اولا_ النظرية الواقعية التقليدية في العلاقات الدولية

  تهدف الورقة الى تناول النظرية الواقعية من خلال الاجابة على الاسئلة التالية:

_ ما هى الظروف التى أسهمت فى بروز النظرية الواقعية التقليدية كنظرية جديدة فى العلاقات الدولية.؟ 

 _ ما هي المبادئ التي تقدمها النظرية الواقعية التقليدية ولاسيما ما يتعلق بالطبيعة الانسانية والدولة. ؟

_ ما هى رؤية تلك النظرية للسياسة الدولية؟ وما هي وجهات النظر المطروحة في هذا الشأن؟

_هل أصابت النظرية الواقعية التقليدية فى افتراضاتها ام انها تعرضت للنقد؟ 

وفى محاولة الاجابة على تلك الاسئلة يتم تناول المحاور التالية من خلال المحاضرة :

 _ السياق التاريخى لبروز النظرية الواقعية التقليدية. 

_  الافتراضات التى بنيت عليها النظرية الواقعية التقليدية.

_  المفاهيم المركزية في النظرية الواقعية التقليدية.

_  الانتقادات الموجهة للنظرية الواقعية التقليدية.

تمهيد:

       على عكس التيار المثالي الاخلاقي الذي يدعو الى اخلقة العلاقات الدولية، فإن الاتجاه الواقعي ولا سيما الكلاسيكي منه، ينظر الى العلاقات الدولية على انها علاقات صراع من اجل القوة، حيث ينطلقون في دراستهم للظواهر السياسية من الواقع الدولي المعيش .

         لقد ظهرت الواقعية التقليدية في عام 1940، حيث هيمنت على عقول الشباب من الدارسين، لمادة العلاقات الدولية في الولايات المتحدة، وتمت معالجتها من الأكاديميين إلى عام 1950 الواقعية كنظرية سياسية، ترجع جذورها إلى تاريخ تأكيدات ثوسيديدس قبل أكثر من ألفي عام في حوارات ميليان بأن ” الأقوياء يصنعون كل ما تمكنهم القوة من صنعه، فقد دأب دعاة الواقعية على ترديد التفسير القائل بأن طبيعة الإنسان وماتمليه الفوضوية في النظام الدولي يؤديان إلى ما أسماه فريدريك الأكبر ” المبدأ الدائم للحكام. [1]

  أولا_ الأصول التاريخية للواقعية الكلاسيكية:

       لقد كانت بداية ظهور النظرية الواقعية في العلاقات الدولية فى القرن الخامس قبل الميلاد فى اليونان وذلك من خلال قيام الفيلسوف اليونانى “ثيديديس” بوضع الاسس العامة لها ، وذلك يرجع الى خلفية خبرته بحرب البولينيز، حيث رأى “ثيديديس” إلى أن السبب الرئيسي للحروب القائمة آنذاك هو قوة أثينا والخوف من “اسبرطة”، الى أن جاءت فكرة الدولة بداية عند الامبراطورية الرومانية المسيحية حيث وجد نوع من الوحدة المدنية في أوربا فيما بين 1500 و 1800ميلادية. [2]

           ويعد مكيافيللي(1469_1527) “Niccolo Machiavelli ” اول من كتبوا في عصر النهضة، وقد قدم آراءه الفكرية بهذا الصدد في مؤلفات الذي نال درجة كبيرة في The Prince ومن اشهرها كتاب الأمير الشهرة العالمية. ويعد نيكولا ميكافييلي أول محلل سياسي حديث للقوة وقد حاول في كتابه الأمير وغيره أن يعطي صورة واضحة للقوة وكيفية استخدامها من قبل الحكام وهي لحد الان موضوع جدل ونقاش,وانطلاقا من مقولته الشهيرة ((الغاية تبرر الوسيلة[3].

