المُقدّس بين المجتمعيّن، التقليدي والحديث

The sacred among the two communities, traditional and modern

د. نابتي علي/جامعة سعيدة، الجزائر

Dr. NABTI ALI / Univrsity of Saida

مقال نشر  مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 68 الصفحة 113.

     

ملخص :

نُحاول في هذا المقال أن نفهم المقدّس من خلال ممارساته المختلفة بين المجتمعيّن التقليدي والحديث. إنّ الاكتفاء بحصر المقدّس في مصطلحات التوافق الاجتماعيّ التقليدي-المُوَجِه يُعطي الانطباع أنّ المجتمع الحديث قد دخل مرحلة أزمة يصعُب بل يتعذر فيها التمييز بين المقدّس والوقائع الاجتماعية المقدّسة أو تلك التي طالها التدنيس. خلف النقاشات العامة حول قضايا مثل: المواطنة؛ الدّين والدنيوية؛ معنويات المجتمع المُحبَطة؛ العلمانية؛ تحديات التعددية الثقافية؛ الأصولية الدينية و التطرف؛ الراديكالية، تكمن المزيد من الأسئلة الأساسية بشأن المعاني المُشتركة أو أيلولتها باستمرار إلى صراع وعنف. خلال تحليلنا سنكتشف أهمية المفاهيم السوسيولوجية للمقدّس ومساهمتها في النظرية الاجتماعية والدراسة الأكاديمية للمجتمعات المُعاصرة والتقليدية سيان.

الكلمات المفتاحيّة: مُقدّس، مجتمع تقليدي، مجتمع حديث، وقائع اجتماعية.

Abstract:

In This article wetry to understand the sacred through his different practices between traditional and modern societies. A tendency to consider the sacred only in traditional consensus-oriented terms leads to the impression that modern society has entered a crisis period in which the sacred and the social facts the sacred/profane distinction make possible are in short supply. Behind public debates on issues such as citizenship; religion; secularism; the demoralization of society; the challenges of religious and cultural pluralism; religious fundamentalism and radicalization, lie more fundamental questions about what collective meanings or degenerate into on-going conflict and violence. Throughout our analysis we will explore how sociological concepts of the sacred can make an important contribution to the social theory and the academic study of contemporary and traditional societies a like.

Keywords: sacred, traditional society, modern society, social theory, academic study

 

 

مدخل:

كيف نطرح اليوم مسألة المقدّس؟ يرى نفر من المحلّلين في المجتمعات الغربية المعاصرة، التي تميل إلى الدّنيوية -Sécularisation من خلال رجوعها النادر إلى الغيب لتفسير الواقع، أنّ هذه الديناميكية هي  « حركة نحو مجتمع خارج عن الدّين.»[1]يظل هذا الأمر صحيحًا بالنسبة لأوروبا على نحوٍ خاص، ولكنه أقل صحة بالنسبة للقارات الأخرى التي كانت محمية من التغييرات المعبرة عن الثورة العلمية الاستهلاكية والتقنية. تغيرت الحالة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين مع أبحاث علم النفس التجريبي للدّين التي جعلت التحقق من أطروحة أفول المقدَّس أمرًا ممكنًا. بيد أنّ الإرهاصات الملاحظة على ذات المجتمعات خلال السنوات الأخيرة تُشير إلى اجتيازها لمتناقضات شديدة جعلت من العامل الديني عنصرا حاضرا بقوة لفائدة قرار عقائدي فردي وجماعي أو كملجأ هُوياتي؛ فبين « الخروج عن الدّين » المعلن من لدن البعض و« العودة إلى الدّين » المنادى بها من لدن آخرين ماذا عن المقدّس؟

تُعتبر دراسة المقدّس من الموضوعات التي نالت اهتمام علماء الاجتماع منذ وقت مبكر وقد جعل منها الكثير من العلماء محورا لأبحاثهم ومفاهيمهم عن الحياة الثقافية والاجتماعية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولقد ساد هذا الاتجاه في أعمال العلماء في المرحلة الكلاسيكية لعلم الاجتماع والممتدة من 1850م  حتى 1920م، خلالها أصدر دورخيم وَماكس فيبر على التوالي دراستهما الشاملة عن الدّين، إذ رفض كلّ على طريقته اختزال الاجتماع في العقلاني، كما دعا كل منهما إلى ضرورة إعادة التفكير في الدّين أي هذا التوجه العام لعصرهم.[2]

تعدّ الأنثروبولوجيا أول من حوّل الصفة الجوهرية للمقدّس إلى مفهوم متداول في العلوم الإنسانية والاجتماعية بحيث يعود الفضل في الإعداد النظري لدراسة موضوعات الديني والمقدّس إلى إميل دورخيم ومدرسته بشكل أساسيّ، تناول هذا العالم الفرنسي في مؤلفه الضخم الموسوم بـ الأشكال الأولية للحياة الدينية[3] دراسة العبادات البدائية الأسترالية بالإضافة إلى الأساس السوسيولوجي للديني، إذ حاز الكتاب على صيّت مشهود لتناوله المقدّس كنقيض للمدنّس حيث طرح ثنائية لا تقتصر فيها المفاهيم عند التعريفات الخاصة بكلّ مفهوم على حدا ولكن أيضا العلاقة التي توحدها. والواقع أنّ أعمال إميل دورخيم وجورج زيمل وماكس فيبر لم تحظ بتطوّر بحثي إلا بعد الحرب العالمية الثانية عندما زاد الولاء الديني خاصة في أمريكا؛ فبدأ العلماء ينظرون إلى الدّين كظاهرة اجتماعية يجب أن تُدرس وتُفسر.

انقسم مؤسسو علم الاجتماع الديني حول معرفة المقدّس والظاهرة الدينية إذ بلغ الأمر ببعضهم مثل ماكس فيبر للتأكيد على أنّ ظاهرات: المقدّس الديني من الصعوبة أن تطالها كفاءة عالم الاجتماع، إذ لا يمكنه أن يدرس سوى: لماذا هذا التنوّع في الاعتقادات والعبادات والطقوس ومدى علاقتها بالمجتمع والثقافة وكذا في مسار حركة التاريخ؟ تعتبر المدرسة الفرنسية لـعلم الاجتماع (دورخيم – Durkheim؛ موس – Mauss؛ ايبار – Hubert) صاحبة السبق في الاشتغال على المقدّس من خلال تغذية البحث السوسيولوجي بمعلومات إثنولوجية جمّة حيث توصلوا إلى أنّ التعاطي العلمي مع المقدّس لا يجب أنّ يبق حبيس تعريف واحد.

يشهد اختلاف مفاهيم المقدّس في العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية وتعدّدها منذ نهاية القرن التاسع عشر على صعوبة التناول المفاهيمي لحقيقة هي، في آن واحد، ذاتية وموضوعية تنطوي كذلك على تجربة حسّاسة واعتقادات ميتافيزيقية وثيولوجية متجذرة في الديني. فسح التعبير البدائي للمقدّس المجال أمام العلوم الإنسانية لبناء خطاب حول أهمية التّعرف إلى السلبيّ ( دنس، رجس، تهديدات، الخ.) كعلامات على ما وراء المعلوم وإلى تحوّله إلى قطبيات ايجابية ومفيدة. تجد اليوم الانتقادات المتفاقمة الموجهة لأعمال دورخيم ومدرسته حدودها عند النقطة المتعلقة بأنّ لا شيء يسمح بتأكيد وجود مقدّس في كلّ المجتمعات بوصفه ميدانا متماسكا وموافقا للمواصفات السالفة الذكر ليس إلاّ.[4] منذ عام 1940م بدأت بحوث ودراسات جديدة استمرت حتى الآن لمعرفة شكل وظائف الدّين على المستوى الفردي والمجتمعي وأصبحت النظرة إلى الدّين ليس على أساس صدقه أو زيفه ولكن على أساس أنّها ظاهرة اجتماعية.[5]

1-الزمان والفضاء في الوعي الأسطوري للمجتمع التقليدي:

يتقلب الفكر الأسطوري بين قطبين متضاديّن: المقدّس والمدنّس وبفضلهما يبني الإنسان التقليدي عقليته وينسج فضائه الجغرافي والزمني حتى يتمكن من استحضار الزّمن المقدّس، الزمن الجوهري، زمان الأجداد لمكان مقدّس يحاول الاقتراب من ذلك بتلاوة الأساطير وممارسة الطقوس ليصبح معاصرا لأجداده بحيث تمكنه مركزية المكان المقدّس كذلك من استرجاع المعرفة المقدّسة والتي تتلخص وظيفتها في حماية وجودها الأرضي ووضع النّظام والانسجام الضرورييّن لبلوغ المماثلة مع الكون.

يميّز الإنسان البدائي الزمن والفضاء المدنّسيّن اللّذين يؤطران وجوده الاعتيادي؛ فالفضاء المدنّس يرسم الحدود الفيزيائية بين العالم المعلوم والعالم غير المعلوم وبذلك فإن الزمن المدنّس، يتبع الفضاء المدنّس وهو خطي لا ينعكس (يسير في اتجاه واحد). يُؤسس اقتحام المقدّس، والذي يمثل قطيعةً في فضاء المدنّس، قيام الزمن والفضاء المقدسيّن إذ يستحضرها الإنسان البدائي بانتظام في فترات صارمة مُخصصة لهذا الغرض، ففي كلّ احتفال موسمي يعاين إلياد – Eliade مايلي: «نجد نفس الزمن المقدّس، نفسه ذلك الذي ظهر في احتفال السّنة الماضية أو في الاحتفال الذي مر عليه قرن: إنّه الزمان المُنشأ والمقدّس (…) المُحيّن من جديد بالاحتفال. بمعنى آخر، فإنّنا نجد في الاحتفال الظهور الأول للزمان المقدّس. »[6]

خلافا للزمن المدنّس، الموصوف بالخطية وعدم الانعكاس، فإنّ الزمن المقدّس دائري، ينعكس ويُسترجع ليتجلى بالموازاة مع الوجود الاعتيادي ويتقدم عليه بوصفه حقيقة أسطورية وأبدية. ضمن هذا السّياق فإنّ أهمية الأساطير هي أكثر من بديهية[7] ليس فقط كونها حاملا للعلْم المقدّس، ولكن هي الوسيلة الوحيدة لنقله، لهذا فإنّ الرزنامة الطُقوسية تستوجب تجديد الكون بانتظام حتى يتمكن من مواجهة قوى الهباء الهدامة. فضلا عن ذلك فإنّ نقل العلْم المقدّس للأجيال يسترعي أهمية بالغة لدى الإنسان البدائي لهذا تؤدي الذاكرة دورا حاسما في سير العقلية البدائية فبفضلها يحافظ إنسان المجتمعات البدائية على ماضيه الديني ويقيم هويته الثقافية. وكذلك تعدّ الذاكرة مكانا للقاء مظهريّ الوجود الإنساني: المظهر الملموس والمدنّس والمظهر الخيالي والمقدّس ،بهذا المعنى، تُمثل الأسطورة أولى أشكال إعادة تأليف ونقل الماضي الجمعي. لخص جان بيار فرنا – Pierre Vernant Jean حديثه عن المظاهر الأسطورية للذاكرة مشيرا إلى أنّ الصوّر التي تعكسها الأساطير تخص مباشرة تاريخا لذاكرة.[8]

يرتبط تخليد التّواريخ المقدّسة بأصل ميلاد الرواية الشفوية التي عرفت أوجها في مرحلة الشعر الملحمي البطولي. وتتجلى الوظيفة الأساسية للذاكرة، بوصفها تجربة عقلية، في تنقل الإنسان البدائي من الزمن المدنّس إلى الزمن المقّدس لأجداده حيث حازت على هذا الدور الرأسمال في المجتمع البدائي كونّها الوسيلة الوحيدة في النقل الثقافي عبر الشفوي؛ يشير جان- بيار فارنا إلى العديـد من الآلهة عند اليونـان « تحمل اسما لوظيفة بسيكولوجية » مثل Mnémosune إلهة الذاكرة.

« الأسطورة هي العنصر المُبدع بامتياز »[9]إذ تشتغل كفاءتها على فئات مختلفة للفضاء والزمان وذلك بتطبيق منطقيّن مختلفيّن، الفضاء والحلم، فهما يسمحان بالنّظر إلى الأسطورة على أنّها ثمرة الوثبة الخلاقة للفطرة الروحانية الإنسانية. قارن بعض منظري الأسطورة كــ كارل كيرنيي- Kérenyi Carle أو جوزيف كامبال – Campbell   Joseph أنظمة الأسطرة بالشعر والموسيقى حيث رافعوا على أنّ الثّلاثة نابعة عن تعبير واحد مُعبر عنه في شكل رمز، إذ أنّ الرّمز يجمع التظاهرتيّن المتعارضتيّن للرّوح: العقلية الصادرة عن الفكر، وغير العقلية المعادلة للصورة. يُجمل كامبال –Campbell بأنّ الأسطورة لا يمكن تأليفها إلاّ « في وعي فنان »[10]

يمنح المظهر الدّيني للفكر الأسطوري / للأساطير عمقها الأنطولوجي، وهي شاهدة على الفضاء والزمان المقدّسين اللّذين يُظهرهما الإنسان في الاحتفالات الدينية بهذا المعنى : « تدل الأسطورة في الأصل على الكلمة الحقة، الخطاب الذي يساوي مطلقا، لهذا فإنّ الأسطورة مواتية في المقام الأول للأشياء الربّانية، التي لا تحتاج إلى دليل ولكن تُعطى مباشرة أو مُوحى بها. »[11]

1.1.الزمن الأسطوري:

يتصرف الإنسان الدّيني بإجراء تقويم مزدوج للزمن الذي يمرّ، إذ يتعامل مع الزمن الاجتماعي والزمن الأسطوري الكبير. يعرف زمن الأنشطة الاقتصادية توقفات بفعل قطائع تواريخ محدّدة في الرّزنامة بحيث يعود إليها الإنسان لتفعيل علاقات متميّزة مع المقدّس. يرتبط اختيار تلك الجزئيات الزّمنية المقدّسة بعلاقة مع تلك السباحة الكونية الكبرى؛ يُنظر إلى الرّمزية القمرية الشّمسية أو اعتدال الرّبيع والخريف بوصفها أزمنة كبيرة الشّدة لجميع تقسيمات الزّمن، خاصة تلك المتصلة بعادات أو معايير زمن الحرث في المجتمعات التقليدية التي تمتاز بتبعيتها للوسط الطبيعي وخضوعها لقوانينه وامتثالها لوتيرته، فالإنسان التقليدي ينسجم مع البيئة كلّما استسلم لإيعاز الزّمن الكوني وخضع له، فهو بذلك يستلهم الحكمة والمهارة. يتمظهر الزّمن التقليدي بوصفه دوريّا غير قابل للانفصال عن الفضاء أو حتى الأرض نجد تأثيره في الهندسة المعمارية وفي احتلال المكان وفي السّلوكيات الاجتماعية فالطقوس كلّها موافقة ومطابقة للنظام الكوني باحترام مقننّ يطبعه التقديس.[12]

يدخل إدراك الزّمن في الوسط الاجتماعي التقليدي ضمن النّظام الطبيعي للأشياء ويتفرع من تعاقب الوتيرات الطبيعية التي تنفلت من مراقبة الإنسان (تعاقب الفصول، تعاقب الليل والنهار…إلخ.) لهذا فإنّ أي محاولة تحليلية ترمي قياسا لهذا الزمن ستفقد دلالتها، فليس بوسع الإنسان تعديل الظواهر والوتيرات الطبيعية فهو لا يستطيع التأثير في الزمن بل نجده يذعن لهذا الإطار الزّماني الطبيعي ويسعى إلى مطابقته. يُحيل هذا الإدراك على رفض القطيعة بين الزمان الطبيعي وزمن الأنشطة، كما يحيل كذلك على رفض آخر للقطيعة وهو مخصص حصريا لأنشطة العمل ووقت آخر مخصص لأنشطة خارج العمل “لا عمل”، تُمكّننا مُحصلة هذا الرّفض المزدوج من فهم حدّة مفهوم الزّمان غير القابل للتمّييز الزمني والمفاضلة في المجتمعات التقليدية.

ساهم عالم الإناسة الأمريكي إدوارد. ت. هـُول – E. T. Hall بوضع مقاربة ثقافية لإدراك الزّمان من خلال إلقائه الضّوء على مفهوم “لا تمييز” الزّمني بتحليل مُقارَن للسلوكيات في علاقتها مع الزمن عند الأمريكيين وعند هنود نيومكسيكو.[13] ركّز هُـول في دراسة نموذجه المتعلق بالتّمثل الاجتماعي للزّمن على فهم أوضح وجيّد لثقافتهم الأمريكية الشمالية، فجاء بمفهوميّن: المفهوم الأول سمّاه الإالحاحيّة والأحادية في العمل« monochronie » وهو النّظام الأوربي الذي يقضي بقيام الإنسان سوى بشيء واحد، أما المفهوم الثّاني فأطلق عليه تسمية « polychronie » وهو النّظام الذي يقوم على إنجاز عدة أشياء في آن واحد إذ يلتزم الأفراد فيه بإتمام بنود العقد بغض النّظر عن الانخراط في توقيت متفق عليه سلفا فلا مجال فيه لاحترام المواعيد وهو ما يُعرضه للإهمال أو الإلغاء حيث وصفه هـُول بالمهزوز في فائدته ومردوديته لأنّ الفرد لا يُحقق إلاّ مفاضلة ضعيفة للزّمن بالنسبة للأنشطة التي ينجزها يوميا.[14]

لا يُؤسَس منطق مناقشة الزّمن في المجتمعات التّقليدية على مفاضلة وتفريق واضحيّن أو على تعارض قطعي بين أنشطة العمل المنتج للمواد الاستهلاكية وباقي الأنشطة (احتفالات…) فالمسألة تتوقف على مساهمة كلاّ منهما في الحفاظ والاستمرار في الحياة. إذاً، عدم القدرة على إجراء تميّيز زمني هو قائم على غياب قطيعة ما بين العمل المنتج والأنشطة العائلية والجمعية الدينية.

2.1. حدود الأفق الزّمني:[15]

يعتبر الأفق الزّمني ميدانا مهماّ في تحليل السّلوكيات ومدى ارتباطها بالزّمن في الوسط التّقليدي، فهو يسمح بتثمين التّمثل الاجتماعي للزمن في علاقته مع ثالوث البارز: الماضي، الحاضر والمستقبل. يمارس الماضي على الأفراد في الثّقافة التّقليدية جاذبية لا تُقاوم فهو يمثل مجمل الأحداث الماضية أو الشّخصيات المساهمة في تأليف الذّاكرة الجماعية، والتي تسمح بتقوية المحافظة على التّقاليد والأعراف: أساس كلّ ثقافة.

  يتجلى سلطان تحديد الأفق الزّمني عند الإنسان التّقليدي من خلال الدّور المؤثر للماضي على التّمثل الاجتماعي للزمان إذ يتعدى وظيفته العادية المُتمثلة في ضبط الأحـداث الحاضـرة والمستقبلية إلى وظيفة تحبس الفرد ضمن دائرة زمنية مُفرغة، تجعله يُصدق بأنّ الحاضر والمستقبل ما هما إلا إعادة إنتاج ما قد سلف لهذا السّبب نعتقد بأنّ كلّ مبادرة أو محاولة تستهدف تعديل أو تبديل هذا النّظام الزمني الدّائم تُمسي حظوظها في النّجاح ضئيلة.

2- الضّبط الرّمزي الاجتماعي:

1.2. الإنتاج والاستهلاك:

 على العكس من المجتمعات التقليدية فإنّ المجتمعات الصّناعية المعاصرة الرّبحية تسعى إلى بلوغ هدفها الأساسي الرّامي إلى التّمكين لسيطرة الإنسان على الأشياء، ونتيجة لهذه النزعة غزى العمل الفضاء والزمن الاجتماعي، وأصبح مصدرا للسعادة الجماعية من خلال تكييف الآلة الإنتاجية والتبادل بمراعاة جموع المستهلكين، وتفاديا للزمن الميّت كتبذير الطاقة أو المال، إضاعة أو تراكم لا طائل منه للمنتجات لهذه الأسباب أحدث المجتمع الصناعي تماثلا في مواصفات الإنتاج من خلال تكثيف أشكال ومعايير العمل حسب معايير تُراعي النّفعية والمردودية. لقد عمل العالم الصناعي على تقسيم الوظيفة الاقتصادية إلى فروع ثنائية (منتج ومالك لقدرات الإنتاج) بتحويل المنتجات إلى سلع مجهولة وبتقليص فعل الاستهلاك إلى امتلاك سلعة محددة بسعرها لا بقيمتها. بهذا أصبح العمل الاجتماعي مُستلبا والعالم الاقتصادي محدّدا بتبادلات مجردة.[16]

تكمن أصالة الدّورة الاقتصادية التّقليدية في دعمها لقيم التّعاون والتّكافل الاجتماعي وهو ما يُؤدي إلى تقوية الرّوابط المجتمعية بين أفراد العائلة والأهم منه بين أفراد المجتمع المحلي، ويجعل من التّبادل عملية أخذ وعطاء، حيث أنّ هذه الظاهرة هي نقطة تقاطع بين المجتمعات التقليدية في الغرب ونظيرتها في الشرق، إذ أنّ جزءا كبيرا من المنتجات والمحاصيل يتم توجيههل لطقوس ومهرجانات الألعاب بحيث تُستهلك بطريقة غير مُنتجة، في المنطق الاقتصادي ولكنها مُنتجة وفعالة في المنطق القيمي المجتمعي.

