أجرى رئيس دولة الإمارات صاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد آل نهيان”، زيارة رسمية إلى فرنسا على مدار يومين (18 و19 يوليو الجاري)؛ إذ التقى خلالها الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” وعدداً من كبار المسؤولين الفرنسيين، بهدف استعراض العلاقات الاستراتيجية بين البلدين على النحو الذي يخدم مصالحهما المتبادلة، خاصة في مجالات رئيسية على غرار التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والأمن الغذائي وتغير المناخ. وأعادت الزيارة تأكيد العلاقات الاقتصادية الهامة بين الدولتين عبر التوقيع على عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم ذات صبغة اقتصادية وتنموية، وهي الاتفاقيات التي تمثل، في جانب رئيسي منها، استجابة للأزمات العالمية الحالية، وعلى رأسها ضمان إمدادات أمن الطاقة، والتغير المناخي، والأمن الغذائي، بجانب ضمان تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الإمارات وفرنسا خاصةً، وبينها وبين الاتحاد الأوروبي عامةً.

التعاون الاقتصادي

شهدت العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وفرنسا نمواً مطرداً خلال الأعوام الأخيرة؛ إذ تعد الإمارات الشريك الاستراتيجي الثاني لفرنسا بين دول الخليج العربي، وقد تم التكريس لهذه الشراكة بصورة واضحة حينما أقرت الدولتان، خلال الحوار الاستراتيجي الإماراتي الفرنسي السنوي في عام 2020، خارطة الطريق للعقد الممتد من 2020 إلى 2030 التي تطرح مجموعة من القطاعات الرئيسية للتعاون بين الدولتين، وخصوصاً في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة النووية والطاقة المتجددة. وتتضح أبرز ملامح العلاقات الاقتصادية بين البدين فيما يأتي:

1– العلاقات التجارية الواسعة بين الدولتين: تعد الإمارات من أكبر الشركاء التجاريين لفرنسا خلال عام 2021؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 6.5 مليار دولار مقارنة بنحو 4.5 مليار دولار في عام 2020. ويشكل النفط والغاز النسبة الكبرى من حجم الصادرات الإماراتية إلى فرنسا، وقيمتها 3.3 مليار دولار؛ في حين تشكل الصناعات الفرنسية الثقيلة النسبة الكبرى من حجم الصادرات الفرنسية البالغة 5.1 مليار دولار سنوياً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العلاقات التجارية بين الدولتين تجاوزت 100 مليار دولار خلال العشرين عاماً الأخيرة.

2– التعاون الاستثماري المتنوع: عملت فرنسا خلال السنوات الماضية على مضاعفة استثماراتها في الإمارات. ووفقاً للعديد من التقديرات بلغت الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الإمارات نحو 2.5 مليار يورو في نهاية عام 2020. وتستضيف الإمارات أكبر جالية فرنسية في منطقة الخليج تقدر بـ25 ألف مواطن فرنسي. ووفق العديد من التقارير، تستضيف الإمارات معظم الشركات الفرنسية في الشرق الأوسط، وعددها 600 شركة توظف 30 ألف موظف. وفي المقابل حرصت دولة الإمارات على تطوير محفظتها الاستثمارية داخل فرنسا، وبحسب التقديرات، تأتي الإمارات في المركز الـ35 في قائمة المستثمرين الأجانب في فرنسا.

ويلاحظ في هذا الإطار أن الاستثمارات المتبادلة بين الدولتين تركز على قطاعات متنوعة ذات أهمية بالنسبة إلى الطرفين؛ حيث شملت الاستثمارات الفرنسية في الإمارات قطاعات الاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والغاز والتعليم والتصنيع والتعدين وتجارة التجزئة، وإصلاح المركبات، والتعليم والنقل؛ وذلك فيما تضمنت الاستثمارات الإماراتية في فرنسا مجموعة متنوعة من القطاعات؛ أبرزها صناعة الطائرات في المجالين المدني والعسكري، والعقارات، والسياحة، وتجارة الأسماك، وصناعة البلاط والسيراميك.

