النظام الايراني يخنق العراق مائيا ويهدد استثمارات السعودية الزراعية !

كتب صفوت جبر – الكاتب والباحث السياسي (سلسلة مقالات حول ايران و الوطن العربي)

النظام الايراني يخنق العراق مائيا ويهدد استثمارات السعودية الزراعية !

مقدمة.

   يشهد الواقـع المائي في الوطن العربي بعضا من الامور المعقدة الي حد التوتر، وظهر ذلك في حالة العجز المائي الذي تعانيه العراق بسبب السياسات الايرانية الخانقة لموارد العراق المائية القادمة من الاراضي الايرانية، ويري كاتب المقال ان ايران تستخدم ورقة المياة ليس فقط لخنق العراق مائيا ولكن لخنقه اقتصاديا وخلق فراغ زراعي ايضا، وذلك من خلال تهديد المشاريع الزراعية السعودية علي ارض العراق، وكأن ايران تريد اكمال اوراق اللعبة السياسية للحرب في اليمن وسوريا ضد السعودية ولكن علي ارض عراقية وبصورة اقتصادية سلاحها فيه الماء.

فحسب الاحصاءات فان نصيب الوطن العربي من الإجمالي العالمي للأمطار 1.5% في المتوسط بينما تتعدى مساحته 10% من إجمالي يابسة العالم،فالامور اصبحت غير مريحة لبعض الدول الدول مع زيادة السكان وتحكمات بعض دول المنابع للأنهار وكأنها منحة الطبيعة لها دون النظر للطبيعة الجغرافية للانهار ، فان واقع الحال في المشرق العربي يبدو أكثر تعقيداً، إذ لا يتعدى نصيبه 0.2 % من مجمل المياه المتاحة في العالم العربي، في الوقت الذي ترتفع فيه معدلات الاستهلاك بشكل كبير،وفي الوقت ذاته فان السياسات المائية لحكومات العراق غير موفقة وتتم بشكل عشوائي وغير مدروس نتيجة للحالة السياسة الراهنة .

   فالمعروف ان حد الامان المائي له معدلات قد لا تتوافر معظمها في الوطن العربي، ويري كاتب هذه السطور ان مستقبل المياه في الوطن العربي وبخاصة في العراق الخصيب علي المحك مع دول الجوار ايران وتركيا ، وقد تكون مقلقة لحد كبير يصل الي العجز المائي في دولة العراق في المستقبل القريب. وفي ظل النظام العالمي الجديد ظهرت قضايا مائية قد تهدد الامن والسلام العالمي وتحديدا في اقليم الشرق الاوسط وكلها تدور في فلك الاحقية القانونية والجغرافية للدول التي تعبر الانهار اراضيها .

  وبرغم وجود العديد من الاتفاقات الدولية المبرمة بين الدول  واعتراف الامم المتحدة بها،الا ان الصراع المائي قد اخذ منحني قد يؤدي الي نشوب حروب اقليميه في المستقبل القريب ان لم يكن عاجلا، فاذا نظرنا علي سبيل المثال لا الحصر، لما يثار حاليا من لغط حول منابع الأنهار مثل نهر النيل بين اثيوبيا ودول المصب السودان ومصر، وكما هو حاصل بين العراق وايران من جهة،وتركيا والعراق وسوريا من جهة اخري،فانه يوحي بمشاكل وحروب اقليمية قد تشتعل في اي وقت وكلها دول جوار عربية ،رغم اشتراكهم في مرجعية الدينية واحدة لكنها لم تثنيهم عن صراع الماء من اجل البقاء.

لذلك فان تنمية الموارد المائية في الوطن العربي اصبحت ضرورة ملحة،فوضع الاستراتيجية الامنية المائية اصبحت علي قائمة الاولويات العربية، فقلة الموارد المائية التقليدية في ظل وجود مشكلة سياسية ذات طابع جغرافي والمتمثلة في عدة محاور منها ان منابع معظم الانهار الكبيره لم تكن يوما عربية،ومنابعها بيد دول جوار وتتحكم بها لتفرض سياسات مائية مضادة لسياسات الدول العربيه بغية مكاسب اقتصاديه وسياسية ، وبالتالي فهو مؤثر جدا علي الامن المائي العربي وعلي بقاء كيان بعض الدول العربية.ولنا في اثارة خلافات جديدة سعودية/ايرانية حول الاستثمارات الزراعية في العراق.