          _ توماس هوبز : حيث ركز على الطبيعة الانانية والعدوانية للإنسان من خلال مقولاتة” حرب الجميع ضد الجميع “كما يرأى ان القوة عامل حاسم فى السلوك الانسانى ، ومن ثم فإن الانسان دائما يسعى لامتلاك مزيد من القوة وبالتالى يؤكد توماس هوبز على اهمية القوة فى العلاقات الدولية. ([4])

ثانيا_ مبادئ النظرية الواقعية الكلاسيكية:

01_ الاخلاق ليست المحدد السياسي (فصل تام بين الاخلاق والسياسة)

02_اعتبار التاريخ مخبر لدراساتهم حيث ان النظرية السياسية هي نتاج التجارب التاريخية، حيث اهتم الواقعيون بدراسة التاريخ.

03_السلوكية الدولية تتحكم فيها عوامل موضوعية كامنة في الطبيعة البشرية، وبالتالي وجود عوامل ثابتة وغير قابلة للتغير تحدد السلوكية الدولية حيث من الخطأ، كما فعل المثاليون، الرهان على أن المعرفة والثقافة، يمكن أن تغير بسهولة في الطبيعة البشرية وفي الرأي العام.

04_المصالح غير منسجمة بين الدول، وانما متناقضة قائمة على علاقات الصراع، والقائد السياسي يتصرف طبق المصلحة الوطنية.

05_ للفرد حق أخلاقي، اما الدولة فلا يمكن ان تقدم موقف على حساب عمل سياسي.  _ الرأى العام يتغير بشكل سريع لذلك ولذا لا يصلح لاعتمادة مرشدا لصانع القرار. 

ثالثا_ المفاهيم المركزية في النظرية الواقعية الكلاسيكية: 

          تعتبر مفهوم القوة، المصلحة الوطنية، تعظيم المكاسب، المساعدة الذاتية، العقلانية،  من المفاهيم المفتاحية التي اعتمدتها هذه المقاربة لتفسير السلوك الخارجي للدول وكذلك فهم وتفسير مختلف الظواهر المعقدة في السياسة الدولية بما فيها ظاهرة السياسة الخارجية، والسلوك الخارجي للدول، وتتمثل هذه المفاهيم في:

01_ مفهوم  توازن القوى :

         يمثل توازن القوى، وفقا للنظرية الواقعية، من المنظور الكلاسيكى ضمانة لتحقيق السلم، فإذا اختل الميزان لصالح دولة ما فإنها هى التى تتجه إلى إعلان الحرب، ويشير فى مفهومة المعاصر إلى أن هناك صلة قوية بين معدل النمو الاقتصادى والقوة والحرب، فطبيعة النمو الاقتصادى وسرعته يزيدان من مقدرات الدول، وذلك من شأنه أن يؤدى إلى وقوع الصراع ونشوب الحرب بين الدول.

02_ القوة:

         تعتبر النظرية الواقعية القوة محدد رئيسى للسلوك الدولى، حيث انة فى ظل غياب المؤسسات والاجراءات لحل النزاعات فى العلاقات الدولية , فالدول تبقى قوية لأنها إما قوية أو لأن دولا أخرى تضمن حمايتها و يجب أن تجعل هدفها الأول هو الحفاظ على قوتها أو زيادتها ، لأن القوة تعني القدرة على خوض غمار الحرب، ولهذ فالدول تؤكد دائما على أهمية بناء مؤسساتها العسكرية.[5]             

03_ المصلحة القومية :

        تحقيق المصلحة القومية للدولة هو الهدف النهائي المستمر لسياستها الخارجية، ومن ثم السياسـة القوميــة تكون هي محور الارتكاز، أو القوة الرئيسية المحركة للسياسة الخارجية لأي دولة من الدول.
رابعا_ نقد النظرية الواقعية التقليدية : 

        على الرغم من تبنى النظرية الواقعية تفسير علمى للظواهر الدولية والاوضاع الدولية هو الامر الذى قد يسهم فى اسكات ناقديها، لكن فى اطار ظهور بعض النظريات من وقت لآخر، أصبحت هناك تحديات فى مواجهة الواقعية، مثل الليبرالية الجديدة ومابعد الحداثة، والنظريات النقدية والبنائية أكدت تلك المدارس أن الواقعية لم يعد بإمكانها الهيمنة على مجال العلاقات الدولية وهو الامر الذى أكد على نجاح ناقديها ومن ثم قاموا بتوضيح جوانب القصور فى النظرية الواقعية محاولين توضيح الجوانب المهملة مع محاولة ايجاد حلول للعديد من المشكلات حتى يستطيعوا القيام بعملية إحلال للواقعية من ناحية أخرى. ([6])