تُلح مؤسسة المقدّس على تكثيف العمل وجمع الثّروة مثلما تدعو إليه الجهة المعنية بالاقتصاد فصيانة أماكن العبادة وتنظيم المراسيم والمواسم الدينية كلّها أشغال وترتيبات تتطلب مالا وفيرا وأيدي عاملة يتم تسخيرها في تشييد دور العبادة ومختلف ملاحقها ولعلّ هذا ما يُفسر حيازة المراكز الدّينية على ثروة مالية هائلة. هناك من يعيب على هذا المجال الاقتصادي الإمعان في الإسراف والتبذير للثروات المدخرة عوّض التّكفل الحقيقي والدّائم بالانشغالات الاقتصادية للإنسان، لقد أصبح على العكس من ذلك، مكانا للتظاهرات غير المنتجة، ومغنما للمجانية وللتدمير العبثي للثروات. هكذا إذن، عندما تحتك القيم الاقتصادية بالضّغط الاجتماعي للمقدّس لا يصبح العمل مجرد مصدر للتملك ومطيّة للحيازة، ولكن كذلك فرصة للهبات والعطايا وهو ما يُضفي جمالية على الذات الكريمة. بهذا يكون الإنسان قد اجتاز إلى نوع من «التّمييز» ليس بكمية الأملاك التي يذخرها ولكن بنوعية أولئك الذين ينفقون من أجل محبة الإنسان ومحبة الله.

2.2. العنـف والمقـدّس:

تصطدم أشكال التّواجد الاجتماعي لا محالة بتيارات صراعية: عنف ماديّ تنافس على أملاك، لهذا فإنّ كلّ ثقافة تنطوي على وظيفة كبح الضّغط كما عبّر عنه فرويد – Freud. لقد دفع هذا التّصور بالإنسان حسب ميرسيا إليـاد- Mircea  Eliade « إلى قبول القسوة والقتل كجزء لا يتجزأ من كيانه المعيشي والأكيد أنّ التعذيب والقتل، ليست سلوكيات خاصة وحصرية على “البدائيين” غير أنّ الفرق يكمن خاصة في أنّ هذه الظاهرة السّلوكية العنيفة عند البدائيين لديها قيمة دينية»[17] يُستمال العنف بالمقدّس من خلال تحريك الطقوس التي تمتص قدرا كبيرا من هذه الطاقة والتي بدونها قد يصبح العنف عرضة لحركة غير متوقعة وغير مراقبة؛ فبعض الثّقافات أو بالأقل بعض الطقوس تقوم على تأنيس العنف، وتتمحور حول خطورة تمتاز بالانتظام والصّفاء ورباطة الجأش.

أوضـح ر.جيرار- Girard  .R بأنّ الطُقس القرباني يمكن أن يفسّر بوصفه عملية تنظيمية للعنف الأصلي تنعكس على الأضحية، التي تصبح كبش الفداء حيثي سمح هذا السّيناريو بإطلاق العنان للعنف وتحويله إلى نظام آخر يمنحه معنى. قد يتشكّل الاحتفال من طُقس عالي التركيز لعنف حقيقي ورمزي يُفعَل عبر مسارات تتمظـهر في هيئة: ألعاب مصارعة، إباحة جنسية، إسراف غذائي، تقويّة الحياة الوجدانية بالرقصات،…إلخ. تكون كلّ هذه التعابير تحت رقابة التّقليد الأسطوري وفي حدود فضاء – زمن مُتعارف عليه مسبقا، هناك إذاً رزنامة تسمح بتخصيص فوارق زمنية للاحتفالات المقدّسة يتم خلالها كسر النّظام المألوف والإفراط بإدماج العنف داخل المقدّس إذ يُحقق المجتمع التّقليدي نوعا من الاتفاق بين دوام اجتماعي وقوة تدمير لا تقهر.[18] والملاحظ أنّ الأساطير لا تسمح فقط بوضع النّظام الإنساني تحت سلطة بُعد سامي غير مرئي ولكن أيضا بإثارة عمليات تنظيم وضبط داخل المجال الاجتماعي لإقرار توازن بين التوترات المتناقضة والمُهدِّدة. يتمظهر التحالف بين الإفراط والقاعدة في العنف المقدّس في بعض أشكال العنف الجماعي مثل الحرب حيث أنّ هذه الصّراعات الحقيقية (القتال من أجل أقاليم وأملاك) تجد مكانا لها في النّماذج الأسطورية والتي تستجيب إلى ترميز طُقسي لا يُعتبر فيه التّجاوز علامة خدعة أو قوة ولكن تدّنيس. في بعض الحالات وبفضل قدرته النفاذية للمقدّس يصبح العنف بحق ‹‹عنفا مُؤسِسا›› يجد فيه المقدّس بالتّبادل مثيرا انفعاليا ودينامية طاقويّة لتمام ترميزه الطقوسي.[19]

3- المقدّس في العصر الحديث:

عرَف العصر الحديث ظهورا لعديد من عمليات التّعاطي مع المقدّس حيث ارتكزت في مجملها على إبطال صفة القداسة وإعادة القداسة في آن واحد وذلك بإعادة تركيب، غير مسبوق لأجزاء من المقدّس السّابق. ولئن قابل البعض هذه التغيّرات بالأسف، ورأى فيها البعض الآخر علامات لصحة الثقافة، فإنّ تلك العمليات بمنظور آخر تُلقي الضّوء على سلوكيات وطموحات الإنسان الحديث. يرى العديد من الباحثين في علم الاجتماع الديني بأنّ إبداع طقوس جديدة في علاقة إنسان اليوم بالمقدّس تفيد أيضا بطريقة فعالة أو وهمية في المقاومة أو الاعتراض لإفشال وقطع الطريق أمام دعوات إبطال صفة القداسة الدّينية أو حصرها في برنامج جيو-سياسي كما رسمه الأمريكي صامويل هينتينغتون – Samuel Huntington بحيث قسّم العالم إلى مجالات مَسيكة ومُتنافرة محددة بالمقياس الديني فقط.[20]

نُدرج هنا حدس روني جيرارد- RenéGirard الذي تُلخصه مقولته الشهيرة في خواتم مؤلَفه الموسوم بـ : العنف والمقدّس :« إنّ الاتجاه نحو مَحيّ المقدّس وإلغائه كليّة يُحضر لعودة المقدّس خلسة، ليس بمُتعال لكن بتجربة ماثلة، في شكل العنف ومعرفة العنف. »[21]ولعلّ هذا الإصرار على البقاء أو التجدّد نابع من كون أنّ المقدّس « مفهوم متعدد العناصر » قابل للنقاش تحتفظ كلّ دلالة من الدّلالات التي يستردها بمعناها مما يُشكّل محورا يمكن تحليله. بالنسبة لـ ج. ايليل – ـEllul .J «على العموم، يتحدث المقدّس عن محوريّن لكلّ منهما قطبيّن: الأول للاحترام والنّظام أما الآخر للمخالفة؛ الأول محور يجمع: تقني-جنس؛ الثاني محور يجمع: الدولة – الأمة – الثورة. »[22]

من جهة أخرى، تعرف المجتمعات الحديثة انفجارا في السّلوكيات العنيفة المُنشِطة من جديد لمقدّس المخالفة والانتهاك فالكثير من التّصرفات كالتهتّك الجنسي، الفوضى الاجتماعية، انتفاضة أقليات جراء عنصرية عرقية أو إقصاء ثقافي أو ديني..إلخ، تحيل على قدسية وِجدان وانجذاب، ومن جهة أخرى، يتجسد المقدّس في الإعجاب بقوة غالبة (دولة محافظة أو شمولية) كما يتجسد في الحاجة إلى طقوس جماعية مضبوطة وإلى تراتبيّة كرزمية (أحزاب؛ نقابات؛ نحل -Sectes، طرق دينية) تعمل على إعادة تحيين طقوس احتفالية أو حفلا لجمعيات القُداس.

غالبا ما تنشأ أشكال التقديس هذه ضمن حراك اعتباطي دون أن تعثر على طلائع رمزية لعبادات تقليدية كما يقول ر. كايوا : «يحدث كلّ شيء كما لو كان يكفي لتحويل جماد ما أو سبب ما أو كائن ما إلى مقدّس يُنظر إليه كغاية سامية، يُكرِّس له الأوفياء حياتهم، بمعنى، ينذرون له وقتهم وجهودهم ومصالحهم وطموحاتهم. »[23]

إنّ إبطال صفة التقديس لا يمكن الكشف عنها فقط بالتحوّلات التي طرأت على الدّين، هنالك تمت عوامل أخرى مثل تطور المجتمع المدني والاحتكام إلى العقل التقني والعلمي، والذي جعل الرجوع شيئا فشيئا إلى المقدّس عملا غير مجدي ولا طائل منه، لقد وصفت الكثير من التحليلات النتائج السلبية الناجمة من تحلّل نظرة العالم التقليدي: بأنّها فراغ روحي من جهة وخلل وظيفي للثقافة من جهة أخرى. ارتبط إجلاء البعد الرمزي والمقدّس دوما بتقليص مزدوج لعمق العالم وبتعقيد المجتمع.

  يتراجع العالم التقليدي عندما يفقد الفضاء والزمان المُشكِلان له سلطتهما على المفاضلة النوعية فلقد أطلق م. فيير-Weber .M عبارة :فكّ السّحر عن العالم -du Mondedésenchantement واصفا إياها بالعملية المرافقة لغزو التقانة والعلم للطبيعة.[24]وحتى النظريات التي تتمحور حول فكرة “مركزية الأرض-  géocentriques “تم إخضاعها في الآن ذاته لقوانين أدت إلى إجلاء السّري والمُذهِل، لقد أصبح الفضاء الذي تسعى فيه تحت «سلطان الكمية»[25]بفعل وضع مخطط وظيفي ومُنتظم للمدن وقنوات للحركة مُمركَزة، ساهمت في تأحيد وتنسيق الفضاء، حتى أضحت الأماكن المقدّسة تقع بعيدا عن مركز المدينة بعدما كانت تُمثل وضعية المركز بسبب التقليل من قيمتها المقدّسة والرّمزية. كذلك فـقَدَ الزمان تجذره الإيقاعيّ الطبيعيّ وأصبح مُجردا مُنمطا ومُقنّنا بمثابة أداة لقياس الظاهرات أو تنظيم الأنشطة الجماعية، لقد أصبح أكثر صلاحية في قياس المردودية والثّمن والسّرعة أو تحطيم الأرقام القياسية.

 أدى تأنيس الطبيعة وتنميط الحياة الاجتماعية إلى تغليب كفة الحضارة الصناعية، والتي فرضت على الإنسان تناقضات أفضت إلى دخوله في صراعات “بين اجتماعية” في ظل زيادة أوقات العمل، والتي ساهمت في تصاعد شهية التّملك المادي والتباهي بزينة الأملاك الاقتصادية. أظهر مُنظرون تقليديون من ثوريين(ج.دوبور- G. Debord، فانايغام- Vaneighem .R) واثنوغرافيين (أ. فراقناك- -Varagnac.A) وسوسيولوجيين (ج. فريدمان – Friedman.G) كيف ساهمت طرائق حياة المجتمع الصناعي بمعايير اقتصادية في إفراغ أشغال الانتاج من تقاليدها ومن بُعدها الإبداعي ومن حرمانها في الاتصال مع مادة مشحونة بأحلام اليقظة، حدث كلّ هذا بالقطيعة مع الاحتفالات أو طقوس العبور[26] لقد أدى تفقير البيئة الإنسانية إلى الحدّ من معنى الترفيه والمجاني والرّمزي، بدت هذه التّحولات العميقة لإطار الحياة والعمل والأشكال الاجتماعية أو القيم الجماعية بالنسبة للكثرين علامة على موت المقدّس.

1.3. إعادة صفة التقديس والحداثة:

1.3.1.الأديان السياسية:

أدى البحث الطوباوي عن مجتمع كامل بأوربا إلى التبشير بتقديس معاصر لمجال السياسـي حيث أصبح بالإمكان الحديث عن الميلاد الحقيقي لما سمّاه ر. أرون – Aron .R منذ 1943م بـالأديان الدّنيويّة- Séculières: « وهي المذاهب التي حلّت في قلوب معاصرينا محل إيمان قد توارى نحو الأسفل، مذاهب ترنو إلى أفق مستقبل بعيد في شكل نظام اجتماعي مأمول لإنقاذ الإنسانية. »[27] وبهذا ظهرت مذاهب سياسية أو أجهزة حكومية سعت إلى التّكفل الكلّي بالوجود الإنساني لإيصاله إلى حالة جماعية من القداسة ليس فقط بتوجيه الحقل الزمني، ولكن كذلك الِوجهة الروحية لكلّ واحد، فمنذ القرن الماضي تم استثمار هذه المهمة الدّينية، الدولة- الأمة، على صعيد طبقة اجتماعية أو عرق ‹‹سامي››.

تتمتع الجماعة الوطنية بشخصية تاريخية بمساعدة الأساطير الأصلية والأبطال المؤسسين حيث تُحْيّ هذه الذكريات بانتظام بواسطة حفلات مشحونة ببعث الحياة الاجتماعية، وتُوّحد الأمة الاختلافات بين المجموعات والجماعات الجزئية وتُنمِي قوة انتمائية نَحنِية. من هنا تفرض ذاتها على الأمم الأخرى بوصفها عالما مقدّسا يُعارض عالما مدنّسا بل نجسا؛ وتندرج هذه الغلبة تحت مفهوم الهيمنة كما تصوره أنطونيو غرامشي-Antonio Gramsci في القدرة التي تتمتع بها جماعة اجتماعية لممارسة التوجه الثقافي والأخلاقي للمجتمع ككل، وبناء نظام من التحالفات الاجتماعية حول مشروعها، وهو ماأطلق عليه مصطلح “الكتلة التاريخية”.[28]

يرى م. رودينسون-Rodinson .M بأنّ الأيديولوجية الوطنية «تعمل على كشف صراعات مجموعة مع مجموعات أخرى في معركة أبدية بين الخير والشر. »[29] تستطيع كذلك باعتبارها قوة ساميّة أن تُلّزم عناصرها بإخلاص وتضحية دون قيد أو شرط في نفس مصاف القوى الخفية في مجال الديني. لا يُرجى مستقبلا لأمة بالأساس من مشروع عقلاني ولكن يتماهى مع مهمّة مقدّسة متواجدة منذ أصولها ضمن إرث مُشَكّل من مجموعة من القيم المستمرة بوفاء، حيث أصبح الدفاع عنها واجبا مقدّسا.