3– الارتباط بمجموعة من الاتفاقيات المشتركة: وقع الجانبان الإماراتي والفرنسي خلال الأعوام الأخيرة على عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وكان آخرها 13 اتفاقية جرى توقيعها خلال الزيارة التي أجراها الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى الإمارات في ديسمبر 2021 بنحو 15 مليار يورو. كما اتفقت الدولتان على تنظيم أيام الطاقة الإماراتية الفرنسية يومي 7 و8 نوفمبر 2022. ويمثل مجال الطاقة النووية واحداً من المجالات الهامة للتعاون بين الدولتين؛ فعلى سبيل المثال، وقعت اللجنة الفرنسية للطاقات البديلة والطاقة الذرية والهيئة الاتحادية للرقابة النووية في دولة الإمارات اتفاقية في سبتمبر 2018 للتعاون في مجال الطاقة النووية.

4– تعاون تكنولوجي لتعزيز التقنيات الرقمية: شكَّل مجال التقنيات الرقمية محوراً هاماً للتعاون الإماراتي الفرنسي، وخاصة مع مشاركة العديد من الشركات الفرنسية العاملة في الإمارات في عمليات التحول الرقمي والاستفادة من مبادرات French Tech Hub Dubai UAE، وخصوصاً في مجال التقنيات النظيفة. ويرجح أن يتصاعد منحى هذا التعاون في ظل اهتمام دولة الإمارات بتوظيف التكنولوجيات الحديثة في المجال الاقتصادي والتحول إلى نموذج رائد عالمياً في هذا المجال.

مخرجات الزيارة

لقد كانت المعطيات السابقة حاضرة في خلفية الزيارة التي أجراها صاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد” إلى فرنسا يومي 18 و19 يوليو الجاري؛ حيث شهدت الزيارة استعراض مسارات التعاون الاقتصادي المشترك بين البلدين، خاصة في المجالات الاستثمارية والتكنولوجية والطاقة المتجددة والأمن الغذائي والبيئة والتغير المناخي، وغيرها من المجالات الحيوية، كما بحثا العديد من القضايا الدولية، على رأسها أمن الطاقة العالمي، والتغير المناخي، والأمن الغذائي. وانبثقت عن تلك الزيارة عدة شراكات واتفاقيات استراتيجية في عدة قطاعات، منها:

1– توقيع اتفاقات استراتيجية في قطاع الطاقة والتغير المناخي: في سياق تعزيز العلاقات الاقتصادية بين فرنسا والإمارات، بحث الجانبان التعاون المرتقب في قطاع الطاقة؛ حيث تم توقيع اتفاقيتين، إحداهما اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة في مجال الطاقة بين الإمارات وفرنسا، وتركز على أبعاد رئيسية أهمها تعزيز أمن الطاقة وتوفيرها بتكاليف مقبولة، والحد من الانبعاثات، إضافة إلى دفع العمل المناخي استعداداً للدورة 28 لمؤتمر الأطراف “COP28” التي تُعقد في دولة الإمارات عام 2023. وكذلك التعاون في مجالات التكنولوجيا وإنتاج وقود الطيران المستدام والتمويل الأخضر لمشاريع الطاقة، ومواصلة التعاون المشترك بين البلدين للحد من الانبعاثات الكربونية في قطاعات الطاقة، وتعزيز دور قطاع الطاقة النووية من خلال تبادل الخبرات الفنية وتوفير التكنولوجيا والوقود النووي.

فيما تضمنت الاتفاقية الثانية شراكة استراتيجية بين شركتي “أدنوك” و”توتال إنرجيز”، لاستكشاف فرص تعزيز التعاون الطويل الأمد بين الشركتين في مجالات تشمل زيادة إنتاج الغاز والتقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، والتجارة وتوريد المنتجات، بما يسهم في خلق المزيد من الفرص التي تحقق قيمة مستدامة للشركتين.

2– تعزيز التعاون في تحقيق الأمن الغذائي: أكد صاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد” دور الإمارات بالتعاون مع فرنسا في دعم الجهود العالمية بشأن الأمن الغذائي ومحاولة تأمين منظومة الإمدادات العالمية؛ وذلك من خلال دعم مبادرة تعزيز القدرة على الصمود في مجالي الغذاء والزراعة، وخاصةً فيما يتعلق باعتماد نظام تجارة الأغذية الذي يتميز بالانفتاح والشفافية والمرونة، فضلاً عن توفير المعلومات ذات الصلة لدعم نظام المعلومات المتعلق بالأسواق الزراعية، بما يضمن محاولة تخفيف الضغوط العالمية على سلاسل إمدادات الأمن الغذائي العالمي.