_  لقد قرنت النظرية مفهوم المصلحة القومية بمفهوم القوة وجعلتهما مرادفين ,حيث ان المصلحة القومية ممكن ان تتغير من وقت لاخر دون ان يكون للقوة أي ارتباط .

_ انها تنظر اي النظرية الى تطبيق سياسة توازن القوى على انه افضل الوسائل لادارة علاقات القوة في المجتمع الدولي ،الا ان تطبيق سياسات التوازن اثبت عجز هذه السياسة عمليا عن تحقيق السلم والاستقرار.  وخير مثال على ذلك اندلاع الحروب الكثيرة في ذلك الوقت وخاصة الحرب العالمية الاولى.

_ لقد اغفلت النظرية تماما دور الاخلاقيات في العلاقات السياسية الدولية ، وهذا لايتفق مع الاتجاه العام في تطور علاقات النظام الدولي ، كما انه لم يتفق مع ظهور دور المؤثرالاخلاقي في السياسة الدولية بدرجة يصعب انكارها.

_ النظرية بشكل عام قللت من دور المؤثرات الايديولوجية كقوى محركة للسلوك الدولي والعلاقات السياسية الدولية عموما ، انطلاقا من ان النظرية كونها تعتمد فقط على القوة والمصلحة باعتبارهما اساس السلوك الدولي وعماده.

_  واخيرا ان النظرية اخفقت في تحديد المفاهيم المختلفة للقوة والتمييز بين القوة التي تأتي كنتاج سياسي

، وهذا يرتبط بمقدرة الدولة على احداث تغييرات في سلوك الاخرين يلائم مصلحتها ، مما يعد وبلا جدل مصدرا للقوة السياسية . والقوة التي تأتي مجرد اداة اي استخدام القوة وصولا الى اهداف اخرى عديدة بما فيها الحفاظ على القوة نفسها .[7]

 بعض الانتقادات المضادة من جانب الواقعية:

         إن الانتقادات المضادة من جانب المدافعين عن استمرار ملاءمة المنظور الواقعي التقليدي تقوم على رفض تنبؤ تحليلات “النموذج الراديكالي” بتحول النظام الدولي أي بحدوث تغير كامل في الأساس المنظم للعلاقات الدولية، وانتهاء نموذج الدولة القومية، كما ترفض أيضا هذه الانتقادات المضادة تحليلات نموذج “الواقعية-الليبرالية” الذي يفترض ويتصور حدوث تغيرات داخل النظام القائم ذاته أي حدوث مجرد تغيير في ترتيب وطبيعة مكونات هذا النظام بسماته الأساسية أي اللامركزية والفوضوية، بعبارة أخرى فإن هذه الانتقادات المضاد ة تنكر حدوث أي من النمطين السابقين من أنماط التغير النظمي أي التحول من النظام التقليدي إلى نظام جديد، أو حدوث تغيرات أساسية في ترتيب الأجزاء داخل نفس النظام وهذه الانتقادات المضادة مبعثها كما يرى البعض غموض وعدم وضوح الظروف والخصائص الهيكلية الدولية الكامنة وراء السيناريو المقترح عن تحول النظام أوتغيره .  [8]

_ الخلاصة :

