب عدم إثارة مشاكل في العلاقة مع الأطراف القريبة من الموقف الإيراني.

2

طهران شهدت تظاهرات مؤيدة لأوكرانيا (الأناضول)

بشكل عام، يمكن إعادة تقسيم الفريقين إلی فريق متفائل يرى الموقف الإيراني موقفًا لابد منه تدفعه حقائق اللحظة الراهنة في السياق الدولي من جهة وفريق متشائم يرى في السياسة المتَّخَذة حاليًّا مساوئ قد تأتي علی مصالح إيران في المفاوضات النووية وكذلك علی مستوى الإقليم. يتلقف هؤلاء المتشائمون/المنتقدون أية فرصة للتذكير “بمطامع روسيا التاريخية” و”تصيدها الفرص ضد إيران” و”تركيزها علی مصالحها فقط” التي قد تأتي علی مصالح إيران وأنها في النهاية قوة دولية تبحث عن فرض الهيمنة والسطة. يرد الفريق المتفائل بأن البحث عن المصلحة وتصيد الفرص لبسط النفوذ إنما هو جزء من حسابات كل القوى العالمية وليست حكرًا علی روسيا. كما يشيرُ هولاء إلی تطورات النظام العالمي ووضع إيران الإقليمي والدولي قائلين بأن مرحلة الضعف الإيراني التي استخدمتها القوى الكبرى انتهت وأن النظام متعدد الأقطاب الصاعد سوف لن يترك مجالًا لأية قوة دولية للاستفراد بقوة إقليمية كإيران، وهي الدولة التي تركز في سياستها الدولية علی الموازنة بين القوى الكبرى بغية زيادة حيز المناورة لديها. وبين الفريقين تبقی الأسئلة عالقة حول الفرص والتحديات التي تأتي بها الحرب الأوكرانية علی إيران علی المستويات الإقليمية والدولية وعلی مفاوضاتها النووية.

الفرص والتحديات

زادت الحرب الأوكرانية الطين بلَّة بالنسبة لإيران المنهمكة في حياكة “اتفاق جيد” في فيينا. فهي لا تريد تعقيد علاقاتها بموسكو عبر أوكرانيا من جهة وتنظر إلی الحرب باعتبارها انتهاكًا لسيادة دولة مستقلة من جهة أخرى. وحتی لو نأت طهران بنفسها عن مساوئ الحرب المباشرة، فمن المرجح أن تصيبها شظايا الاصطفافات الدولية حول أوكرانيا عبر الاتفاق النووي علی أقل تقدير. وتطرح نقاشات الدوائر الاستراتيجية في إيران مجموعة من الفرص والتحديات تَمْثُل أمام إيران جرَّاء الحرب الأوكرانية. وكما هي الحال في النقاشات سالفة الذكر، تختلف الرؤى حول مخرجات الحرب علی المصالح والأمن القومي الإيرانيين.

تمحور حديث الفرص المنبثقة من الحرب حول ثلاث نقاط وتحليلات رئيسية. فالنقطة الأولی ارتبطت بواقع فرض الدول الغربية عقوبات جمَّة علی الاقتصاد الروسي؛ ما يضعها في نفس خانة الاقتصاد الإيراني المعاقَب بشكل واسع. ومن شأن ذلك تنشيط التجارة الإيرانية-الروسية بعيدًا عن هيمنة الدولار، وهي تجارة وصلت في العام الماضي إلی أربعة مليارات دولار. ويشير البعض إلی الفرص التي تأتي بها آليات مالية بديلة بين إيران وروسيا قد تشمل دولًا أخرى مستقبلًا وقد تشكِّل كتلة مالية مهمة أمام الدول الغربية خاصة إن انضمت لها الصين وإن بجزء من قدراتها المالية.

ثانيًا: مع تقليص أو قطع صادرات الطاقة الروسية إلی الدول الغربية -وهو أمر لم تتضح معالمه حتی الآن- تطمح طهران لسدِّ جزء من الفراغ في الأسواق العالمية(5). وإذ يتوقع الإيرانيون إلغاء العقوبات المفروضة علی صادراتهم من النفط والغاز، يركز المشككون بهذه الأطروحة علی واقع أن كلفة نقل الطاقة شرق الأوسطية والأميركية الباهظة إلی أوروبا ستؤدي إلی عودة أوروبا إلی الطاقة الروسية كما كانت قبل الحرب. كما يرى البعض أن لروسيا أدوات مهمة تمكِّنها من منع هذا التطور في سوق الطاقة وأنها ستمنع انتقال الأوروبيين إلی مصادر أخرى لاستيراد الطاقة. لكن وبشكل عام، يمكن توقع تصدير إيران كميات من الغاز والنفط إلی دول أوروبية كما كانت تفعل قبل إعادة فرض العقوبات الأميركية منذ 2018. بالإضافة لذلك، فإن الحرب بحد ذاتها قد أدت إلی ارتفاع اسعار الطاقة العالمية وهو ما يأتي لإيران بأرباح مهمة(6).

ثالثًا: وفي إطار أوسع، يرى بعض استراتيجيي إيران في الاصطفافات الدولية حول الحرب الأوكرانية مبعثًا لتسريع وتيرة الانتقال علی مستوى النظام الدولي وظهور نظام متعدد الأقطاب. وكدولة مأزومة العلاقة بالقوة المهيمنة علی النظام، ترى طهران في العودة لنظام تعدد الأقطاب مكسبًا استراتيجيًّا يرفع من قيمتها كقوة إقليمية، من جهة، ويضاعف حيز المناورة لديها بين القوى الدولية، من جهة أخری. وإذ يتفق السواد الأعظم من النخب الإيرانية علی تلك الأطروحة، إلا أن ثمة من يشكِّك في اعتبار روسيا قوة دولية. ويرى هؤلاء أن النظام الدولي الصاعد سيكون ثنائي الأقطاب تديره وتتنافس فيه كل من الولايات المتحدة والصين. والواضح أن هذه الملاحظة لا تأتي متعارضة مع تسريع الاصطفافات الدولية عملية الانتقال في النظام الدولي.

وتأتي التحديات بثقلها لتقلص مستوى التفائل لدى المركِّزين علی الفرص.

أولًا قد تغيِّر روسيا نهجها الداعم لإعادة العمل بالاتفاق النووي في مفاوضات فيينا، محاولةً استخدام المفاوضات النووية كورقة ضغط أمام الدول الغربية في المواجهة الأوكرانية والعقوبات المفروضة عليها. والواضح أن بمقدور روسيا وضع عراقيل في مسار فيينا، إن هي أرادت فعل ذلك، كإطالة أمد المفاوضات حتی انسحاب الأطراف الغربية لعدم جدوى التفاوض مثلًا. فهاهو وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يشترط(7) ضمان الولايات المتحدة عدم تأثير العقوبات المفروضة حديثًا علی روسيا سلبيًّا علی إلغاء العقوبات الإيرانية -أي ألا تتأثر تجارتها مع إيران نتيجة العقوبات الجديدة- كشرط لنجاح المفاوضات في فيينا.

وينظر الكثير من الإيرانيين بتوجس لهذا الشرط الذي يُبدي تغيرًا في نظرة موسكو تجاه المفاوضات النووية. وكانت طهران قد طالبت موسكو بتقديم إيضاحات حول هذا التصريح(8) -وهو ما لم يُقدَّم حتی كتابة هذه الورقة-. وبينما رأى البعض أن المطلب الروسي يخدم المصلحة الإيرانية في العلاقة مع موسكو أيضًا، إلا أن ثمة انزعاجًا إيرانيًّا كبيرًا من الشرط الروسي إلی حدِّ اعتبار البعض أن روسيا تحتجز الملف النووي كرهينة لأهدافها الخاصة(9). فهل يمكن أن تضحي روسيا بعلاقاتها مع إيران للضغط علی الدول الغربية أم إنها بحاجة إلی توسيع دائرة الدول الصديقة أمام الواقع المستجد من عقوبات وعزلة اقتصادية محتملة مستقبلًا. يتذكر الإيرانيون أن توقيع الاتفاق النووي لعام 2014 لم يأت إلا بعد انتهاء الأزمة الأوكرانية عام 2014. فهل سيبقی إحياء الاتفاق أيضًا رهن انتهاء روسيا من حربها في أوكرانيا؟ وماذا ستفعل روسيا إن لم تقبل واشنطن باشتراطاتها؟ يزداد التخوف في إيران بعد وصول أنباء -غير مؤكدة- عن طرح الصين شرطًا مماثلًا أمام الولايات المتحدة(10).