لقد أدى انفجار الوطنيات إلى توسيع وانتشار حقيقي لديانات دنيوية على الصّعيد العالمي اتخذت من الأمة بوتقة لإحالة الرمزية الدينية.[30]ظهرت أنظمة سياسية، منذ بداية القرن العشرين، ذات أيديولوجية متجذرة في الفلسفة الماركسية قامت بتطوير تقويم شبه ديني للطبقات الاجتماعية، عندما قامت تقديسات الدولة أو الأمة بتنشيط مُخيّلة من نوع واحديّ ومتكتل، قامت تقديسات الطبقة الاجتماعية أو ذات العرق الخالص بالترويج لمُخيّلة ثنائية.

ظهرت في امتداد الأطروحات الدروينية حول الاصطفاء الطبيعي ومفهوم العرق في سوسيولوجيا القرن التاسع عشر، ميثولوجيات سياسية مُؤسسة على غلبة العرق الخالص؛ لقد عملت الأيديولوجية النّازية بألمانيا على التّحريض والدعوة إلى قدوم إمبراطورية خفية في تاريخ الشّعب الألماني يتزعمها خلف خالص من العرق الآري الأسطوري مختار سلفا، أقام هذا المشروع دينا سياسيا حقيقيا حيث عزّر الحكم الهتلري قبل الحرب العالمية الثانية الدعائم الكبرى لمقدّس إثني مبنيّ على تأليف ميتولوجيا الأصول العرقية وتكثيف الطقوس الجماعية المُوجَهة لتمجيد وتعظيم الطبيعة، الدّم والموت، إذ تزعم هذا الشحن بالمدارس أئمةكبار على رأس الحزب الوطني الاشتراكي ومنظمات المُسارّة وحركات الشّباب بطقوس العبور وعبادة “الفهرور- Führer” بفضل حفلات جماعية عظيمة؛ ينتهي دين هذا الشعب المُوَحَد بالدّم والنبوءة الألفية عند تطهّر جماعي بالتّخلص من جميع الفئات الاثنية النّجِسة المُلوثة والمُدَنِسة لإقليم المقدّس (على غرار اليهود والغجر والمعاقين والشواذ جنسياً.[31] أظهرت ح. أرونتArendt  -.H بمعية ج. ب. سيرونوP. Sironneau- .J كيف أنّ المجتمع الشمولي ينتظم بِوساطة دين دنيوي، تقود فيه عبادة شخصية القائد هرم الحزب الواحد بالدعاية والطقوس الجماعية إلى بلوغ جماهير راضية بتضحيات قاسية مفروضة من لدن مشاريع لتحويل الإنسانية وإقرار عصر جديد.[32]

1.3.2. المخيال المجتمعي:

تمكنت المجتمعات الغربية المتطورة بتوسيع حضارة مادية مبنية على المتعة التي فاضت بخيرات النمو الاقتصادي وتعميم الرفاهية، لقد عرفت مختلف تقنيات السّعادة إفراطا خياليا في التقويم، بحيث مكنّت الإنسان من توسيع بنك أحلامه وَوُلوج مُثيرات انفعالية جديدة وكذا تعويض الحرمان ونسيان حدود وضعه.

لقد أصبح تمديد ‹‹ مجتمع الاستهلاك ›› بأشيائه السريعةِ الزّوال أمرا مرغوبا بفعل جاذبية وإغواء الإشهار وما يمتاز به من فنيات في توزيع الصّور والأصوات؛ أدى التّسويق الإعلامي للثقافة إلى إفراز عمليات هُيام بالفنانين والأشياء وكذلك طقوس فوران تشاركي يُومأ ويُحاكي الأنشطة الحيوية اللِعبيّة للاحتفاء بالمقدّس الديني.[33] منذ سنوات 1970م اشتهرت أشكال جديدة للتجارب الوجودية مصحوبة بأساطير وطقوس جديدة حيث عدّت أشكالا للتقديس التناوبي يمكن أنّ نشير إلى :

© النشوة المحصلة من العلاج النفسي: لم يعد الإنسان الحالي يتحمل ضغوطات الحياة المعاصرة خاصة في البلدان المتطورة، فأصبح ينشد العلاج والراحة النفسية حيث أضحى هذا الهدف مُتاحا له بفضل جدول واسع من تقنيات التطبيب الحيوي، والـتي شهِدت تطورا في البيئة الحضارية الأمريكية. ومن أبــرز ألـوان هذا العلاج ما يُعرف بـإديولوجــيا ‹‹ الجنون المقدّس ›› إذ تُسهم مع غيرها من العلاقات في تعميم الرغبة في التدريب وتغيير الذات وهي أنشطة تنتمي للطقوس المقدّسة. وانتشار مختصين ومختصات في التنمية البشرية؛

© الاستحواذ الطائفي (النّحلي): يتزعمه قواد كاريزميين يَدَعُون حيازتهم لمفاتيح الحكمة أو القدرة على الإنقاذ يَعِدون المرشحين الجدد بالحقيقة المُجَدِدَة. تُعرف هذه الطوائف (النّحل) غالبا بتقنياتها النفسية واستعمالها لعقاقير مُزيّفة كما أنّ أنشطتها المالية تحوم حولها الشكوك، ويبدو أنّ علمها التلفيقي آخذ في التكاثر على حساب خفوت نجم الكنائس التقليدية. ضمن ذات السياق، نسجل الانتشار المذهل لما يُسمى “الرقية الشرعية بالقرآن” بحيث أصبح ما يُسمى بالرُقاة يستقبلون المرضى في عيادات خاصة وفق مواعيد ولديهم بطاقات زيارة، وبعضهم يملك قنوات فضائية فيما يلجأ الكثير منهم إلى الانترنت لفتح قناة على اليوتيوب، يعرض هؤلاء حصصا لمعالجة مس الجان والصرع وغيرها من الأمراض النفسية، لقد أصبحوا منافسين حقيقييّن للأطباء النفسانيين في البلدان الغربية.

© الانجذاب إلى اللّعب: المُلاحظ في المعيش اليومي أنّ الكثير من الأنشطة الفردية أو الجماعية ذات التعابير المُرتبطة بنوبات تعذر المشي التشنجي – paroxystiques هي امتداد أو محاكاة الطقوس المقّدسة أو بديلا لها، في هذا الإطار تبحث  فئات عريضة من سكان العالم عن التّعلق إلى حدّ الهوس بوسائل تقنية للنقل (سيارة، دراجة نارية… إلخ) أو تكنولوجيات حديثة للاتصال وإعادة الإنتاج الإلكتروني (حفلات موسيقية، وسائط الإنترنيت) أو أنواع الرياضة، تجد بيئة للتنفيس والفوران تماثل الاحتفالات الدينية البدائية.

© الحياة البديلة: على خُطى الرفض العام للهيئات الحكومية خلال سنوات 1968م تم انبعاث تجارب الطائفية الطوباوية، حاولت حركات بديلة من شيوعيّين متحررين، حركات نسوية، دعاة السّلم وحماة البيئة، وضع قيد التنفيذ طريقة حياة مستقلة غالبا ما تكتمل هذه التجارب بموحيات أيديولوجية أو أسطورية شبه دينية تُحيل على الرهبنة والاعتزال.

