شهدت نهاية القرن العشرين تغييرات كبيرة في حقل العلاقات الدولية، وبالتحديد بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، التي كانت قائمة بين المعسكرين الشرقي والغربي. من هذه التغيرات عودة الديني والإثني وسط توسع حيز الحريات الفردية وزوال الحواجز بين المجتمعات وتراجع دور الدولة. أما أبرز هذه التغييرات، فهو تغير طبيعة النزاعات، من نزاعات أيديولوجية بين الدول، الى نزاعات داخل الدول، حيث برزت وبشكل واضح وجلي النزاعات الإثنية والدينية، وأصبحت من أهم القضايا الشاغلة للمجتمع الدولي لما تحدثه من أثار ونتائج تتجاوز حدود الدول ذاتها. رغم إعتقاد الكثير من الباحثين بأن هذه النزاعات مرحلية وسوف تزول شيئا فشيئا” مع تصاعد موجات الحداثة التي ستؤدي إلى الحد من قوة هذه النزاعات، إلا أنه تبين عكس ذلك من حيث تزايد حدة النزاعات الإثنية والدينية في العديد من الدول ومعظمها في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالتعدد الديني والإثني، ومنشأ الديانات التوحيدية الثلاثة، وكذلك الغنية بالنفط الذي هو عصب الإقتصاد العالمي ومحرکه ومصدر الطاقة الأول منذ أوائل القرن العشرين. دول الشرق الأوسط في معظمها حديثة الإستقلال، وما زالت تعاني من صعوبات في عملية دمج العديد من الإثنيات والمذاهب والهويات داخل الدولة الإقليمية الواحدة، بالإضافة إلى صعوبات الحد من النزاعات الإثنية وتهيئة الظروف الملائمة لبناء نظم سياسية مستقرة ومؤسسات قادرة على تحقيق العدالة والمساواة بين جميع أفراد وفئات المجتمع. وتندرج المنطقة العربية ضمن هذا الواقع، لطالما تعددت فيها مظاهر العنف والنزاعات الإثنية والعرقية والدينية حتى والمذهبية، تحت وطأة الضعف المتزايد للنخب السياسية الحاكمة وشدة تعلقها بالسلطة، مما أثر على بناء الدولة وعلى عدم استقرارها، ومن بين هذه الدول يأتي لبنان، سوريا، العراق، اليمن وغيرها.

تحميل الرسالة

Print Friendly, PDF & Email