وثانيًا: تأتي الحرب الأوكرانية علی حلفاء الولايات المتحدة من الدول العربية ببواعث جديدة للقلق إثر مشاهدتها تردد واشنطن في مناصرة أوكرانيا أمام الاجتياح الروسي. فقد أدى حديث الانسحاب الأميركي من المنطقة سابقًا -وهو ما تكلَّل بالانسحاب من أفغانستان- إلی ارتفاع منسوب القلق وهو ما دفع بعض الدول العربية إلی البحث عن بدائل للولايات المتحدة لابتياع الأمن -وهو ما رشَّح إسرائیل لدی بعضها-. فالحرب الأوكرانية يمكن أن يكون لها مفعول مشابه للانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط من حيث دفع العرب للاحتماء بالمظلة الأمنية الإسرائيلية، وإن كان مبنيًّا علی حسابات خاطئة تضخِّم من مقدرة تل أبيب الأمنية والعسكرية ولا تأخذ بالحسبان إسقاطات المواجهات الإسرائيلية-الإيرانية عليها مستقبلًا. فباتضاح ضعف الالتزام الأميركي بأوكرانيا -وبصديقاتها العربيات بالتالي- وجب لبديل أن يحل محلها. أما نتائج ذلك مستقبلًا فيبدو أنه متروك للمستقبل لحله.

وثالثًا: فمن شأن الحرب الأوكرانية إدخال إيران في متاهات ضرورة الاختيار بين هذا وذاك إن طال أمد الأزمة، وهو ما تسعی طهران جاهدة للنأي بنفسها عنه حتی الآن. فازدياد شدة المواجهة وتوسعها سيؤدي بالضرورة إلی تحديد خطوط طرفيها إقليميًّا ودوليًّا وينهي إمكانية ترف الوقوف في خانة الحياد. بذلك، ومن المرجح حسب الخطاب الإيراني الذي تبنَّاه كل من المرشد الأعلی ورئيس الجمهورية أن تُعقِّد إطالة أمد الحرب العلاقة الإيرانية بالطرف الأوكراني وداعميه الغربيين أكثر من ذى قبل، وهو ما يمكن أن يأتي بإسقاطاته علی قضايا إيران الرئيسية في ملفها النووي وسياستها الإقليمية.

ورابعًا: هناك من يتخوف من تمدد الحرب واتساعها وزيادة القوة المستخدمة فيها التي قد تصل لاستخدام السلاح النووي، كما لوَّح الرئيس بوتين(11) ، بينما يستبعد البعض الآخر أن تمتد الحرب للمناطق المحيطة بإيران. إلا أن الواضح أن تأزيم الموقف سيأتي بإسقاطات قد تعصف بالقوقاز وتأتي بثقل المواجهة إلی حدود إيران. وللموروث التاريخي وطأة مؤثِّرة علی المخيال السياسي الإيراني عند النظر إلی الحرب الأوكرانية؛ إذ بمجرد حصول مواجهات في أوروبا في الحربين العالميتين ورغم إعلان حيادها في الحربين الأوروبيتين، جرى احتلال إيران والتنكيل بمقاوميها من قبل القوى الأوروبية.

وخامسًا: إن الأمل بتصدير كمٍّ أكبر من النفط والغاز الإيرانيين في ظل الفراغ الحادث في الأسواق العالمية، وهو ما أدى لارتفاع أسعارها، يبقی تابعًا لمتغيرات أخرى كإلغاء العقوبات المفروضة علی إيران وهو مرتبط بإمكانية إحياء الإتفاق النووي في ظل الحرب الأوكرانية، ومدى تقبل روسيا ملئ الفراغ من قبل مصدِّرين آخرين دون محاولة عرقلة ذلك، ومدى ترحيب الدول الغربية وقبول واشنطن بشكل خاص ومدی تمكن إيران من ذلك خاصة في ظل حاجتها الملحَّة لاستثمارات هائلة في قطاعي النفط والغاز. من هذا المنظور، فإنه رهان غير جدي ومن شأنه تعقيد العلاقة بين إيران وروسيا دون الإتيان بالمرجو.

هو إذن تطور محفوف بالمخاطر علی إيران ومصالحها وأمنها وإن أتی ببعض الفرص غير المضمونة في نهاية المطاف.

