بقلم : محمد بنطاهر – أستاذ مادة الفلسفة – المغرب

  • المركز الديمقراطي العربي

أود الاشارة أولا قبل البدء في موضوع هذا المقال، إلى أن عنوانه مستوحى من أحد فصول كتاب “الفلسفة السياسية اليوم” لصاحبه “كريستيان دولاكمباني”، “المنظر بعد المعركة”، وسبب اختياري له راجع لأنني وجدت فيه التعبير المناسب، لوصف الجلبة التي أثارتها جائحة كرونا، خاصة تلك الاحتمالات التي ذهبت في منحى افتراض عوالم ممكنة لعالم ما بعد كرونا، مغايرة تماما لعالم ما قبلها، لذلك فعبارة المنظر التي نجعلها مشهدا لما بعد كرونا، نسعى من خلالها هاهنا إلى تبيان تهافت تلك المناظر المحتملة، ورسم منظر مغاير نراه الأنسب لما بعد كرونا والأكثر واقعية لعالمنا، كما أن عبارة المعركة وإن لم تكن متضمنة في العنوان، إلا أنها في نظرنا تعبر عنها ضمنيا، لأنها معركة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل إنها أبلغ بكثير حتى من تلك التي وصفت نفسها بأنها عالمية، بما أنها لم تكن في حقيقتها سوى صراعا بين قوى كبرى ليس إلا، أما معركة كرونا فهي بخلاف ذلك عالمية بامتياز، فقد اجتاحت العالم ككل، وحتى أولئك الذين لم تصلهم بعد، فهم في حالة استعداد وتأهب لها، لذلك فهي معركة حقيقية بكل المقاييس، وما يجرى في بطونها يثير الكثير من الاستفهامات والتأملات، أكثر مما أثارته أي معركة قبلها، كما أنها لا تشد عن المعارك والحروب في شيء، فقد خلفت وراءها وما تزال، العديد من الخسائر والأرباح،  والمآسي والانتكاسات، والدروس والعبر، لذلك فافتراض منظر قائم بعد كرونا هو أمر حتمي بالنسبة لنا، لكنه لن يكون قاتما كما نظن، أشياء كثيرة ستتغير بالفعل، غير أنها لن تكون بذلك السوء الذي تجتره السوقة وذقون المحللين والسوداويين والحالمين من قبيل نهاية الرأسمالية، وبداية نظام عالمي جديد، إلى ما ذلك من الطروحات والفروض التي أضحت تنبعث من هنا وهناك.

كما أنني حين أقول أن الوضع لن يكون قاتما، لا أقصد أنه لن تكون هناك انتكاسات بشرية مؤلمة وحزينة، لا بالعكس، كثير من المجتمعات ستتكبد خسائر مادية جسيمة بفعل هذه الأزمة، ستنعكس عليها سلبا بشكل بليغ جدا، سياسيا واقتصاديا، قد لا تتعافى منها على الأقل في القريب العاجل، كما أن شعوبا كثيرة بسبب الأضرار الروحية والنفسية اللتان تسببت فيهما الجائحة، ستعيش حالة من الانهيار والتعب لفترة من الزمن، وإن كان ذلك سينسى بفعل قوة النسيان، والحفلات التي ستنصبها الحكومات للتخفيف من وطء فوبيا الوباء وآثاره المعنوية، خصوصا على مستوى الذاكرة الجمعية والسلوك الجمعي. كل هذا قد يحدث، لكنه لن يكون بذلك السوء الذي قد يفترضه البعض، ربما حالة الرعب التي فرضها الوباء، وضغوط الحجر الصحي، وتخوفنا من عدم اكتشاف اللقاح، وانتشار الأفكار الخرافية والدينية المنذرة بنهاية العالم، وثقل الكاهل الاجتماعي، والرزء في الأحباب، وتتبع الاحصائيات، كلها أمور ربما تدفعنا إلى تخيل صورة أكثر قتامة وسوداوية مما افترضته، ربما، مثل نهاية العالم، أو تبعثر أوراق المجتمع الدولي، وانهيار دول، وهيمنة أخرى، وتحول العالم من واقع أكثر انفتاحا إلى عالم مغلق وقتالي…. ربما قد نتوقع هذا، لكن الحقيقة في نظرنا أن لا شيء من هذا سيحدث، ما هي إلا أيام حجر معدودة ستنقضي، ومعها سيحد الوباء حينا من الزمن إلى أن يعدم بالكامل، لتشرق شمس يوم جديد كالعادة على نفس الأشياء المعتادة، ستتغير فيها أمور كثيرة طبعا، سنفصل فيها في القادم من السطور، لكنها لن تكون بذلك الحد الذي تلاعبت به هوليود وثقافة الميديا بعقولنا.

أشير قبل الشروع في هذا المنظر، أنني ضمن هذا المقال لن أناقش أمرين، أولهما ما إذا كان فيروس كرونا أمرا مدبرا، وثانيهما طبيعة هذا الفيروس، الأول لأن فتح النقاش في هذا الباب لن تكون له أية أهمية مادمنا لا نعرف حقيقة الأمر، وليس لنا ما يثبته، كما أن التعويل عليه سيعرض افتراضاتنا وأي طروح وآمال نبنيها عليه في مهب الريح، خصوصا وأننا لا نستطيع أن نجزم ما إذا كان الأصل في الأمر دولة أو مجموعة دول أو أقطاب اقتصادية، كما أن أمر السياسي كما هو معروف متغير وغير ثابت، وسنكون متجنين إن نحن أسسنا عليه أي شيء، فضلا عن أنني لست من عشاق مسألة المؤامرة، وأفضل أن أكون واقعيا، والواقعية تفترض أن نتوجه إلى المشكل ونعرف ماذا سيترتب عنه؟

وكيف يمكن التعامل معه؟ ثم النظر في نتائجه وآفاقه؟ وثانيا، لأنني لست متخصصا في علم البيولوجيا أو الفيروسات والأوبئة إلى ما ذلك حتى أدلو بدلوي في هذا الشأن، وأشرع في تحليل مكوناته وفهمه أو إسقاط بعض الملاحظات أو التصورات عليه، لا لست من ذلك النوع وأفضل أن ينبري لهذا من هم أهل له، والباقي فليتكرم علينا وعلى هؤلاء بالصمت، رجاء.

