لقد ساعد الإستخدام الواسع لشبكات الإجتماعية على بروز ظاهرة التزواج بين تكنولوجيا الإتصال الحديثة وتطبقات شبكة الإنترنت ما اصبح يعرف الان  بمواقع التواصل الاجتماعي التي أضافت بعدا  ثقافيا واجتماعيا وسياسيا للتكنولوجية  الحديثة مما خلق مجتمعات  افتراضية غير تلك المتعارف عليها لدي علماء الإجتماع وهي ناتج التعقد التقني الذي تشهده المجتمعات الحالية بفعل التطور التكنولوجي، فمواقع التواصل الاجتماعي حاولت اعادت  صياغة علاقة المحلي بالكوني  وعلاقة الإنسان بالتقنية   وعلاقة التكنولوجيا بالأفكار وهذا  وفق مايسمية الفيلسوف الفرنسي “ريجيس دوبريه” بالتداخل بين عالمين يبدوان متناقضين في العلوم الإنسانية، عالم التنظمات التي لها مظهر مادي ملموس ومحسوس مثل: العائلة والعشيرة والقبيلة  والمدرسة والمؤسسة،وبين العالم الغير مادي ذي الصبغة المعنوية الغير محسوسة  مثل: وسائل إلاعلام الحديثة  وشبكة الانترنت بشكل خاص.

 لقد اكد الإستخدام الواسع النطاق للشبكات الاجتماعية وكذلك الدور الكبير الذي لعبته في تحريك الشباب نحو التعبير عن الرأي والانتقاد للأنظمة الحاكمة، بل وأثارت ثورات  الربيع العربي في كل من  تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا  وبذلك أصبح هذا الفضاء الإلكتروني فضاء عاماً للتغيير وأداة من ادوات التحريض والتعبئة الجماهرية لإطلاق الإنتفاضات أو الثوارات الشعبية التى يغلب عليها الطابع الشبانى، فلقد  أظهر الحراك الشعبي في كل من الجزائر و السودان  زخم وقوة  النشاط السياسي  الإفتراضي  الذي  ألهب الإحتجاجات والمظاهرات، بعد ان خرجت العديد من الفئات المختلفة من المجتمعين الجزائري  والسوداني  للتعبير عن رفضها لتمديد الفترات الرئاسية الجديدة للرئيسين المنتخبين  في كلتا الدولتين.

كانت العهدة الخامسة التي روج لها الحزب الحاكم والطبقة السياسية من المتنفذين في السلطة الجزائرية، حتي فبراير 2019 أملا منهما في فتح  الباب أمام فترات رئاسية جديدة للرئيس  المنتهية عهدته، مما جعل الملايين من الجزائريين يخرجون للشارع  للتعبير  ليس فقط عن معارضتهم  للعهدة الخامسة للرئيس “عبد العزيز  بو تفليقة”  بل أيضا عن إستيائهم من نظام  الحكم الذي نحره الفساد الاداري والمالي والسياسي  وبذلك  فقد هذا النظام الشىرعية  الأخلاقية والسياسية التي تحول دون الإستمرار بتحكمه  بالقرار  السياسي للبلاد.
وقد زادت حالة  الانغلاق في وسائل الاعلام التقلدية (الاعلام الرسمي لدولة)  التي تسيطر عليها الدولة، وبث مايتناسب مع سياساتها كسلطة عليا، وكذلك اشراك  القنوات التليفزيونية  الخاصة معها في ذلك بتوحيد المحتويات الاعلامية المعروضة للجمهور، هذه الاخيرة التى تمادت  مع بداية  الانتفاضة في تضليل  الرأي العام بشأن  تطورات المشهد  السياسي  في البلاد  مما  أدي  للبحث عن أدوات بديلة للتعبير وتداول  أطروحات  سياسية  مختلفة لتعبير عن الرأي بعيد عن واسائل الاعلام المحلية.

