بقلم: محمد موسى

لم يأت النظام الدولي الجديد من فراغ، كما لم يولد بعملية قيصرية، فهو في حقيقته نظام دولي جديد قديم، جاء اثر تطور في العلاقات الدولية طويل، وصراع بين الدول الكبرى مرير ودامٍ. لذلك فإنه لا يتسنّى إعطاء وصف مفهم للنظام الدولي الجديد من غير إعطاء صورة عن ماهية الموقف الدولي والنظام الدولي، ومن غير إعطاء لمحة معبّرة عن العلاقات الدولية التي أدت إلى ولادته. وقد بشّر بولادة النظام الدولي الجديد، معطياً له اسمه هذا، رئيسُ الولايات المتحدة الأميركية بوش، مما يعني أن النظام نظامُ الولايات المتحدة. لذلك فإن البحث يقتضي إعطاء لمحة عن الأعراف السياسية الأميركية وعن السياسة الأميركية وتطوّرها.

الموقف الدولي والنظام الدولي

الموقف الدولي هو هيكل العلاقات القائمة بين الدول الفاعلة في المسرح الدولي، أو النسبة بين قوى تلك الدول. وهذه الهيكلية إنما يمليها واقع كل دولة من هذه الدول، ولما كان واقع كل دولة يعتريه التغيّر والتبدل قوة وضعفاً، فإن العلاقات بين هذه الدول يعتريها التغيّر والتبدّل تبعاً لذلك. وقد يحدث هذا التغير والتبدل بسبب حرب كبرى تطيح بدولة وتضعف أخرى فتخرجها من التأثير في المسرح الدولي، فيندفع غيرها ليحلّ محلها. ففي الحروب يأفل نجم دول، ويسطع نجم دول أخرى وقد يحدث التغيّر والتبدل وقت السلم من خلال عملية التطور التدريجي للقُوى، فتضعف دول وتقوى أخرى، إلا أن الحروب افعل في التغيير. ومع هذا التغيّر والتبدل في أحوال الدول يتغيّر الموقف الدولي إن في تغيّر هيكلية العلاقات أو في تغيّر أطرافها، ونظراً لأن تغيّر أحوال دول الفاعلة في المسرح الدولي ليس سريعاً، فإن تغيّر الموقف الدولي يحتاج لفترات طويلة ليتغيّر.

ومع كثرة الدول العاملة على المسرح الدولي، فإن الدول الفاعلة فيه فردياً قليلة. وفعل الدولة في المسرح هو قدرتها على التأثير في قرارات الدول الأخرى، وذلك بالطاقات التي تستطيع الدولة تعبئتها وحشدها خارج حدودها. ولهذا فإن تأثير الدول الأقوى أوسع وأعمق، ولكن هذا لا يمنع الدول الصغرى من التأثير في المسرح الدولي. وهي تفعل ذلك بتهديدها لمصالح الدول الكبرى أو بحفاظها عليها ورعايتها لها. وتحتاج الدولة الصغرى في كلتا الحالتين إلى يقظة فائقة وحرص شديد، لأنها في الحالة الأولى قد تقامر بمصيرها، وفي الحالة الثانية قد تقامر بحريّة قرارها أي بسيادتها فتصبح دولة عملية.

ومن هنا فإن تتبع الموقف الدولي وتبدّلاته يقتضي تتبّع أحوال الدول المؤثرة فيه لمعرفة ما يستجد عليها من قوة أو ضعف في جميع عناصر قوِّتها. وتكون الدراسة وقت السلم كما تكون وقت الحرب.

وقد أخذ الموقف الدولي خلال القرنين الماضيين يتجسّد فيما يسمّى بالنظام السياسي والنظام الاقتصادي والنظام النقدي، بل وفي جهة النظر عن الحياة. وإيجاد النظام الدولي وإضفاء الشرعية الدولية عليه يمثل قمة نجاح الدولة الأولى في العالم أن الدول المشكّلة للموقف الدولي، لأنه يضفي الشرعية على مركزها وعلى مصالحها وتصرّفاتها.

فالنظام الدولي يمثل الشرعة الدولية، والشرعة الدولية هي شرعة الأقوى. فإن انفردت في القوة دولة واحدة كانت الشرعة الدولية شرعتها منفردة، وإن شاكرتها في القوة دول أخرى كانت الشرعة الدولية شرعة الدول الكبرى متجمعة، تحقق كل دولة منها من هذه الشرعة بنسبة قوّتها. والشرعة الدولية تمثل في العرف الدولي العدل الدولي، والعدل الدولي لا يعني العدل الفعلي بالمعنى المعروف، كما لا يعني العدل المطلق بالنسبة للدول الكبرى نفسها، فهو عدل القوي لنفسه لا للآخرين، أي عدل نسبي للدول الكبرى تحقق كل واحدة منها لنفسها منه بقدر ما تزنه قوّتها في ميزان القوة الدولية فالنظام الدولي إذن يحقق لكل دولة من الدول الكبرى المتشاركة بقدر ما تزنه قوّتها في الميزان الدولي. وعندما تتغيّر النسبة بين قوى الدول تلك، فتضعف الأقوى وتقوي الأضعف، تحصل إعادة نظر، أو محاولة إعادة نظر، أو مطالبة بإعادة نظر في توزيع العدل الدولي، فتجري مراجعة للنظام الدولي تعديله. وقد تجري المراجعة للنظام الدولي باتفاق، وقد تجري بعد صراع. وتعمل الدولة التي تكون المستفيد الأول من النظام الدولي على إعاقة التعديل أو الحيلولة دونه، فهي دولة محافظة لأنها تحافظ على الوضع الراهن. أما الدولة التي تطلب التعديل فهي دولة إصلاحية لأنها تسعى لإصلاح النظام. والمطالبة بالإصلاح لا تعني المطالبة بهدم النظام، إذ سبق لها وارتضت بالنظام كميزان لتوزيع العدل الدولي ولا زالت، فهي تسعى إلى إعادة توزيع العدل لا إلى تغيير الميزان.

أما الدول التي لحقها الظلم من النظام الدولي، والدول التي لا أثر لها في المسرح الدولي ولم تشارك في إنشاء النظام الدولي مشاركة فعالة ولا يضمن لها النظام الدولي شيئاً من العدل الدولي، والدول التي لا تؤمن بالنظام الدولي لأسباب أيدلوجية، فلا ناقة لها ولا جمل فيه تدفعها للمحافظة عليه. وعلى أمثال هذه الدول أن تعمل على تغيير النظام الدولي ليس لأنه فقط لم يمنحها شيئاً من العدل الدولي وإنما لأنه أيضاً يعمل ضدها وضد مصالحها، إذ هي غنائم الدول الكبرى فيه. فإن لم يكن لديها القدرة على تغيير النظام الدولي فهي من الكثرة التي تجعل لديها القدرة على شلّه بعدم الامتثال للكثير من طلباته، وأن عليها أن تتطلّع في الوقت نفسه إلى تغييره لا إلى تكريسه وتقديسه.

وكل دولة تعمل على تغيير النظام الدولي دولة ثورية لأنها تعمل على هدم النظام، أي تعمل على تغيير الميزان. وخروج الدولة على النظام الدولي خروج على الشرعية الدولية يضعها في مواجهة مع الرأي العام الدولي الذي تسخره الدول الكبرى، والرأي العام العالمي. لذلك يتوجب على كل دولة تعمل على هدم النظام الدولي، أو حتى الخروج عليه، أن تبدأ أولاً بتعريته من الشرعية، ثم تهيئ نفسها للصدام مع القوى الهائلة التي تحرسه. وهدم النظام الدولي لا يتم في الغالب إلا بحرب مدمّرة لأن هدمه يعني ضرب مركز الدولة الأولى في العالم ومصالحها، بل ومصالح الدول الكبرى المستفيدة منه.

وليس أدلّ على قوة النظام الدولي وعتوّ القوى التي تحرسه من أن ولهلم وهتلر تحطما على أبوابه بالرغم من القوة الهائلة التي تمكنت ألمانيا من حشدها في الحربين العالميتين. أما نابليون فقد تمكّن من هدم النظام الدولي وإقامة نظام دولي جديد يقوم على انفراد فرنسا، بعد أن مزّق الجيوش الأوروبية وأجبر ملوك أوروبا على الجثوّ على ركبهم أمامه مرّتين. لكنه فشل في إضفاء الشرعية على نظامه الجديد، فهبّت الدول الأوروبية من جديد وأطاحت به وبنظامه الدولي.

ولهذا فإن الدول العاملة على المسرح الدولي، كما تحرص على أن تعمل، أو تظهر أنها تعمل، تحت مظلّة الشرعية المحليّة حتى تضمن الدعم المحلي لها، (فإنها) تحرص على أن تعمل، أو تظهر أنها تعمل، تحت مظلة النظام الدولي والشرعية الدولية، حتى تضمن الدعم الدولي لها وتعاطف الرأي العام العالمي معها، أو على الأقل لسحب مبرّر وقوف المجتمع الدولي في وجهها.

أنواع الموقف الدولي

لا يتعدى الموقف الدولي حالات أربعاً، أحداها نظرية غير واردة عملياً وهي:

الدولة العالمية: وهي حالة تتنازل فيها الدول عن سيادتها طواعية، وتعطي صلاحياتها لدولة واحدة تكون دولة عالمية، بنفس الطريقة التي يتوهم البعض أن دول المجموعة الأوروبية تسير فيها. وهذه الحالة نظرية خيالية والبحث فيها خيالي.

أو أن تقوم دولة ما باحتلال العالم وتوحيده بقوة السلاح. وهذه الحالة غير محتملة بالرغم من أن بعض الدول وصلت إلى أقل بقليل من ذلك المستوى كالاسكندر الأكبر، والإمبراطورية الرومانية، والدولة الإسلامية. كما تبين للاتحاد السوفياتي أن الثورة العالمية وهم. فاعتناق الشيوعية والرأسمالية لا يعني التنازل عن السيادة، لأن الرأسمالية والوطنية والشيوعية والاشتراكية والوطنية تبقى بديلاً للصفة العالمية لهذه المبادئ،. والتصور الوحيد، وإن كان مستبعداً، وهو في اعتناق العالم للإسلام، لأن وحدة الدولة جزء لا يتجزأ من المبدأ وهو الإسلام.

ولذلك فإن الموقف الدولي لا يتعدى عملياً إحدى حالات ثلاث وهي:

1- التفرّد. 2- ميزان القوى أو توازن القوى. 3- الأمن الجماعي.

1- التفرّد: وهو أن تعمل كل دولة بمفردها، فلا تعقد الأحلاف ولا تعطي التعهدات، ولا تشعر أحد بالمسؤولية تجاهها. وهذه الحالة لا تمنع قيام دولة من الاستعانة بأخرى لدى قيامها بالعمل أو تعرضها للعدوان ولكن بدون التزامات مسبقة. وقد ساد هذا النمط من العلاقات قديماً عندما لم يكن للدول قدرة على نقل قواتها بالسرعة المطلوبة عبر المسافات الطويلة. ولذلك فإن حروبها لم تكن واسعة وإنما كانت حروباً محدودة المكان. وقد انتهى هذا النمط بعد أن اختصرت الصناعات الحديثة المسافات وانتهى تأثير الحواجز الطبيعية وتداخلت العلاقات الاقتصادية بشكل واسع.

ومن هذا النمط تتمكن دولة ما من الاتساع والهيمنة على أجزاء كبيرة من العالم احتلالاً أو نفوذاً، فتفرض رغبتها على غيرها من الدول، تعطي وتمنع، تصل وتقطع، كما هو حال أميركا في الوقت الراهب بعد انفردت في السياسة الدولية وهيمنت عليها.

2- ميزان القوى: يطلق مصطلح ميزان القوى، وتوازن القوى، في العرق الدولي، ويقصد به معنى واحد. فهو يطلق على تمحور القوى في تجمعين أي حلفين متضادين، كما يطلق على الدافع لذلك التمحور أو على نتيجته.

فلحل مشكلة القوة ومأزقها لدى الدول، تقوم الدولة بضم قوتها إلى قوة دولة أو دول أخرى، لتطابق ولو مؤقتاً في المصالح، من أجل العدوان أو ردّ العدوان. فهو تخالف من جهة وتحالف مضاد من جهة أخرى. وحدوث التوازن الفعلي بين الكفتين ليس غاية. فقد يحدث وقد لا يحدث، وإن حدث فإنه يكون نتيجة. وفي الغالب يكون الحلف الأول من أجل العدوان، بينما يكون الحلف الثاني من أجل الردع عن العدوان، ولذلك فإنه يقتضي جمع قوة أكبر من قوة الحلف الأول لردعه.

وعند اختلال ميزان القوى تحدث الحروب. وقد وصفت الحروب الأوروبية، ومنها حربان عالميتان، بأنها كانت بسبب اختلال ميزان القوى ، مما دفع النقّاد إلى مهاجمة سياسة توازن القوى. وكون ميزان القوى يؤدي إلى حروب واسعة أو حتى عالمية، فإنه لا يعني أن ترفضه الدول كحل لمأزق قوتها. والأحلاف وإن كانت من أجل الردع فإن الدول لا تقوم بإلغائها إذا فشل الردع وإنما تركها لخوض الحروب.

وقد أصبح ميزان القوى في أوروبا من الوضوح والرسوخ بحيث أصبح سياسة أوروبية رسمية، وقد أملى هذا النمط من العلاقات تعدد الدول الأوروبية في حيز ضيق من العالم، كما أملاه حلم دولة ما فهيا بين فترة وأخرى بالهيمنة على أوروبا التي كانت المسرح الدولي الرئيسي، لأن الهيمنة على أوروبا كانت تعتبر مفتاح الهيمنة على العالم.

3- الأمن الجماعي: في حالة التفرّد تكون كل دولة مستعدة للدفاع بنفسها عن نفسها وعن مصالحها. وفي ميزان القوى تمد كل دولة من الدول المعنية تعهدها ليشمل الدفاع عن كل دولة موقّعة على الحلف، أما منظومات الحلف الدفاعي أو العائلة الدولية، فإن كل دولة تمدّ تعهدها ليشمل جميع الدول من أجل أن يكون العالم أكثر أمناً وأشد إصراراً على مقاومة العدوان. وتساهم جميع الدول في ذلك بوحدة الإرادة، ووحدة التوجه ووحدة العمل. فردع العدوان مسؤولية الجميع، والحفاظ على أمن جميع الدول من مسؤولية الجميع.

وقد جرت محاولتان عمليتان لإيجاد هذا النمط، وذلك من خلال عصبة الأمم والأمم المتحدة، لكنها كانت محاولات فاشلة، لأن الجزء الأكبر من تشريعاتها قد وع للحفاظ على مصالح الدول الكبرى، وإضفاء الشرعية الدولية على تلك المصالح. ونظراً لأن المنظمتين الدوليتين ليستا بديلاً للأحلاف، فقد عملت الدول المشاركة فيهما، ومنها الدول الكبرى، على حل مشكلة أمنها بإقامة أحلاف خارج المنظمات الدولية، مما جعل تلك المنظمات منبراً للخطابة ومركزاً للمناورات أكثر منها توجهاً لحل مشاكل الدول كما أن تلك المنظمات قد خَلَتْ من آلية لتنفيذ عقوبات رادعة حتى في حالة اتفاق الدول الأعضاء على تحديد العدوان والمعتدي.

وما دامت هناك دول كبرى ودول صغرى، وما دامت هناك مصالح متباينة للدول، فإن التعاون الدولي للوفاء بالرسالة الظاهرية والخادعة للمنظمات الدولية نظري وغير قابل للتطبيق. وحل مشاكل كل العالم والوفاء بالتزامات جميع الدول من خلال عائلة دولية أمر لا يمكن تحقيقه. وكل ما يمكن تحقيقه هو مصالح بعض الدول الكبرى من خلال هذه العائلة دون ما حاجة من تلك الدول لأن تلجأ للحروب.

لم يأت النظام الدولي الجديد من فراغ، كما لم يولد بعملية قيصرية، فهو في حقيقته نظام دولي جديد قديم، جاء اثر تطور في العلاقات الدولية طويل، وصراع بين الدول الكبرى مرير ودام. لذلك فإنه لا يتسنّى إعطاء وصف مفهم للنظام الدولي الجديد من غير إعطاء صورة عن ماهية الموقف الدولي والنظام الدولي، ومن غير إعطاء لمحة معبّرة عن العلاقات الدولية التي أدت إلى ولادته. وقد بشّر بولادة النظام الدولي الجديد، معطياً له اسمه هذا، رئيسُ الولايات المتحدة الأميركية بوش، مما يعني أن النظام نظام الولايات المتحدة. لذلك فإن البحث يقتضي إعطاء لمحة عن الأعراف السياسية الأميركية وعن السياسة الأميركية وتطوّرها.

الدولة والمصالح في العلاقات الدولية

تصوغ الدولة مصالحها لاعتبارات ذاتية فتحددها على ضوء ما تريد حمايته أو ما تريد تحقيقه، ثم تصوغها في أهداف قابلة للتنفيذ، فتحمل تلك الأهداف للحلبة الدولة بما يسمى بالسياسة الخارجية. والمصالح التي تتبناها الدولة قد تكون مصالح للأمة بمجموعها، وقد تكون مصالح الفئة الأقوى فيها، وبهذا تضمن الدولة الدعم الخارجي لسياستها الخارجية. وهذه المصالح قد تكون مبدئية كنشر رسالة الأمة أو قيمها، وقد تكون مادية كالسيطرة على مناطق إستراتيجية أو مناطق غنيّة بالمواد الخام أو فتح أسواق تجارية. وقد تكون معنوية بحتة كاعتبارات العظمة الكرامة. وقد تتحكم الظروف الموقف في تحديد بعض هذه المصالح، وعند ئذ فإن على الدولة أن تدخلها تحت مظلة مصالح الأمة أو قيمها حتى تحظى بالدعم الشعبي.

وتضع كل دولة مصالحها على شكل سلّم حسب الأولوية، وتحتل قمة السلّم المصالح الحيوية. والمصالح الحيوية هي المصالح التي تكون الدولة عادة مستعدة للدخول من أجلها في حرب فورية مع الخصم، كالحفاظ على الاستقلال وعلى النظام وحدة الأراضي وحفظ هيبة الدولة من الإذلال المهين. وتطول قائمة المصالح الحيوية بما يتناسب مع قوة الدولة ومكانتها الدولية. ثم تأتي بعدها المصالح الثانوية مرتبة حسب الأهمية. وتجري المساومات الدولية في العادة على المصالح الثانوية، فمنها تكون الغنائم وعنها يجري التنازل إذا اقتضت الحاجة.

ولا تسعى الدولة لتحقيق جميع مصالحها الحيوية والثانوية في وقت واحد، وإنما تختار منها حسب إلحاح الحاجة وحسب الظروف، فهامش خيارات الدولة قد يكون واسعاً مما يتيح لها فرصة تعدد الخيارات والبدائل، وقد يكون ضيقاً مما يحتّم على الدولة انتظار الظروف المواتية لتحقيق بعض مصالحها. إلا أن الدولة الحيّة تعمل على إيجاد الظروف المواتية لا أن تنتظر عدويها. ولدى بعض الدول الكبرى وعلى رأسها أميركا إدارات للأزمات مهمتها خلق الأزمات للغير تهيئة للظروف.

من هنا كان من الطبيعي أن تختلف مصالح دولة ما عن مصالح دولة أخرى، بل وأن تتغيّر بعض مصالح الدولة الواحدة من وقت لآخر، فما تراه اليوم مصلحة قد لا تراه غداً كذلك، والعكس صحيح. لذلك تقوم الدولة من وقت لآخر بإعادة صياغة مصالحها. وقد تتطابق مصالح الدولتين وقد تتناقض في حالات معينة أو ظروف معينة. ولكن جميع المصالح لا تتطابق أو تتناقض في جميع الحالات أو على الدوام، حتى أن مصالح المتحاربين قد تلتقي في جعل الحرب محدودة. ومن هنا فإن حلّ مصالح الدول هي مزيج من التوافق والتنازع، مما يجعل الصراع بين الدول حتمياً ودائمياً وليس حالة عرضية أو مرضية تبرز بين الفينة والأخرى على شكل نوبات، ومما يجعل الصفقات الدولية بين الدول تحت مكاناً بارزاً في العلاقات الدولية.

وتتشكل العلاقات بين الدول بناء على ما توليه تلك الدول من أهمية لمصالح معينة فإن هي غلّبت المصالح المتوافقة فأبرزتها ساد الوئام والسلام بينها، وإن سعت إلى تحقيق تلك المصالح أقامت الأحلاف فيما بينها. وإن غلّبت المصالح المتناقضة فأبرزتها ساد التوتر، وإن سعت إلى تحقيق تلك المصالح المتناقضة فجّرت الحروب فيما بينها. وكما تجد الدول المتصارعة وحتى المتحاربة من المصالح ما تتفاوض عليه، تجد الدول المتحالفة من المصالح ما تتصارع عليه. فالدول المتصارعة تتساوم، والدول المتحالفة تتصارع.

والسلام في العلاقات الدولية مصلحة، ولكنه لا يُطلب لذاته، والمناداة به لذاته دجل وخداع. ويكون السلام مطلباً إذا كان يحقق الأمن ويحقق مصالح. وإذا طلب من أجل ذاته فإنه سيكون على حساب الأمن وعلى حساب المصالح فيكون سلام الذل والمهانة. ويبقى الأمن على الدوام من المصالح الحيوية، وبتوفره يتوفر الحفاظ على المصالح، والأمن نسبي، فلا يوجد أمن مطلق لأية دولة ما دام هناك مجتمع دولي وبخاصة في عصر السرعة، عصر الصواريخ العابرة للقارات والطائرات بعيدة المدى الحاملة لأسلحة الدمار الشامل الجزئي. والأمن المطلق لأية دولة يعني عدم الأمن للدول الأخرى، فإن سعت دولة ما لتحقيق الأمن المطلق فإنها تثير التوتر الدولي لأنها بعملها هذا تعرّض أمن الدول الأخرى للخطر. ومع أن الأمن نسبي إلا أنه لا بد من أن يحقق في حده الأدنى المصالح الحيوية والأساسية وإلا لا يعتبر أمناً، ولكونه نسبياً فإنه يختلف من دولة لأخرى، وذلك على ضوء قوة الدولة أو ضعفها أو على ضوء كثرة المصالح الحيوية للدولة أو قلتها.

وتحدد المبادئ التي تعتنقها الأمم لهذه الأمم أهم مصالحها الحيوية، لأنها تحدد لها رسالاتها وقيمها التي ستحملها للأمم الأخرى، فتعطي بذلك لدول هذه الأمم بُعْدها الدولي، فتكون الدولة دولة محلية أو إقليمية أو عالمية حسب رسالتها. والدولة ذات الرسالة العالمية دولة عالمية بغض النظر حجمها أو قوّتها ابتداء. فلم يكد الرسول A يرسِّخ دولته في المدينة وما حولها حتى بعث برسله إلى ملوك العالم، وعلى رأسهم قيصر الروم وكسرى فارس، يدعوهم إلى الإسلام، ولم تكد الدولة الإسلامية تستقر في الجزيرة العربية حتى سيّر أبوبكر t الجيوش لمنازلة دولتي اليوم والفرس، أعظم دولتين في ذلك الوقت. ويحيط بالجزيرة العربية من جهات ثلاث بحار هادرة لم تكن للعرب دراية بها وبركوبها، بينما يحيط بها من الجهة الرابعة بحر من الرمال الشاسعة. ومع كل هذه الصعوبات خرجت الجيوش الإسلامية الفاتحة لأعظم إمبراطورتين. وإذا دل ذلك على شيء فإنما يدل على قوة الرسالة وقوة الإيمان بالرسالة وبالمسؤولية عن هداية العالم.

ومثال آخر أن روسيا القيصرية كانت ابتداء دولة محلية تعمل على توحيد العنصر الروسي، ثم أضافت لنفسها بعداً جديداً محدوداً عندما جعلت من نفسها مسؤولة عن الجنس السلافي الذي يشكل العنصر الروسي جزءاً منه، ثم وسعت هذا البعد عندما جعلت من نفسها حامية للنصارى الارثوذوكس فأصبحت قوة إقليمية كبرى. ولما حل النظام الشيوعي محلّ النظام القيصري وأصبحت روسيا تعمل على إيجاد الثورة العمالية العالمية، فقد أصبحت دولة عالمية.

عناصر قوة الدولة

تؤثر الدولة في قرارات الدول الأخرى، وفي المسرح الدولي بفعل قوّتها. وهذه القوة يعتورها التغيّر والتبدّل فيتغيّر تأثيرها سلباً أو إيجاباً تعباً لذلك. وقوة الدولة لا تنحصر في القوة العسكرية. وإنما هي تشمل كل ما تستطيع الدولة حشده لحماية مصالحها وبلوغ أهدافها. فالدول لا تفتأ تستعمل القوة بعضها ضد بعض، أو تلوّح باستعمالها. وحتى إن لم تستعملها أو تلوّح باستعمالها فإن مجرّد وجودها له تأثيره على الدول الأخرى، إذ لا يمكن لدولة ما أن تتجاهل احتمال استعمال دولة أخرى لتلك القوة، فهي تمثّل تهديداً محتملاً، وهي تلوح دائماً وراء تصرفات الدول في العلاقات الدولية. ودرجة استعمال تلك القوة، أو التلويح باستعمالها يعتمد على المصلحة موضوع المساومة أو الصراع، وعلى الخصم الذي تستعمل ضده تلك القوة. ولا قيمة للقوة إذا لم تكن هناك إرادة لاستعمالها.

والعناصر المؤثرة في قوة الدولة، بل المكونة لها هي:

1- وجهة النظر عن الحياة: وهي المبدأ والأيدلوجية والقيم العالية، وهي رسالة الأمة لغيرها من الأمم، وهي تبني شخصية الأمة وتوجهاتها وتطلعاتها العالمية، وتحدد الكثير من مصالحها. فالأمة المبدئية تحسّ بل وتؤمن بمسؤولياتها عن غيرها من الأمم، فتعدّ نفسها لذلك الدور، وتصوغ مصالحها على مستوى العالم.

والمبادئ لا تعترف بالحدود، فهي تنتقل مع الأفراد وعبر رسائل الإعلام بأنواعها، حتى أنها لتنتقل مع الهواء، فينتقل أثر الدولة ونفوذها إن لم ينتقل سلطانها مع انتقال مبدئها العالمي حتى في الدولة الخصم، مما يعطيها قوة على الساحة الدولية. وكما يساهم المبدأ في صياغة المصالح فإنه يحدد كيفية سلوك الدولة مما يعطيها شخصية متميزة وأثراً فاعلاً.

ودون المبدأ قوة وشمولاً القيم التي تتمثل بها الدولة. وقد تكون القيم جزءاً من مبدأ، وقد تكون أثراً من آثاره، كالفردية والحرية والديمقراطية. وكما يشكل المبدأ شخصية الأمة فإنه يصوغ حياتها بنمط معين ويصبغها بصبغة معينة فيجعل منها مثلاً يحتذى من قبل الآخرين أو ينفرّهم منه حسب صلاح المبدأ.

كما يمكن أن يدخل في هذا الباب قوة الدعاية. والدعاية أداة لنشر المبدأ والقيم ووجهة النظر ونمط العيش. وحسن الدعاية له أثر فاعل في إيجاد الرأي العالم العالمي المؤيد. كما يمكن أن يدخل في هذا الباب التجربة التاريخية للأمة التي ساهمت في بناء تجربتها وصياغة توجهاتها. فهناك أمم توجهها عسكري كالألمان، وهناك أمم توجهها تجاري وسياسي كالانجليز. كما ويمكن أن يدخل فيه العامل المعنوي الذي يأخذ صفة الشمول في الأمة حتى يصبح سمة من سماتها. فالايطاليون لا يحتملون الصمود في القتال، والفرنسيون كانوا ينهارون لدى أول هجوم ألماني.

ولا بد من التنويه إلى أن من المبادئ ما يكون أداة من أدوات الدولة تستعمله في تحقيق مصالحها وتتخلى عنه جزئياً أو كلياً إذا فشل في ذلك كالرأسمالية والشيوعية. ومنها ما تكون الدولة أداة له، فهو قبل الدولة، وهو يحدد مصالح الدولة وتوجهاتها وعلاقاتها كالإسلام.

2- العامل الاقتصادي والتكنولوجي: فالاقتصاد شريان القوة، وسرعان ما تتحوّل القوة الاقتصادية إلى قوة عسكرية. وقد أصبحت التكنولوجيا تمثل فتحاً قوياً في قوة الدولة ومنها القوة العسكرية. وقد تجسّدت القفزات النوعية في التكنولوجيا إلى قفزات نوعية في الصناعات مما أوجد هوة واسعة بين الدول المتقدمة والدول المتأخرة من العسير جسرها. فالتفوق التكنولوجي يعني تفوقاً في الأسلحة الفتاكة مما يؤثر في ميزان القوى. والمزاوجة بين الاقتصاد القوي والتكنولوجيا المتقدمة تولد القوة، لذلك فإن الدولة التي تجمع بين الأمرين تحقق لنفسها القوة المركز الدولي. ويحتل هذا العامل مكانة جعلت باحثاً مثل بول كنيدي يجعل منه السبب الأول في صعود الدول للقمة وفي أفولها. ولأهمية التكنولوجيا تعهد الدول المتقدمة إلى إنفاق أموال خيالية على مراكز الأبحاث.

ومن جهة أخرى فإن الدولة بقوة اقتصادها تستطيع أن تؤثر في العلاقات الدولية، وذلك بتقديم القروض والمساعدات الاقتصادية، لدرجة أن تقديم المساعدات أصبح بعد الحرب العالمية الثانية أسلوباً جديداً للاستعمار، بها تربط الدولةُ المقدّمة الدولَ الأخرى بها وتؤثر في قراراتها لصالحها. وقد بذّت أميركا غيرها من الدول في هذا المجال فربطت الكثير من الدول الفقيرة بعجلتها بالمساعدات. وكانت تجبر الدول الفقيرة على أخذ المساعدات إن وجد منها من يرفض أخذها. وقد زاد عدد الدول التي كانت تتلقى المساعدات الأميركية في وقت من الأوقات عن مئة دولة. ومن هذا الباب تحاول أميركا أن تجعل إسرائيل تتنازل عن أمور تراها إسرائيل حيوية لها.

وقد كان لهذا العامل الأثر الأكبر في صعود أميركا للقمة، وفي انهيار الاتحاد السوفياتي بالرغم من أنه يعادل في قوّته العسكرية قوة الولايات المتحدة لأن هذه القوة العسكرية لم تكن ترتكز على أساس اقتصادي وتكنولوجي متين.

3- العامل الديمغرافي: وهو عدد السكان والمؤثرات فيهم، وتوجهاتهم، أي نسبة التكاثر عندهم، وهيكلهم، أي النسبة بين الرجال والنساء، ونسبة الشباب فيهم. وهذا عامل مؤثر في قوة الدولة. ويبرز أثره أكثر إذا تساوت الدول في الأمور الأخرى. وقد كان هذا العالم مؤثراً في قولة الدولة الألمانية بالنسبة لفرنسا، فقد كانت ألمانيا أكثر سكاناً وأسرع تكاثراً. ولأهمية هذا العالم تعمد الدول الكبرى المستعمرة والطامعة إلى إغراء شعوبها على زيادة النسل بتقديم المساعدات للمواليد، وبزيادة المساعدات كلما زاد عدد المواليد للعائلة، أي أن المساعدات طردية، كما تعمد في الوقت نفسه إلى دفع دول العالم الثالث، وبخاصة الدول التي قد يبرز منها خطر في المستقبل كالبلاد الإسلامية، على تحديد النسل كمعالجة لفقرها بدل أن تأتي معالجة الفقر من حفاظ على الثروات من نهب الدول الكبرى، ومن استغلال حقيقي لهذه الثروات، ومن التصنيع الفعّال.

4- القوة العسكرية: القدرة العسكرية هي القدرة القتالية للدولة، وهي تشمل جميع الموارد البشرية والمادية التي تستطيع الدولة حشدها للمعركة. ومقوّماتها العامل الديموغرافي والعامل الاقتصادي والتكنولوجي.

ومجرّد وجود القوة العسكرية يعني احتمال استعمالها، ولذلك فهي تلوح دائماً وراء جميع تصرفات الدولة الخارجية، وتتصدر الأعمال عند انهيار الدبلوماسية. والقوة العسكرية لا تنفصل عن إرادة استعمالها، فقوة الإرادة في استعمالها من قوّتها أي قوة لها، وضعف الإرادة ضعف لها. والقوة العسكرية هي إحدى أدوات السياسية، بها تفرض الدول إرادتها على الخصم في صراع الإرادات في الميدان، إذ الحرب استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى، وبها تلوّح الدولة لإجبار الخصم على تقديم التنازلات المرضية، وبها تردع الخصم عن القيام بعمل معاد. لذلك فإن القوة العسكرية هي عنوان قوة الدولة وأبرز عناصرها، تعطيها الدولة جلّ عنايتها، فتقدّم المدفع على الرغيف، فبالمدفع تصان الكرامة وتصان الحقوق.

والقوة العسكرية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة من أجل غاية، فهي وسيلة لتحقيق المصالح والدفاع عنها. وحتى لا تبقى العلاقات الولية علاقات حرب دائمة، تقوم كل دولة عادة برسم الخطوط بين ما تحتمله وما هي مستعدة للدفاع عنه بالقوة، فتنذر الخصم بعدم الاقتراب من نقطة اللاعودة. وقد أدت التكنولوجيا إلى قوة نوعية في الأسلحة مما جعل التحضير للحرب لا يأخذ وقتاً مكشوفاً، فالهجوم المباغت وحرب الإجهاض والحرب الوقائية تبقى ماثلة، مما يستدعي أن تبقى القوات العسكرية لأية دولة في يقظة تامة وفي العادة لا تبقي الدول جميع قواتها تحت السلاح، وإنما تكتفي بقوة كافية لردع الخصم. ولكنها تحتفظ في الوقت نفسه بأنجح السبل وأسرعها للتعبئة العامة.

ويشكل الاستعمال الفعلي للقوة العسكرية في العادة الملجأ الأخير للدولة، فتلجأ الدولة لاستعمال قوّتها العسكرية بعد أن تفشل أدواتها الأخرى كالدبلوماسية. والضغوط الاقتصادية، والمناورات، والتهديد باستعمال القوة.

