محمد عبدالرحمن عريف  

  بالعودة لبعض ما بدأت به بريطانيا من محاولة لضم العراق لمشروعها في الهند، ودور ثورة العشرين في مقاومة هذا المشروع، متمثلًا في دور ثوار العراق ودعمهم لثورة العشرين. هنا نعرج على بعض جذور تلك المطامع والمصالح في العراق وأهمية تحققها من الجانب البريطاني، وذلك عندما بدأت القيادة العسكرية البريطانية بوضع الخطط العسكرية لاحتلال جنوب العراق عن طريق الخليج العربي، بعد أن شكلت حكومة الهند لجنة رباعية عام 1911، جاء في تقريرها في كانون الثاني/ يناير 1912، على ضرورة احتلال العراق، من خلال تنشيط القناصل البريطانيين في بغداد والبصرة والموصل على إعداد المعلومات العسكرية والاقتصادية عن الجيش العثماني وتسليحه وتوزيعه، ووضع الخرائط العامة عن العراق ولا سيما التوزيع العشائري.

  البدايات جاءت على إثر ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني، حيث عقد مؤتمر القاهرة عام 1921 بحضور ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني آنذاك للنظر في الوضع بالعراق. والذي أعلن عن تغيير الحكومة البريطانية سياستها بالتحول من استعمار مباشر إلى حكومة إدارة وطنية تحت الانتداب، على إثر تكبد القوات البريطانية في العراق خسائر فادحة. وأعلنت بريطانيا عن رغبتها في إقامة ملكية عراقية، ورشح في هذا المؤتمر فيصل بن حسين بن علي ليكون ملكًا للعراق، فتشكل المجلس التأسيسي من بعض زعماء العراق وشخصياته السياسية المعروفة, مثل نوري السعيد، ورشيد عالي الكيلاني وجعفر العسكري، وياسين الهاشمي. وانتخب نقيب أشراف بغداد السيد عبد الرحمن النقيب رئيسًا لوزراء العراق الذي نادى بالأمير فيصل ملكًا على عرش العراق.

  في 12 حزيران/ يونيو 1921 غادر فيصل ميناء جدة إلى العراق على متن الباخرة الحربية البريطانية نورث بروك، التي وصلت لميناء البصرة يوم 23 حزيران/ يونيو 1921، فاستقبل الأمير فيصل استقبالًا رسميًا حافلًا، وبعدها سافر بالقطار إلى الحلة وزار الكوفة والنجف وكربلاء، ووصل بغداد في 29 حزيران/ يونيو عام 1921 .

   في 16 يوليو/ تموز1921 أذاع المندوب السامي البريطاني السير بيرسي كوكس قرار مجلس الوزراء العراقي بمناداة فيصل ملكًا على العراق في ظل حكومة دستورية نيابية، توج الملك فيصل ملكًا على العراق باسم الملك فيصل الأول بعد تصويت حصل فيه على نسبة 96% من أصوات المجلس. وتم تتويجه في 23 أغسطس/ آب من عام 1921، في ساحة ساعة القشلة ببغداد.

  نعم هي (المملكة العراقية الهاشمية) أو (المملكة العراقية)، ذلك نحو عرض لأول حكم عراقي في العهد الحديث، بدأ رسميًا منذ تعيين الملك فيصل الأول ملكًا في عام 1921، إلا أن البلاد لم تنل الاستقلال إلا بعد عام 1932 لتكون من أوائل الدول العربية التي استقلت عن الوصاية الأوروبية، وتحديدًا الانتداب البريطاني. أسست المملكة العراقية على إثر تداعيات الثورة العربية الكبرى حيث كان يراود الشريف حسين بن علي والد الأمير فيصل طموح العائلات المالكة العربية في المنطقة لتولي زعامة دولة العرب ونقل نظام الخلافة الذي انهار في إسطنبول إلى إحدى العائلات العربية المتنافسة وهي: العائلة السعودية في نجد والحجاز كونها الأسرة الحاكمة في الأراضي المقدسة الإسلامية مكة والمدينة، والعائلة الهاشمية زعيمة الثورة العربية الكبرى في شمال الجزيرة وبلاد الشام والعراق، والعائلة الحاكمة من سلالة محمد علي في مصر.