أمام هذا فإن مجال حديثي، وهو حق لي طبعا، سينصب على وضع افتراضات تسعى إلى فهم الآثار النفسية والاجتماعية والسياسية والعلمية والأخلاقية التي قد تنجم عن كرونا، لذلك لا أجد وصفا يمكنه أن يسعفني في فهم حالة الصدمة والفوضى والهلع الذي أحدثته جائحة كرونا إلا أنها معركة، لكنها ليست ككل المعارك. لذلك سأغتنم في كنفها الفرصة وأعبر خلافا للمنتظر عن نوع من الشعور بالسرور تجاه هذه الجائجة، وأرجو ألا يفهم من هذا أنني أتشفى في الواقعة وما ترتب عنها، أو أنني واحد من أولئك الذين يشبعون غريزة حقدهم وتطرفهم وظلاميتهم في هذه الأحداث، لا لست كذلك ويستحيل أن أكون، بل إنني في خضم هذا المصاب الجلل لا يسعني إلا أن أبعث خالص التعازي والمواساة إلى كل أهالي الضحايا، وإلى كل من مني جراءها بضرر روحي أو مادي، سواء كان شخصا أو دولة.

لا، ما قصدته من السرور هاهنا أن حالة كرونا، تشكل لحظة مهمة في تاريخ الوجود البشري، مغايرة لكل اللحظات السابقة عليها، لأن كل الخلاصات والدراسات التي غالبا ما تناولت الكائن البشري أناء أزماته، كانت دائما مرتبطة بأقطار معينة، وعلى أساسها يتم تعميم النتائج، وبالتالي كان النظر إليها على أنها مجرد قراءات احتمالية تعميمية ليس إلا، تفتقد إلى الواقعية والدقة والعمومية، وهذا في نظرنا ما يميز جائحة كرونا، فهي تسمح لنا ولأول مرة بتناول الظاهرة البشرية بنوع من العمومية، بحيث أن النتائج المستخلصة ستكون معممة على الكائن البشري حتى في تعددها، لأنها ستقدم لنا في النهاية معطيات معبرة عنه في كليته، وهذه من نتائجها المحمودة، فالأزمات أمر وارد على البشرية في أي لحظة، وأن نكون أمام ظاهرة ذات بعد عالمي، فهذا قد يسمح بالوقوف عند الظواهر الانسانية من جانب الكلية والعمومية، وهذا أمر مستجد، فضلا عن هذا فإن الجائحة تسعفنا في الاطلاع على فصل من فصول الوجود البشري وعلى حاضره، سنستفيد منها الكثير من الرسائل والعبر، والدروس الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية، كما أنها تدون في التاريخ صفحة جديدة منه، طبعا لن تكون قطيعة مع السابق وهذا موقفنا، ولكنها واقع جديد بلبوس جديد، واقع لن تتغير فيه موازين القوى القائمة. لنقل بتعبير آخر أننا على أعتاب صراع جديد من نوع آخر، لن تكون فيه لا نهاية ولا بداية طبعا، لكنها ستكون لا محال استمرارية بحلة جديدة، فالأزمات على مر التاريخ كانت محكا للبشر، في كنفها لطالما انكشفت حقيقته، وحدثت أشياء كثيرت غيرت ما قبلها وربما قطعت معها، لذلك فسرورنا هاهنا ذو طابع حيادي تجاه الأزمة، كأننا أمام نص تاريخي لم يبقى لنا من مشاعر الأزمة والمأساة التي يتناولها إلا الكلمات والقصة.

من جملة التغيرات التي نفترضها هاهنا، وضدا على مجموعة من التوقعات، فإننا نعتقد أن أي تغير يمكن أن يطرأ، لن يغير شيئا من موازين القوى المهيمنة ولا من نظامها، بل على العكس من ذلك، سيقويها أكثر من ذي قبل، أقول هذا بغض النظر عن أي افتراض يذهب باب التفكير في مدبر لكرونا. فما أقصده ينطلق من افتراض مفاده أن كرونا وباء محايد يتحرك بمنطقه الخاص القادر على استهداف أي كائن بشري، وعليه يصبح الفعل المنتج من طرف كل جانب في عملية التفاعل هو الذي يقوي مكانة الصدارة بين قوى العالم، بل ويعبر عن قوته وكينونته. وحين أقول الفعل أقصد نوعيته وليس بعده الكمي، لنأخذ الصين وأمريكا وروسيا وأقوياء أروبا، هذه العينة إذا قاربناها سنجد أن أكثرهم سيطرة على المرض هي الصين، باعتبار أنها هي أول من تفشى فيها الوباء بشكل مهول، ومع ذلك تمكنت من السيطرة عليه أكثر من غيرها. السؤال الذي قد يطرح، هل هذا يعني أن الصين أضحت الأكثر قوة، ويمكن القول أنها بفعلها هذا باتت هي وريثة النظام العالمي القائم، باعتبار أنني مدافع عن فكرة أنه لا نظام جديد يلوح في الأفق؟ الجواب في نظرنا طبعا، لا، لماذا؟