وقد مثّلت الأسلحة النووية ووسائل حملها من صواريخ وطائرات بعيدة المدى فتحاً جديداً في القوة العسكرية. والأسلحة النووية أسلحة هجومية أوجدت تغييراً في التفكير العسكري، كما أوجدت مأزقاً عسكرياً لعدم التوصل إلى أسلحة مضادة لها، أي عدم القدرة على الدفاع الفعال أمام استعمالها. والحل الوحيد المتوفر للدول يكمن في الردع، فتحاول كل دولة الحصول على سلاح نووي إن لم يكن من أجل الهجوم، فمن أجل الردع. وكما يشكل استعمال القوة العسكرية الملجأ الأخير فإن استعمال الأسلحة النووية يبقى الملجأ الأخير في حال استعمال القوة العسكرية، وهذا من شأنه أن يبقي للأسلحة التقليدية هامشاً واسعاًن بل يبقى استعمال القوة التقليدية هو الخيار الوحيد إذا تساوت قوة الخصمين النووية، أو إذا تحقق لكل منهما القدرة على إصابة الآخر بالدمار الشامل أو بأذى لا يمكن احتماله.

وسيبقى سباق التسلح في العالم، وتطوير الأسلحة، واكتشاف أسلحة جديدة، يندفع على جميع المستويات. وما يقال عن تفكير في نزع شامل للأسلحة النووية لا يزيد عن دغدغة لعواطف الرأي العام العالمي، ولإبقائه حكراً على بعض الدول الكبرى، فالسلام العالمي بين الدول الكبرى يقوم على الرادع النووي.

5- العامل الجغرافي: ويشمل اتساع البلد وموقعه الجغرافي، والطبيعة الجغرافية لأرضه، ومناخه. فصعوبة العيش في الجزيرة العربية أثرت قديماً في بناء الإنسان من حيث قوة التحمّل والقدرة على القتال، كما قللت رمالها وصحاريها من إمكانية غزوها. واتساع روسيا وكثرة الدول المجاورة لها مكّن روسيا من التوسع في جهات متعددة، فكانت تتوسع في أوروبا، فإن أعياها ذلك توسعت في الشرق وفي الجنوب. وقد ساهمت ثلوج روسيا في هزيمة كل من نابليون وهتلر. وكان لبحر المانش الذي يفصل بريطانيا عن أوروبا الأثر الأكبر في حماية بريطانيا من غزوات الدول الأوروبية. كما أن موقع أميركا الحصين المحاط بالمحيطات أكسبها قوة وحماها من غزو الدول الكبرى في أوروبا وفي آسيا بعد استقلالها عن الدول الأوروبية. أما موقع بولنده بين جارين قويين، ألمانيا وروسيا، فقد أدّى لاقتسامها أربع مرات من قبل جيرانها. فبسبب الموقع تسلّط أمم على أمم وشعوب على شعوب. ومن هنا فقد احتلت سياسة المناطق العازلة والدول العازلة مكاناً واضحاً في العلاقات الدولية. وقد ضعف هذا العامل أمام الأسلحة المتطورة فأصبحت الحدود الآنفة من أفكار الماضي، كما ضعفت سياسة الدول والمناطق العازلة في السياسة الدولية.

6- الدبلوماسية: تتكون المؤسسة الدبلوماسية في الدولة من قسمين:

1- الدائرة الحكومية التي تعهد إليها الدولة بتنفيذ السياسة الخارجية، مثل وزارة الخارجية.

2- البعثات الدبلوماسية في الخارج المتمثلة بالسفارات وما يقوم مقامها، أي الرسل بين الدول بجميع أنواعهم.

وعمل الدبلوماسيين هو تنفيذ السياسة الخارجية وإدارة العلاقات السياسية وليس صنعها. كما أن من عملها تقديم المعلومات والمشورة لصانعي السياسة الخارجية لتساعدهم في رسم السياسة الصحيحة. وحتى يتسنّى لهم ذلك فلا بد لهم أن يخترقوا البلد الذي يعيشون فيه، وأن يوجدوا لأنفسهم صلات قوية بصانعي القرار وراسمي السياسة في ذلك البلد وبأركانه المؤثرين فيه حتى يكونوا على دراية بكل ما يجري فيه، فيعرفون مصالحه الحيوية، وتوجهاته السياسية وصلاته. لذلك يختار الدبلوماسيون من نوعية معينة ويخضعون لثقافة خاصة. وعمل الدبلوماسية الرئيس هو المفاوضات، والمفاوضات تعني المساومات، والمساومات تعني التسويات، والتسويات تعني تقديم تنازلات للآخرين والحصول على تنازلات من الآخرين، فهي عملية ربح وخسارة والدبلوماسي الناجح هو الذي لا يدفع أكثر مما يريد ولا يحصل على أقل مما يريد.

والمساومة السياسية كالمساومة التجارية، فيعرض البائع السلعة بأكثر مما يريد بيعها به حقيقة، ويدفع المشتري أقل مما يريد دفعه فيها فعلاً، وأمهرهما من يستطيع تغطية موقفه أكثر. وعلى المفاوض أن يتصف بالصبر والمصابرة وطول النفس، إذ قد تمتد المفاوضات شهوراً وقد تمتد سنين، لأن كلا الطرفين يريد أكثر مما يكون الطرف الآخر مستعداً للتنازل عنه.

وتكون المساومات في المصالح الثانوية ولا تكون في المصالح الحيوية، لأن المصالح الحيوية ليست موضع مساومة، وإنما تحارب الدولة من أجلها. لذلك ليس على المفاوض أن يعرف فقط موقع المسألة المتفاوض عليها من مصالح بلده، وإنما أيضاً موقعها من مصالح المفاوض الآخر. وقد يكون في نيّة المفاوض الآخر العدوان، وأنه لا يريد تسوية عند نقطة في الوسط يلتقيان عندها، وإنما يريد فرض ما يريد، فإذا قدمت له تنازلات طالب بمزيد منها، فهو رسول حرب يريد خلق الظروف لتلك الحرب أو استسلاماً كاملاً للخصم بدون حرب، أي أن المفاوضات تكون معادلة للحرب، كما فعل هتلر في مفاوضات النمسا قبل ضمها، وفي مفاوضاته مع تشيكوسلوفاكيا.

وكثيراً ما تكون الدبلوماسية القوة، أي أن الدولة تدعم الدبلوماسيين المفاوضين بالقوة العسكرية، فتستنفر قوتها العسكرية وتنشرها وتلوّح باستعمالها في حال فشل المفاوضات وإذا لم يتنازل الخصم عن أمور معينة، كما لوّحت أميركا باستعمال قوّتها النووية إذا لم يجر الإسراع في المفاوضات حول كورية، وإذا لم تؤد المفاوضات إلى نتائج مرضية.

والحنكة في الدبلوماسية تشكل أحد مصادر قوة الدولة لأنها أداة للحصول على المغانم ودرء المفاسد والخسائر، منها تستطيع الدولة تجميع الأصدقاء وتفريق الخصوم وإيجاد الظروف المواتية لتحقيق الأهداف، فهي تعادل القوة العسكرية، وقد تعوّض الدولة عن ضعف قوتها العسكرية كما فعلت دبلوماسية مترنيخ لإمبراطورية النمسا في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

وقد عانت الدبلوماسية التقليدية مؤخراً من الضعف بسبب تقليص الدول لدورها، واعتمادها عوضاً عنهم على المبعوثين الخاصين وبلقاءات القمّة، ويكاد ينحصر دورها في الوقت الراهن في الشؤون القنصلية ونقل الرسائل وجمع المعلومات والتجسس، والدسائس وإثارة الفتن. وإثارة الفتن تقتضي اتصالات السفارات بمراكز التوتر وفصائل الرفض في الدول التي تعمل فيها

تحمل الدولة مصالحها وترعاها خارج حدودها بما يسمى بالسياسة الخارجية. ولذلك فإن السياسة الخارجية هي عبارة عن صياغة المصالح في كل متناسق، وتصنيفها في سلم أولويات إلى مصالح حيوية ومصالح ثانوية، ثم صياغة تلك المصالح في أهداف قابلة للتحقيق بوضع العلاقة السببية بين ما هو موجود وما يراد تحقيقه، وبيان كيفية حملها خارج الحدود للحلبة الدولية بدراسة أثر ذلك على مصالح الدول الأخرى وبالتالي على تلك الدول، ثم السير في التنفيذ وذلك بالتنسيق بين أدوات التنفيذ، والملاءمة بين قدرات الدولة والأهداف المطلوب تحقيقها.

ولما كانت الدولة ليست وحيدة على الحلبة الدولية وإنما تعيش في مجتمع دولي، ولما كانت المصالح التي تتبناها لنا مساس بمصالح الدول الأخرى فإن سياستها الخارجية ستصطدم بسياسات تلك الدول. ومن هنا فإن النجاح في السياسة الخارجية يقتضي دقة في صياغة المصالح ولأهداف، وفي كيفية تحقيقها. فكما لاءمت بين أهداف وقدرات الدولة فإنها تلائم بين قدرات الدولة ووسائل تنفيذ تلك السياسة، وأي خطأ في ذلك يؤدي إلى كوارث.

والنجاح في السياسة الخارجية يقتضي فهماً صحيحاً للعالم وللموقف الدولي وللعلاقات الدولية فيه. فمثلاً على الدولة أن تعرف الدول التي ستقف إلى جانبها، والدول التي ستقف ضدها والدول التي ستقف في الحياد، ومدى التزام تلك الدول بتلك المواقف ومدى سيرها فيها. ولا سبيل إلى ذلك إلا إذا كانت الدولة على وعي تام على مصالح تلك الدول لتحقيقها، ومدى التزام الواحدة منها بتعهداتها وارتباطاتها، وبخاصة أن الدول تقوم بالمناورات السياسية وتنصب الفخاخ الدولية.

وتضع كل دولة قراراتها على ضوء تصرفات الدولة الخصم الفعلية أو المتوقعة، لذلك فهي بحاجة إلى معرفة قرارات الدولة الخصم. غالباً ما تتوصل الدوائر السياسية في الدولة إلى معرفة قرارات الدولة الخصم من خلال ما يسمى بلعبة التخمين، فتتخذ قراراتها المضادة على ضوء نتيجة تخمينها. وهذا وجوهر صانع السياسة. فالسياسة تُعنى بالأوضاع التي يعتمد فيها اختيار طرف على ما يظن أن الطرف الآخر قد اختاره فعلاً أو أنه سيختاره في المستقبل. ودراسة السياسة إذن هي دراسة الخيارات والتصرفات المتبادلة الاعتماد لأطراف الصراع.

وصياغة التوقعات في لعبة التخمين تقوم على فهم أقوال الطرف الآخر وتصريحاته، وهنا لا بد من التفريق بين الأقوال التي تتم فعلاً عن حقيقة الموقف والأقوال التي قد يطلقها الخصم ذراً للرماد في العيون، أو المعلومات الخاطئة التي يقوم بتسريبها عن عمد. وقد تقوم على فهم أعماله وتحركاتهن وهنا أيضاً يجب التفريق بين الأعمال التي يقصد بها المناورة والأعمال التي يراد بها غايات حقيقة.

وقد جرت العادة على إسناد التصرفات لشخصيات معنوية فيها صفة الجماعة، فيقال أن الدولة قد قررت كذا. إنه وإن كان هذا مقبولاً في عالم الصحافة والإعلام، إلا أنه مرفوض في بحث السياسة. وغني عن القول إن الفرد هو الذي يضع الغايات ويرسم الخطط، ويقوم بالتصرفات لتحقيق تلك الغايات. فرأس الدولة أو أصحاب الاختصاص والصلاحية فيها هم المتصرفون. ومن هنا تأتي أهمية المعرفة الكاملة بالأشخاص المتصرفين: عقائدهم، مفاهيمهم، قيمهم، طريقة تفكيرهم وبالأولويات لديهم.

ولا بد من الإشارة إلى أن المعني بالتصرفات هنا التصرفات العقلانية الهادفة ذات القصد. وتكون التصرفات هادفة إذا كانت من أجل تحقيق غاية محددة. أما التصرفات العبثية غير ذات القصد فلا اعتبار لها ولا حكم. وترتبط صياغة الأهداف عادة بالظرف. وللمرء عادة سلسلة من الأهداف المتصاعدة وحتى المتباينة، واختيار أحدها إنما يكون حسب الظرف. ومن هنا فإن دراسة الظروف المحيطة بصاحب القرار أو المهيأة له، أو التي يمكن تهيئتها كالظروف الاقتصادية، والأوضاع الداخلية، تساعد على تخمين الهدف الذي يمثل خياره، وبذلك يمكن أن يضع خياره المضاد على ضوء ذلك التخمين. وقد تكون الأهداف الموضوعة على درجة كبيرة من التعقيد بحيث يصعب حل لغزها وتخمينها حتى بالبحث العميق والدراسة المستفيضة، مما يضطر إلى إطلاق بالونات اختبار للمساعدة على حل لغزها. وسيبقى الحكم على ما ستكون عليه تصرفات الآخرين المستقبلية يشكل المأزق الأبدي للسياسة الخارجية.

تطور العلاقات الدولية:

إذا ألقينا نظرة على المسرح الدولي اليوم نجد أن الدول الفاعلة فيه هي الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية: بريطانيا وفرنسا وألمانيا ثم الصين واليابان. ولما كانت سياسة اليوم إن لم تكن استمراراً لسياسة الأمس فنها غير منقطعة عنها. لذلك فإن البحث يقتضي استعراضاً موجزاً لتطور سياسات الدول الكبرى هذه وتطور علاقاتها.

لقد كان المسرح الأوروبي يمثل لقرون وحتى الحرب العالمية الثانية المسرح الدولي الأول، عليه تطورات الأعراف الدولية، ومنه خرج القانون الدولي والشرعية الدولية. وكان يتفرع عن هذا المسرح بعد استقلال الولايات المتحدة وانحسار الوجود الأوروبي في نصف الكرة الغربي مسارح فرعية يدور على وراثة البلاد الإسلامية ممثلة بالدولة العثمانية والبلقان، ومسرح الشرق الأقصى وكان يدور الصراع على الصين. وقد تبادلت الدول الأوروبية مركز الدولة الأولى، فقد تبوأته كل من النمسا وأسبانيا وفرنسا وبريطانيا التي نازعتها ألمانيا إياه في فترتي الحربين العالميتين. وقد تكسرت على المسرح الأوروبي سياسة توازن القوى التي أصبحت سياسة رسمية لدول أوروبا.

لا تتصل الجزر البريطانية بأوروبا إذ يفصل بحر الشمال وجنوبه بحر المانش بينهما. وقد أوجد هذا الموقع الجغرافي أعرافاً سياسية بريطانية منها، أولاً: أن تعتبر بريطانيا نفسها دولة غير أوروبية بل دولة عالمية فأدارت ظهرها لأوروبا ومشاكلها إلا في حالات معينة، وانصرفت لتجارتها واستعمارها في شتى أرجاء المعمورة. ثانياً: أن تكون قوّتها من قوة أسطولها البحري، به تحمي أرضها من العدوان الخارجي وبه تحمي تجارتها وطرق مواصلاتها مع مستعمراتها، فأعطته كل عنايتها، مما جعل منها الدولة البحرية الأولى. وقد أصبح من الأعراف السياسية البريطانية بل والعالمية أن يكون الأسطول البريطاني مساوياً لمجموع أسطولي الدولتين التاليتين، ومن خرج عن ذلك فقد هدد مصلحة حيوية لبريطانيا. وقد بقي هذا العرف سائداً حتى سنة 1921 عندما نصت اتفاقية واشنطن للقوى البحرية أن يكون الأسطول الأميركي مساوياً للأسطول البريطاني. وقد حتم عليها كونها دولة بحرية عالمية المصالح أن تحتل جميع المواقع البحرية الإستراتيجية، ومن هدد طرق مواصلاتها فقد هدد مصلحة حيوية لها. ثالثاً: أن يكون الحفاظ على توازن القوى في أوروبا سياسة عليا لبريطانيا لأن سيطرة دولة ما على أوروبا يمنحها من القوة ما يمكنها من غزو الجزر البريطانية. فكانت تتابع مصالحها الدولية وعينها على أوروبا، فإذا ما اختل ميزان القوى أو تعرّضت الأراضي المنخفضة وبخاصة بلجيكا ـ أقرب المواقع الأوروبية لبريطانيا ـ تدخلت. ومن هذا المنطلق كانت منطقة بحر البلطيق تحتل مركزاً بارزاً في السياسية البريطانية تدافع عنها أمام مطامع الدول الكبرى. ولما كانت أوروبا مصدر الخطر على بريطانيا، فقد أصبح التوجس من أوروبا والريبة في تصرفاتها عرفاً شعبياً وسياسياً في بريطانيا.

وتقع فرنسا في غرب أوروبا على بحر المانش، فهي دولة أوروبية بحرية، تَنازَعتها دوران، الدور الأوروبي والدول العالمي، فوزعت جهدها بين الدورين، بين القوات البرية والأسطول البحري مما أضعف منها في الدورين. وكدولة أوروبية فقد عاشت مشاكل أوروبا، عاشت آمال الهيمنة على أوروبا وآلام هزائمها فيها. صارعت الدول الأوروبية وصارعتها الدول الأوروبية مما استنزف الكثير من قدراتها. كانت تعمل على حفظ التوازن في أوروبا حفاظاً على وجودها نفسه، وكانت تعمل للهيمنة على أوروبا من منطلق سياسة العظمة، وقد برز ذلك بشكل جليّ في عهدي لويس الرابع عشر ونابليون. وقد ضعف دور فرنسا في أوروبا وضعفت آمال الهيمنة بعد الحروب النابليونية وبعد أن برزت كل من روسيا وألمانيا كدول عظمى من الدرجة الأولى.

أما الدور العالمي القائم على قوتها البحرية، فقد تمثل في التجارة والمستعمرات في أرجاء المعمورة. وكانت منافساً لبريطانيا لكنها لم تكن منافساً خطراً لأنها كانت تعترف بالخطوط الحمراء التي تضعها بريطانيا. وقد تشبثت فرنسا بهذا الدور لأنه يوفر لها غنائم الاستعمار ويحقق لها الشعور بالعظمة الذي يشكل عنصراً رئيسياً في السياسة الفرنسية.

أما ألمانيا فتقع في وسط أوروبا بين جارين كبيرين فرنسا من الغرب، وروسيا من الشرق. كانت تدرك أن مصيرها إنما يتقرر في أوروبا، فجعلت من نفسها قوة برية وحسْب، وأعطت جيشها كل عنايتها. ولما لم تكن تحميها من جارتيها القويتين حواجز طبيعية جعلت من جيشها ومن تمرسّه على فنون القتال درعها التي تحميها. كانت دويلات أوروبا الشرقية أو أقاليمها التي تفصلها عن روسيا متنفسّاً لها ومجالاً لنشاطها. أوجد بسمارك عرفاً سياسياً يتمثل في أن لا تحارب ألمانيا على جبهتين غربية وشرقية. وعندما أصبت بغرور القوة وأهملت هذا العرف منيت بالهزائم. لم تكن لألمانيا مطامع استعمارية، فكانت دولة أوروبية الموقع والانتماء والفطرة والمطامع. وما امتلكته من مستعمرات بسيطة كانت لإكسابها الهيبة في أوروبا. وقد حلمت كغيرها من الدول الأوروبية في السيطرة على أوروبا، ولكنها منيت، كغيرها من الدول الأوروبية، بهزائم مؤلمة.

تحتل روسيا على الخارطة الجغرافية مساحة شاسعة في كل من أوروبا وآسيا، تحيط بها دول عديدة. وقد شكل هذا الاتساع مقتلاً لها إبان ضعفها، فكانت تداهمها الغزوات من كل مكان، غير أن هذا الاتساع أصبح مصدر قوة لها بعد أن أصبحت دولة كبرى، فأعطاها القدرة على التوسع في جميع الاتجاهات. وتخلو روسيا من البحار الدافئة وشواطئها مما جعل منها قوّة برية كبرى. وقد دفعها هذا لأن تمتد شرقاً وجنوباً نحو المياه الدافئة. كانت روسيا دولة إقليمية كبرى تمد استعمارها في محيطها الإقليمي في أوروبا وفي الشرق على حساب البلاد الإسلامية والصين. وكان امتدادها في أوروبا دفاعياً لأنها كانت تخشى الدول الأوروبية التي كانت تغزوها إبان ضعفها وإبان قوّتها، فكانت تسعى لأن تجعل من دول أوروبا الشرقية والبلقان مناطق نفوذ ومناطق عازلة. ومع أن توسعها كان من قبيل الاستعمار الصرف، إلا أنها حاولت أن تجعل لنفسها رسالة إقليمية. ولما كان الروس من الجنس السلافي فقد جعلت من نفسها حامية للجنس السلافي. ولما فتح المسلمون القسطنطينية وانتقلت الكنسية الأرثوذكسية إلى روسيا، فقد جعلت هذه ممن نفسها إبان قوتها حامية للنصارى الأرثوذكس. ولما اعتنقت روسيا المبدأ الشيوعي، فأخذت تعمل على إيجاد الثورة العمالية العالمية، فقد انتقلت من الدور الإقليمي إلى الدور العالمي.

كان الموقف الدولي منذ الحروب النابليونية وحتى الحرب العالمية الثانية، بيد بريطانيا، تمارس فيه دور الحكم، وكان النظام الدولي نظامها، تمارس فيه دور الدولة العالمية، بينما كانت الدول الأوروبية تلعب أدواراً أوروبية أكثر منها عالمية. لذلك فإن استعراض بعض جوانب السياسة البريطانية وانعكاساتها في تلك الفترة يكفي لأخذ صورة عن تطور العلاقات الدولية حتى الحرب العالمية الثانية.

كانت بريطانيا تترك للدول الأوروبية أمر إيجاد التوازن في أوروبا بينما تتفرغ هي بكليتها لبناء إمبراطوريتها الشاسعة المترامية الأطراف، وكانت لا تتدخل إلا إذا تعرّض الميزان لاختلال بيّن فأصبحت الحرب وشيكة الوقوع أو نشبت فعلاً. وكانت تتدخل عند ئذ إلى جانب الطرف الأضعف لإعادة التوازن، أو تتدخل إذا تعرّضت الأراضي المنخفضة للاجتياح أو خطر الاجتياح ممن قبل دول أوروبية طامعة في السيطرة على أوروبا. ولم تكن تقيم الأحلاف مع أحد في أوروبا إلا عند التدخل. ولما كانت قوة بريطانيا في أسطولها، فقد كانت تفتش عن حليف أوروبي يقدم القوات البرية.

كانت تعتمد بريطانيا تقليدياً على النمسا في حفظ التوازن في أوروبا لتخلّيها عن حلم السيطرة على أوروبا، ولأنها كانت تعمل على الحفاظ على الوضع الراهن لتحافظ على تماسك إمبراطوريتها المتنافرة. ولما أصاب النمسا الوهن، رحبت بريطانيا ببروز ألمانيا كقوة من الدرجة الأولى لتكون دعامة رئيسية لتوازن القوى. وكانت تطمئن لدور ألمانيا لأن بسمارك كان يعمل تحت مظلة النظام الدولي، ولأن العداء كان قد استحكم بين ألمانيا وفرنسا بعد أن هزمت ألمانيا فرنسا في حرب السبعين، سنة 1870 هزيمة منكرة وأسرت الإمبراطور نابليون الثالث، وانتزعت من فرنسا الالزاس واللورين، وتوجت الإمبراطور ولهلهم الأول في قصر فرساي بباريس. أخذت فرنسا منذ ذلك الحين تفتش عن حليف قوي يمكّنها من الانتقام من ألمانيا. ولما كانت روسيا هي الحليف الممكن كان بسمارك يعمل على أن يترك روسيا لفرنسا، وكان هذا التوجه محور سياسة بسمارك.

كان استعمار بريطانيا للهند، درة التاج البريطاني، معلماً بارزاً في السياسة البريطانية وذا أثر كبير على العلاقات الدولية. فقد أقامت بريطانيا في الهند حكومة بريطانية سمّتها حكومة الهند، وأصبحت الهند بحادة إلى مجال حيوي ومناطق عازلة، واحتاجت بريطانيا لطرق مواصلات آمنة تربطها بالهند. كان من الطبيعي أن تفكر بريطانيا، من هذا المنظور، بضم الولايات الإسلامية شرق آسيا الصغرى إلى مستعمراتها، فأخذت تهيئ الظروف لتصفية الدولة العثمانية. كانت تقوم سياسة بريطانيا في هذا الشأن على إعطاء دول البلقان الاستقلال والإبقاء على دولة تركية قومية في آسيا الصغرى تشكل مع دول البلقان المستقلة منطقة عازلة تعزل الدول الأوروبية عن المشرق بعد أن تضم المنطقة العربية من تركية إلى الخليج العربي إلى مستعمراتها.وتصفية الدولة العثمانية حسب هذا المنظور كانت تقتضي أن تعزل بريطانيا الدولة العثمانية عن نفوذ الدول الأوروبية الأخرى، وأن تعمل على إضعافها. ولإضعاف الدولة العثمانية واستنزافها أخذت تعمل بريطانيا على تأجيج الثورة في البلقان العثمانية، وبإحياء روح القومية والوطنية والقبلية في الولايات المختلفة. وكانت تتقاسم حكم البلقان عندئذ كل من الدولة العثمانية وإمبراطورية النمسا ـ المجر.

خرجت روسيا من الحروب النابليونية قوة كبرى دعامتها جيش من مليون رجل عامل، يردفه احتياط من خمسة ملايين رجل، فأصبحت تشكل تهديداً محتملاً لتوازن القوى في أوروبا، وبخاصة بعد أن اعترى الدول الأوروبية الأخرى الضعف جرّاء الحروب النابليونية الطاحنة. والأهم من هذا أنها بعد أن قضمت الكثير من الدولة العثمانية، فاحتلت مناطق آسيا الوسطى المحيطة ببحر قزوين والبحر الأسود اعتبرت نفسها الوارث الوحيد للدولة العثمانية بما في ذلك السيطرة على المضائق. كما أخذت تتدخل في البلقان لاحتلاله أو لإقامة دول عملية لها بحجة صلة العرق والدين. كانت روسيا بعملها هذا، لو نجحت فيه تهدد مصالح بريطانيا الحيوية، لأنها كانت هذه ستضع الإمبراطورية البريطانية وطرق مواصلاتها تحت رحمة روسيا، فإذا كان يتوجب على الدولة أن تدخل في حرب مع الخصم عندما يهدد مصلحة حيوية لها، فإن ذلك التصرف على الدولة الأولى أوجب. ولذلك فإن بريطانيا، بينما كانت تقوم مع الدول الأوروبية الأخرى أو بعضها، تصد محاولات روسيا تصفية الدول العثمانية وتكف يدها عن التدخل في شؤونها، كانت تتحين الفرص للدخول في حرب واسعة مع روسيا، وكانت من أجل هذا تتصيّد حليفاً أوروبياً يشارك بقوات برية كبيرة. وأخيراً وجدت الحليف في شخص نابليون الثالث، إمبراطور فرنسا عندما نشب صراع بين روسيا وفرنسا على حماية الأماكن النصرانية المقدسة في الدولة العثمانية، وكان تقدير قيصر روسيا أن بريطانيا ستقف على الحياد. فشنت بريطانيا وفرنسا هجوماً على الأسطول الروسي في البحر الأسود وحطمتاه تحطيماً كاملاً، وهدمتا جميع القلاع الروسية على البحر الأسود فيما سمي بحرب القرم 1854 ـ 1856. وقد حاولت بريطانيا مدّ الحرب إلى منطقة بحر البلطيق لطرد روسيا منه، إلا أن نابليون الثالث الذي رأى أن الحرب كانت حرب بريطانيا وليست حرب فرنسا أصابه الملل فرفض ذلك. وفرضت الدولتان في مؤتمر باريس 1856 ـ 1858 شروطاً قاسية.

وكان تهديد روسيا للإمبراطورية البريطانية يتخذ شكلاً آخر. فقد كانت روسيا تحاول التقدم جنوباً عبر أفغانستان وإيران باتجاه المحيط الهندي والخليج العربي، وكانت روسيا بأعمالها هذه تهدد الهند، درة التاج البريطاني وأحد مراكز تنبه بريطانيا القوية، لكن بريطانيا كانت تصدها كلما حاولت التقدم.

لاقت الوحدة الألمانية هوى في نفس بريطانيا فنظرت بعين الرضا لتنامي القوة الألمانية. فألمانيا القوية، في نظر بريطانيا، ستكون دعامة قوية للتوازن في أوروبا فتقف في وجه جارتها روسيا على المسرح الأوروبي، وبخاصة بعد أن شاخت إمبراطورية النمسا ـ المجر التي كانت تعتمد بريطانيا عليها في حفظ التوازن. ولما أقامت ألمانيا حلفاً مع النمسا (الألمانية) أخذت بريطانيا تأمل في أن يجر ذلك الحلف ألمانيا للتورط في مشاكل البلقان ومشكلة الصراع على تصفية الدولة العثمانية، ذلك أن النمسا كانت تتقاسم السيطرة على البلقان مع الدولة العثمانية، فكانت تقف في مواجهة مباشرة مع روسيا الطامعة. ومن هنا فلم يكن عجيباً أن يجر هذا الحلف ألمانيا للوقوف مع النمسا في مواجهة روسيا.

لكن بسمارك كان له رؤية أخرى إذ كان يرى أن مصير ألمانيا يتقرر، بسبب موقعها بين جارتين قويين، في أوروبا. وبعد أن جرح عظمة فرنسا في حرب السبعين أخذت فرنسا تعمل للثأر من ألمانيا. ولما لم تكن لها قدرة على مواجهة ألمانيا فإنها لن تنازل ألمانيا إلا إذا وجدت حليفاً قوياً. وللاعتبارات السائدة عند ئذ فإن روسيا كانت الحليف الممكن، لذلك كانت سياسة بسمارك تتركز على عزل فرنسا وبخاصة عن روسيا، فكانت سياسته تقوم على الاحتفاظ بصداقة إحداهما دون تنفير الأخرى. فأقام معاهدة الضمان مع روسيا إلى جانب حلفه مع النمسا. ثم أقام حلفاً ثلاثياً بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا ليقطع طريق فرنسا باتجاه إيطاليا. كان بسمارك يعلم قيمة النظام الدولي فكان يعمل تحت مظلته. ومن هنا كانت أحلافه دفاعية لتقوية النظام الدولي لا لهدمه ولا للتأثير على مركز الدولة الأولى. لقد ارتاحت بريطانيا لبروز القوة الألمانية لكنها أرادت أن تسخرها لحماية مصالح بريطانيا ولتقوم بمعارك بريطانيا نيابة عنها فكانت تريدها أن تقف مع النمسا في وجه روسيا في البلقان وفي الشرق الأدنى أو المسألة الشرقية كانت تعني في العرف السياسي عند ئذ قضية المضائق وتصفية الدولة العثمانية، وأن تكون عموداً من أعمدة توازن القوى في أوروبا. كان بسمارك يدرك ذلك، فكان يصدّ بريطانيا دون أن يكسب عداوتها أن يشعرها بالعزلة أو يدفعها للعزلة.

عندما اعتلى ولهلم الثاني عرش ألمانيا سنة 1889، كانت ألمانيا قد بلغت من القوة درجة تهدد معها وبها توازن القوى في أوروبا. وقد غضّت بريطانيا النظر عن ذلك على أمل أن تستطيع توجيه تلك القوة لضرب روسيا التي لم تتراجع عن تهديد مصالح بريطانيا الحيوية أو التطلع لذلك. وزاد أمل بريطانيا في هذا عندما صرف الإمبراطور مستشاره بسمارك من الخدمة لأن توجه بسمارك السياسي لم يكن يعجب الإمبراطور، وعندها أهمل الإمبراطور شأن روسيا فلم يقم بتجديد معاهدة الضمان معها والتي انتهت سنة 1891. أصيب الإمبراطور وعسكريّوه بغرور القوة فأخذ يحلم بمقاسمة بريطانيا المكانة الدولية. من أجل هذا أخذ ولهلم منذ توليه الحكم يسعى لجر بريطانيا للانضمام لحلفه الثلاثي مع النمسا وإيطاليا. ولما كانت بريطانيا مصممة على الدفاع عن المضائق من روسيا، وكانت لذلك بحاجة إلى حليف أوروبي قوي، كما هي عادتها، فقد أرادت أن يكون الحلف لمجابهة روسيا بشكل حازم وحاسم وليس لتغطية أوروبا. لكن ألمانيا التي بقيت تأخذ بسياسة بسمارك القاضية بعدم دخول ألمانيا الحرب من أجل المضائق وبالتالي تعريض وجودها في أوروبا للخطر، رفضت مطلب بريطانيا هذا. ويقول آخر، كانت ألمانيا تريد حلفاً يعطيها اليد الطولى في مشاكل الإمبراطوريات الاستعمارية، بينما كانت بريطانيا تريد توريط ألمانيا وحلفها في قضايا إمبراطوريتها فتجعل منها أداة لحفظ الإمبراطورية ومصالح بريطانيا الحيوية، ويقول ثالث، كانت ألمانيا تريد أوروبا لنفسها وتترك لبريطانيا الإمبراطورية خارج أوروبا، أي اقتسام المكانة والنفوذ مع بريطانيا، ومن غير أن تساعد بريطانيا في الحفاظ على المصالح الإمبراطورية البريطانية. هذا بينما كانت بريطانيا تريد العكس، فكانت تريد من ألمانيا الحفاظ على المصالح البريطانية الإمبراطورية دون أن تطلق يدها في أوروبا لأن ذلك لو فعلته كان سيؤدي في النهاية إلى زوال بريطانيا نفسها. ومن هنا كان من الطبيعي أن تصل المفاوضات بينهما إلى طريق مسدود.

أدى إهمال ولهلم شأن روسيا، وعدم تجديد معاهدة الضمان معها إلى فتح الباب أمام تقارب فرنسي روسي، وتلك فرصة انتظرتها فرنسا طويلاً. والغريب أن فشل الإمبراطور مع بريطانيا لم يدفعه لإصلاح ذات البين مع روسيا، فوقعت فرنسا وروسيا حلفاً أصبح نافذ المفعول سنة 1894.