         يعتبر الواقعيون أن العلاقات بين الدول تقوم في ظل غياب حكومة عالمية. النظام الدولي فوضوي ولا يمكن فهم العلاقات الدولية على أفضل وجه إلا بالتركيز على توزيع القوة بين الدول. وعلى الرغم من مساواتها الشكلية، فإن عدم التساوي في توزيع القوة يعني أن ساحة العلاقات الدولية هي شكل من أشكال  سياسات القوة . حيث يصعب قياس القوة، كما أن توزيعها بين الدول يتغير مع الزمن ولا يوجد إجماع بين الدول حول كيفية توزيعها. ومع ذلك، تظل العلاقات الدولية جزءاً من عامل الضرورة  والاستمرارية مع الزمن. وحين ينظر الواقعيون إلى التغير في النظام الدولي يركزون أساسا على التغيرات في موازين القوى بين الدول وينزعون الى عدم ، احتساب إمكانية التغيرات السياسية يفي ديناميات النظام بحد ذاته.[9] 

            ونستخلص مما سبق ان بيئة السياسة الدولية عند الواقعيين هى بيئة الفوضى والحروب والمعارك حيث لا توجد سلطة عليا من شأنها ان تخضع الجميع لها وان تحمى وتحقق الامن الدولى فضلا عن انة لا توجد دولة عالمية تحكم العالم كما ان علاقة الامم بالسياسات الدولية تحمل صفة دينامية حيث انها تتبدل بتبدل السلطان ومتعلقاتة الامر الذى قد يدفع دولة قدما الى الامام فى صفوف الدول المتصارعة على السلطان بينما قد تحرم دول من الاسهام الفعال فى هذا الصراع .

           و أدى هذا إلى بروز نماذج نظرية تأخــذ بعين الاعتبار مختلف المتغيرات الداخلية في فهم و تفسير السلوك الخارجي.

  ثانيا _ الواقعية الجديدة:  Neo-Realism

 

        

  تعد الواقعية الجديدة التي تعرف أيضا بالواقعية البنيوية أو الواقعية العصرية بمثابة امتداد للواقعية التقليدية في الثمانينات . ومن أهم مؤيديها كينيث والتز وستيفن كريزنر وروبرت جيلبن  وروبرت تاكر وجورج مودلسكي . وهؤلاء تخطو كثيرا سابقيهم من الواقعيين التقليديين)من خلال جهودهم بإيجاد نظرية تجريبية  Atomistic Empiricism ) كانت إستراتيجية والتز الأساسية للمحافظة على الواقعية في وجه تحدي المذهب التعددي هي تقييد نطاق الواقعية كنظرية أولا.[10]

          في حين أن مورغانثو كان يعد ” النظرية ” مصطلحا فضفاضا على الرغم من إشارته المتكررة إلى قوانين السياسة وما شابه ذلك ، فإن والتز يرى أن النظرية قد عرفت بدقة بشأن الطريقة بالغة في فصله الأول وذلك بعبارات مستقاة من تفكير كارل بوبر العلمية كما تعكسها عدسة النظرية الاقتصادية الحديثة،  وقد وسع والتز مفهوم القوة ليتضمن عناصر أخرى غير القنوات القتالية ، وحاول الربط بين قوة الدولة ، وامتلاك عناصر مثل المساحة ، والموقع الجغرافي ، والموارد المادية والطبيعية ، والسكان ، ودرجة النمو الاقتصادي ، والتطور العسكري ، والاستقرار السياسي والكفاء . وهناك سمات معينة للواقعية الجديدة ، يمكننا إيجازها في الأتي :

1- تأكيدها على معنى الصراع السياسي الدولي للسيطرة ومن خلال العلاقات الاقتصادية الدولية ،وقد ذهبت الواقعية الجديدة إلى القول بأن كل من المدرسة الليبرالية والمدرسة الراديكالية في الاقتصاد أخفقت في إدراك وفهم هذه العلاقات الاقتصادية عندما تناولتها بمعزل عن العلاقات بين الدول ..