الجواب على هذا السؤال لا يمكن أن يتم إلا إذا انفتحنا على سؤال يجد مصبه فيه وهو كالتالي: ما الذي يجعل الصين أكثر نجاعة من غيرها في التعامل مع الوباء؟ الجواب بالنسبة لنا يكمن في طبيعة النظام السياسي القائم داخل كل واحد من هذه الدول، وأظن أنها تنتظم جميعها ضمن شكلين سياسيين، نظام صارم ومهيمن على مستوى هرم السلطة تمثله الصين وروسيا، في مقابل نظام ديموقراطي تمثله باقي الدول الأخرى، هذا العامل في نظرنا هو الذي جعل عملية التحكم في العامة والسيطرة عليها أمرا يسيرا بالنسبة للشكل الأول أكثر من الشكل الثاني، وأثر هذا سيضعنا بين فرضين نؤمن بهما هاهنا، وهما سؤال الديموقراطية، أي النظر في شكلها وأسسها وآفاقها وحدودها، ثم النظر في مفهوم الدولة، لأنه في ظل النظام العالمي القائم أضحت الدولة شبه منعدمة وغائبة وضعيفة أمام السلطة الاقتصادية، وجائحة كرونا أعادت للدولة هيبتها واعتبارها، حتى أن الشعوب بعوامها اتضح لهما دورها وأهميتها، وسنفصل في هذين الأثرين في القادم من السطور.

لنعد إلى الصين، كما أشرت من قبل، فإن ما جعلها تسيطر على الوباء أكثر من غيرها راجع في حقيقة الأمر، إلى طبيعة نظامها السياسي الذي يدبر المجتمع بشكل صارم وشمولي، بعيدا عن الأسس الديموقراطية المتعارف عليها، لكن إلى جانب هذا، لا يجب أن نغفل أيضا طبيعة الثقافة الصينية القابلة للضبط والتنظيم والخضوع والالتزام، كل هذا سهل عملية التحكم في الوباء والسيطرة عليه بأساليب تقليدية، لكن بمعدات تقنية متطورة، فالحجر والوقاية والسلامة ليست أساليب عصرية، بل طرق تاريخية دأب البشر وقت الأوبئة على نهجها. بحسب هذا، قد تكون الصين أقوى من غيرها في عملية السيطرة على الوباء والتحكم فيه، مثلها في ذلك مثل مجموعة من الدول ذات النظام الصارم والمستبد، حتى أن بعضها أقل تطورا وتقدما منها بكثير، ومع ذلك استطاعت تدبير أزمتها بنوع من الفاعلية والحد من عدد الضحايا والإصابات، فهل يجعلها هذا أفضل هي الأخرى من الدول الديموقراطية الأكثر تقدما وتحضرا؟ الجواب طبعا لا، باعتبار أن إخفاق مثل هذه الدول بداية الأمر في التعامل مع الوباء، يعود بالنسبة لنا إلى طبيعة نظمها السياسية القائمة على الديموقراطية، بحيث تحتاج عملية تنزيل القرار وفرض أساليب السيطرة والتحكم إلى نقاش واتفاق، ثم إلى تنزيل سلس ومرن يراعي ثقافة المجتمع وحقوقه وكرامته، وبالتالي هذا يبدد الوقت وسرعة التحكم في الوباء، فضلا عن أن غياب الصرامة يعطي نوعا من الشعور بالاستهتار وعدم تقدير حجم الأمور، ولعل هذا ما حدث في هذه الدول، وعليه يكون في نظرنا تعثر هؤلاء في البداية أمام تفوق الطرف الآخر، لا يعود إلى تميز أو إلى أفق مدبر، بل إلى طبيعة الثقافة وشكل النظام السياسي.

بناء على هذا، فأمر قيادة الصين أو روسيا للنظام العالمي القائم ليس له ما يدعمه، والانطلاق من حجة السيطرة على الوباء والتحكم كسند ليس كافيا، فقد بينا أسباب ذلك، ومن ثم فالنظام العالمي القائم سيظل في نظرنا بذات قواه، وفي هذا طبعا لا يمكن إنكار أن الصين أضحت رقما ضمن معادلته، لكن لن تكون لا القائدة ولا الوريثة. استمرارية أمريكا في التربع على عرش الكرة الأرضية وحلفائها مازلا قائما بالنسبة لنا، وما يبررهذا أن مظاهر التغير القائمة لا تنذر ولا تبشر بتغيرات كبرى تلوح في الأفق، كما أن ردة فعل القوى التقليدية مازال هادئا ويتعامل مع الجائحة بنوع من القوة والممارسات التقليدية التي دأب على اتخاذها أناء الأزمات بتدخل الدولة، وتوجيه الخطابات للعالم، واستغلال الظرفية عبر إغراق المجتمع الدولي بالقروض، ودفع الدول المنافسة والمعادية لها إلى طلبها، وهاهنا يتجلى منطق الاستعلاء والسيادة الذي تنطلق منه، فهي تتصرف باعتبارها قوة عظمى، وسنأتي على ذكر هذه الروح الأمريكية فيما بعد.