  الوضع الجيوبوليسي لبعض الدول ومايثار عن استقلال او طلب الحكم الذاتي لبعض الاقليات في الوطن العربي او دول الجوار له انعكاسات سياسية واقتصادية ، فلا معني لوجود شعب وارض بلا مصادر مياه، فاذا ما تأملنا ماهو قائم في الحرب الكردية/الايرانية التركية وطلب الاولي الانفصال والاستقلال ذاتيا بما يضم اكراد سوريا، فان ذلك سيخلق دوله شريكة جديدة قد تطالب بحقها في مياه الانهار الواقعة في اراضيها، وقد يستلزم اتفاقيات جديده بين الدول تحدد حصتها المائية بشكل جديد قد يعيق بعض الاستثمارات المائيه المتمثله في بناء سدود واعتماد مشروعات قوميه عليها كما هو الحال بسد اليسو في تركيا.

  *الصراع المائي العراقي / الايراني الي اين؟

 من المعروف ان الصراع الايراني /العراقي له ابعاد عديدة منها الطائفي الديني والاثني والقومي، فايران الفارسية وريثة الماجوسية والزرادشتية، والعراق بكل موروثه الثقافي السوماري/الاكادي/البابلي/الاشوري والاسلامي، ، فقد يعد مجازا هو صراع حضارات اقليمية، وكيانات كانت كبيره في الماضي القريب،وما أن تطور الصراع الايديولوجي مع وصول الاسلاميين المتشددين لسده الحكم في طهران 1979 حتي تطورالصراع السياسي الي صراع مسلح بدءت مع حرب الخليج الاولي لثمان سنوات اعقبتها عدة حروب اخري كان الدمار والخراب من نصيب العراق ارض الرافدين والهلال الخصيب.

وجدير بالذكر ان الاحتلال الأميركي  للعراق عام2003 قد ذهب بالعراق الموحد الي غير رجعه، حتي توالت عليه الاحداث المفجعة وظهر مع الاحتلال عراقا جديدا منقسم علي نفسه اثنيا وجغرافيا، وهنا ظهر شكلا جديدا من الصراع،وهو الصراع المائي والذي اطل علي العلاقات لاول مره بسبب تشاطىء المياه في شط العرب ومصبات الانهار في الخليج ،في العام2006 وبعد اعدام الرئيس العراقي صدام حسين ، حينها وجدت ايران العدو التقليدي للعراق الفرصة الذهبية لتصفية كافة الحسابات المؤجلة، ومنها الصراع المائي حول مجري الانهار الايرانية التي تصب بدورها في نهر دجله والخليج العربي.

   فحسب ماتناقلته النيابة المائية في العراق،ان دولة ايران قد قطقت مايقرب من 35 رافدا عن العراق في الخمس عشر سنوات الاخيره،وبذلك تكون العراق فقدت حوالي 80%من مصادرمياه الانهار الايرانيه المشتركه مع العراق ؟ مما جعل بعض المصادر تتوقع ان العراق سيصيبه الجفاف بحلول العام2040،وسيصيب الجفاف نهري دجله والفرات،و بعد ان قطعت ايران هذه الروافد  التي تمد العراق بمصادر المياه والتي يعتمد العراق بدوره علي 35%من مصادر مياهه علي تلك الانهار الايرانية، فلم يتبقي للعراق سوي 7 روافد وتسعي ايران حاليا الي بناء انظمة وسدود من جانب فردي دون الرجوع الي العراق دولة المصب للانهار الايرانيه الصغيره، وعملت ايران علي تغيير مسارات الروافد مثل الوند والكارون مما  اضر بمعظم المساحات المزروعة بالبصره وديالي،في حين ان الجانب الايراني يماطل في المفاوضات لحل الازمة ويتحجج بندرة الامطار،ورغم ذلك فقد اعتمدت الحكومة الايرانية عام 2011 بناء 152 سدا وقنطره للتحكم في المياه الواصلة للعراق،ولم يشفع لفقد الاف الدونمات الزراعيه المفاوضات السياسية لتقديم تسهيلات ايرانية لعدم خنق العراق مائيا.

ايران لا تريد العمل بالاتفاقيات الموقعة بين الجانبين في ظل غياب رؤية عراقية.