2_ تتميز الواقعية الجديدة بمفهوم الدولتية الأهداف والمصالح . تبعا لذلك فإن الدولة هي العامل الفاعل الرئيس ، ومذهب نظام الدولة هو المصطلح الذي يطلق على فكرة الدولة بوصفها الممثل الشرعي للإرادة الجماعية للشعب ، الأولوية القصوى لزعماء الدولة هي ضمان بقاء دولتهم ،  والاعتماد على النفس هو مبدأ العمل ضمن ظروف نظام فوضوي حيث لا يوجد نظام حكومة عالمية .[11]

             و يجيب من خلال دراسته للبنية النظامية على المستوى الدولي، حيث يرى وجود تغييرات على أفعال القوى أشد تأثيرا من تلك النابعة من السياسة الداخلية. و على هذا الأساس يمكن تلخيص أهم مبادئ و مرتكزات الواقعية الجديدة  في تفسيرها النسقي للسلوك الخارجي للدول، من خلال النقاط التالية:

أ- الدولة كفاعل أساسي، وحدوي و عقلاني: فالدولة هي الفاعل الأساسي في السياسة الدولية بسبب امتلاكها لوسائل العنف المنظم. خاصة و أن الدول تتجه إلى فهم بيئتها الدوليـة و ليس الداخلية. و هذا ما أشار إليه H.Kissinger حينما قال:” تبدأ السياسة الخارجية حينما تنتهي السياسة الداخلية .[12]

_ أيضا تعتبر الدول حسب هذا الاتجاه مجرد شخصيات مجازية مزودة بأهداف عقلانية، فالواقعية الجديدة تعتبر من المقاربات التي تعتمد علىنموذج  الرجل الاقتصادي the model of homo oeconomicus ، في تحديد أهداف الدولة العقلانية، فهي  تتصور و تفهم الفواعل كـفواعل أنانية (أو بشكل أعم ، موجهة الأهداف goal-oriented) الأفراد أو المنظمات سلوكاتهم ناتجة عن حسابات عقلانية للتكاليف والفوائد.

ب- الطبيعة الفوضوية للنظام الدولي هي التي تحدد سلوك الفواعل:

       تنطلق الواقعية الجديدة من القول بأن بنية النظام الفوضوية تفرض على الدول داخل النظام الدول نمط السلوك المتبع في بيئة المساعدة الذاتية و اللاأمن، و الدول في هذه الوضعية تكون مبرمجة للعب دور محدد تمليه إملاءات ترتيبها في سلم القوى الدولي.

        و تعرف الفوضوية بأنها تعبر عن حالة “غياب الحكومة” على المستوى الدولي، و يبقى هدفها الرئيسي ليس زيادة القوة كما اعتقد الواقعيون التقليديون، بل العمل على حفظ البقاء أو المحافظة على الذات Self-preservation ، و هذا ما يصيغهK.Waltz ، في معادلة أن الفوضى تؤدي إلى الاهتمام بحفظ البقاء، و هذا الاهتمام يؤدي إلى البحث عن المصلحة و القوة و الهدوء.

ج- العوامل الداخلية ليست عاملا مهما في السياسة الدولية: يتمسك الواقعيون الجدد بطرح صلب جدا بخصوص فصل السياسة الداخلية عن الخارجية و نفي أية علاقة بينهما، لذا ينفون أية  أهمية أو قيمة للعوامل الداخلية في تفسير و فهم السلوك الخارجي للدول، بحيث تختصر السياسة الخارجية ضمن الأطروحات النسقية الدولية، باعتبار أن النسق الدولي هو الذي يحدد طبيعة السلوك الخارجي للفواعل الدولية.[13]

02_ المفاهيم  المركزية للواقعية الجديدة:

1_ النظام الدولي:  اتخذ الواقعيون من النظام الدولي موضوعا رئيسيا لدراسة وتحليل نظريتهم بالاستناد الى الافكار النظامية والبنيوية المقتبسة من نظرية النظم لمورتن كابلن. ولما نتحدث عن النظام الدولي هنا فغننا نقصد كذلك انظمته الفرعية كنظام ثنائي القطبيةاو النظام التعددية القطبية وكذا الدولة كفاعل اساسي فيه.

2_ توازن القوى: ما يبرز في نظرية والتز لتوازن القوى هو فصله بين المستوى النظامي ككل والمستوى الجزئي لكونه يعتبر ان نظريته هي نظرية بحتة حول النظام بدون توابعه الجزئية

فهو يعتمد على النظام الدولي هنا كمستوى اساسي للتحليل وعلى الدولة كمستوى ثانوي للتحليل وعلى الدولة كمستوى ثانوي للتحليل.