1.3.3. البيئة والطّب البديل: بفعل الضعف الذي اعترى المسيحية المؤسساتية في الغرب أضحى التقديس متصلبا مما دفع بفئات من المجتمع إلى الطبيعة في هيئة حركات بيئية، وفي التوسيع الذي تعرفه بعض أنواع التطبيب البديلة إلى جانب الطب العلمي التعاقدي. أدت الأخطار والخسائر التي أحدثتها التنمية المسعورة للمجتمعات الصناعية إلى انتقاد لاذع لهذا الاستغلال الفاحش للثروات الطبيعية وتلويث المناخ والمناظر الطبيعية. إذ تم التعبير عن هذا الرفض بالدفاع عن التنمية المستدامة من خلال أشكال عديدة انطلقت من مقاربة تضع الإنسان في صلب الانشغالات وتُطالب بالعودة إلى قياس صحيح في نمو المجتمع المادي والحفاظ على البيئة لضمان حياة أكثر إنسانية تستهدف الوصول إلى مقاربة ” بيُو-مُمركزَة ” ترمي إلى إلحاق الأنشطة التقنية للإنسانية باحترام طبيعة تُضبط بوصفها جملة حيّة ذات توازن ذاتي، جعلها الإنسان مريضة. موازاة مع ما قد سبق، تم توجيه الانتقادات للطب العلمي باتهامه بنسيان القدرة الشفائية المُودَعة في الطبيعة وتفضيله لعلاجات عدائية وغالبا عاجزة.

لقد أدى ذلك إلى إعادة تقويم عدد من العلاجات وأنواع التطبيب البديلة بالرجوع إلى الطب التقليدي الما قبل علمي أي، الطب الطبيعي والذي يلجأ أصحابه في الغالب إلى تنشيط وتفعيل مُخيّلة مُقدّسة بحيث تستمد بعض العلاجات طقوسها من حركات دينية تَدعِي التأثير في آن واحد على جسد وروح الأوفياء (أعمال سحرية، انخطاف رعشي وعلاجات كرزميّة…إلخ) وعلاجات أخرى مُتصلة بجواهر ظنينة لديها قدرات خفية (أحجار، ماء طين…إلخ) مُعبئة بالمقدّس.

نؤشر من جديد إلى الانتشار المذهل بالبلدان العربية للطب البديل بالأعشاب ومشروباتها وزيوتها ومربياتها وخلطاتها فتحوّلت إلى صيدليات تنشط كمنافس شرس لصيدليات العقاقير العصرية وأصبح لهذا الطب البديل إعلاما خاصا به. بل أصبحت العامة من الشعب، رجالا ونساء، لا تتورع عن تقديم وصفات علاجية ومُكملات غذائية عبر الأنترنت ليس أملا في شفاء الناس ولكن للحصول على المال من شركة جوجل، كما لا تكاد تخلو بعض الفضائيات والاذاعات من برامج مكرّسة لمثل هذا النوع من العلاج.

يبقى الغموض في الأخير يلف كلّ هذه المحاولات الرّامية إلى إضفاء صفة التقديس فمن ناحية، هي تشهد على الحاجة إلى تجاوز عالم دُجّن فيه الإنسان، ورغبة في عدم تنميط الوجود وجعله فجّا يُراوح نصوص التكيّف الآمرة والإلزامية ومن ناحية أخرى هي حوامل لمظاهر خدّاعة ولأفكار وهميّة في حدود بقائها على العموم غريبة عن كلّ ما له علاقة بعالم الغيب، فهي تدفع الإنسان لينتج مرآة لنفسه.

خاتمـة:

إنّ المكانة والقانون الممنوحان للمقدّس لا ينفكان عن تطوّر الأديان في التاريخ، لاسيما في أيامنا. لقد تضمنت أيضا الفورة الحالية للأديان، والتي اعتقد بعض مفكري الغرب أنها في طريقها إلى الأفول بلا رجعة، أشكالا جديدة من المواجهة ومن التعايش في ما بينها. وضعت تلك التوترات، في كل منها بين الليبرالية والأصولية الصلبة،  المُقدّس من جديد في الواجهة الأولى للأحداث الثقافية المُعاصرة. لقد أصبح أكثر من أي وقت مضى مثار انتقادات عنيفة غالبا ما تُخلطه مع المخاطر الدينية، خاصة عندما يتم تَسْيّسه، وإعادة استثماراته الكبرى التي تكون إمّا « نتاج علاقة جديدة بالعالم وبمدخل إلى الماضي – الحاضر، المستقبل.»[34] أو تضيع أحيانا في شكل نزعة توفيقية غير مسبوقة. ومع ذلك، هل يجب أن نحكم على المقدّس فقط بقياس هذا الاستلهام بالظواهر الدينية التي تستخدمه كأداة بكل المعاني إلى غاية رسم كاريكاتير أو العكس ؟ إنّ المخرج من هذه « العودة إلى الديني»، التي لا تزال غير المُتوقعة سيطبع بدون شك المُقدّس بحمولة ثقيلة، ايجابية أو سلبية. يمكن أن يكون هذا التذبذب دعوة نهائية تجعلنا على يقظة أمام ما قد يكون اللغز الأعلى، الذي يكون المُقدّس علامته. ربما يتطلب المُقدّس أقل علوم، أيضا أقل معارف، غير الصمت، أو تسليم مطلق. ليس هنا كأدنى شك أنّ المُقدّس يُحْدِث دوما معنى في كلّ مرة يجد الانسان فيها نفسه أمام جمال منظر طبيعي، أو بهاء طلوع القمر. المؤكد، أنّ جميع المجتمعات تفرز فضاءاتها المقدّسة، هناك رموز وكيانات مقدّسة تمتلك قوة إلزامية دون أن تكون دينية بالضرورة. ولما كان لأي نشاط اجتماعي وظائف مقدّسة مُمكنة، فقد يكون هنا كقائمة ضخمة لما يُشكّل المقدّس في المخزون الثقافي لأي مجتمع، حيث « تُحرك السّلطة أشكال مسرحة الحياة الاجتماعية ولا يتم إيجاد الشيء إلا في الصورة التي تُظهِرُه مدعاة للافتخار من ناحية، ومن ناحية أخرى، يعمل التّمثل كـ مَاكِنة تُحوِّل الاحترام والتقديس المفضي للاذعان، إلى أداة مُنتِجة لتناقض استبطاني. »[35]

قائمة المصادر والمرجع:

أ/ المصادر:

  1. القرآن الكريم: برواية ورش عن نافع من طريق الشّاطبية، دار ابن الجوزي، القاهرة،2016.

ب/ المراجـع باللغة العربية:

2.أحمد الخشاب: الاجتماع الديني: مفاهيمه النظرية وتطبيقاته العلمية، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، 1970.

  1. أرمان وميشال ماتلار: تاريخ نظريات الاتصال، تر: نصر الدين لعياضي والصادق رابح، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005.

4.إدوارد تويتشيل هول: اللّغة الصامتة، تر: لميس فؤاد اليحيي، الأهليّة للنشر والتوزيع، عمّان (الأردن)، ط1، 2007.

5.محمد الجودة وآخرون: الإنسان والمقدّس، دار محمد علي الحامي للنشر، تونس، 1994.

  1. رينيه جيرار: كبش الفداء، ترجمة: منار رشدي أنور، دار الشرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998.
  2. محمّد فؤاد شكر: ألمانيا النازية: دراسة في التاريخ الأوربي المعاصر (1939-1945)، المملكة المُتحدة، مؤسسة هنداوي، 2017.

ج/ المراجـع باللغة الأجنبية:

  1. Abderrahmane MOUSSAOUI, “Espace et sacré au Sahara”, CNRS EDITIONS, 2002.
  2. Camille TAROT, “Le symbolique et le sacré”, La Découverte, Paris,2008.
  3. Edward T. HALL, “La danse de la vie: temps culturel, temps vécu”, éd. du Seuil, Paris, 1984.

11.Hannah ARENDT, “Le système totalitaire”, Seuil, Paris, 1972.

   12.Hannah ARENDT, “Condition de l’homme moderne”, trad., G. Fradier, éd. Pocket, 1992.

13.Jacques ELLUL, “Les nouveaux possédés”, Fayard, 1973.

  1. Jean-Jacques WUNENBURGER, “Le Sacré”, sixième éd, Paris: puf ­ Que sais­je?, 2009.
  2. Jean-Pierre SIRONNEAU, “Sécularisation et religions politiques”, Mouton, Paris,1982.
  3. Jean ­PierreVERNANT, “Mythe et pensée chez les Grecs”, éd. Poche, Ed. La Découverte, 2005.
  4. Jérôme MONNET, “La ville et son double: La parabole de Mexico”, éd. Nathan, 1993.

18.Joseph CAMPBELL, “The Masks of God”, London, Penguin Books, 1979.

19.Marcel GAUCHET, “Le désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion”, Gallimard, Paris, 1985.

20.Marcel MAUSS, “Les fonctions socials du sacré”, presentation de Victor Karadi, éd. De Minuit, 1968.

  1. Max WEBER, “Le savant et Le politique”, éd. Plon, 1959.

22.Mircea ELIADE, “Aspects du mythe”, coll. Folio­ éssais, Gallimard, 1957.

23.Mircea ELIADE, “Le sacré et le profane”, réédition, coll. Folio ­ Essais, Editions Gallimard, Paris, 1987.

  1. Omar AKTOUF, “Le travail industriel contre l’homme?”, ENAL / OPU, Alger,1986.
  2. Pierre BOURDIEU, “Raisons pratiques sur la théorie de l’action”, éd, Seuil, Paris,1994.
  3. René GIRARD, “la violence et le sacré”, réédition, Albin Michel ­ Hachette littérature,Paris, 1990.
  4. René GUENON, “Le Règne de la quantité et le signe des temps”, coll, idées n° 224, 1970.
  5. Roger CAILLOIS, “Le mythe et L’homme”, Folio­éssais, Gallimard, 1972.
  6. Samuel HUNTINGTON, traduction française sous le titre: “Le choc des civilisations”, éd. Odile Jacob, Paris, 1997.
  7. Walter Friedrich OTTO, “Essais sur le mythe”, Trans­europe­repress, Mauvezin, 1987.

[1].  Voir : Marcel GAUCHET: “Le désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion”, édition Gallimard, Paris, 1985.

[2]. محمد الجودة وآخرون: الانسان والمقدّس، دار محمد علي الحامي للنشر، تونس، دط، 1994، ص63.

[3]. Camille TAROT, “Le symbolique et le sacré”,édition La Découverte, Paris, 2008, pp 275­287.

[4]. Camille TAROT, “Le symbolique et le sacré”, Op. Cit, p 48.

[5]. أحمد الخشاب: الاجتماع الديني: مفاهيمه النظرية وتطبيقاته العلمية، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، دط، 1970، ص ص 25- 26.

[6]. Mircea ELIADE, “Le sacré et le profane”, réédition, coll. Folio ­ Essais, éditions Gallimard, Paris, 1987, p 64.

[7]. Mircea ELIADE,” Aspects du mythe”, coll. Folio­ éssais, éd., Gallimard, Paris, 1957, p 15.

[8]. Jean­ Pierre VERNANT, Mythe et pensée chez les Grecs, éd. Poche, éd., La Découverte, 2005, pp 109­136.

[9]. Walter Friedrich OTTO, “Essais sur le mythe”, Trans­europe­repress, Mauvezin, 1987, p 31.

[10].Voir: Joseph CAMPBELL, “The Masks of God”, Penguin Books, 1979.

[11]. Macel MAUSS, “Les fonctions socials du sacré”, presentation de Victor Karadi, éd. De Minuit, 1968, p 112.

[12]. Abderrahmane MOUSSAOUI, “Espace et sacré au Sahara”, CNRS EDITIONS, 2002, p 269.

[13]. إدوارد تويتشيل هول: اللّغة الصامتة، تر: لميس فؤاد اليحيي، الأهليّة للنشر والتوزيع، عمّان (الأردن)، ط1، 2007، صص 180-207.

. المرجع نفسه، صص 195-198.[14]

[15]. Voir : Edward T. HALL, “La danse de la vie: temps culturel, temps vécu”, éd. du Seuil,Paris, 1984.

[16]. Voir: Omar AKTOUF, “Le travail industriel contre l’homme?”, ENAL / OPU,Alger, 1986.

[17].Mircea ELIADE, “Aspects du mythe”, op, cit. p. 177.

.رينيه جيرار: كبش الفداء، ترجمة: منار رشدي أنور، دار الشرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998،صص 52-57.[18]

[19]. Voir: Michel MAFFESOLI, “Essais sur la violence”, Librairie des Méridiens, 1984.

[20]. Voir : Samuel HUNTINGTON, traduction française sous le titre: “Le choc des civilisations”, éd. Odile Jacob, Paris, 1997.

[21]. René GIRARD, “la violence et le sacré”, réédition, Albin Michel ­ Hachette littérature, Paris, 1990, p 480.

[22]. Jacques ELLUL, “Les nouveaux possédés”, Fayard, 1973, p 94.

[23]. Roger CAILLOIS, “Le mythe et L’homme”, Folio­éssais, Gallimard, 1972, p29.

[24]. Voir: Max WEBER, “Le savant et Le politique”, éd. Plon, 1959.

[25]. Voir : René GUENON, “Le Règne de la quantité et le signe des temps”, coll, idées n° 224, 1970.

[26].Camille TAROT, “Le symbolique et le sacré”, Op. Cit, pp16­19.

[27]. Jean-JacquesWUNENBURGER, “Le Sacré”, sixième éd, puf ­ Que sais­je?,Paris, 2009, p 109.

.[28] أرمـان وميشال مـاتلار: تـاريخ نظريـات الاتصال، تر: نصر الدين لعياضي والصادق رابح، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005، ص 121.

[29].Jean-Jacques WUNENBURGER, “Le Sacré”, Op. Cit, p 110.

[30]. Jean-Jacques WUNENBURGER, “Le Sacré”, Op. Cit, p 110.

[31]. ينظر: محمّد فؤاد شكر: ألمانيا النازية : دراسة في التاريخ الأوربي المُعاصر (1939-1945)،مؤسسة هنداوي، المملكة المُتحدة، 2017.

[32].Voir: Hannah ARENDT, Le système totalitaire, Seuil, Paris,1972. Pour Jean-Pierre Sironneau, voir: “Sécularisation et religions politiques”, Mouton,Paris, 1982.

[33]. Hannah  ARENDT,  “Condition de l’homme modene”,  traduction fraçaise G. Fradier, éd. Pocket, 1992, pp 183­184.

[34]. PierreBOURDIEU, “Raisons pratiques sur la théorie de l’action”, éd.Seuil,Paris, 1994, p 148.

[35]. Jérôme MONNET, “La ville et son double: La parabole de Mexico”, éd. Nathan, 1993, p 41.