هكذا إذن، لنقل أن الفعل المنتج من طرف الصين أناء الأزمة هو فعل كمي بفضل قوته وحجمه ونجاعته، بالمقابل فإن الدور الباهت الذي بدت عليه أمريكا على المستوى الدولي، لا يعبر عن ضعف أو عجز، بل عن منطق القوة النوعي المميز لها، لكن دون أن يمنع هذا، أن من جمل التغيرات التي سيشهدها العالم الاقتصادي والسياسي، هو بروز قوى قطبية متصارعة فيما بينها، مع افتراضنا أنها لن تبلغ على الأقل في هذه الآونة، الصراع المادي، أي المواجهة المباشرة، بل سيظل الأمر رهين الحرب الباردة كالعادة، وسنعود إلى هذه العبارة فيما بعد.

إن دفاعنا عن كون أمريكا وحلفائها التقليديين مازالا مستمرين في عملية القيادة، عائد بالنسبة لنا إلى أن منطق التقدم المؤسس لهذه الدول يجري بشكل واع، وبالتالي فهي تعمل خلال كل أزمة إلى ضخ نفس جديد يعينها على تجاوزها، كما تفعل مثلا في الأزمات الاقتصادية، حيث أنها تتدخل بنفسها رغم أن هذا يتناقض مع منطقها الرأسمالي، كما تعمل كذلك من خلال سياسة التدخل وافتعال الأزمات والمشاكل كآليات استباقية للتحصين والوقاية والدفاع عن الوجود، أمام القوى المعادية والنامية والراغبة في السيطرة، ومن ثم فالقول أن أمريكا وحلفائها يفقدون السيطرة لصالح طرف آخر، سيكون من قبيل الحلم والتمني، ومن سوء التقدير والفهم في نظرنا، حتى أن عملية تشخيص الفيروس والبحث عن اللقاح، كان المنبري لها بشكل كبير، بل ومن يرجى فيه حل الأزمة وإنهائها هي أمريكا وحلفائها، وهذا راجع للتفوق العلمي المميز لهما، لذلك أظن أن أسباب التقدم والحضارة مازالت بيدهما.

لنشتغل شيئا ما بنظرية المؤامرة في هذا الصدد، وهذا ليس تناقضا مني، بل فقط من أجل استخلاص بعض النتائج المهمة، خاصة في الجانب القائل أن أمريكا أو الصين، هما من يقفان وراء هذا الفيروس، ألا يطرح هذا سؤالا إشكاليا صوب الأفق النظري العلمي ككل، لأن القول بهذا يفترض أن أحدهما متفوق علميا على الآخر، وعلى النسق النظري العلمي القائم، مادام أن العلم قد احتاج لمدة غير يسيرة في اكتشافه، والنظر إلى هذه المدة بهذا الشكل، مرده إلى أن هذا المتفوق حتما أبدع شيئا خارج النسق، وإلا ما كان ليُعجِّز النسق العلمي القائم عن الاجابة، ما يعني أن الفيروس المدبر يشكل أزمة نسق وعلى أعتابه هناك نسق آخر يعبر عنه ويستوعبه، وإذا لم يكن الأمر كذلك، يبقى الفرض الوحيد الممكن، أننا أمام روتين وممارسة علميتين ليس إلا، تقومان على بروتوكول التشخيص والاختبار، وهذان طبعا أمران يحتاجان إلى وقت، وليس في الأمر أي نشاز أو ضعف في اللجان العلمية، وإن كان من اعتقاد مغاير لهذا فهو راجع فقط إلى الشعور العام السائد، الذي دأب على الانتاج العلمي السريع، ووجود طب متقدم أكثر تقنية وفعالية، وفي وجود أجيال لم تعش أوبئة أو مراحل الحجر والتشخيص والبحث عن اللقاح، يجعل البعض يعتقد أن الطب عاجز، وربما احتمال  النهاية قريب لا محال، وهو ما يفسر إلتجاء الكثير إلى الدين كمنقذ من الأزمة، وانتشار أفكار من قبيل القيامة وانهيار العالم والعقاب والبلاء.

بعيدا عن هذه الأفكار الرجعية التي تكشف إلى أي حد مازال الكائن البشري المتبجح بحداثته وعصرنته وبعده التقني، غارقا في الثيولوجيا والخرافة، فإن ما يجب أن نؤكده هاهنا أننا لسنا سوى أمام ممارسة علمية ليس إلا، لها تقاليدها وبرتوكولاتها التي يجب اتباعها، قد تبدو لنا بأنها بطيئة وطويلة، لكنها ليس كذلك بالنسبة للعلماء، فهم أنفسهم صرحوا أن الزمن الذي احتاجه العلم لتشخيص فيروس كوفيد 19 والكشف عن طبيعته، يعد الأسرع في تاريخ تشخيص الفيروسات والأوبئة عموما، قد يبدو لنا أنه بطيء، لكنه ليس كذلك، وإن كان هذا لا يمنع ضروررة التفكير في تطوير أدوات الكشف وأساليب التشخيص والتجريب حتى تغدو أسرع أكثر مما هي عليه، ولنا الحق في هذا الطمع، لكن الثابت أن مرحلة التشخيص هي أسرع مما نعتقد ونشعر، أقول هذا وأنا أتحدث من داخل النسق العلمي القائم طبعا، لأننا لسنا أمام طفرة علمية، بل فقط مستجد علمي يتلاءم مع مقتضيات النسق العلمي القائم، ما يعني أنه حتى لو كان هناك مدبر، فقد طور الفيروس بفضل الأدوات القائمة، والدليل أن دواء مثل الكلوروكين الخاص بمرض الملاريا أبان عن قدرة علاجية لا يستهان بها في القضاء على الفيروس، كذلك حسب ما جاء في إحدى الدراسات البريطانية، أن الملقحين بلقاح داء السل، أكثر نجاة ومقاومة لفيروس كرونا من غيرهم بست مرات، وعليه فالفيروس كما هو واضح لا يخرج عن المنظومة العلمية السائدة، إذ لو كان كذلك لعجز الانسان عن تفسيره بالنظم المعرفية القائمة، كما أن عملية مقاومته ستستدعي منظومة علاجية جديدة.