3_ الأمن:  يعد الامن الهدف الاساسي الذي يصبو الى تحقيقه الواقعيون الجدد في تنظيرهم للعلاقات الدولية في اطار الواقعية الجديدة وذلك بديلا عن الكلاسيكين الذين يسعون الى القوة ولا غير الا القوة. وهو ما ادى ببعض المحللين في العلاقات الدولية الى تصنيف الواقعية الجديدة ضمن الاتجاه الاخلاقي اكثر منها ضمن الاتجاه الواقعي للعلاقات الدولية. [14]

03_ الانتقادات الموجهة للنظرية الواقعية الجديدة:

           اذا كانت نظرية والتز الواقعية لتوازن القوى تقر بافضلية نظام ثنائي القطبية على غيره من الانظمة الدولية الاخرى ، من خلال حفاظها على استقرار النظام الدولي واستمراريته زعدم تغييره، فإن نهاية الحرب الباردة وتحول النظام الدولي الثنائي القطبية الى نظام احادي القطبية يضعان الطرح الواقعي الجديد في مأزق لان نظام توازن القوى الذي هو جوهر نظرية والتز الواقعية لا يعمل الا في اطار نظام ثنائي القطبية.[15]

      إذا يبدو أن الواقعيين و خصوصا واقعية والتز البنيوية تفصل و تنفي أي تأثير و أهمية للسياسة الداخلية في تقديم أطر تفسيرية للسلوكات الخارجية للفواعل.

        غير أن هذه الطروحات الصلبة داخل الواقعية، لم تلقى قبولا من كل الواقعيين، وخاصة أنصار الواقعية النيوكلاسيكية في شقها المتعلق بتصورات الواقعية الدفاعية حول مدى صحة و انحصار تفسير السلوكات الخارجية للدولة في حدود معطيات البيئة الدولية و بنيتها الفوضوية. و هذا ما أدى بالنتيجة إلى انقسام أنصار هذا النموذج التفسيري إلى موقفين وفق معيار تأثير أو عدم تأثير السياسة الداخلية على السياسة الخارجية. و هذا ما سنتطرق له في العنصر الموالي. [16]

          يتضح مما تقدم، أن المدرسة الواقعية الجديدة، تؤكد على استخدام الأدوات الناعمة في السياسة الخارجية حيث حلت محل القنوات القتالية، كون هذا العصر هو عصر الاقتصاديات القائمة على المعلومات ، والاعتماد المتبادل الذي يتخطى الحدود القومية، أصبحت القوة أقل قابلية للنقل والتحويل، وأصبحت مادية ملموسة وإكراهية بدرجة أقل .وحتى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر بإيمانه العميق بسياسة توازن القوى التقليدي، جادل في عام 1975، قائلا:”  بأننا ندخل الآن عصرا جديدا.  إن الأنماط العالمية القديمة تتهاوى… لقد غدونا نعيش الآن في عالم من الاعتماد المتبادل في الاقتصاد والاتصالات والتطلعات الإنسانية.

    ثالثا  _ النظرية الواقعية التقليدية الجديدة / Neo-Classical Realism

         إن التطور المثير للنموذج المعرفي الواقعي من خلال الانشقاق بين ضفتي الفكر الواقعي “الدفاعية/الهجومية”، يعتبر من التطورات المهمة في التسعينات.  حيث شهدت الأدبيات الواقعية مجادلات كثيرة بين هاتين النظريتين فيما يتعلق بالدراسات الأمنية.

          فبعد النفي التام لتدخل العوامل الداخلية في تفسير السلوك الخارجي، حاولت “الواقعية التقليدية الجديدة” “Neo-Classical Realism” تخفيف حدة الفصل بين البيئتين الداخلية و الخارجية، بحيث قدمت مواقف وصفت بالمعتدلة. وتنقسم الواقعية النيوكلاسيكية بدورها إلى ما يعرف بالواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية.