بعد أن أخفقت مفاوضات ولهلم مع بريطانيا، أخذ يضغط عليها بالتعرض لمصالحها لإجبارها على الرضوخ لطلبه، دون أن يفرّق بين مصلحة حيوية ومصلحة ثانوية أو بين تهديد المصلحة الحيوية وضربها. وتنفيذاً لهذه السياسة أعلنت ألمانيا مع نهاية سنة 1897 عن البدء بتنفيذ برنامج أسطول بحري ضخم ينتهي سنة 1904 متجاوزة بذلك أحد الخطوط الحمراء التي رسمتها بريطانيا. وأخذ يشاكسها في قضايا المستعمرات فوقف في وجهها في قضيتي مراكش والبوير. وكانت ثالثة الأثافي عندما أخذت ألمانيا بالتفاهم مع الدولة العثمانية. فقد قام الإمبراطور ولهلم سنة 1898 بزيارة للسلطان عبد الحميد في دمشق، وأعلن من هناك أنه يمكن لثلاثمائة مليون مسلم أن يعتمدوا على صداقة ألمانيا. ونتيجة لهذا التفاهم تعهدت ألمانيا بتحديث الجيش العثماني، وحصلت على امتياز لمد خط حديد برلين ـ بغداد، وبذلك اتصل وسط أوروبا الألماني بالخليج العربي، مما يعتبر تهديداً للإمبراطورية البريطانية وطرق مواصلاتها. وبذلك تكون ألمانيا قد تجاوزت جميع الخطوط الحمراء البريطانية. ولما كانت روسيا تعتبر نفسها الوارث الوحيد للدولة العثمانية فقد أثار التفاهم الألماني العثماني قلقها

تدخل جميع الدول في حروب دفاعاً عن مصالحها الحيوية، أما الدولة الأولى في العالم فتدخل في حروب دفاعاً عن المصالح غير حيوية. واجتياز ألمانيا لخط أحمر بريطاني واحد كان يعني الحرب. أما وقد اجتازت ألمانيا جميع الخطوط الحمراء، وأخلّت بميزان القوى في أوروبا، وتجاوزت الحد الذي تسمح به بريطانيا في قوة الأسطول البحري، واخترقت الجدار الفاصل بين أوروبا والإمبراطورية البريطانية فوصلت للخليج العربي، فإن حرب بريطانيا معها أصبحت حتمية.

كان من الطبيعي أن تبدأ بريطانيا فوراً بالتحضير لحرب واسعة، فبدأت سنة 1899 بمباحثات مع فرنسا لتسوية مشاكل المستعمرات، ثم وقعت معها سنة 1905 اتفاق الوفاق. وأخذت بريطانيا في الوقت نفسه تسعى لتسوية مشاكلها مع روسيا. لكن روسيا التي كانت تريد أن تستأثر بكل شيء صدّ توجهات بريطانيا. ولكن بعد أن هزمتها اليابان سنة 1904 في الصين هزيمة منكرة، وبعد قيام ثورة فيها سنة 1905، أدركت روسيا ضعفها فاستجابت لبريطانيا ووقعت اتفاقاً معها سنة 1907 على تسوية جميع المشاكل بين الدوليتين. كان من بنود الاتفاق أن تصبح أفغانستان منطقة نفوذ بريطانية، وأن تقسم إيران إلى ثلاثة أقسام: شمالية منطقة نفوذ روسية، وجنوبية، بما فيها الخليج العربي، منطقة نفوذ بريطانية، ووسطى مستقلة ومحايدة.

وهكذا تجمعت الدول الأوروبية ومعها الدولة العثمانية في حلفين كبيرين تنتظر الشرارة التي انطلقت معلنة ابتداء الحرب العالمية الأولى سنة 1914. لما كانت الحرب حتمية فلم يكن مهماً كيف تبدأ أو متى تبدأ.

يعتبر نشوب الحرب العالمية الأولى شاهداً على فشل سياسة كل من بريطانيا وألمانيا. فجذور هذه الحرب تتأصل في سياسة بريطانيا تجاه روسيا. من أجل هذا رعت بريطانيا صعود ألمانيا على طريق القوة على أمل أن تقوم بضرب روسيا نيابة عن بريطانيا أو خدمة لها. وكان بإمكان بريطانيا أن تردع ألمانيا قبل أن تتجاوز الخطوط الحمراء وذلك بتوجه بريطانيا نحو فرنسا التي كانت تجوب أوروبا بحثاً عن حليف. أما ألمانيا التي أصابها جنون القوة فلم تدلل على أي قدر من الحنكة السياسية في عهد ولهلهم الثاني، فتحدت بريطانيا دون أن تحافظ على صداقة روسيا، ولو احتفظت بصداقة روسيا، وكان ذلك ممكناً ، لردعت بريطانيا عن السير نحو الحرب. وإذا كانت السياسة فن الممكن، فقد توفرت لكل من بريطانيا وألمانيا ممكنات أخرى غير الحرب لكنها لم تُغتنم ولم تُستعمل.

لقد تمخضت الحرب العالمية عن اهتزاز ميزان القوى اهتزازاً كان يفقده وجوده. فقد أدت هذه الحرب إلى حل إمبراطورية النمسا ـ المجر، وتصفية الدولة العثمانية، فخلا المسرح منهما. كانت سياسة ميزان القوى في أوروبا تقضي بإضعاف الدولة المتمردة أو إعادة تحجيمها مع الإبقاء عليها، لذا جرى إضعاف ألمانيا لدرجة لا تعود معها قادرة على تهديد أوروبا من جديد. كما أدى نجاح الثورة الشيوعية في روسيا إلى اعتزالها المسرح الأوروبي مؤقتاً وانشغالها بأمورها الداخلية. أما بريطانيا فلم تكن تعتبر نفسها دولة أوروبية إلا عند اختلال ميزان القوى ونشوب حرب أو التحضير لحرب ستنشب، لذلك ما أن انتهت الحرب حتى عادت لممارسة دورها العالمي. ولم يكن لإيطالية أهمية.

لم يبق على المسرح الأوروبي إلا فرنسا وألمانيا ودويلات جرى إيجادها في شرق أوروبا وفي البلقان. ولما كان قد جرى إضعاف ألمانيا فلم يبق عملياً إلا فرنسا. وعملاً بسياسة توازن القوى فإن الوضع كان يقتضي زيادة قوة ألمانيا لموازنة فرنسا، فأصبحت السياسة على المسرح الأوروبي بعد الحرب استمراراً للسياسة قبل الحرب. وقد تولت بريطانيا رعاية تسهيل عودة القوة الألمانية. ولما استقرّت الأمور لروسيا الشيوعية وأصبحت تعرف باسم الاتحاد السوفياتي، فإنها كدولة مبدئية تعمل على نشر مبدئها، أخذت تتربص بالمسرح الأوروبي من خارجة، أي من غير أن تشارك في نشاطه السياسي. وكما كان حال بريطانيا مع روسيا القيصرية أصبح حالها مع روسيا الشيوعية أي مع الاتحاد السوفياتي الذي كانت تعتبره بريطانيا خطراً على أوروبا كلها، فأخذت تدفع بألمانيا على سلم بناء القوة العسكرية طوراً وتغض النظر عن صعودها ذاتياً عليه طوراً آخر على أمل أن تكون ألمانيا الصخرة التي تتحكم عليها الشيوعية ودولتها الاتحاد السوفياتي، أي كانت تريد أن يندفع زخم القوة الألمانية لإنهاء الشيوعية ودولتها. لكن ألمانيا هتلر لم تختلف عن ألمانيا ولهلم الثاني. وكما أخطأت بريطانيا التقدير قبل الحرب العالمية الأولى أخطأت بريطانيا التقدير بعدها. فأخذت ألمانيا هتلر تكرر ما طلبه ولهلم الثاني وهو مقاسمة بريطانيا النفوذ. ولما لم تخضع بريطانيا لهتلر كما لم تخضع لولهلم قام هتلر باستعمال القوة لفرض سيطرته على أوروبا.

فانفجرت الحرب العالمية الثانية بعد عقدين من الحرب العالمية الأولى. وكما لم تستطع أوروبا في الحرب العالمية الأولى هزيمة ألمانيا إلا بعد تدخل الولايات المتحدة معها وإلى جانبها، فإنها كذلك لم تستطع هزيمة ألمانيا هتلر في الحرب العالمية الثانية إلا بعد تدخل مكثف وطويل من قبل الولايات المتحدة.

مسرح الشرق الأقصى:

كانت الصين الدولة المركزية العظمى في الشرق الأقصى لمدة ألفي عام. فكانت دولة إقليمية يقدم لها جيرانها الولاء الاسمي. أخذ الضعف يعتري دولة الصين منذ بداية القرن السادس عشر مما أغرى جارتها الناشئة روسيا بقضم مساحات واسعة من الصين خلال ما يزيد على قرنين من الزمن.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر أخذت الدول الأوروبية تتوجه باستعمارها صوب الصين. وقد دشنت بريطانيا هذا التوجه بحرب الأفيون سنة 1840 ـ 1842 مع الصين وانتزعت على أثرها من الصين موانئها الخمسة كمناطق امتياز وإقامة خلافاً للقانون الصيني. ثم تقاطرت الدول الأوروبية تقتطع من الصين ما شاءت من مناطق امتياز وإقامة، وأصبح الصراع بينها في الربع الأخير من القرن امتداد لصراعها على المسرح الأوروبي ومسرح الشرق الأدنى. وكما في الدولة العثمانية، اعتبرت روسيا نفسها الوارث الوحيد للصين وأخذت سنة 1894 بمد خط حديد سيبريا باتجاه الصين.

برز على مسرح الشرق الأقصى عاملان جديدان، أولهما: أن اليابان، وقد برزت كقوة إقليمية كبرى كان من الطبيعي أن تجعل من الصين مجالاً حيوياً لها، وكان من الطبيعي أن يكون صدامها الرئيسي بروسيا. ابتدأت اليابان حروبها الكبرى مع الصين سنة 1894، لتسبق روسيا، فيما سمى بالحرب الكورية الأولى، وانتزعت من الصين مساحات واسعة. لكن الدول الأوروبية تكالبت على اليابان وحرمتها من معظم غنائمها.. وفي سنة 1904 هزمت اليابان روسيا في بورت آرثر هزيمة منكرة. وتوالت اعتداءات اليابان على الصين. وفي سنة 1934 أعلنت اليابان مبدأ (مونرو ياباني) تعتبر فيه الصين مسؤولية يابانية، وأن أمن الصين مسؤولية يابانية. وفي سنة 1937 بدأت حربها الواسعة مع الصين من غير إعلان حرب، واستمرت هذه الحرب إبان الحرب العالمية الثانية احتلت فيها اليابان معظم مناطق الشرق الأقصى.

والعامل الثاني: نشاط الولايات المتحدة على المسرح الصيني. كانت الولايات المتحدة ترى أن الخطر سيتهددها إذا سيطرت دولة واحدة على أوروبا فجمعت بذلك من القوة ما يمكنها من غزو أميركا، شأنها في ذلك شأن بريطانيا، لذلك تدخلت في حربين عالميتين لمنع ألمانيا من السيطرة على أوروبا بعد أن أبدت أوروبا عجزها. كما كانت ترى أن الخطر سيتهددها عبر المحيط الهادي إذا تمكنت دولة من السيطرة على الشرق الأقصى وبخاصة الصين مما يوفر لتلك الدولة قوة تمكنها من غزو أميركا. لذلك كانت أميركا تنظر بقلق لتكالب الدول الكبرى على الصين فنادت سنة 1899 بسياسة الباب المفتوح في الصين، أي التخلّي عن سياسة الامتيازات واتباع سياسة التجارة الحرة. وكانت كلما هدد الصين خطر فعلي من اليابان تقدت الولايات المتحدة بمساعيها الحميدة لإنقاذ الصين. وفي سنة 1935 سنّ الكونغرس الأميركي قانون الحياد الذي يخوّل الرئيس فرض حظر على المواد العسكرية للدول المتحاربة. ولما قامت اليابان سنة 1937 بحربها غير المعلنة ع الصين، بقيت أميركا تقدم المساعدات العسكرية للصين، وبقيت قوات أسطولها في الموانئ الصينية بحجة أن ما كان يجري ليس حرباً معلنة. ولما نشبت الحرب العالمية الثانية واختارت اليابان مناطق النفوذ الغربية مسرحاً لحربها سعياً وراء المواد الخام، قامت أميركا بفرض حظر تجاري كامل على اليابان. وقد احتلت اليابان معظم الشرق الأقصى، وضربت الأسطول الأميركي في بيرل هاربر مما أدخل الولايات المتحدة في حرب مع اليابان، انتهت بهزيمة اليابان المنكرة أثر ضرب أميركا لها بالقنابل الذرية.

الأعراف والتقاليد الأميركية
لما كانت الأعراف والتقاليد السياسية لأية دولة هي النبع الذي تنبع منه سياستها العامة، أي تشكل الخطوط العريضة لتوجهاتها السياسية كان لا بد من عرض للأعراف والتقاليد السياسية في أميركا للحكم على توجهاتها السياسية خاصة بعد خروجها من عزلتها لتتربع على عرش الدولة الأولى في العالم من غير منازع أو مؤثر.

ولما كانت الأعراف والتقاليد السياسية الأميركية في معظمها أو في بعضها انعكاساً لأعراف وتقاليد الشعب الأميركي، أو لمّا كان الشعب الأميركي ذا أثر على سياسات حكوماته، فإنه يحسن معرفة تلك الأعراف والتقاليد ذات الصلة بالجوانب السياسية.

أ- أعراف وتقاليد الشعب الأميركي:

أخذت أعراف وتقاليد الشعب الأميركي تتشكل مع بداية تشكل ذلك الشعب. كان جلّ المهاجرين الأوائل من الطبقة الوسطى، من حالم بثراء، أو هارب من ظلم، أو فارٍّ بدين أو معتقد ينشدون الحرية بعيداً عن ظلم الدول الأوروبية وتعسفها، فكانت الحرية أولى هذه الأعراف والتقاليد.

ولما خلا الشعب الأميركي من نظم الإقطاع، فقد خلا من الطبقة الأرستقراطية، كما لم تتشكل طبقة من العمال ثورية لأن الرخاء في مجتمع الوفرة كان يصل إلى هذه الطبقة قبل أن يتحول التذمر إلى سخط وثورة، فسمي المجتمع الأميركي بمجتمع المساواة والفرص. ومن هنا خلا المجتمع الأميركي من الطبقية، فكانت المساواة والشعور بالمساواة من أهم الأعراف والتقاليد.

وفي القرن الثامن عشر تبنّى الشعب الأميركي الديمقراطية، وقام بثورته على أساسها من أجلها، فكان شعار الثورة «لا ضريبة بدون تمثيل». ولما كان الشعب الأميركي قد انتزع حريته واستقلاله من الدول الأوروبية المستعمرة التي تقوم على الظلم والاستبداد وكبت الحريات، والصراع الدموي فيما بينها، فقد أقام العديد من أعرافه وتقاليده على نقيض الدول الأوروبية وتوجهاتها. فلما أقام وحدته على الخوف من تلك الدول وجعل شعاره محاربة الاستعمار ليس في أميركا وحب وإنما في كل مكان، فقد جعل الحرية والديمقراطية رسالة له ينشرها في كل مكان، وجعل من نفسه المثال الذي يحتذى به. كما أوجد لنفسه فلسفة تقوم عليها عزلة أميركا عن تلك الدول. فباستقلال أميركا عن تلك الدول تكون قد قطعت كل علاقة لها بها لتنصرف إلى التركيز على السياسة الداخلية وتنمية الثروات والحفاظ على الحريات. ومَقَتَ في الدول الأوروبية سياسة القوة فرأى عدم استعمالها إلا من أجل الغايات النبيلة كرفع الظلم والاستبداد ونشر الحرية والديمقراطية، ورأى في حرية التجارة البلسم الشافي ليس في العلاقات الداخلية فقط وإنما أيضاً في العلاقات الدولية. كما رأى ن نمو لدولة وسلطانها إنما يكون على حساب الحريات الفردية، لذلك رأى حصر السلطان الدولة في أضيق الحدود، وتوزيع صلاحياتها لتكون الحريات السياسية والاقتصادية في أعلى مستوياتها. أي كما قال أحد فلاسفة أميركا «إن التنكّر لوجود أوروبا هو مبرر وجود أميركا».

ولما خلا الشعب الأميركي من الطبقات، فقد وجدت عنده وحدة القيم، ووجد عنده تحسس من كل خروج على قيم الشعب الأميركي وطريقة العيش الأميركية. فأصبح كالقِدْر الذي تصهر به المعادن، يصهر جميع المِلَل والنِحَل والولاءات في كلٍّ متجانس(1) هو الولاء لأميركا ولطريقة العيش الأميركية، وجعل من كل من يخرج على تلك القيم خائناً. ومن هنا انعدمت الأحزاب في أميركا إلا من الأحزاب الانتخابية.

ومن منطلق إيمانه بالرأسمالية والحرية الاقتصادية بنى الشعب الأميركي نظرته للإنسان، فجعل قيمة الإنسان بقدر ما يملك من المال. فأهمية الإنسان ومركزه الاجتماعي إنما تكون بقدر ما يحقق من نجاح اقتصادي وجمع للثورة. فالمال رمز القوة والنفوذ. وقد أوجدت هذه النظرة، مع توفر الرخاء، النهم في الاستهلاك والجشع في التملك.

يفرّق الشعب الأميركي بين السلم والحرب بشكل واضح فيضع بينهما حداً فاصلاً. فعندما يسود الوئام العلاقات الدولية فإن استعمال القوة يعتبر شاذاً. وهو لا يلتفت وقت السلم إلى القضايا الخارجية لأن في ذلك تحويلاً للناس عن اهتماماتهم المادية وقلباً لسلم القيم الاجتماعية. لذلك فهو لا يولي وجهه شطر الخارج إلا مكرهاً، وعندما يثار إثارة لا يمكن تجاهلها. فإذا أثيرت أميركا فإن عليها، في رأيه، أن تستعمل قوّتها التي تقوم على القواعد الأخلاقية. فالحملات العسكرية الأميركية هي من أجل الديمقراطية ولإزالة العدو اللاأخلاقي. لذلك فإنه لا يقبل بأقل من اجتثاثه اجتثاثاً تاماً وبأسرع ما يمكن. ومن هنا كانت حروب أميركا حروباً شاملة يسار فيها حسب مقتضيات الخطط العسكرية دون إدخال أي اعتبارات سياسية، لإحراز النصر الحاسم بأسرع وقت ليعود التركيز على الدور الطبيعي للدولة وهو الشؤون الداخلية.