قد تختلف العلاقات الدوليه بين الدولتين علي مدارعقود،وتتأرجح مابين الجيدة والسيئة، فعلاقات العراق بجارتها ايران ابان حكم الشاه يختلف جذريا عما اصبحت عليه بعد الثورة الاسلامية في ايران 1979ومحاولة تصدير الثورة الاسلامية لدول الجوار معتمده كليا علي التمدد الشيعي والاثني الايراني في العراق،وقد تعود اخر اتفاقية عراقية /ايرانيه لترتيب الاوضاع المائية بين الدولتين الي اتفاقية الجزائر1975 والتي تم العمل بمقتضاها حتي عام 1980حيث الغتها العراق من طرف احادي منذ بدء الحرب العراقية /الايرانية حتي عادوا الي العمل بها مع انتهاء حرب الخليج الاولي1988،ولكن الوضع الاقتصادي المتأزم في العراق قد جعله الطرف الاضعف في مفاوضات تعديل بنود الاتفاقية،حتي ان الرئيس العراقي جلال طالباني قد اصدر تصريحا غير ديبلوماسيا قد اضر بمصالح الشعب العراقي لاحقا،حين اصدر تصريحا بخصوص الغاء الاتفاقية الموقعة بين البلدين (انها كانت موقعة بين الشاه وصدام حسين وليس بين الدولتين العراق وايران)،ومن هنا قد بدء الصراع الخفي بين الدولتين واعتبرت ايران ذلك التصريح المشين للخارجيه والسلطة التنفيذية العراقية،هو بمثابة الاستئثار بمصادر المياه المشتركه كانهار بابعة من الاراضي الايرانيه،لفرض سياسة جديدة لاتراعي اي مصالح مشتركة بين البلدين خاصة في الشريط الحدودي بينهما،واضاف اختلافا جوهريا اخر حول المياه اضافة الي الاختلاف النفطي في محيط شط العرب.

وعلي صعيد اخر فقد قامت ايران بخطوه احادية الجانب حين غيرت مسار اهم رافدين المتمثلين في (الوند والكارون)مما اضر بساحات شاسعه للاراضي المزروعة،وبعيدا عن اي اتفاقيات فقد سعت ايران الي البدء في بناء سدود عديدة بعد ان غيرت ايضا مجري نهر (سيروان)في عام 2003 لتزويد سد وبحيره( دربنديخان)لتشغيل المحطة الحرارية لتوليد الطاقة،الذي يعد امن اكبر المشاريع المائيه في ايران،كما انه تم ايضا بناء سد(كرمنشاه الكبير)علي نفس النهر سيروان،والذي يفضح العداء الشديد من جهة ايران تجاه العراق في الصراع المائي في ظل غياب حكومه مركزيه موحدة قادره علي الحفاظ علي مكتسبات ومقدرات الشعب العراقي،في الوقت نفسه قد اعلنت ايران عن انتهائها من بناء سد (كولكه سردشت)علي نهر الزاب ومشروع اخر لتوفير المياه اللازمه من نهر الزاب الصغيرلاحياء بحيره(ورنة)التي اصابها الجفاف،وكما ذكر كاتب هذه السطور ان الاقليات التي ترغب في الانفصال عن الوطن الام تريد ايضا فرض رؤيتها بخصوص مصادر المياه الطبيعية المتوفرة في اراضيها،وهذا ما جعل الاقليم الكردي يفكر في انشاء العديد من السدود لتخزين المياه اللازمه له،فايران تجيد استعمال اوراق الضغط من خلال المفاوضات لفرض رؤيتها المستقبليه الاقليمي وذلك م خلال فرض العمل في برنامجها النووي علي النظام العالمي الجديد والذي نجحت فيه ايران الي حد كبير.

هل تتواطىء حكومات العراق تحت الضغط الايراني بفعل الطائفية الدينية؟

من الواضح ان الحكومات العراقية المتعاقبة من بعد صدام حسين،انها وقعت تحت مطرقة الضغط الايراني علي كافة الاصعدة مستغلة تمددها الشيعي في مناطق الحكم الذاتي العراقي ، وتأثرت بالتبعيه الملفات المائية بين البلدين،فحين اصدر الرئيس العراقي طالباني تصريحه المستفز حول اتفاقية المياه الموقعة بين البلدين عام 1975 وانها كانت موقعه بين رئيسين وليس دولتين مما اعطي ايران الضوء الاخضر للعب بمقدرات الشعب العراقي وحقه الطبيعي في مصادر المياه المشتركه بين الدولتين،حتي فاجئت حكومة المالكي عام 2008 بالتنصل من من اقامة اي مشاريع متعلقه بشط العرب والاحواز لمنع البزل الملحي علي الشوطىء العراقيه نتيجه ضخ ايران لمياه البزل الملحي تجاه البصره،حيث قامت ايران بقطع نهري (الكارون والكرخه)من وصولهم الي نقطه المصب مما زاد نسبه ملوحة الاراضي وهجران المزارعين لاراضيهم بسبب زيادة نسب الملوحه في المياه والاراضي,وذلك رغم اعتماد ميزانيه المشروع القومي(ناظم شط العرب)للحفاظ علي منسوب مياه عذبه معتدل للحيلولة دون ملوحه الاراضي وتبويرها،ووقف المشرع الذي عارضته ايران تحت الضغوط الايرانيه المتكرره.فنهج ايران المتعمد في ملفات المياه لا تقيم وزنا للمصالح العراقية،ومازال شعب العراق يدفع اثمان باهظه نتيجه الحرب الايرانيه/ العراقيه ابان حكم الخوميني وصدام حسين1980/1988.

