النزاع الجزائري المغربي : بين التوتر المقيد والمطلق

يعد النزاع الجزائري المغربي أطول نزاع في القارة الإفريقية تمتد جذوره إلى ما قبل استقلال البلدين الجارين واستمر إلى يومنا هذا متخذا عدة أشكال ومظاهر. ورغم تعاقب الرؤساء والملوك في كلا البلدين إلا أن النزاع لم يختفي فكان يخبو تارة ويتفاقم تارة أخرى.وقد إستعمل النظامين السياسيين كل الوسائل المتاحة ضد بعضهما البعض لأجل كسب معركة تكسير العظام للطرف الاخر ، مثل إستعمال القوة العسكرية كحرب الرمال ( أكتوبر 1963 ) و معركتي أمڤالا 1 و أمڤالا 2 سنة 1976 واستعمال الوسائل الثقافية والرياضية والاقتصادية والدعاية الإعلامية و حرب الجوسسة و إشراك التاريخ و الإستقواء بالأطراف الدولية ( أمريكا والإتحاد السوفيتي ) زمن الحرب الباردة.ومازال إلى الآن التموقع والاستقطاب الدولي سمة من سمات النزاع الجزائري المغربي . كما تم إقحام نخبة المجتمع وصفوته في هذا النزاع المزمن وغيرها من الأساليب الأخرى برغم كل العوامل المشتركة بين البلديين الشقيقيين المفضية إلى الوحدة والتعاون من وحدة الدين والهوية واللغة ( العربية والأمازيغية ) والتاريخ و الجغرافيا والمصير المشترك إلا أن هذا النزاع إستعصى على الحل إلى يومنا هذا مما أدى إلى تعطيل تنمية ونهضة شعوب المنطقة المغاربية ككل .

ولعل أسباب النزاع و جذوره ليست وليدة إستقلال البلدين الجارين كما يعتقد البعض بل هي تعود إلى زمن العثمانيين على أقل تقدير وقد إتسمت العلاقات حينها بالتنافسية بين الأقطار المغاربية الثلاث ( تونس – الجزائر – المغرب ) وكانت كل دولة ترى في الأخرى منافسها الخطير الذي يجب ألا يعلو شأنه حتى لا يبتلع البقية . وكان كل طرف يتدخل في شؤون الطرف الأخر إما بتغذية الصراعات الداخلية والثورات الشعبية أو التحالف مع قوى أجنبية خارجية . ثم جاء الإستعمار الذي زاد من حدة التوتر والنزاع ليس بين المغرب والجزائر وحسب بل في كل المناطق الإفريقية والأسيوية التي خضعت له و خاصة الإستعمار الفرنسي الذي زاد من تعقيد الأمور خدمة لمصالحه مستغلا وجود الخلافات السياسية والحدودية السابقة .كما أنه برزت أيضا خلافات داخل الحركة الوطنية المغاربية حين إعتبرت الجزائر الإستعجال على موافقة كلا من تونس و المغرب على الإستقلال دون الجزائر سنة 1956 هو خدمة لفرنسا التي إستفردت بالشعب الجزائري مستعينة بالحلف الأطلسي من أجل الإحتفاظ بالجزائر للأبد تطبيقا لشعار الجزائر الفرنسية أضف إلى ذلك حادثة إختطاف وقرصنة فرنسا لطائرة الزعماء الخمسة للثورة وقادتها وهم كلا من ( حمد خيضر، حسين آيت أحمد، أحمد بن بلة، محمد بوضياف، و معهم مصطفى الأشرف ) شهر أكتوبر 1956 التي كانت متوجهة من العاصمة الرباط إلى تونس لحضور مؤتمر مغاربي سمي بمؤتمر السلام، وكان يهدف إلى تنسيق العمل لإستكمال تحرير الشمال الإفريقي وبناء الإتحاد المغاربي وإتهم ساعتها ولي العهد الحسن الثاني بتدبير الحادثة رفقة المخابرات الفرنسية . وبعد الإستقلال نشب نزاع حدودي مسلح بين المغرب والجزائر شهر أكتوبر 1963 حين إجتازت القوات المغربية الحدود وتوغلت إلى الأراضي الجزائرية منطقة حاسي بيضة بالقرب من ولاية تندوف قبل أن تنسحب بعد تدخل منظمة الوحدة الإفريقية وضغط دولي و إستعادة الجيش الجزائري زمام المبادرة وتلقي إعانات كوبية مصرية.

وتم وقف إطلاق النار شهر فيفري 1964 . وهو ما إعتبرته الجزائر طعنة في ظهرها خاصة وأنها لم تلملم بعد جراح حرب الإستقلال مع فرنسا .ثم إندلعت قضية الصحراء الغربية سنة 1975 بعد إنسحاب المستعمر الإسباني تحت ضغط المقاومة الصحراوية والتي رأت فيها المملكة المغربية إستكمالا لوحدتها الترابية وإجتاحت الصحراء الغربية. بينما رأت الجزائر أنها قضية تصفية إستعمار وأن الجزائر من أهم مبادئ سياستها الخارجية المطالبة بحق تقرير المصير للشعوب المستعمرة تماشيا مع مبادئ حركات التحرر الإفريقية أنذاك . ودعمت الجزائر جبهة تحرير الساقية الحمرراء ووادي الذهب والتي تعرف إختصارا ب (( البوليزاريو)) سياسيا وماليا و عسكريا و إعلاميا و دوليا .وبعد نهاية الحرب الباردة شهدت العلاقات الجزائرية المغربية إنفراجا مؤقتا توج بإعلان إتحاد المغرب العربي في فيفري سنة 1989 بمدينة مراكش . كما عقد إتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب و جبهة البوليزاريو سنة 1991 برعاية أممية تمهيدا للإستفتاء على تقرير المصير والذي لم يجر إلى الأن . وبسبب هذا النزاع إنسحب المغرب من منظمة الوحدة الإقريقية سنة 1984 التي ساندت الطرح الداعي لتنظيم إستفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي بل وقبلت بالجمهورية العربية الصحراوية كعضو بعد إعترافها بها. ولم يكن المغرب عضوا مؤسسا للإتحاد الإفريقي الذي حل محل منظمة الوحدة الإفريقية سنة 2002 بعد مؤتمر سرت بليبيا بينما كانت الصحراء الغربية عضوا مؤسسا ولكن المغرب عاد وانضم للإتحاد الافريقي سنة 2017 . ثم عادت العلاقات وانتكست مرة أخرى حينما فرضت المغرب التأشيرة على الرعايا الجزائريين سنة 1994 بعد إنفجار فندق بمراكش المغربية الذي إتهمت فيه المغرب الجزائر بالضلوع فيه فردت الجزائر بالمثل وأغلقت الحدود البرية مع المغرب ولن تفتح الحدود البرية إلى غاية اليوم .

لايبدو أن الأمور تتجه إلى الإنفراج القريب بين النظاميين السياسيين في المستقبل القريب بالرغم من حالة الإرتياح التي خلفها دعم الجزائر للملف المغربي وتصويتها لصالح هذا الملف في الجمعية العامة للإتحاد الدولي لكرة القدم ( FIFA ) . ويعتقد البعض أن كلا النظامين مستفيد من هذا النزاع خدمة لبقائه في هرم السلطة كما لا يبدو أن لدى الطرفين الرغبة الملحة برغم كل مغريات التصالح و الوحدة والإندماج والتكامل الإقتصادي لأن لا أحد يريد أن يضحي ويتنازل قليلا للطرف الأخر من أجل مصلحة الشعوب دون ان ننسى التدخلات الخارجية والأجنبية في تأجيج هذا الصراع خاصة من طرف فرنسا وإسبانيا .ففرنسا مصالحها كبيرة و إستمرار النزاع يجعلها المتحكم والمستفيد من السوق المغاربية اما إسبانيا فتعتقد ان الإنفراج بين الجارتين سيوجه أعين المغرب للمطالبة بسبتة ومليلية وبعض الجزر التي إستولت عليها إسبانيا وضمتها لها . والواضح أن الشعوب في وعيها السياسي سابفة لأنظمتها فهي تتوق وتتطلع لليوم الذي يبنى فيه الصرح المغاربي الكبير خدمة للشعوب المنطقة كافة . ويبقى التوتر والنزاع الجزائري يتراوح بين توتر مطلق و توتر مقيد على حسب مزاج قادة البلدين و لكنه في الغالب الأعم توتو مقيد فلم تقطع العلاقات النهائية بين البلدين ولازال المجال الجوي مفتوحا بين الطرفين والتنسيق بين الدولتين لايزال قائما .​

 

الطالب : نورالدين عفان
ماستر دراسات أمنية وإستراتيحية

جامعة قاصدي مرباح ولاية ورقلة