3– دعم التقارب في قطاعي الاستثمار والصناعة: شهدت الزيارة بحث آليات تعزيز الشراكة الاستثمارية بين الدولتين، التي أطلقت في ديسمبر 2021، علاوة على الاهتمام بتطوير التعاون في قطاعي الاستثمار والصناعة، والبحث والتطوير البحري؛ لذا اتفق الطرفان على تعزيز التعاون لتطوير برنامج البحوث البحرية. ويلاحظ هنا أن الدولتين تطرحان مجموعة متنوعة من المجالات التي يمكن الاستثمار فيها؛ فعلى سبيل المثال، اتفق الرئيسان على أهمية القطاع الصحي باعتباره أحد القطاعات المهمة للاستثمار، وفي ذلك السياق تم توقيع مذكرة تفاهم بشأن التعاون بين معهد باستور ومركز أبوظبي للصحة العامة.

وفي سياق متصل، بحث الجانبان الاستثمار في المشاريع المستقبلية في قطاع التعليم، مثل مدرسة روبيكا المهنية، وتم التوقيع على إعلان مشترك للتعاون بين الإمارات وفرنسا في مجال التعليم العالي وتوسيع نطاق تدريس اللغة الفرنسية في المدارس الإماراتية، كما تم بحث إمكانات استكشاف فرص جديدة للتعاون الثقافي؛ وذلك بعد نجاح الشراكة بين الدولتين في متحف اللوفر أبوظبي.

4– إطلاق مجلس رجال الأعمال الإماراتي–الفرنسي: تضمنت زيارة صاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد” إلى فرنسا إضفاء المزيد من الطابع المؤسسي على العلاقات الاقتصادية بين الدولتين؛ حيث تم إطلاق مجلس رجال الأعمال الإماراتي–الفرنسي، لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار. وتتمثل أهداف المجلس في تعزيز التبادلات الاقتصادية، وإتاحة المجال للقطاع الخاص في كل من الإمارات وفرنسا للتواصل مع صنَّاع القرار من القطاع العام، وكذلك تحديد وتنفيذ مشاريع استثمارية مشتركة، من خلال مجموعات عمل متخصصة، تقوم بصياغة خطة عمل فعالة؛ حيث ستقدم كل مجموعة توصيات في مجال تخصصها لتعزيز التبادل الاقتصادي بين البلدين.

5– تأكيد أهمية التعاون في قطاعي العلوم والتكنولوجيا: ففي إطار اهتمام دولة الإمارات بالتقنيات الحديثة، تم التوصل إلى عدد من الاتفاقيات تستهدف تعزيز التعاون بين الدولتين؛ حيث شهدت الزيارة توقيع مذكرة تفاهم بين مركز “محمد بن راشد” للفضاء والمركز الوطني للدراسات الفضائية في فرنسا، للتعاون في استكشاف القمر، بالإضافة إلى خطابي نوايا حول رصد الأرض، وأنشطة رحلات الفضاء البشرية.

مصالح متبادلة

وأخيراً، فإن زيارة صاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد” إلى فرنسا تؤكد الطابع الاستراتيجي الهام للعلاقات بين الدولتين؛ إذ تمثل الأبعاد الاقتصادية محدداً هاماً في العلاقات بين الطرفين؛ فخلال السنوات الماضية تمكنت الدولتان من تطوير معدلات التبادل التجاري بينهما. هذا المسار التعاوني بات أكثر أهمية في اللحظة الراهنة لاعتبارات متعلقة بالرؤية التنموية التي تتبناها القيادة السياسية في دولة الإمارات، ناهيك عن المشكلات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأوكرانية التي باتت تفرض العديد من الضغوط على الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا.

وفي هذا الإطار، أصبح الرئيس الفرنسي “ماكرون” يواجه الكثير من التحديات الداخلية، في ظل تراجع القوة الشرائية ومعدلات التضخم، وكذلك التخوف من إيقاف روسيا إمدادات الغاز عن فرنسا. وهكذا قد تمثل العلاقات الاقتصادية مع الإمارات آلية يمكن استخدامها من قبل “ماكرون” لتخفيف حد الأزمة الاقتصادية الداخلية، وكذلك توفير مصدر بديل للطاقة في إطار خطة فرنسا، ودول الاتحاد الأوروبي، لتنويع مصادر الطاقة للتحرر من الضغوط الروسية.

المصدر إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية