وضع رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بإصداره أوامر تقضي بتسوية عقود ملكية المستفيدين من سكنات “عدل”، مسؤولين على المستوى الوطني والمحلي للعديد من الهيئات في مأزق وطريق مليئة بالعقبات الإدارية، القانونية والقضائية، لحلحلة ملفٍ بقي يراوح مكانه لعشرات السنين، خاصة أنّ أغلب العقارات التي شيدت فوقها المواقع السكنية مملوكة لعدة أطراف، منها العمومية والخاصّة، وبعضها لا تملك الوكالة الوطنية لتحسين السكن وتطويره عقود ملكيتها، فضلا عن تراخيص البناء أو شهادات المطابقة.

جاء اجتماع مجلس الوزراء الأخير والتوصيات المنتظر إدراجها في قانون المالية 2022 لـ”يفتح الجرح” الذي تم تضميده لسنوات، دون أن يستأصل نهائيا، فدفع القيمة المالية الكاملة للسكن، والاستفادة من التخفيض بنسبة 10 بالمائة والحصول على عقد الملكية النهائي، يقتضي وُجوبا حيازة الوكالة الوطنية لتحسين السكن وتطويره، على عقد ملكية وترخيص بناء وشهادة مطابقة، وغيرها من الوثائق التي تمكن بعدها من نقل الملكية للمكتتب في الصيغة السكنية عن طريق البيع.

أول عقبة اصطدم بها المكتتبون في البرنامج الأول المسجلين سنتي 2001-2002، ثم المكتتبين في البرنامج الثاني المسجلين سنة 2013، قبل حتى دفع قيمة المسكن كاملة؛ هي تلك المتعلقة بعقود الإيجار، التي لم تتمكن الوكالة من منحها مع دفع الشطر الرابع من قيمة السكن في عدد من المواقع السكنية، بسبب عدم تسوية الوضعية القانونية لهذه الأخيرة، نظرا لتعدد الهيئات التي تعود إليها ملكية الأراضي التي أُنجزت فوقها المشاريع السكنية، من مصالح أملاك الدولة، إلى الداخلية، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وحتى الفلاحين والمواطنين الخواص.

“ترقيعات قانونية” لإسكان المكتتبين

في اتصال لـ”الخبر” مع أحد الموثقين المكلفين بتحرير عقود الإيجار لسكنات “عدل”، أوضح أن المشكل الذي اصطدم به الموثقون والمكتتبون قبل الوصول إلى عقود الملكية النهائية، هي عقود الإيجار في العديد من المواقع السكنية.

وأفاد المصدر نفسه قائلا بأن: “هناك نص قانون ينظم هذا النوع من العقود، قرار أول صدر سنة 2001 وآخر سنة 2004 عَدّل الأول، والوثائق المطلوبة في النموذج هي عقد ملكية مؤسسة الوكالة الوطنية لتحسين السكن وتطويره للأرض، ورخصة البناء، وشهادة المطابقة، والجدول الوصفي للتقسيم”، غير أن مصدرنا أكد أن الوكالة “لم تستطع توفير جميع أو عدد من هذه الوثائق في عدد من المواقع”، وبالتالي، يضيف “لا يمكن تحرير عقود إيجار”، وهو الأمر الذي دفع بالوكالة، ولتمكين المكتتبين من الحصول على مفاتيح سكناتهم على الأقل، من “تحرير عقود تعهد والتزامات من طرف المكتتبين لاستلام السكنات، وليس عقد البيع بالإيجار”.

الخبير عبد الحميد بوداود: الملف يقتضي إجراءات قضائية وقانونية مطولة

وصف رئيس المجمع الجزائري لخبراء البناء والمهندسين، عبد الحميد بوداود، هذا الأمر بـ”الورطة” التي قال إنّ مختلف الحكومات السَابقة واللاحقة، مطالبة بالخروج منها، وهي كون “أغلب البنايات منذ الاستقلال وإلى اليوم، سواء الحكومية أو الخاصة، وحتى المنشآت الكبرى مثل المستشفيات والجامعات وغيرها، ليس لها عقود ولا تراخيص بالبناء ولا المطابقة”. وبالنسبة لمشاريع وأحياء البرنامج السكني “عدل”، أضاف بوداود في تصريحه لـ “الخبر” بأنّ “وضع هذه البنايات معقد وحتى قانون التسوية لم يتمكن من حلها”.