لذلك أظن أنه إذا كان هناك من مؤامرة، فإن أمرها سياسي أو اقتصادي ليس إلا، أو هما معا، وأداة السيطرة والهيمنة توسلت بالسلاح البيولوجي، وهو ما يضعنا أمام منظر سيكون حالا بعد الجائحة، سواء كان الأمر مدبرا أم لا، إذ أن واقعة كرونا أبانت أن دولا كثيرة كانت إلى عهد قريب رائدة في العلم، اليوم تجد نفسها عاجزة عن فعل أي شيء، سوى اتباعها للطرق التقليدية التي أشرنا إليها سابقا، ما يعني أن هناك ركود علمي باتت تعرفه هذه الدول، خاصة في جانبها البيولوجي الطبي. فضلا عن هذا  فإن الواقعة ستثير انتباه هذه الدول وغيرها من الدول العظمى إلى ضرورة إيلاء الأهمية القصوى للبعد البيولوجي والطبي، وتوفير ميزانيات ضخمة لهما، وهو ما سينعش هاذين التخصصين، وسيدفع هذه الدول بدءا من هذه اللحظة إلى دمج البعد البيولوجي ضمن أولوياتها، بل وجعله جزءا لا يتجزء من أمنها القومي.

فحالة المعركة أبانت أن كثيرا من الدول أضحت مهددة في وجودها واستمراريتها، ويمكن التلاعب بها عن طريق الأسلحة البيولوجية، لذلك أفترض أن ثورة بيولوجية ستندلع بعد الجائحة، مما سيؤدي إلى انتعاش الاقتصاد البيولوجي، بل أظن أن حربا باردة ستجري في هذا الشأن، نتيجة التسابق من أجل التسلح البيولوجي. فجائحة كرونا سواء بالصدفة أو بتدبير، نبهت الدول العظمى نحو التسلح البيولوجي، كأداة فعالة وفتاكة في الدفاع عن النفس، وحماية الأمن القومي، بالمقابل فإن حالة المعركة أظهرت أن دولا كثيرة كانت مجرد متفرجة وفي حالة انتظار، وهو ما يعرضها لموجة جديدة من الاستعمار، وربما الاحتلال بدعوى الحماية البيولوجية، بل إن ظروف الوباء وما فرضته من حجر واقتراض من صندوق النقد الدولي، سيكون له أثر بالغ السوء على هذه الدول، إذ سيؤدي إلى انكماش حاد في اقتصادها، نتيجة الانكماش العام في الاقتصاد الدولي، والاقتصادات التي ترتبط بها هذه الدول، وهو ما سيجعلها في حالة من العوز والفقر الاجتماعيين والتقهقر الاقتصادي، كما أن الاقتراض سيعمق من تبعيتها ويعرضها أكثر للإملاءات الخارجية. أما الاقتصادات الكبرى، وإن كان الانكماش الاقتصادي سينعكس عليها سلبا، إلا أنها ستتمكن من تجاوزه عبر الاحتياطات التي تتوفر عليها، فضلا عن التضامن الذي سيعبر عنه الاتحاد والحلف، دفاع عن وجودهما واستمراريتهما، كما أن وضعية الانكماش قد تدبر عبر ارتباطات اقتصادية جديدة، وهو ما سيشعل عملية المنافسة بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى. دون هاذين فالاقتصادات المحاصرة أو المفروضة عليها عقوبات اقتصادية، ستعاني كثيرا، وواقع الأزمة سيضطرها إلى التجاوب مع المجتمع الدولي وتقديم تنازلات كبيرة، سواء على مستوى المواقف أو بالإلتجاء إلى القروض وهذا أمر وضحنا مساوئه ومخاطره أعلاه.

أود الإشارة هاهنا، إلى أن تركيزي على الصين أو أمريكا في مقاربة مفهوم المؤامرة، أو في عملية التحليل، لا يعود إلى إقصاء لدول أخرى مثل روسيا، أو لأقطاب اقتصادية مثل الشركات الكبرى، ولكن لأن عملنا يرتكز على الرد على المناظر المحتملة ومجال فروضها، التي في الغالب كان نقاشها محصورا بين الصين وأمريكا، أقول هذا دون أخذ بعين الاعتبار، أن ذات الخلاصات سننتهي إليها رغم تغير الأطراف.

من بين الأشياء التي أفترضها أيضا، أن الواقع الرقمي سيتقوى بشكل كبير جدا، لأن العالم المعولم في وبائه، لم يكن له من سند في مواجهة الانتشار المهول للفيروس إلا الواقع الافتراضي، وإلا كان العالم قد أصيب بشلل تام، لذلك أعتقد أننا سنشهد ما بعد كرونا ثورة كبيرة على المستوى الرقمي، ستهم كل مناحي الحياة….. إذ أنه وبالرغم من الحصار الذي فرضته كرونا، إلا أن العلاقات البشرية ظلت مستمرة، بفضل أدوات التواصل الرقمية، سواء على مستوى المال والوظائف والاستيراد والتصدير والتبضع…. أي الشأن الاقتصادي بشكل عام، أو على المستوى السياسي أيضا، الذي استطاع إلى حد ما، بفضل القاعدة الرقمية أن يدبر شؤونه الداخلية والخارجية والدولية بسلاسة، لأننا سجلنا بعض التعثر في البداية، وهذا راجع في نظرنا إلى الصعوبات التي اعترضت هذه السلوكات البشرية المستجدة، والتي لا تتمثل في رفض البعد التقني كآلية للتواصل، ولكن عادة المباشرة الفزيولوجية في التواصل، جعلت التعامل مع الوضع الجديد أمرا يتطلب نوعا من التكيف، وقد كان لإيقاع الأزمة دور في تسريع عملية التعامل معها.