أولا- الواقعية الدفاعية: The Defensive Theory 

         تفترض الواقعية الدفاعية أن فوضوية النسق الدولي أقل خطورة، و بأن الأمن متوفر أكثر من كونه مفقودا، و هي بهذا تقدم تنازلا نظريا بتقليصها للحوافز النسقية الدولية، و جعلها لا تتحكم في سلوكات جميع الدول، إنها بدأت تقر بوجود سياسات خارجية متميزة، و بالتالي الاعتراف بالآثار الضئيلة للبنيات الداخلية على السلوك الخارجية .

            فعندما تكون القدرات الدفاعية أكثر تيسرا من القدرات الهجومية فإنه يسود الأمن وتزول حوافز النزعة التوسعية. وعندما تسود النزعة الدفاعية، ستتمكن الدول من التمييز بين الأسلحة الدفاعية والأسلحة ذات الطابع الهجومي،  يمكن للدول امتلاك الوسائل الكفيلة بالدفاع عن نفسها دون تهديد الآخرين، وهي بذلك تقلص من آثار الطابع الفوضوي للساحة الدولية ، و بالتالي تخفف من حدة تأثير هذه البنية الفوضوية على سلوكات الفواعل. فالقادة السياسيون لا يحاولون وضع دبلوماسية عنيفة و إستراتيجية هجومية إلا في حالة الإحساس بالخطر، و بالتالي في غياب الأخطار الخارجية، الدول ليس لها دوافع آلية إلى إتباع هذه السياسات العنيفة . [17]

الانتقادات الموجهة للواقعية الدفاعية :

_ خلطت بين ما يجب أن تتعلمه الدولة من النظام الدولي مع ما تتعلمه الدولة فعلا

_ فشلت في إعطاء تفسير لحالة الدول المصححة أو التي تريد تغيير الوضع القائم.

_ إنها تحمل بعض التعاطف لمجادلة الليبرالية الجديدة، بأن الحرب يمكن تفاديها من خلال خلق وإيجاد المؤسسات الأمنية التي تقوم بدورها بالانحسار التدريجي للمأزق الأمني وتوفير أمن متبادل للدول المشاركة في تلك المؤسسات، ولكن الواقعية الدفاعية لا ترى في تلك المؤسسات الطريقة الفاعلة لتفادي جميع الحروب. [18]

ثانيا-الواقعية الهجومية:   The Offensive Theory 

 أهم روادها: John J.Mearsheimer/ Stephen Walt/ Farid Zakaria 

          ظهرت الواقعية الهجومية كرد فعل للواقعية الدفاعية، حيث انتقدتها حول المرتكز الأساسي لها في أن الدولة و في إطار الفوضى الدولية تبحث فقط عن أمنها، حيث ترى عكس ذلك بأن الفوضى تفرض باستمرار على الدول تعظيم و زيادة القوة(، لذا يعتقدون بتزايد احتمالات الحرب بين الدول كلما كانت  لدى بعضها القدرة على غزو دولة أخرى بسهولة، و بالتالي استمرار حالة الفوضى المطلقة.غير أن ما يميز هذا الطرح عن واقعية والتز هو عدم الإقرار بأن تفسير السياسات الخارجية و المخرجات الدولية لمختلف الدول يكون مبنيا على فكرة الفوضى، و هذا ما ترفضه الواقعية الهجومية كعامل واحد، فكما يؤكد ” فريد زكرياء” من أن التركيز على السياسة الخارجية للدول يجب أن يضم المتغيرات الداخلــية و النسقية و التأثيرات الأخرى مخصصة و محددة مظاهر السياسة الدولية التي يمكن تفسيرها بهذه المتغيرات.