ب- الأعراف والتقاليد السياسية:

تمثل بعض الأعراف والتقاليد السياسية الأميركية تجسيداً لجشع أميركا وغطرستها وتسلطها، ومنها قهر العدو وإخضاعه إخضاعاً تاماً، وديكتاتورية القيادة والانفراد في الهيمنة، ولاستئثار بالغنيمة. لذلك كان قبولها بمشاركة غيرها لها سياسة مرحلية، تمليها اعتبارات مؤقتة.

ومن هذه الأعراف سياسة القوة واستعراض العضلات. وليس أدل على ذلك من سياسة الجزرة والعصا التي اشتهرت بها السياسة الأميركية والتي تعني جر الخصم إلى اتفاق بتحقيق مصلحة له، فإن لم يستجب استعملت القوة ضده لتهديد ودوده أو وجود مصالحه. ومثلها ديبلوماسية العصا الغليظة، وأحمل عصا غليظة وتكلّم بصوت منخفض.

وإطلاق صفة العزلة على السياسة الأميركية قبل الحرب العالمية الثانية هو من قبيل التجاوز. فلم تكن العزلة تعني الركود بخمول وإنما عدم الانحياز. فقد رأى ساسة أميركا من وجهة نظر ذرائعية أن تعتزل دولتهم الغنية الدول الأوروبية وتحالفاتها، وصراعاتها لما قد يجرّه عليها هذا التحالف من ويلات. فرأوا ترك الدول الأوروبية يضعف بعضها بعضاً بينما تنصرف أميركا لبناء قوتها العسكرية والاقتصادية، وتركيز سيطرتها على القارة أولاً ثم في نصف الكرة الغربي خطوة خطوة.

أميركا دولة استعمارية. ولكن لحساسية الشعب الأميركي تجاه هذه السياسة لما عاناه من الاستعمار، فقد ابتكر ساسة أميركا طريقة جديدة في الاستعمار تقوم على ربط الدولة المستعمَرة سياسياً واقتصادياً بأميركا دون الاحتلال العسكري باستثناء القواعد العسكرية.

بنت أميركا اقتصادها خلف أبواب مقلة. ولما شبّ وترعرع هذا الاقتصاد وتطلّع للخروج إلى العالم فوجده مناطق مقفلة وإمبراطوريات أوروبية نادت أميركا بحرية التجارة وجعلت منها سياسة رسمية لفتح الإمبراطوريات الأوروبية أمام الاقتصاد الأميركي

أميركا والعالم

أدت الحرب العالمية الثانية إلى تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة. فقد تمخضت هذه الحرب عن بروز دولتين عظيمتين هما أميركا والاتحاد السوفياتي، وضعف دولتين هما بريطانيا وفرنسا، واضمحلال دولتين هما ألمانيا وإيطاليا. هذا بالإضافة إلى الدمار الشامل الذي لحق بأوروبا. وفي الشرق الأقصى فقد أدت الحرب إلى تدمير اليابان بعد ضرب هيروشيما ونجازاكي بالقنابل الذرية الأميركية واستسلام الجيش الياباني في كل مكان. وقد دفع تحرير الصين من الاحتلال الياباني وما تلا ذلك من أعمال إلى وضع الثورة الشيوعية الصينية على طريق النجاح والنصر. وتسنّمت أميركا الهرم الدولي فتربعت على عرش الدولة الأولى في العالم من غير منازع، شأنها في ذلك شأن بريطانيا بعد 1815.

وإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد هزّت ميزان القوى في أوروبا، فإن الحرب العالمية الثانية قد هدمته بالكامل وأخرجت مركز الثقل الدولي خارج أوروبا. وبهذا يكون قد هدم النظام الدولي الذي قامت الحرب من أجل الحفاظ عليه، وكان على أميركا، بعد أن أصبحت الدولة الأولى في العالم، أن تتقدم بوجهة نظرها لبناء نظام دولي جديد.

خرجت أميركا من عزلتها كما تخرج الحشرة من شرنقتها بعد أن يكون قد اكتمل نموّها وتمّ نضجها. وكانت في بناء قدراتها ككرة الجليد المتدحرجة من عليٍ، كلما تحركت كبرت حجماً وازدادت زخماً وقوة. ففي سنة 1890 توقف الحدّ المتحرك غرباً على شواطئ المحيط الهادي. ومع نهاية القرن التاسع عشر كانت قد أنشأت قوة عسكرية كبيرة وأسطولاً بحرياً قوياً، وبنت اقتصادها على أساس متين، فشنّت سنة 1898 آخر حروبها في نصف الكرة الغربي عندما انتصرت في تلك الحروب على أسبانيا، فجعلت من كوبا محمية لها واحتلت الفلبّين والجزر الواقعة على الطريق إلهيا مثل هاواي وغوام، واتخذت من الفلبين قاعدة للانطلاق صوب آسيا عندما تحين الفرصة.

وعندما حصل في الحرب العالمية الأولى توازن في القوى بين ألمانيا والحلفاء وتحوّلت الحرب إلى حرب خنادق، دخلت أميركا الحرب إلى جانب الحلفاء فرجحت كفتهم واستسلمت ألمانيا.

وبعد الحرب العالمية الأولى، وبعد أن أكملت أميركا هيمنتها على نصف الكرة الغربي، بدأت تناوش الدول الكبرى، فألزمت بريطانيا في مؤتمر واشنطن للدول البحرية سنة 1912 بالاعتراف بمساواة الأسطول الأميركي للأسطول البريطاني، كما ألزمتها بإلغاء حلفها (البحري) مع اليابان المعقود سنة 1904 والذي كان قد مهّد لانتصار اليابان على روسيا في ذلك العام. وليس أدل على وزن أميركا في الميزان الدولي عند ئذ مما قيل أثناء مناقشة مجلس الوزراء البريطاني لإلغاء حلف بريطانيا البحري مع اليابان، فقد قال تشرشل: «ليس ثمة سياسة أكثر قتلاً من تحالف بريطانيا مع اليابان ضد أميركا»، فرد رئيس الوزراء لويد جورج قائلاً: «ثم سياسة أكثر قتلاً، وهي أن تكون بريطانيا تحت رحمة أميركا. فإذا اعتمدت الإمبراطورية البريطانية على أميركا فقد فقدت بريطانيا إمبراطوريتها». فقد قدّر تشرشل قوة أميركا بينما قدّر لويد جورج أطماعها في الإمبراطورية البريطانية وفي العالم.

أميركا والنظام الدولي:

ما أن بنت أميركا قوّتها، وأحكمت قبضتها على نصف الكرة الغربي، وأخذت تتطلع للعالم، حتى أخذ رؤساؤها في إبداء وجهة نظرهم في النظام الدولي. فقد ندد الرئيس ويلسون بمبدأ توازن القوى، ونادى بعائلة دولية واحدة جُسِّدت بعد الحرب العالمية الأولى في عصبة الأمم. لكن عودة أميركا بعد الحرب لعزلتها لأسباب داخلية، وتنافس الدول الكبرى جعل من عصبة الأمم منبر خطابة وحسب، وبقي توازن القوى السياسة الدولية السائدة. كما ندّد الرئيس روزفلت بعده بسياسة توازن القوى واعتبرها سبب الحروب وأخذ ينادي لعالم واحد يتجسد في منظمة دولية تضمن الأمن للجميع، ولمنع الحروب وتنشر العدل.

وإذا دققنا النظر في سياسة توازن القوى نجد أنها لا تسبب الحروب ولا يمكن أن تكون كذلك، لأن حشد القوى في وجه الدولة أو الدول التي تنوي العدوان يردعها عن تنفيذه إلا أنْ تغلب عليها أحلامها ويتحكم فيها غرورها. فجشع الدول الكبرى هو الذي سبب ويسبب الحروب. وسياسة توازن القوى إن لم تمنع الحروب فإنها تقلّل منها. وإذا استعرضنا تاريخ أوروبا نجد أن أحلام جميع الدول الطامعة في السيطرة على أوروبا وبالتالي على العالم قد تبخّرت على أبواب توازن القوى، وأن توازن القوى قد أوجد السلام في أوروبا لمدة قرن من انتهاء الحروب النابليونية وحتى الحرب العالمية الأولى. أما إن انفجرت حرب فعلاً فإنها غالباً ما تكون حرباً واسعة.

وإذا دققنا النظر في أحوال أميركا وأعرافها وسياستها، وفي الوضع الدولي لدى صدور تصريحات الرؤساء المذكورين، نجد أن أسباباً أخرى وراء سياسة أميركا هذه. كانت أميركا ترى أن الخطر سيتهددها إذا تمكنت دولة أو تحالف دول من السيطرة على أوروبا أو حتى منطقة المحيط الهادي وبخاصة الصين، مما يمكن تلك الدولة أو ذلك التحالف من حشد قوة تمكّن من غزو أميركا، وبخاصة بعد أن ابتدع بسمارك سياسة الأحلاف بعيدة المدى. لذلك كانت أميركا تتدخل لمنع ذلك وللإبقاء على توازن القوى أو منع الأحلاف التي يمكن أن تؤدي لهذا. ومن هذا المنطلق أصرّت أميركا سنة 1921 على إلغاء الحلف البحري بين بريطانيا واليابان في الشرق الأقصى.

ومع مطلع القرن العشرين أخذت أميركا تيمّم وجهها شطر العالم، وكانت ترى من نفسها الدولة الأقوى أو أنها في طريقها لأن تصبح الدول الأقوى. ومعلوم أن الدولة المتفوّقة في القوة تجني ثمار تفوّقها في العائلة الدولية أو في التفرّد الدولي لأنها تبقى الأقوى بين أقوياء، لكنها تفقد ميزة تفوّقها في التوازنات الدولية والأحلاف التي تضع في وجهها تجمعاً من القوى لا قبل لها به. يضاف إلى ذلك أن تقاليد أميركا السياسية تقضي بعدم الدخول في أحلاف مع دول أقوى منها أو تعادلها في القوة، كما تقضي بانفراد أميركا في القيادة وفي الهيمنة. ومن هنا جاءت تنديدات رؤساء أميركا المذكورين بسياسة توازن القوى والمناداة بمنظمة دولية تكون أميركا الأقوى فيها، فتحقق بذلك قيادتها للعالم وزعامتها عليه.

كانت الحرب العالمية الثانية الفرصة الذهبية لروزفلت ليضع وجهة النظر الأميركية هذه موضع التنفيذ. وكان يرى أن نجاح الأمم المتحدة يقتضي تفاهماً خاصاً بين أميركا والاتحاد السوفياتي، لذلك أبدى كرماً زائداً في تعامله مع ستالين في مواضيع تسويات الحرب. يقول المؤرخ البريطاني كالفوكوريسّي في كتابه «الحرب الشاملة»: «لقد كان روزفلت، كويسلون، ينظر بازدراء لقضايا سياسة القوة، وكان يرى أهمية إيجاد منظمة دولية تفرض الانسجام العالمي على النزاعات، ومن أجل هذا فإن التوادد الأميركي السوفياتي مهم. وسيعتمد إنقاذ الآخرين على هذا التفاهم. ووجهة النظر هذه عن النظام الدولي [العالم الواحد القائم على تفاهم الدولتين] ماتت مع موته ولكنها بعثت في عصر الردع النووي».

لم يبد ستالين معارضة للفكرة، لأن ما كان يهمه هو للكاسب على الأرض. ولكن المعارضة جاءت من بريطانيا، فما أن أشرفت الحرب على نهايتها وأخذت أميركا تعمل على إخراج المؤسسات الدولية التي تجسّّد التفوق الأميركي في مكاسب مادية ونفوذ سياسي تحت الحراب الأميركية، حتى أخذ التوتر يظهر في العلاقات الأميركية البريطانية، وأخذت بريطانيا تقف في وجه التوجهات الأميركية. كان تشرشل يرى إقامة تكتلات إقليمية وليس نظاماً دولياً، لذلك أبدى معارضة لبناء مؤسسات دولية تضمن لأميركا الهيمنة السياسية والاقتصادية والمالية، بينما تُبقي التكتلات الإقليمية على الإمبراطوريات، وتبقيها مقفلة في وجه الطامع الجديد، فكتب إلى وزير خارجيته إبيرن يقول: «يجب عليك أن تبين أنه ليس لدينا فكرة عن ثلاث أو أربع دول تحكم العالم. وعلى العكس، فإن انتصار هذه الدول يؤهلها لخدمة العالم في المجال الأكثر أهمية، وهو منع نشوب حرب جديدة. ونحن من جانبنا غير مستعدين للخضوع لنظام اقتصادي ومالي ونقدي تضعه دول أخرى مثل روسيا أو أميركا وتابعتها الصين». ومع أن احتلال ألمانيا لفرنسا أخرجها من المسرح الدولي فلم يشارك أي من ساستها في المباحثات التمهيدية التي أجراها روزفلت مع حليفيه تشرشل وستالين، فقد وصف ديغول سياسة أميركا في إخراج المنظمات الدولية بقوله: «إنها الرغبة في التحكم والسيطرة في ثياب المثالية».

كان إخراج المؤسسات الاقتصادية أكثر تعقيداً من غيرها، ذلك أن الاقتصاد الأميركي كان قد شبّ وترعرع وتضخّم في وقت مبكّر. ولما حاول الوصول إلى الأسواق العالمية ومصادر المواد الخام تجارة واستثمار وجد العالم مناطق مقفلة على شكل مستعمرات ومناطق احتكار وامتياز للدول الأوروبية. حاولت أميركا فتح تلك التكتلات أمام اقتصادها، فنادت بسياسة الباب المفتوح وبحريّة التجارة ولكنها وجدت آذاناً صماء. ولما نشبت الحرب العالمية الثانية صممت على أن تجعل منها طريقاً لنجاحها. فلما احتلت ألمانيا أوروبا وبقيت بريطانيا وحيدة في الميدان، أصبحت بأمسّ الحاجة لمساعدة أميركا بل ولدخول أميركا الحرب إلى جانبها، فانتزعت أميركا منها في مفاوضات ما سمّى بشرعة الأطلنطي، وفي اتفاقيات الإعارة والتأجير سنة 1942 وعداً بفتح الإمبراطورية البريطانية أمام التجارة الأميركية بل ومنح شعوب تلك الإمبراطورية حق تقرير المصير. يقول الأستاذان في جامعة جون هوبكنز، رولاند وكاليو في كتابهما «أميركا والاقتصاد السياسي العالمي»: «أنهكت الحرب الاقتصاد البريطاني، وكانت أميركا مسؤولة عن ذلك. فوزير خارجيتها كورديل هَلْ بقي مصمماً طيلة فترة الحرب على حل الكتلة البريطانية، واستعمل اتفاق الإعارة والتأجير بمهارة لإنزال بريطانيا إلى مرتبة التابع المالي، فجعل سياسة أميركا في ذلك الاتفاق تقوم على الإبقاء على احتياطي بريطانيا 600 مليون دولار وبليون دولار».

كانت حرية التجارة وحرية تحويل العملات ترتبط ارتباطاً مباشراً بفكرة الإمبراطوريات وبالإمبراطوريات فعلاً. ولما كانت الدول الأوروبية تتمتع في الكتل الاقتصادية والتجارية والنقدية بالأفضلية، فكانت تكسبها القوة وتكسبها النفوذ على المسرح الدولي، وجدت أن فتحها أمام اقتصاد أميركا الهائل والجشع سيفقدها تلك الإمبراطوريات. لذلك ما أن شرعت أميركا في إخراج المؤسسات الدولية الاقتصادية، والتجارية والنقدية حتى أظهرت الدول الأوروبية مواقف أكثر تصلباً. بحجة حاجتها لمزيد من الوقت لإعادة بناء اقتصادها الذي دمرته الحرب، فتنكر تشرشل لوعوده التي أعطاها لأميركا واعتبرها غير ملزمة له، واعتبر طلب أميركا من باب النصح والوعظ.

ولكن لما كان الاقتصاد عصب قوة الدول، وكان النقد مركز الاقتصاد وأداة استقراره، أصرّت أميركا على إخراج المؤسسات التجارية والنقدية لتضمن الهيمنة في كل شيء. وقد قال وزير الخزانة الأميركي لمجلس النواب الأميركي: «إن الدعم للأمم المتحدة يعني الدعم لصندوق النقد الدولي، فالأمن ومؤسسات النقد يكمل أحدهما الآخر كنصلي مقص»، ولما ألغت أميركا في حزيران سنة 1945 اتفاقات الإعارة والتأجير مع جميع حلفائها في الحرب، نضب احتياطي بريطانيا فأرسلت وقداً لأميركا للحصول على مساعدات عاجلة تقدر بمبلغ 6,6 بليون دولار. لكن أميركا تلكأت فلم توافق إلا بعد أن قام تشرشل سنة 1946 بجولته المشهورة في أميركا التي ألقى فيها خُطباً استعدى فيها أميركا حكومة وشعباً على الاتحاد السوفياتي. وافقت بعدها أميركا على تقديم قرض بمبلغ 3,75 بليون دولار مقبل شروط صعبة منها أن تقبل بريطانيا بتحويل حر للجنية الإسترليني اعتباراً من سنة 1947. لكن ما أن سمحت بريطانيا بتحويل الجنية حتى أخذ اقتصادها في الانهيار مما اضطرها إلى تخفيضه وإيقاف تحويله وإلى الإبقاء على منطقة الإسترليني حتى سنة 1958 عندما بدأت حرية تحويل العملات الأوروبية جميعاً، مع أن اتفاقيات «بريتون وودر» للمؤسسات المالية والنقدية كانت قد وقعت في تموز سنة 1946. كما أدت المفاوضات المتعثرة حول حرية التجارة عامي 47 ـ 48 إلى إيجاد منظمة الجات GATT أو الاتفاق العام على التعرفة الجمركية والتجارة، وكان نجاح أميركا فيها جزئياً.