وبالدخول في التفاصيل، قال المتحدث إنّ “أغلب المشاريع بنيت فوق حبوس أو أملاك خاصّة وتابعة لهيئات عمومية أو خاصة”، مفيدا بأن تسويتها تتطلب “وقتا وأكثر من ذلك تتطلب إجراءات قضائية وقانونية مطولة”.

سنوات من القوانين والمراسيم لحلحلة الملف

وتتبين أهمية هذا الملف من خلال إعطاء عبد المجيد تبون، أشهرا قليلة بعد تنصيبه على رأس قطاع السكن والعمران والمدينة، أي بتاريخ أفريل 2013، أوامر بتسريع وتيرة تسليم عقود الملكية للمكتتبين في البرنامج السكني “عدل”، وهذا في إطار قانون التسوية 15-08، خاصة بالنسبة للسكنات التي بيعت بشكل نهائي.

غير أنَّ الملف الشائك بقي يراوح مكانه، وهذا رغم صدور المرسوم التنفيذي رقم 14-288 في 15 أكتوبر 2014 الذي يعدل ويتمم المرسوم التنفيذي لسنة 2001، القاضي بتمكين المكتتبين في صيغة البيع بالإيجار، من دفع مبلغ السكن كاملا مباشرة بعد دفع الشطرين الأوّل والثاني، إذ أن المعني “يمكنه أن يقوم بالتسديد المسبق للجزء المتبقي من سعر المسكن بكامله”. كما أن المرسوم الصادر حينها، شمل المستفيدين من البرنامج الثاني، كما المستفيدين من البرنامج الأول، ممن لم ينهوا دفع مستحقات امتلاك السكن المترتبة عليهم.

وبقي مسؤولو السكن على المستوى المركزي يصدرون القرارات والتعليمات خلال السنوات الماضية، من أجل إقفال الملف أو على الأقل التخفيف من حدته، حيث أدرج في قانون المالية 2017 نصا يقضي بتخفيض الفترة اللازمة للتمكن من تحويل ملكية سكن “عدل” من صيغة البيع بالإيجار (عدل) من 5 سنوات حاليا إلى سنتين. وفي سنة 2019، دعت الوكالة المكتتبين الأوائل (2001-2002) ، سواء المستفيدين من مساكن أو حتى محلات تجارية ودفعوا ثمنها كاملا، إلى تسوية وضعيتهم والحصول على عقود الملكية، لكنها استثنت من العملية المواقع التي لم تسوَ ملكية الأرض الواقعة عيها، ويتواجد كثير منها محل نزاع قضائي.

كما كانت الوكالة قد أصدرت في جانفي المنصرم 2021، قرارا بتسوية العقود النهائية لمكتتبي عدل 1 قبل الـ15 من شهر مارس المقبل، وهذا بعد “تسوية عقود الأوعية العقارية التي تنجز فوقها هذه السكنات، تفاديا للتأخر في تسليم عقود المستفيدين”. فيما أدلى الوزير السابق للسكن والعمران، كمال ناصري، بتصريح يؤكد فيه أنّ “الوكالة أنهت الإجراءات الإدارية التي تتعلق بتملكها للأراضي، لتتمكن بعدها عن طريق الموثقين من تحضير العقود الشخصية لكل مواطن راغب في تملك سكنه، من خلال إنشاء أرضية رقمية جديدة خاصة بامتلاك الشقق، بداية بالبرنامج الأولى وانتهاء بالبرنامج الثاني (2013).

وينتظر أن تسابق وزارة السكن والعمران والمدينة، والوكالة الوطنية لتحسين السكن وتطويره الزمن، من أجل حلحلة الإشكال الذي لا يزال يطرح في عديد المواقع السكنية، سواء تلك بنيت أو التي لا تزال الأشغال جارية بها. فيما يتوقع، حسب مصادر “الخبر”، أن تتم المعالجة القانونية والقضائية والإدارية للمواقع المعنية في أجل أقصاه نهاية السنة الجارية 2021.

كما اتصلت “الخبر” بوزارة السكن والعمران والمدينة، للحصول على توضيحات بخصوص الملف، غير أن الأخيرة أرجأت الرد إلى تاريخ لاحق.