فمازالت الحكومات العراقية تنتهج اسلوبا تفاوضيا لايرقي للحفاظ علي حقوق الشعب العراقي في المياه من الجانب الايراني والتي كانت تشكل حوالي 35%من اجمالي المياه القادمه للعراق من مختلف مصادر الانهار،وحيال صمت الحكومات العراقيه من عام2009حتي عام2013 قد جف نهر( الكارون) تماما واندثرت صوره من الخريطة المائيه لدولتي العراق وايران والذي كان من المفترض ضحه لحوالي 14مليار متر مكعب الي العراق بعد تحويله الي نهر (زاينده رود)،اما نهر (الكرخه)الذي كان يصب في هور الحويزه العراقي  مما يساعد بيئيا علي الاحتفاظ نسب العذوبه المطلوبه شاطئيا،فقد اقامت عليه ايران اكبر سد بسعة تخزينيه 5,9مليار مترمكعب.اما نهر الوند الذي كان يغذي نهر دجله في ديالي فقد تم خنقه تماما واصبح يصل الي نهر خانقين القليل من المياه والتي بدورها قل معها الانتاج الازراعي حسب ما افادت التقارير من محافظة ديالي.

مياه البزل هي الازمة الاكبر في صراع المياه الايراني /العراقي.

ان تدمير الاراضي الخصبه العراقيه كان نتيجه طبيعيه لخنق مجاري الانهار من خلال بناء العشرات من السدود عليها،وخاصة نهري الوند والكارون والتي قامت ايران بضخ مياه البزل في اتجاه الاراضي الخصبه الزراعيه،مما زاد معها نسب الملوحه وانهيار المنظومه الزراعيه ويقع معظمها في البصره ومحافظة ديالي، حتي بلغت في عام 2017 اعلي مستويات لمياه البزل مما هدد البصره بالتصحر وزيادة نسب الملوحة بها مما يؤثر فعليا علي البيئة المحيطة مخلفا معه امراض جلدية بيئية وبعض انواع السرطانات..وقد تكون مياه البزل ايضا احدي مخلفات المفاعلات النوويه خاصة وانها تاتي مع مصارف من اصفهان،اضافة لمخلفات المنازل والمصانع التي يتم صرفها مع مياه البزل.فالبصره تغرق في الملوحة،علاوة علي انتشار الجريمه المنظمه بين العشائر نتيجه لتوقف النشاط الزراعي والاشتباك المسلح بين العائلات والعشائر نتيجة لشح المياه والتناحر عليها.

الابتزاز الايراني لمشروعات السعودية الزراعية في العراق.

   لن تقف السعودية مكتوفة الايدي امام خنق العراق مائيا ودور ايران في نضوب الانهاروتشريد الاف الأسر من المزارعين علي ضفاف دجله والداخل العراقي، فاقامت السعودية عدة مشاريع زراعية علي الحدود الصحراويه معتمدة علي المياه الجوفية لوقف بعض التمدد الزراعي الايراني علي حدودها بما يهدد امنها القومي،  فهناك تقدم ملحوظ علي مستوي الاداء الاقتصادي الزراعي بين بغداد والرياض  في العديد من المحافظات مثل المثني والنجف وكربلاء،ربما اقلق ايران والموالين لها من داخل الحكومة العراقية نفسها !

 وتحدثت تقارير عن ابتزاز ايراني من خلال بعض الجماعات الموالية لها من حزب الله علي ارض العراق لترويع المستثمرين علي ارض العراق، خشية من زيادة الاستثمارات السعودية في العراق مما قد يدفع بدول خليجية اخري للاستثمار هناك فسياسة ايران طويلة الامد هي خلق فراغات علي كل الاصعده وان كان فراغ زراعي..

صفوت جبر كاتب وباحث سياسي 24 مارس2021

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

I hold a Bachelor's degree in Political Science and International Relations in addition to a Master's degree in International Security Studies. Alongside this, I have a passion for web development. During my studies, I acquired a strong understanding of fundamental political concepts and theories in international relations, security studies, and strategic studies.

Articles: 14402

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *