منذ الحرب العالمية الثانية ومعظم دول العالم لا تريد تكرار ذلك المشهد من جديد، ولكن ما يحدث الآن من توترات بين روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الحدود الأوكرانية الروسية هو ما يجعل خيار الحرب على الأبواب، فهل أوشكت الحرب العالمية الثالثة أن تشتعل؟

أوكرانيا كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق منذ عام ١٩٢١ وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي استقلالها عام ١٩٩١، والحقيقة أنه بعد استقلالها كان هناك تياران في أوكرانيا، تيار يرى أن مصالحه مع الغرب والتيار الآخر يرى مصالحه مع روسيا ومن هنا يرجع جذور الصراع الحالي، فأوكرانيا ذو أهمية بالغة للجانبين، فهي تُمثل المفتاح لأوروبا بالنسبة لروسيا وتُمثل بالضرورة خط الدفاع الأول في مواجهة روسيا بالنسبة لأوروبا.

 بدأ الصراع بين روسيا وأوكرانيا يشتعل في مارس عام ٢٠١٤، عندما ضمت روسيا منطقة القرم إلى أراضيها عقب انتفاضة أطاحت بالرئيس الأوكراني الموالي لها، مما أثار غضب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهذا دفعهم إلى فرض عقوبات عليها، ثم في إبريل عام٢٠١٤ بلغ الصراع  ذروته، بعد وصول قادة مؤيدون للغرب إلى السلطة في كييف عاصمة أوكرانيا، وهو ما تعتبره روسيا بمثابة خطر داهم على أمنها القومي، لأن تغيير النظام السياسي في أوكرانيا يعني اقتراب حلف الناتو أكثر من الحدود الروسية، وفي نفس الشهر استولى متمردون موالون لروسيا في منطقة دونباس الواقعة شرق أوكرانيا على منطقتي دونيتسك ولوغانسك، ومنذ ذلك الوقت وأوكرانيا تخوض معارك مع هؤلاء المتمردون المدعومون من روسيا.

على مدار العام الماضي ٢٠٢١، وحتى وقتنا الحالي عملت روسيا على تعزيز وجودها العسكري على حدودها مع أوكرانيا، ولكن ما تفعله روسيا الآن من حشد في ما يقارب ٩٠ ألف مقاتل في حالة تأهب للقتال على بعد ٢٦٠ كم فقط من الحدود الأوكرانية، هو ما يزيد من حالة التوتر ليس في أوكرانيا فقط ولكن في أوروبا بأكملها، الأمر الذي أدى إلى خلق حالة من الذعر في حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة، فقد حذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عقب لقاء مع نظيره الأوكراني ديميتري كوليبا روسيا من تكرار خطأ عام ٢٠١٤، إضافةً إلى ذلك أنه في الآونة الأخيرة فقد فشل الحوار الاستراتيجي في جنيف في ١٦ يونيو عام ٢٠٢١ بين الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين والذي كان يهدف لتبريد الصراعات.

إن العلاقة بين روسيا وحلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة تتدهور كل يوم في أوروبا وقد أدى ذلك إلى قطع العلاقة نهائيًا بين روسيا والناتو ومغادرة بعثة روسيا لمقر الحلف في بروكسل بعد اتهامات لأعضاء البعثة الدبلوماسية الروسية بالتجسس.

 من المعروف دائمًا أن لكل فعل رد فعل، فما السبب الحقيقي وراء تحركات الروس؟ الدوافع وراء تحركات روسيا عديدة، فمثلًا زيادة النشاط العسكري لحلف الناتو وظهور سفن الحلف بأسلحة صاروخية موجهة في بحر البلطيق والبحر الأسود على بعد ٢٠ كم من الحدود الروسية، والذي اعتبرته روسيا نشاطًا عدوانيًا يُشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي والاستراتيجي، إضافةً إلى ذلك تتحدث روسيا باستفاضة عن وجود عسكري للناتو في أوكرانيا، رغم أن كييف ليست عضوًا في الحلف والذي يفاقم الأوضاع في دونباس، كما شدد الرئيس الروسي على أن كييف تواصل سياستها المضرة الموجهة إلى تقويض اتفاقات مينسك وهو اتفاق لوقف إطلاق النار في دونباس بأوكرانيا، حيثُ استخدمت القوات المسلحة الأوكرانية مؤخرًا طائرات مسيرة ضاربة في منطقة النزاع.

على الصعيد الآخر روسيا تستخدم أكثر من وسيلة من أجل الضغط على الغرب مثل زيادة أسعار الغاز أو القوى التي تعمل بالوكالة أو عمليات التسلل الإلكتروني، يتزامن مع تلك الأحداث أزمة المهاجرين على حدود بيلاروسيا والتي يرى البعض أنها مدبرة من روسيا وأنها تقوم باستخدام المهاجرين للضغط على أوروبا وتشتيتهم في أكثر من اتجاه، وربما تجتاح أوكرانيا مستغلة الأوضاع المتدهورة في أوروبا، لكن نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة ديميتري بولانسكي أكد أن روسيا لم تخطط أبدًا لأي تدخل عسكري في الأراضي الأوكرانية، كما شدّد على أن لدى روسيا الحق في حشد أي قوات عسكرية داخل أراضيها، في المقابل يرى الناتو أن هذا ليس تعزيزًا بحت عسكري وأن الوضع الراهن هو وضع متدهور تثبت فيه روسيا أنها تستطيع بسرعة تفعيل القوات والمعدات التي حشدتها وأن كل الخيارات بما فيها العسكرية مطروحة على طاولة القادة الروس.

بالنظر إلى المشهد فإن كلا الطرفين يدين الآخر، ويرى أن أي تحرك يقوم به فهو من حقه، وأن الطرف الآخر هو المسؤول عن أي صراع قائم، غير أنه من ناحية أخرى بالنظر للأحداث العالمية لا يمكننا استبعاد خيار الحرب كما هو ظاهر في إطار الأحداث، فيبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تفقد السيطرة، فهي الآن أمام مواجهة عنيفة مع ثلاث قوى يتصارعون ضدها آملًا في السيطرة والنفوذ، فكما ذكرنا سابقًا روسيا من جهة تقوم بإثارة التوتر في أوكرانيا وأوروبا الحليف الأكبر للولايات المتحدة، الصين من جهة أخرى تهدد باجتياح تايوان، وأخيرًا إيران والتي تعمل على امتلاك القنبلة النووية، فربما تستغل روسيا تلك الأحداث وتجتاح أوكرانيا، ومن ناحية أخرى تجتاح الصين تايوان، مما يؤدي إلى وضع الناتو أمام مواجهة عنيفة بين جبهتين مختلفتين، وهو أمر سيجعل حلف الناتو مشتتًا وهكذا تكون الولايات المتحدة وقعت في شباك روسيا والصين، وفي النهاية تحصل كلا الدولتين على مبتغاها، لكن دائمًا يظل خيار الحرب هو الخيار الأخير، لأنه على الرغم من حدة الصراع فمن العسير على الدول أن تشعل حرب بهذه السهولة، نظرًا للتطور الهائل في صناعة الأسلحة النووية، فإن نشوب حرب سيؤدي إلى دمار شامل في العالم بأسره، بالتالي لن يكون هناك رابح هذه المرة، فبقنبلة أو صاروخ نووي واحد يمكن أن تمحو دولة بأكملها من الوجود في أقل من بضع ثوان،ٍ كما أكد معظم الخبراء والمحللين أنهم لا يرجحون وقوع أي نزاع عسكري، فواقعيًا حلف الناتو والولايات المتحدة ليسوا على استعداد لمخاطرة مثل هذه، وأن ما يحدث الآن ليس إلا استعراض للقوى بين كلا من روسيا والولايات المتحدة، وعلى الرغم أن البعض لا يرجح احتمالية الحرب، إلا أنها تبقى حاضرة على الطاولة، بل وقابلة بقوة للتحول إلى حقيقة مفزعة إذا فقد أحد الطرفين أعصابه في لحظة تهور، فإذا لم تنجح الخطوات الدبلوماسية والمشاورات في تصفية النزاع وحل الصراع بين الأطراف المعنية روسيا وأوكرانيا والناتو، فربما تفعلها روسيا وتجتاح أوكرانيا وتشعل فتيل الحرب.

إن الصراع والتصميم للسيطرة على العالم، هو أساس لكل الصراعات الحالية بين الدول، والحقيقة أن الصراع في أوكرانيا في جوهره ليس صراع بين أوكرانيا وروسيا، ولكنها مجرد جولة أخرى تتنازع فيها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فاستراتيجية روسيا الآن تقوم على إعادة بناء وضعيتها كقوة عظمة، ودعمها للأقليات في شرق أوكرانيا ما هو إلا محاولة لوقف أي توسع من قبل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، كما أنها تتبنى سياسة خارجية نشيطة، وترى الانتصار في النزاع الأوكراني انتصارًا على الولايات المتحدة وأوروبا، واستعادة مكانتها كقوة عظمى، بينما على الصعيد الآخر فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يروا خطرًا داهمًا من قبل روسيا إن استعادت سيادتها السابقة أثناء الاتحاد السوفيتي، ومن هنا يأتي قلق الغرب من سقوط أوكرانيا في يد الروس، الأمر الذي سوف يؤدي إلى تحول كبير في ميزان القوى الدولية واحتمالية سقوط أكثر من دولة في شرق أوروبا في يد روسيا، وهذا السيناريو هو أكثر سيناريو يخشى أن يراه الغرب.

مراجع

  • RT news بوريل يدعو أطراف الصراع بشرق أوكرانيا إلى عدم “صب الزيت على النار”.
  • البيان، د.ايمن سمير، روسيا أوكرانيا..نذر حرب على الأبواب، روسيا والناتو..الصراع الخشن.
  • جريدة الدستور، لافروف: بايدن ومدير CIA أكدا ضرورة تطبيق اتفاقات مينسك.
  • France 24 النزاع في الشرق الاوكرانى في خمس نقاط
  • Sputnik news, بريطاينا تلوح بخيار تدخل قواتها في أوكرانيا.
  • Bloomberg, NATO Chief Raises Alarm on Russian Build-Up Near Ukraine.
  • Ny times, U.S warns Allies of possible Russian Incursion as Troops Amass near Ukraine.
  • Sky news Arabia, طبول الحرب تدق.. تحذير من حرب مدمرة مع روسيا.
  • Carnegie, endowment، Ukraine: putin’s unfinished business.
  • Military times, Russian troop movements show wider conflict is possible, top Ukraine official say.