انتقلت قضايا المياه في إفريقيا منذ عام 2025 من كونها مصدر قلق بيئي وتنموي إلى محور للأمن الوطني والإقليمي في عدد من الدول. وتتصاعد هذه القضية في ظل التوترات الجيوسياسية في شرق إفريقيا، نتيجة سعي دول غير ساحلية أو حبيسة للوصول إلى منافذ بحرية، ومخاوف دول المصب من الآثار المحتملة لمشاريع السدود الضخمة، فضلاً عن مزاعم حول عدم الاستقرار في البنية المؤسسية لإدارة الموارد المائية. وفي هذا السياق، أعلن الاتحاد الإفريقي عام 2026 “عام المياه والصرف الصحي” خلال دورته العادية التاسعة والثلاثين في أديس أبابا، دعماً لأجندة إفريقيا للمياه لعام 2063.

يعالج هذا المقال قضية المياه بوصفها جبهة أمنية جديدة لإفريقيا، بدءًا من تحليل المشهد الأمني المائي في القارة، مرورًا بالملفات الإقليمية للمياه كعوامل محفزة لانعدام الأمن في منطقتي الساحل والقرن الإفريقي، وانتهاءً بدراسة أطر “الدبلوماسية المائية” كأداة لإدارة النزاعات وتحقيق التعاون الإقليمي.

موارد المياه في إفريقيا: بين الوفرة الطبيعية وضغوط الندرة

تمتاز إفريقيا بوفرة نسبية من الموارد المائية، حيث تتوزع عبر 63 حوضًا نهريًّا وبحيريًّا عابرًا للحدود، توفر نحو 90% من المياه السطحية للقارة. وتشمل الأنظمة المائية الكبرى: حوض الكونغو (يحتوي على نحو 27% من مياه الغابات الاستوائية العالمية)، وحوض النيل (أطول أنهار العالم بطول 6,650 كم)، ونهري النيجر وزامبيزي، إضافة إلى بحيرة تشاد، وهي بحيرة ضحلة للمياه العذبة تقع عند ملتقى حدود تشاد والكاميرون ونيجيريا والنيجر.

ورغم امتلاك القارة نحو 9% من المياه العذبة المتجددة عالميًا، إلا أن إفريقيا تواجه بعض أشد حالات ندرة المياه في العالم. وأفاد تقرير رصد قطاع المياه والصرف الصحي في إفريقيا لعام 2024، الذي عُرض في قمة الاتحاد الإفريقي عام 2026، أن نحو 411 مليون شخص، أي ثلث السكان تقريبًا، يفتقرون إلى خدمات مياه شرب أساسية.

تعزز عوامل بشرية وفوارق إقليمية أزمة المياه؛ فمثلاً، تواجه منطقة الساحل جفافًا مزمنًا أدَّى إلى انكماش بحيرة تشاد بنسبة 90% منذ عام 1963 وتشريد الملايين من السكان. وفي جنوب إفريقيا، تعتمد اقتصادات بعض الدول على الطاقة الكهرومائية، مثل زامبيا وزيمبابوي عبر “سد كاريبا” في حوض نهر زامبيزي، الذي يعاني من تقلبات شديدة بين الجفاف والفيضانات. كما يفاقم التوسع الحضري السريع (بنسبة نمو 3.5% سنويًا منذ 1970)، الإفراط في استخدام المياه للزراعة (حوالي 70% من الموارد المائية)، والتلوث الناتج عن التعدين، ضعف الأمن المائي في القارة.

المياه كمحرك للتوترات الجيوسياسية وانعدام الأمن

لم يعد الماء يُنظر إليه كمورد اقتصادي فحسب، بل أصبح ركائزًا للأمن الإقليمي والاقتصادي والاجتماعي. ويعد الصراع حول إدارته بين الدول والمجتمعات المحلية من أبرز مصادر التوتر في القارة.

أولًا، تشكل الموارد المائية العابرة للحدود بؤر احتكاك دبلوماسي؛ إذ تتشارك العديد من الأنهار والبحيرات الرئيسية بين دول ذات سيادة متعددة، ما يعقد المشهد الجيوسياسي. مثال بارز هو نهر النيل، الذي تتشارك فيه 11 دولة، ويشكل شبكة تصريف مترابطة. ويعد بناء سد النهضة الإثيوبي نموذجًا للصراع حول إدارة المياه، حيث ترى إثيوبيا أن السد ضروري لتوليد الكهرباء ودفع عجلة التنمية، بينما ترى مصر أن أي انخفاض في تدفق المياه يشكل تهديدًا وجوديًا لقطاعها الزراعي.

