محمد عبدالرحمن عريف

ما حدث في عنتيبي الأوغندية هو سطر صهيوني جديد فهل حقاً “إسرائيل تعود إلى إفريقيا بشكل كبير، وإفريقيا قد عادت إلى أحضان إسرائيل؟. هذه العلاقات تتسم بأهمية كبيرة على الصعد الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية”. فهذا ما أكده نتنياهو قبيل مغادرته إلى أوغندا.

بداية فإن ما حدث في عنتيبي، من وصول رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان إليها في الثالث من شباط/ فبراير 2020، تزامنا مع زيارة نتنياهو ومعه رئيس الموساد “يوسي كوهين” إلى هذا البلد ما باب المصادفات. فنتنياهو ما لبث أن أعرب عن أمله في أن تفتتح أوغندا سفارتها في القدس قريبًا.. كذلك ما أفاده الجانب السوداني بأن زيارة البرهان “غير المعلنة” تهدف لإجراء مباحثات مع نظيره الأوغندي حول القضايا الإقليمية المشتركة.

بالعودة للخلف نجد للمحتل الإسرائيلي دور خفي في أزمة مياه النيل والذي له أبعاد تاريخية قديمة، وظهرت الفكرة بشكل واضح في مطلع القرن العشرين، تطمع إسرائيل في أن يكون لها بصورة غير مباشرة اليد الطولى في التأثير على حصة مياه النيل الواردة لمصر وبدرجة أقل السودان، وذلك كورقة ضغط على مصر للتسليم في النهاية بما تطلبه إسرائيل، بل إن للخبراء الصهاينة لغة في مخاطبة السلطات الإثيوبية تتلخـص في ادعـــاء خبيث يقول أن حصص المياه التي تقررت لبلدان حوض النيل ليست عادلة.

لقد ظهرت الأفكار الإسرائيلية بشكل واضح في مطلع القرن العشرين عندما تقدم الصحفي اليهود تيتيودور هرتزل ـ مؤسس الحركة ـ عام 1903م إلى الحكومة البريطانية بفكرة توطين اليهود في سيناء واستغلال ما فيها من مياه جوفية وكذلك الاستفادة من بعض مياه النيل، وقد وافق البريطانيون مبدئياً على هذه الفكرة على أن يتم تنفيذها في سرية تامة. ثم رفضت الحكومتان المصرية والبريطانية مشروع هرتزل الخاص بتوطين اليهود في سيناء ومدهم بمياه النيل لأسباب سياسية تتعلق بالظروف الدولية والاقتصادية في ذلك الوقت، وسنعرض لكافة هذه المشاريع في تسلسل هذه الدراسة لاحقاً.

يبدو أن الدور الإسرائيلي قد بدأ ينشط في السنوات الماضية، إذ بدأت سلسلة نشطة من الاتصالات مع دول منابع النيل خصوصا أثيوبيا (رئيس وزراءها زيناوي زار تل ابيب أوائل يونيو 2004)، وأوغندا لتحريضها علي اتفاقية مياه النيل القديمة المبرمة عام 1929 بين الحكومة البريطانية -بصفتها الاستعمارية- نيابة عن عدد من دول حوض النيل (أوغندا وتنزانيا وكينيا) والحكومة المصرية يتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه‏ النيل، وإن لمصر الحق في الاعتراض (الفيتو) في حالة إنشاء هذه الدول أي سدود علي النيل.

بناء على ما أسلفنا فإن تحويل مياه نهر النيل إلى إسرائيل ليست فكرة جديدة، وجاءت اتفاقية كامب دايفيد التي كانت وما زالت واحدة من أسوأ الاتفاقيات الدولية وآثارها الإستراتيجية الخطيرة ستستمر ما بقت هذه الاتفاقية قائمة بنفس بنودها واستحقاقاتها، ومن البنود الخطيرة لهذه الاتفاقية والتي حاول الموقعون عليها أن يبقوها طي الخفاء، في اتفاقية كامب ديفيت بند متعلق بشق مجرى مائي عبر أراضي سيناء ليصل بماء نهر النيل إلى الكيان الصهيوني الغاضب وفق دراسة الدكتور إليشا كالي السابقة، أو ما عرف وقتها باسم ” ترعة السلام “، وقد تم الإعلان عنه صراحة باسم “مشروع زمزم الجديد”.

تعد متطلبات المرحلة الراهنة مدخلًا لفهم حالة النشاط التي اكتنفت عملية صنع واتخاذ القرار فيما يتعلق بتفعيل العديد من أدوات السياسة المصرية تجاه دول حوض النيل، وهو ما يمكن تلمسه في دور اللجنتين الفنيتين اللتين يرتبط أداؤهما بشئون مياه النيل، حيث تختصان بدراسة التهديدات وسبل مواجهتها، لابد من لجنة مواجهة الأزمات وللجنة قانونية فنية مشتركة لمياه النيل”، فهي أقرب للجنة خبراء.

إن المطالبة بإعاقة تمرير أي اتفاق يدعم حصة مصر وحقوقها التاريخية، وهو ما طالبت به صحف رواندا، حيث أكدت ضرورة رفض أعضاء البرلمان لأي اتفاقية بين دول الحوض تعطى للقاهرة حق الاعتراض على أي مشروعات للتنمية تعتمد على مياه النيل، ترى أنها تؤثر على حصتها. هنا جاءت مرافقة رئيس الموساد “يوسي كوهين” لنتنياهو إلى عنتيبي للقاء البرهان، وهي ليست مصادفة، فـ”إسرائيل” لا تنظر إلى السودان في المتفرقات الجزئية والاختراقات الرمزية كحالة منفصلة عن أفريقيا السمراء والدول الخليجية التي تطبّع معها، من أجل السيطرة على هذه البلدان ونهب ثرواتها بدعم أميركي وغربي، وبتوطيد العلاقة مع إثيوبيا لبناء سد النهضة، والسعي الدؤوب لفصل جنوب السودان.

يبقى في النهاية أن مرحلة اتفاقيات السودان مع الكيان الإسرائيلي هي مرحلة الانتقال إلى ما بعد دول الجوار إلى جوار الجوار.. فرئيس مجلس السيادة السوداني لم يكن ليصل إلى مدينة عنتيبي الأوغندية في الثالث من شباط/ فبراير، تزامنًا مع زيارة نتنياهو إلى هذا البلد من باب ضربات الودع.. وإنما جاء كخطوة لتل ابيب بين عنتيبي والخرطوم ذلك نحو إحياء عديد المشاريع الإسرائيلية القديمة بين منابع النيل ومصبه.