كذلك من بين الملاحظات المهمة التي مكنتنا من استخلاص مدى قيمة البعد الرقمي داخل واقعنا المعيش الجديد، والتي استشفيناها من حياة الحجر الصحي، أنه لولا وسائل الترفيه والتواصل الاجتماعي اللتان بات يوفرهما الواقع الرقمي، ما كان لكثير من الناس أن يتعايشوا نفسيا مع الأزمة، ويتحملوا الوضعيات السلوكية المفروضة عليهم، بحيث أن المجتمعات أو الأفراد الذين يفتقدون إلى هذه الخدمات أو يعوزهم ذلك، أغلبهم عبر عن امتعاض وتذمر وشعور بالانهيار وسط الحجر، بسبب غياب المؤنس الافتراضي، من أجهزة رقمية وأنترنيت، ما يعني أن الوسائل الرقمية التي انطلقت منذ فترة، الآن لم تعد مجرد دخيل يحقق الكماليات أو جزءا من عالم الرفاهية فقط، بل أضحت واقعا وجوديا للبشر، وسنفصل في هذا الأمر ضمن مقال آخر سنأتي على ذكره في النهاية، “كرونا والاسئلة الفلسفية العالقة”، كما أن عملية التوعية بضرورة الوقاية من الوباء، ودفع الناس إلى ملازمة بيوتهم، أو تحفيزهم نحو التضامن، ما كان ليتم لولا الأدوات الرقمية التي سهلت عمليت التواصل والاختراق الواسع لشريحة كبيرة من البشر. إضافة إلى هذا فعملية تشخيص المرض نفسها، كانت تتطلب السرعة في الانجاز لتجاوز حالة العدوى المهولة، وهذا أمر كان يصطدم بعائق الأجهزة التقنية البطيئة، لذلك لاحظنا كيف أن السباق العلمي اتجه بقوة نحو الاستعانة بالأدوات الرقمية من أجهزة وتطبيقات ذكية، من أجل تذليل هذه المعوقات وتطويق العدوى. لذلك نعتقد أن منظر ما بعد كرونا سينحو نحو هذا الواقع الرقمي الافتراضي، وسيعززه بشكل كبير جدا، نظرا لما أبان عنه من فاعلية في هذه الأزمة، كما أنه سيغدو واقعا احتياطيا لمواجهة الأزمات المفترضة مستقبلا، عوض التعاملات المادية البطيئة المكلفة وغير المضمونة، والصعبة الضبط أثناء الأوبئة، كما تعلمنا كرونا. لهذا سيكون الواقع القادم في نظرنا على وقع منافسة شرسة في هذا الجانب، اقتصاديا وسياسيا وعلميا وتربويا، وعليه فإن عالم ما بعد كرونا سيتجه في اعتقادنا بالحياة البشرية نحو انفتاح كلي على هذا الواقع الرقمي.

لذلك أجد أن التغيرات الممكنة ستهم هذه الجوانب فقط، قد تتغير المواقع وتتبدل ويعاد ترتيب المشهد، لكن كل ذلك سيتم على ذات رقعة النظام الرأسمالي القائم، الذي في عولمته أبان عن خطره وقوة هلاكه، ولعل هذا سيدفع المعبرين عن هذا النظام إلى ضرورة إعادة النظر في كثير من الجوانب المتعلقة بالعولمة خاصة في شق السلامة والوقاية والأمن، وهذا سيهم في نظرنا بداية، ضرورة إعادة النظر في كل من  مفهوم الدولة القطرية والدول الاتحادية، حيث نفترض أن قوانين العبور والتنقل ستشهد تغيرات كثيرة، إذ ستتجه الدول نحو تشديد أدوات المراقبة والتبادل والتصدير والاستراد، انطلاقا من المبادئ الثلاثة التي أشرنا إليها أعلاه، وهو ما سيؤدي إلى تهميش أكثر للمناطق المهمشة وتكتل الدول الاتحادية، وعوض فكرة انهيار الاتحاد الأروبي الرائجة، بالعكس سيتقوى أكثر ويلتحم عبر استدماج الأمن البيولوجي ضمن اتحاده، وتخصيص ميزانية له.

فالجائحة وإن أحدثت مشاكل لدول الاتحاد الأروبي، إلا أنها أبانت في ذات الوقت عن بعض الثغرات التي يعيشها الاتحاد، والتي عجز من منطلق اتحاده والتضامن المفترض فيه أن يدبرها، وهذا في نظرنا لا يعود إلى تقصير أو رفض، ولكن في الحقيقة إلى ضعف فيه، لذلك ستشكل الجائحة فرصة لإعادة ترتيب أوراق الاتحاد من جديد، فضلا عن أنها ستشكل تطعيما للاتحاد ولشعوبه في كيفية التعامل مع الأزمات البيولوجية. طبعا الذاكرة البشرية تتميز بالنسيان، فقد يحدث ألا تمر ذات الأجيال من نفس المحن، مما يعرض الأجيال القادمة إلى الافتقاد للخبرة، وبالتالي إلى التعامل باستخفاف مرة أخرى مع الجائحات البيولوجية المحتملة. طبعا من الممكن أن يحدث هذا، لكنه لن يكون كذلك مع الحكومات، وبالتالي ستكون الدولة أكثر صرامة من ذي قبل في التعامل مع أي وباء، بل إن التعامل مع الوباء سيفرض صندوقا احتياطيا له على الدوام سواء على المستوى المالي أو التقني أو الطبي أو البيولوجي، وهذا واحد من الأمور التي ستعرف تغيرا فيما بعد الأزمة، بل وسيقوي من وجود الدولة وحضورها، وسيعيد مفهوم الدولة إلى الواجهة من جديد كما بينا ذلك من قبل بغض النظر عن الاتحاد. بل أفترض كذلك أن جائحة كرونا ستفرض ضرورة إعادة النظر في ميثاق الحلف بين الاتحاد وأمريكا، حتى يستجيب لما يفترض فيه، ويؤدي الدور المنوط به أكثر من أي وقت مضى، سواء أمام نفسه، أو أمام مخلفات الجائحة، وما قد تسفر عنه من نكسات، ومنافسات سياسية واقتصادية.