هكذا باتت شبكات التواصل الاجتماعي  ليست فقط وسائل  بديلة لتعبير  عن الرأي، أو وسيط  يتم عبره التواصل السياسي لابلاغ الرسائل للفئات الاجتماعية  المختلفة بل  عاملا أساسيا من عوامل تشكيل الفضاء العام المؤثر  على عموم  الشعب والحياة السياسية والتشريعية  بالمفهوم الذي وضعه “يورغن هابرماس”.
وبذلك أصبحت الشبكات الاجتماعية تمثل واقعا إفتراضيا لمحاولة استحضار قضايا الشأن العام ومنقشتها وترجمتها في شكل  حراك اجتماعي سياسي بأشكاله المختلفة من خلال  انتاج  الخطاب  والترويج له بأساليب مختلفة مرورا بتنظيم النشاط السياسي والتعبئة له  وصولا  إلي الحراك السياسي  الميداني   وعلي هذا النحو  فأن  زيادة  نسبة التعبير  الحر  للأفراد  في الشبكات الإجتماعية او مايسمى “بالعالم  الإفتراضي”ونسبة التعبئة العامة الفعلية في المجتمع  الحقيقي ، فالمجتمع  في الفضاء  العام  الافتراضي  يعتبر ديناميكية  جارفة تقوم على عوامل موضوعية  ملموسة  تسمح لها بتوليد حالة من العمل الاجتماعي  الهادف لحل  المشكلات  عند افراد المجتمع، وهذا  ما يولد الرغبة  في الخروج  من  التعبير  الافتراضي إلى التعبير  الفعلي  في الفضاء العام الحقيقي  .

         – لذلك  نسبة  المقاومة  التي  يتلقاها الغير  في الفضاء الالكتروني  مهما كانت اشكالها، ومدي الجنوح نحو التعبير الفعلي في الفضاء العام الحقيقي عبر المشاركة في التجمعات والمظاهرات، فكلما قلت المقاومة التي يجدها الخطاب المعارض في الشبكات الاجتماعية زاد  الجنوح نحو  المشاركة في الحراك عبر التظاهر، فأليات التأثير  السياسي المتعاظم الذي باتت وسائل الاعلام البديلة  تحظى به في الحياة السياسية العامة  بالجزائر في سياق الحراك السياسي الشعبي  من حيث القدرة علي التأثير في الأخرين دفعت المؤشرات المجمعة  الي ان وسائل الاعلام تسير نحو صناعة “الموطنة”البديلة بالتى بات لها في زمن الويب  الثاني دورا فاعلا  كمثير إجتماعي  يساهم  بقوة في صناعة لحظة من لحظات تاريخ  المجتمعات في خلق النشؤة الجماعية الناتجة عن الحراك الجماعي الساعي  للدفاع عن الصالح العام، خاصة في مراحل  عدم التكامل الاجتماعى، او في حالة التفكك الاجتماعي  التي  تنشأ في المجتمعات السائرة في طريق النمو،  نتيجة لفقدان الحكام للشرعية  السياسية من جهة ثم انعدام التنسيق  والاتصال بين كل الجهات خاصة بين الحاكم والمحكوم  وعدم اخذا الحكام تطلعات الشعب في الحسبان، او نتيجة لما أسماه هابرماس  بالتواصل المشؤه.

            _  في الأخير ولما سبق ذكره، الاعلام البديل بشبكاته الاجتماعية ومحتوياته الحرة الغير خاضعة  لتأطير المؤسسي المضبوط هو بصدد إعادة بعث الفضاء العام  حيث ينشي سياقا سياسي  يشعر الفرد بمسؤوليته التاريخية  تجاه بلده، وهذه السياقات  التكنولوجية التى تتيح للفرد فرصة التعبير فكريا  يتيح للفاعلين  في  تلك  الشبكات  فرصة التعاطي  العقلاني  مع القضايا والخروج من عقبات  التعبير الغوغائي(غياب العقل وتسود الانفعالات والعاطفة)  المشوش  في  تلك  الشبكات  او عقبات  التشويش  المؤسسي كشرط من شروط  حصول  الاجماع  وبذلك  يقترب  ذلك الفضاء من  صغته  المثالية ، فهو  نموذج جديد  لشرح أليات  تأثير وسائل الاعلام في تكوين الجمهور  والرأي  العام، خلال الظروف الإستثنائية  التي تعيشها  المجتمعات المكبوته (حديثة الاستقلال) في لحظة  من تاريخها، وكذلك   الممارسات الديمقراطية المثلي وتقريب  المجتمعات من السلطة  من خلال  إعلام  المواطن.

@نوفل صحراوي

Print Friendly, PDF & Email