        إن الواقعية الهجومية ترى بأن الدول تسعى للحصول على الحد الأعلى من القوة النسبية في مواجهة الدول الأخرى للحفاظ على هامش الأمن الموجود. المثال الجيد لهذا النوع من الدول، هي الدولة المهيمنة على نظام محدد، والتي تحافظ على أدنى درجات الخوف من الدول الأخرى في النظام. وعلى العكس من ذلك ترى الواقعية الدفاعية، أن الدول لا تسعى إلى تعظيم قوتها النسبية، وإنماتحاول إن تحافظ على مستوى قوتها في مواجهة الدول الأخرى بحيث لا تنحصر شيئا من قوتها النسبية في مقابل قوة خصومها. أي أنها تحاول الحصول على الأمن عن طريق بناء قدرات ثابتة أكبر من قدرات أعداءها مجتمعة، بينما تعتمد الواقعية الدفاعية. 390.استراتيجية أخرى صممت لتمنع الدول الأخرى من محاولة توسيع قواتهاالنسبية.[19]

           نستخلص أن النظرية الواقعية في صيغتها الدفاعية/الهجومية تمتلك مميزات نظرية جيدة في العلاقات الدولية منها لقد شكلت هذه المواقف الجديدة بالنسبة للواقعية النيوكلاسيكية، تحولا عميقا لدى المدرسة الواقعية فيما يتعلق بالحدود الفاصلة بين ما هو داخلي و ما هو خارجي. لتفتح المجال أمام ضرورة إعادة النظر حول تأثير المحددات الداخلية في توجيه السياسة الخارجية، و إزالة ذلك الفصل الصلب بينهما.



[1]_ احمد نوري النعيمي،البنيوية العصرية في العلاقات الدولية، مجلة العلوم السياسية: ع. 46. ص 12

[2] _ عبد الناصر جندلي ، التنظير في العلاقات الدولية بين الاتجاهات التفسيرية والنظريات التكوينية، (الجزائر: دار الخلدونية للنشر،2007) ص 133- 135ـ

[3]_ علي عودة العقابي،  مرجع سابق، ص 146 .

([4]) عبد الناصر جندلي ، التنظير في العلاقات الدولية بين الاتجاهات التفسيرية والنظريات التكوينية، مرجع سابق  ص 133- 135ـ

[5] _ ستيفن وولت العلاقات الدولية: عالم واحد، نظريات متعددة..ترجمة: عادل زقاغ  و زيدان زياني، تاريخ الاطلاع: 03/02/2017.                                 على الرابط :    http://www.geocities.com/adelzeggagh/IR.html  

[6] _ مي حسين عبد المنصف، النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، الحوار المتمدن، على الرابط:

 faculty.kfupm.edu.sa/IAS/alosail/Lectures/lectures                                                                                  

[7] _علي عودة العقابي،مرجع سابق،ص.161.

[8]_ نادية محمو مصطفى، العلاقات الدولية بين المنظور الواقعي  والدعوة الى منظور جديد ،السياسة الدولية ، 1985. ص 26_29

 [9]   مارتن غريفيثس تيري أوكلاهان، المفاهيم الاساسية في العلاقات الدولية (دبي : مركز الخليج للابحاث،2008)ص 108 .

[10] _ مي حسين عبد المنصف النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، الحوار المتمدن، تاريخ الاطلاع:12/03/2017.على الرابط:

 faculty.kfupm.edu.sa/IAS/alosail/Lectures/lectures                 

[11]_ احمد نوري النعيمي، مرجع سابق، ص 18.

[12]_ المرجع نفسه.

[13] بولمكاحل إبراهيم، تطور اتجاهات المدرسـة الواقعــية في تحليــل العلاقات الدولية و السيـاسة الخارجية، www.academia.edu/…/

[14] _ عبد الناصر جندلي، التنظير في العلاقات الدولية بين الاتجاهات التفسيرية والنظريات التكوينية، مرجع سابق، ص. 183_185.

[15]  ــــــــــــــــــ ، النظريات التفسيرية للعلاقات الدولية بين التكيف والتغير في ظل تحولات عالم مابعد الحرب الباردة، مرجع سابق، ص. 126.

[16] _ احمد نوري النعيمي، مرجع سابق، ص 22

[17] ابراهيم بولمكاحل، مرجع سابق.

[18]انور محمد، مرجع سابق، ص .388.

[19]_ المرجع نفسه، ص.389.