  كان من جراء انتفاض أغلب الولايات العثمانية السابقة، في ثورات مثل ثورة العشرين في العراق، على الدولتين العظميين آنذاك وهي كل من بريطانيا وفرنسا بسبب نكولهما عن تنفيذ الوعود التي قطعتاها بدعم الثورة العربية وما نفذته بدلًا عنها من سياسة الاستعمار والهيمنة عليها، عمدت الدول العظمى تلك على تنفيذ مقررات مؤتمر القاهرة عام 1921، والذي حضرة ونستون شرشل وزير المستعمرات البريطانية آنذاك والذي قرر تقسيم الولايات العربية وفصلها عن بعضها بمنحه كل منها الاستقلال عن الأخرى وعن الدولة العثمانية، بعد أن فرضت الدول العظمى تلك بحزم ثلاثة معايير على العرب اتباعها بعد خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وهي تقسيم الولايات العربية التي كانت تحت الحكم العثماني إلى دول مستقلة ومنع توحدها في دولة واحدة، والغاء نظام الخلافة وعدم تطبيقه في أي من الدول العربية الجديدة، وأخيراً عدم اعتماد الشريعة الإسلامية في التشريع ونظام الحكم.

   وسط ذلك جاء مؤتمر القاهرة بعد أن عقد عام 1920 على إثر ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني، أصدر المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس أوامره بتشكيل المجلس التاسيسي الذي تولى من ضمن العديد من المهام تشكيل حكومة وطنية عراقية انتقالية برئاسة نقيب اشراف بغداد عبد الرحمن النقيب الكيلاني وتنصيب ملك على عرش العراق، وتشكيل الوزارات والمؤسسات والدوائر العراقية، واختيار الساسة العراقيين لتولي المهام الحكومية.

المجلس التأسيس الملكي Crystal Clear app kdict.png

  تشكل المجلس التاسيسي من بعض زعماء العراق وسياسية وشخصياته المعروفة، بضمنها نوري السعيد باشا ورشيد عالي الكيلاني باشا وجعفر العسكري وياسين الهاشمي وعبد الوهاب بيك النعيمي الذي عرف بتدوين المراسلات الخاصة بتاسيس المملكة العراقية. حيث انتخبت نقيب اشراف بغداد السيد عبد الرحمن الكيلاني النقيب رئيسًا لوزراء العراق والذي نادى بالامير فيصل الأول ملكاً على عرش العراق حيث توج في 23 أب/ أغسطس من عام 1921.

  لقد مرت المملكة العراقية بظروف موضوعية قاهرة منذ تأسيسها جراء النشأة الفتية للدولة والقوى الدولية الطامحة للسيطرة على مقدراتها والهيمنة عليها وعلى رأسها بريطانيا. اما على الصعيد الداخلي فيمكن أن نطلع من خلال مراسلات عبد الوهاب النعيمي عضو المجلس التأسيسي، على الصراع السياسي الناجم عن التناقض الفكري بين مراكز القوى المنشطرة إلى تيارين مختلفين في التوجهات والتي تمثل اللاعب الرئيس في المسرح السياسي.

  كان هناك طبقة النخبة الوطنية التي لعبت دوراً في تأسيس الدولة العراقية من السياسيين والضباط المنتمين للجمعيات السرية التي كانت تنادي باستقلال العراق عن الدولة العثمانية لأن ارتباطه مع الولايات العربية الأخرى أكثر من ارتباطه مع الدولة التركية، كما عمل هذا التيار على استقلال العراق عن السياسة البريطانية وهيمنتها على مصالحه الاقتصادية.

  أما التيار الآخر فيتمثل بمجموعة أخرى من السياسيين والضباط الذين يرون ضرورة ارتباط العراق ببريطانيا وشجعوا على هيمنتها على اقتصاده وسياسته والمتأثرين بالمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس وممثلة المصالح البريطانية في العراق مس بيل والتي لعبت دوراً كبيراً في رسم السياسة العراقية من خلال ولاياتها بغداد والموصل والبصرة قبل الاستقلال عام 1921 وتتويج الملك فيصل الأول على عرش العراق، والمعارضين لها من أعضاء المجلس التأسيسي ورئيسه عبد الرحمن النقيب الذي أصبح أول رئيس وزراء للعراق فيما عرف بالحكومة الانتقالية.

  يبقى ان نشير إلى أنه هو  هو مؤتمر القاهرة (1921)، المؤتمر الذي انعقد عام 1921 واستمر أسبوعين برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، وبحضور أربعين موظفًا إداريًّا وسياسيًّا وعسكريًّا من البريطانيين الذين كانوا يشغلون مناصب هامة في مختلف أرجاء الوطن العربي آنذاك. تحدد خلال المؤتمر المستقبل السياسي لعديد من دول الشرق الأوسط كالعراق وشرق الأردن وفلسطين.