وقد امتنع ستالين عن المشاركة في المؤسسات الاقتصادية والمالية لأنها تشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول، ولإبعاد دول أوروبا الشرقية عن تدخلات الدول الغربية، مما أبقى هذه المؤسسات حكراً على الدول غير الشيوعية.

وهكذا أخرجت أميركا بالإكراه الأمم المتحدة إلى الوجود، فوقع ميثاق الأمم المتحدة في حزيران سنة 1945، وأنظمة المؤسسات المالية والنقدية في تموز سنة 1946، ومنظمة الجات سنة 1948. وقد جسّدت الأمم المتحدة في مؤسسات دولية تنظّم جميع جوانب العلاقات الدولية، فهناك الجمعية العمومية، ومجلس الأمن، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، وهيئة الإنماء الدولي، والمنظمة الدولية للثقافة والعلوم، والمنظمة الدولية للإنماء الزراعي، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الجات، ومحكمة العدل الدولية، وغيرها، وبإخراج هذه المؤسسات الدولية التي تنظم كل زاوية زوايا العلاقات الدولية، وبسيطرتها عليها تكون أميركا قد نجحت في صياغة نظام دولي يكرّس زعامتها ووجهة نظرها نجاحاً منقطع النظير.

كان من الطبيعي أن يكون النظام الدولي نظاماً أميركياً، نظام الدولة الأقوى، وأن تصبح الشرعة الأميركية الشرعة الدولية. لقد خرجت أميركا من الحرب الدولة الأقوى في العالم. فكانت تحتكر الأسلحة الذرية، وكان مخزونها من الذهب يعادل 70% من مخزون العالم منه فأصبح الدولار الملك المتوّج للعملات العالمية من غير منازع. كانت الأسلحة النووية والدولار رمزي الهيمنة الأميركية وأداتي فرض إرادة أميركا على الحلبة الدولية. وبينما دمّرت الحرب اقتصاد الدول الأخرى بدرجة كبيرة، فهبط مثلاً إنتاج أوروبا 25% فقد نشّطت الحرب الاقتصاد الأميركي فزاد الإنتاج الأميركي بنسبة 50% وأخذ إنتاج أميركا من السلع المصنّعة يعادل 50% من الإنتاج العالمي. وفي عام 1950، وبعد أن أصلح لكثير من دمار الحرب، كان الناتج القومي الأميركي يفوق مجموع الناتج القومي للدول الكبرى الأخرى، فقد كان الناتج القومي للدول الكبرى الأخرى، فقد كان الناتج القومي الأميركي عند ئذ 38 بليون دولار، ودخل الفرد 2536 دولار، وناتج الاتحاد السوفياتتي 126 بليون دولار، ودخل الفرد 699 دولار، وناتج بريطانيا 71 بليون، ودخل الفرد 1393 دولار، وناتج فرنسا 50 بليون دولار ودخل الفرد 1172 دولار، وناتج ألمانيا الغربية 48 بليون دولار، ودخل الفرد 1001 دولار، وناتج اليابان 32 بليون دولار ودخل الفرد 382 دولار، ودخل إيطاليا 29 بليون دولار ودخل الفرد 626 دولار (مقدرة بقيمة الدولار سنة 1964).

وكان من الطبيعي أن يعكس هذا النظام الدولي تفوق أميركا فيترجم هذا التفوق إلى مكاسب مادية ومعنوية ونفوذ سياسي. ولم تكن التعبيرات التي أطلقتها أميركا مثل وحدة المسرح الدولي، ووحدة السوق، وعالمية التجارة، والتداخل الدولي، والاعتماد المتبادل للدول، سوى استعارات للتدخل الأميركي في شؤون الآخرين والهيمنة على مقدرات العالم. وإذا كان البنك الدولي للإنشاء والتعمير لا يمنح القروض، وما أكثر حاجة الدول لها، إلا بشروط أميركا وللمشاريع التي تقرها أميركا، مما يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية وفرضاً لإدارة أميركا على قرارات الدول الأخرى، فإن صندوق النقد الدولي يمثل أداة من أدوات الرياسة الدولية الأميركية للتدخل السافر في شؤون الدول. فنظام الصندوق والأحلاف العسكرية الأميركية وجهين لعملة واحدة هي الاستعمار الأميركي، كما كانت الأسلحة الذرية والدولار وجهين لعملة واحدة هي الهيمنة الأميركية.

يقوم نظام الصندوق الدولي الذي يجسّد النقد الدولي على اتفاقيات ثلاث: 1- سعر الصرف، 2- ميزان المدفوعات، 3- الاحتياطي.

1- سعر الصرف: رفضت أميركا العودة لنظام الذهب، وابتدعت نظاماً يستند سعر الصرف فيه على الذهب. حددت أميركا سعر صرف الدولار بالذهب بواقع 35 دولار للأونصة، وحددت الدول الأخرى أسعار صرف عملاتها بالنسبة للدولار أي منسوبة للدولار. وبينما يبقى سعر الدولار ثابتاً فقد سمح للعملات الأخرى بالتذبذب بواقع 1% صعوداً وهبوطاً. وتعهدت أميركا بالحفاظ على سعر الدولار ثابتاً بتعهدها ببيع الذهب للبنوك المركزية ومؤسسات النقد الحكومية من أجل النقد وشرائه منها بالسعر المذكور، بينما تعهدت الدول الأخرى بالحفاظ على سعر صرف عملتها ضمن الهامش المحدد ببيع وشراء عملتها في السوق حسب العرض والطلب، مستعملة الدولار في عملياتها تلك. ولما كان سعر عملة الدولة منسوباً بالدولار، وقد يحصل الخلل في السعر من تأثير قيمة عملة الدولة أو قيمة الدولار، فإن محافظة الدولة على سعر صرف عملتها يعني أن تدافع عن عملتها وعن الدولار. كما نص النظام على حرية تحويل العملات، ومنع وضع قيود على ذلك.

2- ميزان المدفوعات: نص النظام على أن تحافظ الدول على تعادل ميزان مدفوعاتها من غير عجز أو فائض لما في العجز أو الفائض من مساس بدول أخرى. وبينما لم يتشدد النظام إزاء الدولة ذات الميزان الفائض لأنه كان يقترض عند ئذ من أميركا، فإنه تشدد إزاء الدولة التي يعاني ميزان مدفوعاتها من عجز، فقد فرض عليها أن تتخذ إجراءات اقتصادية ومالية ونقدية لتصحيح الميزان وأن يفرض عليها الصندوق تلك الإجراءات.

3- الاحتياطي: ينص نظام الصندوق على أن يتكون احتياطي الدول من الذهب والدولار والجنيه الإسترليني الشريك الأصغر للدولار. وهذا إن أبقى على دور للذهب في نظام النقد باعتباره أحد أعمدة الاحتياطي، فإنه في الوقت نفسه ساوى بينه وبين الدولار والجنيه الإسترليني. ولكن ضخامة الاقتصاد الأميركي وسيطرة أميركا الاقتصادية وتعهدها بمبادلة الدولار بالذهب، تجعل من الدولار عملياً العمود الأول من أعمدة الاحتياطي. وتكديس الدولارات في خزائن البنوك المركزية ومؤسسات انقد الحكومية تبيح لأميركا فرصة ذهبية لتجعل من الدولارات المكدسة أداة ضغط على تلك الدول.

ولما كانت مشكلة التجارة الدولية من وجهة نظر أميركا هي في السيولة النقدية، ولما كان الذهب، كما ترى لا يكفي لتوفير السيولة اللازمة بما يتناسب وحجم الاقتصاد العالمي، وحجم النمو السنوي فيه، فقد أسند هذا الدور للدولار. وهذا من شأنه أن يبعد إصدار النقد الأميركي عن الرقابة والمساءلة.

نظام النقد الدولي ودول العالم الثالث
القضاء على الفقر أم القضاء على الفقراء؟!

بقلم: محمد موسى
اعتمدت الولايات المتحدة المساعدات الاقتصادية أداة من أدواتها السياسية. وظاهر هذه السياسة أنها لإيجاد تطور اقتصادي في الفقيرة يحول دون وقوعها فريسة للشيوعية، وحقيقتها أنها للتأثير على قرار تلك الدول، فتربط اقتصادها باقتصاد أميركا وبأميركا ثم تصبح تابعة لها. وقد تطور تلك السياسية مع نهاية الخمسينات من مساعدات لأجل مشاريع إلى مساعدات من أجل برامج تنمية. وعوضاً عن أن تقتصر المساعدات على أميركا، أصبحت تشارك فيها دول ومؤسسات دولية، ومؤسسات مالية خاصة، منفردة ومجتمعة، وأخذ صندوق النقد الدولي يعمل كمستشار لتلك الدول والمؤسسات، يقدم الدراسات عن اقتصاد الدول التي تطلب المساعدات، والمشاريع والبرامج التي تريد المساعدات من أجلها، ويفاوض تلك الدول بإرسال موظفين مؤهلين ومتمرسين ليرى إن كانت تلك الدول مؤهلة للمساعدات، أو يؤهلها إن لم تكن مؤهلة. فيعطيها شهادة حسن سلوك تؤهلها لتلقّي المساعدات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن المساعدات لا تعني المنح، وإنما تعني القروض، والمنح جزء بسيط منها. وتقوم الدولة التي تطلب قرضاً، عادة، بتقديم مشروعها أو برنامجها التنموي إلى الجهة الدائنة لدراسته. ولهذه الجهة أن توافق أو لا توافق حسب نظرتها للمشروع أو البرنامج من وجهة نظرها هي، لا من وجهة نظر الدولة صاحبة المشروع. كما وتشترط الدولة المقرضة في الغالب على الدولة المقترضة أن تقوم الأخيرة بشراء مستلزمات المشروع أو البرنامج من أسواق الدولة المقرضة، وتكون بالطبع بأسعار أعلى من أسعار الأسواق العالمية لانعدام المساومة. وطبيعية أن الدول الصناعية، سعياً منها لاحتكار أسواق العالم الثالث، تعمل على ديمومة ذلك الاحتكار، وعلى عدم استغناء تلك الأسواق عن سلعها، وهذا يقتضي منها تمويل المشاريع غير المنتجة والمشاريع الترفيهية والرمزية الدعائية، بل وأن تشجع الدول النامية على أمثال تلك المشاريع والبرامج، وزرعت في أذهان الدول النامية استحالة التصنيع الثقيل دون المرور بالتصنيع الاستهلاكي، فأقنعتها في دوامة استهلاك لا تستطيع الخروج منها. وقد أصبحت هذه السياسة سياسة لجميع المؤسسات التي تقوم بالإقراض.

وطبيعي أن تتعرض موازين مدفوعات دول فقيرة تعتمد على الاستهلاك المستورد دون الإنتاج إلى مآزق وغلى عجز مزمن. ولحل هذه المشكلة تلجأ إلى صندوق النقد الدولي لتسحب حصتها في احتياطي الصندوق كعجالة تلتقط بها أنفاسها ريثما تتدبر أمرها. وكما جاء في نظام الصندوق فإن أية دولة تستطيع أن تحصل على السحب الأول، سحب الذهب من غير ما مساءلة أو اعتراض من الصندوق. أما القيام بالسحوبات الأربعة الأخرى فيحتاج إلى موافقة الصندوق وتنفيذ شروطه. ولا يعطي الصندوق موافقته إلا بعد دراسة للمأزق أو العجز وما يكتنفه من واقع اقتصادي لذلك البلد، فيرسل خبراءه المتمرسين للتفاوض مع مسؤولي التجارة والمال في تلك الدولة. وغالباً ما يكون أولئك المسؤولين من المضبوعين بالثقافة والحضارة الغربية جراء دراستهم في الدول الغربية مما يسهل عمل الصندوق. قد يكون المأزق أو العجز ناجماً عن عدم قدرة الدولة النامية على سداد ديونها أو حتى دفع الفوائد، وهو ما يسمى بالمأزق، مما يقتضي ديوناً جديدة أو إعادة جدولة الديون القديمة. فتطلب الجهات الدائنة، أو التي يطلب منها الدين، من صندوق النقد الدولي دراسة المشكلة وتقديم رأيه ونصيحته. فيرسل الصندوق موظفيه للتفاوض ليرى إن كان سيصدر شهادة حسن سلوك للدول المعنية لتحصل بموجبها على الدين أو جدولة الديون، أو ليقوم هو بالسماح لها بسحب حصتها في احتياطيه.

وفي العادة لا يقدم الصندوق للدولة تسهيلات لسحب رصيدها منه، ولا يعطيها شهادة حسن سلوك تقدمها للدائنين إلا بعد مفاوضات شاقة، يدفع الصندوق من خلالها الدولة لتبني برنامج إصلاح اقتصادي يتكون عادة من النقاط التالية:

1- حرية التجارة، وحرية تحويل العملات.

2- تخفيض عملة الدولة.

3- برنامج تقشف لمحاربة التضخم، ويشتمل عادة على النقاط التالية.

أ- وضع قيود على الإقراض المحلي، ورفع نسبة الفائدة، وربما أحياناً زيادة رصيد الاحتياطي.

ب- تقليص إنفاق الدولة وزيادة وارداتها، فتزاد الضرائب ورسوم الخدمات وأجور الانتفاع بالمرافق العامة، وقف الدعم للسلع الاستهلاكية، تجميد الأجور لموظفي الدولة.

4- اجتذاب رأس المال الأجنبي للاستثمار بتقديم التسهيلات اللازمة له.

ويمكن للدولة النامية المعنية أن تتبنى البرنامج كلياً أو جزئياً بحيث يؤدي الغاية ذاتها في جميع الأحوال. فإذا لم تتبن بنداً زادت من اعتمادها على بند آخر. فإذا رفضت الدولة مثلاً تخفيض الحواجز الجمركية كما تقتضي حرية التجارة، فإن عليها تخفيض عملتها بنسبة أعلى مما لو أزالت الحواجز الجمركية، أو أن تزيد من الضرائب والرسوم. وبعد التوصل إلى اتفاق، يملي موظفة الصندوق على الدولة النامية نص كتاب يرفع للصندوق تحدد فيه الدولة تعهداتها والتزاماتها حتى يعطيها الصندوق شهادة حسن السلوك. وإذا نكثت الدولة بوعودها أوقفت المساعدات عنها أو تعرضت لعقوبات.

ونظرة سريعة إلى البرنامج تُري أنه يقوم على المبدأ الذي قام عليه الصندوق وهو حرية التجارية، انتقال رأس المال. وهذا المبدأ يؤدي إلى هدم اقتصاد أية دولة نامية تلتزم به، فهو يتجاهل أن الدول الرأسمالية قد بنت اقتصادها خلف أسوار عالية من القيود والضرائب الجمركية، وأنها لم تتبن حرية التجارة إلا بعد أن اطمأنت لقوة اقتصادها، وأنها تعود إلى الحماية كلما هدد اقتصادها خطر. فتنمية الاقتصاد الضعيف لا يكون بفتحه أمام منافسة غير متكافئة مع اقتصاد أقوى منه. لأن المنافسة تكون دائماً لصالح الاقتصاد الأقوى، تماماً كالمصارعة بين خصمين غير متكافئين. وهذه حقيقة يقرها منظروا المبدأ الاقتصادي الحر فيقولون بأن الحماية للصناعات الناشئة ضرورية.

ومن المعلوم بداهة أن آلية حرية السوق تعمل ضد الطرف الأضعف، فمنظرو الاقتصاد الحر والسوق الحر ينظرون إلى الاقتصاد العالمي ككل بغض النظر عن التوزيع، فيقولون بأن حرية السوق تؤدي إلى مزيد من النمو في الاقتصاد العالمي. قد يكون هذا صحيحاً، ولكن القضية المطروحة ليست قضية نمو الاقتصاد العالمي وإنما قضية نمو اقتصاد بلد معين وضع الصندوق البرنامج من أجله. وما دام هذا البلد هو الأضعف في المنافسة فإن الوضع ليس في صالحه. ويقول المنظرون بأن حرية السوق تؤدي إلى التخصص وإلى تكريس التخصص، فتحصل المنفعة من تبادل هذا التخصص في السوق الحرة. قد يكون هذا ومنافستها تتخصص في التصنيع، فإن مبدأ التخصص، وتكريس هذا التخصص، يعني أن يبقى النشاط الاقتصادي للدولة النامية في حدود تصدير المادة الخام، بينما يبقى النشاط الاقتصادي للدولة الصناعية المنافسة في تصدير السلع المصنعة وبالتالي تكريس صناعتها، دون خوف من منافسة. وفي هذا تكريس لفقر فقير يزداد فقراً، وتكريس لغنى يزداد غنى. فإذا نضبت المادة الخام وجد البلد النامي نفسه لا يملك شروى نقير. ومن هنا فإن مجرد تبني الصندوق سياسة حرية التجارة وحرية السوق في تعامله مع الدولة النامية هو عمل لصالح الدول الصناعية ولتحطيم اقتصاد الدول النامية بل وأحياناً أنظمتها.

ومباحثات الصندوق مع الدولة النامية إنما هو لتأهيل تلك الدولة لمزيد من القروض الخارجية، فهو يزين لها الاقتراض ويؤهلها بدل أن يدفعها إلى مزيد من التنمية والتصنيع والإنتاج. هذا هو ما أتى الصندوق من أجله. فإن لم يجدها مؤهلة أهلها وإن تلكأت أغواها ودفعها أو هددها.