خلاصة

لم تقم طهران بإدانة الحرب الروسية علی أوكرانيا بشكل واضح لكنها وفي نفس الوقت لم تعبِّر عن تأييدها لتلك الحرب بل ودعا قادتها لاتخاذ الطرق “السلمية والدبلوماسية” لإنهائها. أما بالنسبة لمسبِّبات الحرب، فقد ركزت إيران الرسمية علی إدانة الغرب، والولايات المتحدة بشكل محدد، لدأبها علی التمدد بحلف الناتو شرقًا وهو ما أدى لنشوب الحرب. أما علی المستوى النخبوي، فقد اختلفت الرؤى حول أسباب نشوب الحرب والموقف الرسمي لإيران كما حول الفرص والتحديات التي تطرحها الحرب بالنسبة لإيران. وثمة تخوف من تأثير الحرب الأوكرانية علی القضايا الإيرانية وبشكل محدد علی المفاوضات النووية في فيينا وهي المفاوضات التي تحضرها الأطراف المتجابهة في أوكرانيا. وكان المستجد في الموقف الروسي تجاه تلك المفاوضات قد أثار نقاشًا في إيران وصل لحد اتهام روسيا باحتجاز الاتفاق النووي كرهينة لتأمين مصالحها. وبين الرؤى المختلفة يبقی الأمل بإعادة العمل بالاتفاق النووي دون أن تؤثر عليه الحرب الأوكرانية أو بعد انتهاء الحرب في القريب العاجل، وهو أمر حدث له سابقة إذ لم يوقَّع الاتفاق النووي إلا بعد انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية في 2014.

مراجع
  1. بحران اوكراين ريشه در اقدامات تحريك آميز ناتو دارد (جذور الأزمة الأوكرانية تكمن في إجراءات الناتو الاستفزازية)، وكالة مهر للأنباء، 5 اسفند 1400. (تاريخ الدخول: 4 مارس/آذار 2022): https://bit.ly/3tAS8ZP
  2. رؤساي جمهوري إيران و روسيه درباره اوضاع اوكراين و مذاكرات وين گفت و گو كردند (حوار بين رؤساء جمهورية كل من إيران وروسيا حول الأوضاع في أوكرانيا ومفاوضات فيينا)، وكالة أنباء إرنا، 5 اسفند 1400. (تاريخ الدخول: 4 مارس/آذار 2022):  https://bit.ly/3hCwa2Z
  3. بيانات در سخنراني تلويزيوني به مناسبت عيد مبعث (تصريحات في خطاب متلفز بمناسبة عيد البعثة)، موقع خامنئي.آي آر، 10 اسفند 1400. (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2022):  https://farsi.khamenei.ir/speech-content?id=49680
  4. تهديد جديد در مسير مذاكرات وين/ درخواست دقيقه نودي روسيه (تهديد جديد في مسار مفاوضات فيينا/طلب روسي في الدقيقة تسعين)، صحيفة دنياي إقتصاد، 17 اسفند 1400. (تاريخ الدخول: 8 مارس/آذار 2022):  https://bit.ly/3vOs3sF
  5. فرصتها و تهديدهای جنگ اوكراين براي اقتصاد إيران (فرص وتحديات الحرب الأوكرانية للاقتصاد الإيراني)، وكالة أنباء تسنيم، 14 اسفند 1400. (تاريخ الدخول: 6 مارس/آذار 2022):  https://bit.ly/3vOsQK9
  6. المصدر السابق.
  7. لاوروف: از أميركا در مورد برجام تضمين كتبي خواسته ايم (لافروف: طلبنا من الولايات المتحدة ضمانات مكتوبة حول الاتفاق النووي)، 14 اسفند 1400. (تاريخ الدخول: 7 مارس/آذار 2022):  https://bit.ly/3HRpn00
  8. واكنش رسمي به سخنان لاوروف (رد رسمي علی كلام لافروف)، صحيفة دنياي إقتصاد، 17 اسفند 1400. (تاريخ الدخول: 8 مارس/آذار 2022):  https://bit.ly/37dxgjI
  9. روسیه برجام را گروگان گرفته است (روسيا تحتجز الاتفاق النووي كرهينة)، دنياي إقتصاد، 16 اسفند 1400،(تاريخ الدخول: 7 مارس/آذار 2022):  https://bit.ly/3hLbSnY
  10. محمد خواجوئي، “غيوم روسية في سماء «فيينا»: التفاؤل بالمفاوضات النووية لا يتبدد”، صحيفة الأخبار، 7 مارس/آذار 2022، (تاريخ الدخول: 7 مارس/آذار 2022):  https://bit.ly/376Vv2N

11-“Putin signals escalation as he puts Russia’s nuclear force on high alert,” The Guardian, February 28, 2022. https://www.theguardian.com/world/2022/feb/27/vladimir-putin-puts-russia-nuclear-deterrence-forces-on-high-alert-ukraine