فضلا عما تمت الإشارة إليه من قبل، فإنني أفترض أن الكشف العلمي سيتوجه نحو التفكير في إبداع أساليب جديدة للوقاية والتشخيص والسلامة والتطبيب والعناية والعلاج، بناء على واقعة كرونا ودروسها، وهو ما سينعكس على سياسة المدينة والبيت والتربية. وبذكر التربية فأنا أفترض أن الدول المتقدمة ستكون مضطرة مرة أخرى إلى ضرورة إعادة النظر في أساليب التعليم بما يتلاءم مع آثار الوباء، حتى يستجيب لأدوات الوقاية والتربية والتوجيه، باعتبار أن حالة الاستهتار والانفلات واللامبالاة التي شهدتها عديدة من الشعوب في التعاطي مع الوباء، يكشف عن واقع التعليم والتربية المترديتين خاصة في الدول الديموقراطية، أما تلك التي ليست لا بالقوية ولا بالديموقراطية، فلا حديث عنها هاهنا، لأن جل ما سيحدث فيها لن يمس سوى الجوانب الشكلية، وهذا لن يغير من واقع الحال شيء، علما أنها الفرصة المواتية للتغيير، لما أبانته بعض المجتمعات منها في التعاطي مع الوباء على مستوى التضامن والتكافل ومواجهة الأزمة، رغم شح الوسائل وضعفها، وأخص بالذكر هاهنا المغرب البلد الذي أنتمي إليه.

قلت، أن الديموقراطية منها ستعيد النظر في هذا، بل ستعيد النظر في الديموقراطية نفسها بما يجعلها متلائمة مع آثار الوباء ووضع المعركة البيولوجية المستجدة، وحالة الطوارئ، حيث أن دخول هذا الاعتبار، بالاضافة إلى دور الدولة الطلائعي في هذا الشأن، فضلا عن الأمن القومي، وضمان شروط السلامة والوقاية، سيفرض ضرورة الإعلاء من شأن القانون وتخليق الحياة العامة قانونيا، انطلاقا من مقاربة الكل بما في ذلك مفهومي الحق والحرية، ضمن مفهوم الحق الكلي غير المتجزئ، أي الحق الذي ينبع من الانسان نحو أفق الأمة، باعتبار أن ضمان البقاء للأنا والآخر المواطنين، في غياب وعي بهما، يعرض الباقي للضياع، وهو ما يستوجب ضرورة فرض الأمر بقوة القانون، حماية للجميع ودفاعا عن مفهوم الأمة.

أعتقد أن هذا هو المنظر الذي سيكون بعد جائحة كرونا، وهو ما سينعكس على مجموعة من المفاهيم بالاضافة إلى التي أشير إليها سابقا، كمفهوم الحق والحرية والحرب، إذ أن حماية الأمن القومي والدور الذي لعبته الدولة طيلة فترة الأزمة، سيفرض ضرورة إعادة النظر في التربية كما أشرنا سابقا، لأجل ذلك ستعمل الدولة على تحميل المسؤولية الفردية في الحفاظ على المجتمع وأمنه واستقراره، الأمر الذي سيفرض بالضرورة تحجيم بعض الحقوق والحريات، طبعا بما يتلاءم مع الحفاظ على المجتمع وأمنه القومي، ومن ثم ستكون دول الرفاهية أمام محك لإعادة النظر في طبيعتها، وجعلها أكثر صرامة. طبعا هذا لن يمس من جوهر ديموقراطيتها، لكن سيجعلها أكثر جدية وصرامة ورشدا، حتى ينعكس الأمر على التعليم ويغدو أكثر إنتاجية، سواء على مستواه الأخلاقي أو العلمي، ويؤدي الدور التوعوي والتكويني المنوطين به، كما أن مفهوم الحرب في شكله السابق على كرونا، أضحى مقارنة بها كلاسيكيا، لأنه أبدع شكلا جديدا من المواجهة والدفاع، وهو ما يغير من طبيعة الجيش النظامي، الذي لم يعد الجنود المنضوين تحت لواءه وحدهم العناصر البشرية المكلفة بعملية الدفاع والحماية، بل صار الشعب كله في ظل هذه النوع من المعارك البيولوجية عبارة عن جنود، وهو ما يتطلب ضرورة تكوينهم وتأهيلهم، وهذا الدور لا يمكن أن يلعبه سوى التعليم والتربية.