ثانيًا، يضاعف تغير المناخ النزاعات المحلية؛ إذ يؤدي تقلص مصادر المياه الحيوية إلى صدامات بين الرعاة والمزارعين في مناطق مثل الساحل الأوسط، وارتفاع وتيرة النزاعات العرقية والدينية، كما حدث في شمال نيجيريا، حيث أودت النزاعات المائية بحياة أكثر من 20 ألف شخص منذ 2010، واستغلت الجماعات الإرهابية هذا الفراغ لتعزيز التجنيد والسيطرة على الموارد المائية.

ثالثًا، يؤدي التوسع الحضري إلى ما يُعرف بـ”الفصل العنصري المائي”، حيث تتحكم الأحياء الغنية في الوصول إلى المياه، في حين تواجه الأحياء الفقيرة أسعارًا باهظة وخدمات متدنية الجودة، ما يزيد من الاحتقان الاجتماعي ويؤدي أحيانًا إلى احتجاجات شعبية، كما شهدت جوهانسبرغ ومدغشقر ومقاطعة نتشيسي بأفريقيا حالات احتجاج على نقص المياه.

رابعًا، يمثل السعي المستمر للدول الحبيسة للوصول إلى البحر عاملًا إضافيًا للتوتر الجيوسياسي، كما في حالة إثيوبيا وأوغندا، اللتين تبنيان تحالفات ومشاريع بحرية استراتيجية للحصول على منافذ مستقرة للتجارة والنفط، مما يتطلب مقاربات دبلوماسية دقيقة لتفادي النزاعات.

الدبلوماسية المائية: إطار للتعاون وإدارة النزاعات

تشير التجارب الأخيرة إلى أن “الدبلوماسية المائية” تمثل أداة فعالة لتحويل الصراعات المحتملة إلى فرص للتكامل الإقليمي. ويقصد بها استخدام المياه لتعزيز التعاون والسلام بدلًا من النزاع.

يتماشى هذا التوجه مع مبادرات مثل إستراتيجية الاتحاد الإفريقي البحرية المتكاملة لعام 2050، ورؤية أجندة إفريقيا للمياه 2063 التي ترتكز على ثمانية محاور تشمل: توفير المياه والصرف الصحي بشكل آمن، إدارة مستدامة للمياه الصناعية والزراعية، اقتصاد أزرق متوازن، حوكمة رشيدة، إدارة تعاونية لأحواض المياه العابرة للحدود، بنية تحتية مقاومة لتغير المناخ، تطوير رأس المال البشري، ونظم معلومات مائية متكاملة.

تدعم الدبلوماسية المائية الانتقال من الاستجابات الوطنية المجزأة إلى التعاون الجماعي، وتعزز الوحدة والاستقرار على مستوى القارة، من خلال مشاركة البيانات، الاستثمار المشترك في البنية التحتية المقاومة لتغير المناخ، وإدارة متكاملة للمياه. كما يمكن للدول الحبيسة الاستفادة من مشاريع الموانئ المشتركة والممرات الزرقاء لضمان تدفق البضائع واستدامة الموارد دون نزاع.

خاتمة

يتضح أن المياه باتت جبهة أمنية إستراتيجية في إفريقيا، إذ تحولت من تحدٍ تنموي إلى قضية جوهرية للاستقرار الوطني والإقليمي. ومع تزايد الضغوط المناخية والديموغرافية، يصبح التنافس على الموارد المائية المشتركة محركًا للتوترات والهجرة والتدهور الاقتصادي.

توفر الدبلوماسية المائية إطارًا حيويًا لإدارة هذه التحديات، عبر تعزيز التعاون بين الدول المتشاطئة، وتحويل النزاعات المحتملة إلى فرص للتكامل الاقتصادي والإقليمي. ومن خلال اعتماد نماذج الإدارة التعاونية والاستثمار المشترك، يمكن لإفريقيا تحويل الموارد المائية من أداة صراع إلى محرك استقرار وازدهار طويل الأمد.