وعليه فكما هو واضح من خلال كل الفروض التي طرحناها، يتبين إذن أن مجمل التغيرات المطروحة لن تمس من جوهر النظام العالمي القائم شيء، اللهم تلك التغيرات التي ستمس طرق اشتغاله، وكأننا أمام صفحة جديدة من الرأسمالية في الدفاع عن وجودها واستمراريتها، وانبعاث القوى التقليدية المعبرة عنها من جديد، بالاضافة إلى قوى أخرى أبانت عن عظمتها وصمودها، وفرضت ضرورة التعامل معها من هذا المنطلق، حتى أنه قد تظهر مجموعة من الارتباطات الاقتصادية بشكل كبير جديد وسيكون عمادها الصين، نظرا للدور التضامني الذي لعبته في الأزمة، وهو ما يفرض من منطلق الدبلوماسية الدولية، ضرورة أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، وأضعه ضمن هذا القوس، أي أن ما أقدمت عليه الصين لا يعدو أن يكون مجرد ممارسات دولية ليس إلا، لا تعبر بأي وجه لا عن منطق القوة وبداية عهد رأسمالي بقيادة الصين، ولا عن ممارسات شيوعية، تفتح الباب لعودة النظام الشيوعي كما يتوهم الكثير، وقد سبق لي أن أوضحت هذا في مقال تحت عنوان: “الصين وكوبا… شيوعيتين…أوهام تاريخية”.

فضلا عن هذا، يمكن للتجربة الصينية في التدبير والتسيير والتنظيم السياسي والاقتصادي والطبي، أن تغدو تجربة ملهمة ومحط تقليد، لكن هذا كله في نظرنا لن يغير من واقع الحال شيء، أي أن النظام العالمي القائم مازال ثابتا ومستمرا، قد تشتد فيه المنافسة الاقتصادية والسياسية، وربما يعرف نوعا من التقاطبات الدولية، لكن هذا لا يعرضه للانهيار والتغير، وإن كنت مازلت متمسكا بذات الطرح الذي انطلقت منه، كون أمريكا ماتزال هي القوة العظمى الأكثر هيمنة على العالم، ويصعب تجاوزها للأسباب التي ذكرتها سابقا، بل أفترض أنها ستكون أقوى من أية فترة مضت، وأن المشهد القادم يبدو أنه سيكون مشهد الجهر بالهيمنة الأمريكية والتعبير عنها بشكل ملموس، بعيدا عن الخطابات الديبلوماسية المراوغة والديماغوجية، ولعل هذا ما تعبر عنه الصورة “الثرمبية” وتسعى إلى فرضه، وحين أفترض هذا فأنا لا أسترشد بفكرة أن الفيروس أمر دبرته أمريكا، بل أنطلق من واقع الحال القائم، وهو أن أمريكا في كل الحالات مازالت الأقوى، ويمكنها أن تتجاوز كل الأزمات، وأن الرأسمالية الراعية لها مازالت بخير، ولا يمكن لفيروس أن يدمرها، أو أن يهدد أمريكا التي قد تحرق العالم من أجل استمراريتها، ولن يهمها في هذا عدد الضحايا سواء كانوا أمريكيين أو غير أمريكيين، كله فداء لأمريكا الفكرة، لأمريكا الأمة، لأمريكا النظام، لأمريكا العالم، ولكل معركة كما قلت سابقا ضحاياها، لكن من أجل الوطن كل شيء يهون، من أجل الانتصار لابد من تقبل الخسائر.

أما مسألة  انتشار الفيروس بشكل مهول، فإن كان أمره يرعبنا نحن الشعوب، فهو ليس كذلك بالنسبة للحكومات التي تدرك أن الأمر يعود لطبيعة الوضع الدولي القائم على نظام العولمة، لذلك فهي تتعامل من منطلق أنها في حالة حرب تسعى إلى الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، باستثناء أمريكا وصنوها من الدول القوية فهي لا تكتفي هاهنا بالدفاع فقط، بل تلعب لعبتها الاقتصادية والسياسية، وأمريكا خصوصا لها ما يكفيها من الوسائل والإمكانات لمجاراة هذه الحرب، وكما قلت يمكنها أن تحرق العالم من أجل نجاتها، إن اضطرت إلى ذلك، ولن تضطر.

أمام هذه الافتراضات التي طرحناها في خضم معركة كرونا، والتي اعتبرناها معالم ترسم عالم بعد كرونا، الذي يظهر أنه لا يختلف كثيرا عن عالم ما قبلها، فإن المنظر الذي شيدناه هاهنا وإن كان واقعيا بطبيعة الحال، وهو القادم في نظرنا، إلا أن خلفه يوجد منظر آخر يقبع في آفاقه الممكنة، يمكننا استقراؤه واستشرافه، فعلا هو غير قابل للتحقق آن لكن من الممكن أن يصير كذلك. فمعركة كرونا وإن كانت في نظرنا مسلسل مستمر من تاريخ الانسان المعاصر، إلا أنها تستبطن افتراضات أخرى يمكن أن نجعلها لعالم ممكن، نشيده في مخيلاتنا وكتاباتنا، ليست ذات طابع طوباوي كما قد يعتقد البعض، بل بمقومات فلسفية، نستشفها هي الأخرى من ذات المعركة، ويمكننا في صددها أن نقول أنها تجاوز لما قبل كرونا، وبداية لعهد إنساني جديد، في شكله الأخلاقي والعلمي، والاجتماعي، نأمل أن يتحقق، وهذا ما سنعمل على توضيحه في مقال آخر تحت عنوان: “كرونا والاسئلة الفلسفية العالقة” .

أود الاشارة أيضا إلى أنه من الممكن وكاستمرارية للمقال الأول بعنوانه، مع بعض الإضافة، أن أتناول الشأن المغربي وأعالجه بنفس الكيفية تحت عنوان: “المنظر بعد كرونا في المغرب: القائم والممكن “.

Print Friendly, PDF & Email