هذا من حيث الأساس الذي يقوم عليه البرنامج، أما من حيث مفردات البرنامج:

1- حرية التجارية وحرية صرف العملات تعني رفع جميع القيود عن الاستيراد، وبالتالي إغراق السوق المحلية بالبضائع المستوردة، فتفقد الصناعات المحلية الناشئة قدرتها على المنافسة وتدفع إلى الإفلاس دفعاً. ولا يقال أن تخفيض عملة الدولة النامية يفقد البضائع المستوردة قدرتها على المنافسة لارتفاع سعرها، فهذا إنما يكون في البلدان الصناعية ذات الصناعات المتشابهة في النوعية والجودة، أما صناعات البلدان النامية فتختلف عن ذلك، لذلك فإن السلع المستوردة لا تجد لها منافساً. كما أن حرية الصرف ستؤدي حتماً إلى نضوب خزينة الدولة المتهاوية أصلاً، من احتياطيها من الذهب والعملات الأجنبية فتسير الدولة نحو الإفلاس.

2- تخفيض العملة: تخفيض العملة يؤدي إلى تشجيع الصادرات لأن سلعة البلد تميل إلى الانخفاض مقابل العملات الأخرى. ولما كان لا يوجد لدى الدولة النامية ما تصدره سوى المادة الخام والمنتوجات الزراعية فإن هذا سيؤدي إلى تصدير مزيد من كميات المواد الخام والمنتوجات الزراعية إلى البلدان الصناعية ولكن بأسعار أقل، مما يبقى على نفس الدخل السابق ولا يتناسب مع الكميات المصدرة. أي إهدار ثروة البلد بأرخص الأثمان للدول الصناعية. ويلاحظ أن صندوق النقد الدولي يلجأ إلى هذا الطلب مع أن قوانينه تقضي بعدم تخفيض العملات، ولا بطلبه، ولا حتى بإعطاء المشورة للقيام به، فسياسة الصندوق العامة هي معارضة التخفيض، وإحدى أهم مسؤولياته الحفاظ على ثبات أسعار العملات.

3- أما برنامج التقشف فهو ذو أبعاد خطيرة، وآثاره متناقضة. فرفع نسبة الفائدة على القروض المحلية، ووضع القيود على تلك القروض يؤدي إلى انكماش اقتصادي، فيعرقل التنمية ويوجد المتاعب للصناعات المحلية، ويضاعف من فرصة إفلاسها. وبلد نام كهذا لا يعاني بالتأكيد من نسبة نمو عالية، ولا من نشاط اقتصادي أعلى من اللازم حتى يدفع إلى الانكماش، فهو منكمش أصلاً، وهذه السياسة ستؤدي به إلى العدم.

أما تقليص الإنفاق وتجميد الأجور فإنه يضع أعباء جديدة على كاهل المواطن، وتتضاعف هذه الأعباء بزيادة الضرائب ورسوم مؤسسات الدولة وأجور الخدمات العامة، وإيقاف دعم السلع الاستهلاكية. فبرنامج محاربة التضخم هذا إنما هو لتأجيج الثورة في البلد، فقد قامت ثورات فعلاً بل وثورات عديدة في أقطار العالم الثالث. فحيثما يحل موظفو صندوق النقد تعم الاضطرابات. وقد لا يكون البلد يعاني أصلاً من تضخم حتى يكافح، بل أن البرنامج من شأنه أن يوجد التضخم أو يزيده استعاراً، لأن التصدير سيمتد إلى تصدير المنتوجات الزراعية والمواد الاستهلاكية مما يوجد ندرة فيها فترتفع. ونظراً لاتساع تأثيرات هذا البند فإن صرامة الإجراءات التي يتخذها صندوق النقد تختلف من دولة لأخرى. فصرامة الإجراءات مع دولة عميلة لأميركا أقل من صرامتها مع دولة تعاديها. بل أكثر من ذلك، فإن أرادت أميركا قلب نظام حكم في بلد معادٍ هيأت الظروف لتدخِل الصندوق.

4- أما المستثمرون أصحاب رأس المال الأجنبي فهم أعداء داخل حصون البلد وأداة من أدوات إفلاسه وهدمه. فبأموالهم يشترون ذمم كبار رجال الدولة للوقوف إلى جانبهم وجانب دولهم، وبأموالهم يهدمون الدولة. فهم من جهة يعملون على ضرب الصناعات المحلية، ومن جهة أخرى يخرجون الأرباح بطرق مشروعة وغير مشروعة مما يضيف أعباء جدية على ميزان المدفوعات. فإذا وضعت الدولة قيوداً على إخراج المال تحايلوا على إخراجه فأخرجوه عن طريق زيادة كبيرة في أسعار مواد يعتبرونها أساسية لصناعاتهم يستوردونها من الشركة الأم أو فروعها الأخرى.

«وقد أجرى البنك الدولي دراسته على اقتصاد خمسين دولة نامية في سنة 1991 يتبنى نصفها برامج صندوق النقد الدولي، فوجد أن الدول التي لم تتبن برامج الصندوق حققت نمواً اقتصادياً خلال ذلك العام، بينما لم يحقق أي من الدول التي تبنت برامج الصندوق شيئاً من النمو الاقتصادي».

مصيدة الديون:

تغري الدول الصناعية دول العالم الثالث بطلب القروض بل وتجبرها أحياناً كما كانت تفعل أميركا في الخمسينات. وتستعمل الدول المستدينة تلك القروض إما لتمويل مستورداتها من السلع الاستهلاكية سواء من الدولة المقرضة أو من غيرها، أو تستعملها البنية التحتية غير الإنتاجية، ومن أجل هذا تعطي الدول الصناعية عادة القروض، وعندما يحين موعد السداد تلجأ الدولة إلى البحث عن مزيد من القروض أو إلى جدولة الديون الحالية، فتزداد الأقساط وتزداد الفوائد أي ما يسمى بخدمة الدين لأنهم في النظام الرأسمالي يعتبرون الفوائد من الخدمات، حتى تجد الدولة نفسها عاجزة حتى عن سداد الفوائد منفردة. يتدخل صندوق النقد الدولي ببرامجه المعتادة، فيقضي على كل أمل في قدرة الدولة على السداد، تماماً كالسفينة الذي يُغوى بالاقتراض للحجر على أمواله أو على شيء عزيز، فالدين هو رهن أو بيع لموجودات الدولة للدول الأخرى. وعندما كان الاستعمار في تصاعد كانت الدول الاستعمارية تستعمل الدين ذريعة للاستيلاء على اقتصاد البلد وإدارة ذلك الاقتصاد بنفسها ثم الاستيلاء على البلد نفسه. تستهين الدول النامية بالدين لأنها مفلسة سياسياً، فتسعى إلى الدين في محاولة لإرضاء الناس في فترات عصيبة، فتملأ الأسواق بالسلع التي تمولها بالديون الخارجية، فتتراكم الديون وتفقد الدولة قدرتها على السداد. فتضطر الدولة إما إلى إعلان إفلاسها والتوقف عن سداد الديون، فتعلن الدول الصناعية والمؤسسات الدولية عليها عقوبات اقتصادية وسياسية، وأما إلى أن تقع تحت نفوذ صندوق النقد الدولي فيفقدها حرية قرارها. وبالإجمال توضع هذه الدول وشعوبها في متاهات تلهيها عن التطلع إلى الأمام.

برزت مؤخراً مشكلة دولية تسمى بديون العالم الثالث. ومع أن الدول النامية شرعت في الاستدانة منذ استقلالها، إلا أن الديون ازدادت في العقدين الأخيرين عندما أرادت الدول الأوروبية احتياطه توزيع كميات الدولارات الموجودة في خزائنها، فسهلت القروض لدول العالم الثالث. ويتضح بجلاء عدم قدرة معظم الدول النامية على سداد شيء من ديونها ولا حتى فوائد الديون. والحل هو أن تلغي دول العالم الثالث فوائد الديون بالكامل من طرف واحد، وأن تتوقف عن سداد أصل الدين إلى أن تتمكن من بناء اقتصادها. وإن كانت الدول والمؤسسات الدائنة تتخذ عقوبات في حق الدولة التي تعلن إفلاسها، يساعدها في ذلك تجمعها في نوادٍ وكارتيلات للدائنين، فيمكن للدول المدينة أن تجتمع في نادٍ يسمى بنادي الدول المدينة أو المفلسة فتفاوض الدائنين بصوت واحد.

دأبت الدول الرأسمالية والمؤسسات المالية الرأسمالية على إيجاد تكتلات تقوي من أثرها وإجراءاتها ضد الغير، فهذا تجمع الدائنين، وذاك تجمع المنتجين في حقل كذا، وحتى عندما كانوا في الموقف الضعيف شكلوا تجمعاً سموه تجمع المستهلكين للطاعة جعل من ضعفهم قوة أمام الدول المصدرة للنفط. ولو قدر للدول الضعيفة أن تشكل تكتلاً خالياً من نفوذ الدول الكبرى لأوجدت لنفسها موقفاً قوياً.

تمثل أميركا الدولة المحافظة بالنسبة للنظام الدولي لأن حصتها من العدل النسبي أعلى من غيرها إذ النظام نظامها، والدول الأوروبية تمثل الدول الإصلاحية الداعية إلى تعديله لتزيد نسبتها من العدل النسبي. أما دول العالم الثالث ومعها كثير من دول العالم فلا ناقة لها ولا بعير في النظام الدولي لأنه لم يحقق لها شيئاً من العدل النسبي، بل أن النظام قام على ظلمها، لذلك فإن عليها أن تكون الدول الثورية التي تعمل على قلع النظام من جذوره. إن هذه الدول إن شعرت بعدالة النظام الدولي، فإن شعورها هذا في حقيقته كشعور الثعلب بالعدل وهو يوزع الغنيمة في حكاية الأسد والذئب والثعلب.

الموقف الدولي والنظام الدولي:

عاد العالم غلى ما كان عليه سنة 1945، عاد عالماً واحداً وعائلة دولية واحدة، ولكن تسوده وجهة نظر عن الحياة واحدة هي وجهة النظر الغربية وقيمها ونظامها الرأسمالي بعد أن اندثرت الشيوعية وانهارت أنظمتها. عاد بهيكله الدولي ولكن مع متغيرات في المحتوى، متغيرات في العلاقات الدولية. لقد أضاف العملاق الأميركي إلى زعامته للعائلة الدولية، ومركزه الدولي منها كدولة أولى، تفرداً في السياسة الدولية.

كان الموقف الدولي سنة 1945 وبُعيدها موزعاً بين الدول الأربع الكبرى، الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي، بريطانيا وفرنسا. كان الاتحاد السوفياتي يحرز مشاركته في الموقف الدولي وفي السياسة الدولية بزعامته لمعسكر. وكانت كل من بريطانيا وفرنسا تحرز مشاركتها بقيادة لإمبراطورية عالمية واسعة. ولكن ذلك قد تغير بعد أن تفكك المعسكر وحُلّت الإمبراطوريات، وعادت روسيا وبريطانيا وفرنسا دولاً إقليمية، فانفردت أميركا في السياسة الدولية.

ومع انفراد أميركا حصلت متغيرات في علاقات القوة، فتقلّص فارق القوة بين أميركا والقوى الأخرى. انتهى احتكار أميركا للأسلحة النووية، وبنت دول أخرى مخزونها منها، إما من قبيل المساواة العددية كما هو حال روسيا، أو من قبيل الردع كما هو حال بريطانيا وفرنسا والصين. وقد أبقى هذا التطور على تفوّق بين القوة الأميركية والأهم من هذا، في إرادة استعمالها.

انحدر الاقتصاد الأميركي وإن بقي أكبر اقتصاد منفرد في العالم. فالشعب الأميركي ينتج ليستهلك، ويستهلك أكثر مما ينتج. أعطى كارتر الأولوية لإصلاح الاقتصاد ففشل، وكذلك فعل ريغان. كان أهم إنجاز لريغان في هذا الموضوع هو تقليص التضخم. عمد ريغان إلى رفع نسبة الفائدة إلى مستويات خيالية، فقلص التضخم على حساب النمو الاقتصادي. وكانت إنجازاته الفعلية هي في زيادة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الأميركي، وزيادة التركز في الثروة، وزيادة عدد الفقراء حتى اصبح حوالي 1/5 السكان فقراء.

كانت كل من ألمانيا، واليابان بعد الحرب العالمية ترزح تحت إدارة الحلفاء. ثم أصبحت اليابان عملاقاً اقتصادياً تحقق ناتجاً يعادل نصف الناتج الأميركي أو يزيد، وتحقق فائضاً سنوياً يزيد عن مائة وعشرين بليون دولار. كما أصبحت أكبر دائن في العالم وأكبر مانح للمعونات الدولية. أما ألمانيا فقد أصبحت قوة السوق الأوروبية المشتركة. وأخذت بريطانيا وفرنسا تستعيض عن نفوذها السياسي من خلال الإمبراطوريات، بنفوذها السياسي من خلال الإمبراطوريات، بنفوذها السياسي من خلال المجموعة الأوروبية. وقد أدى هذا إلى أن تعيد اليابان والدول الأوروبية تثبيت أقدامها على المسرح الدولي. ولا عجب في ذلك، فالقوة الاقتصادية عنصر من عناصر قوة الدولة وأداة من أدواتها الفاعلة، تحقق بها الدولة ما تحققه بالقوة العسكرية. أخذت هذه الدول تطالب بإعادة توزيع العدل الدولي وذلك بإصلاح الأمم المتحدة، فطالبت كل من اليابان وألمانيا بمقعد دائم في مجلس الأمن وذلك في دورة الجمعية العمومية لعام 92.

كانت الولايات المتحدة قد جسّدت رؤيتها للنظام الدولي في الأمم المتحدة، فبنت الأمم المتحدة على عين بصيرة لتجعل منها قاعدة ومقراً لقيادتها العالمية. لذلك فإن من الطبيعي أن تقف في وجه الدول الإصلاحية أي التي تدعو لإصلاح الأمم المتحدة طلباً لإعادة توزيع العدل الدولي. فهي دولة محافظة تسعى للوقوف في وجه كل محاولة لإصلاح نظام بنته بنفسها لنفسها. ولم تتوقف المطالبة بالإصلاح على هذه الدول وإنما تعدتها إلى دول عدم الانحياز. فقد طالبت هذه الدول اجتماعها عام 92 في جاكرتا بمقاعد دائمة في مجلس الأمن لدول من دول عدم الانحياز مثل الهند. لذلك فإن عودة العالم عالماً واحداً كما كان عليه الحال سنة 1945 لن يعيد للأمم المتحدة دورها الذي كانت ترجوه الولايات المتحدة من أقامتها. فهذا الدور بدأ يتسرب من بين أصابع الولايات المتحدة وسيزيد التسرب، ولن تفلح محاولات الولايات المتحدة في إيقاف التسرّب، فالعيال كبرت وتريد أدواراً في إدارة البيت الدولي، بل أخذ العيال في ممارسة شيء من هذه الأدوار، ويتفلتون من أميركا.

قد يتراءى للبعض أن تفكك الاتحاد السوفياتي قد جعل من روسيا دولة محلية فحسب، وأن الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي قد سارت على طريق الاستقلال الكامل والانعتاق من القبضة الروسية، وأن روسيا لا تبالي بمصير تلك الدول. وهذا محض وهم إلا أن تنهار روسيا انهياراً تاماً. وتزمع روسيا التي تمتلك قوة الاتحاد السوفياتي العسكرية والاقتصادية على احتلال مركز روسيا القيصرية الإقليمي. فإنه وإن أعطت روسيا الأولوية لما يسمى بالإصلاح الاقتصادي، فعلا صوته على ما سواه، فإنه يجري تحت السطح تركيز النفوذ الروسي في المجال الحيوي. سئل وزير الخارجية الروسي اندريه كوزيريف في مقابلة مع صحيفة لوموند نشرتها بتاريخ 06/07 من حزيران 92، سئل عن مصير الكومونولث وعن مصير علاقة روسيا بالجمهوريات التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي فأجاب:

«أصبحت فكرة مجموعة الدول المستقلة أكثر وضوحاً. فلا يمكن للدول التي نشأت نتيجة تفكك الاتحاد السوفياتي أن تنفصل دون أن تبقي على روابط ما مع روسيا. ولا يزال خط سيرنا كما كان، فنحن على استعداد للتعاون أو الاندماج مع أي من الجمهوريات أو معها جميعها وأن نشارك في أعمال مشتركة. وفي الوقت الحاضر فإنه يبدوا أن هذه الجمهوريات قد بدأت تدرك بشكل واضح موقعها في العالم. والجمهوريات الأوروبية تقع ضمن مجال مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، وأن عملية عودتها لإيجاد روابط أقوى وأمتن مع روسيا قد بدأت. وأنا متأكد من عودتها عاجلاً أم آجلاً. أما الجمهوريات الآسيوية فتنتمي إلى عالم آخر. وإن كان لديها بادئ الأمر بعض الوهم، فقد بدأت تتخلى عن هذه الأوهام أمام الحقائق الآسيوية فأخذت تتحقق أن من الأفضل لها تتوصل إلى حلف عسكري وسياسي مع روسيا يأخذ شكلاً ما. إن العملية مع الدول الأوروبية أكثر صعوبة مما يجعل من الأصوب أن تتكلم عن تعاون يأخذ المشاركة الفردية بطرق مختلفة وليس العودة إلى فكرة الكومونولث. وسيكون كومونولث متعدد الوجوه يستكمل بالاتفاقيات الثنائية وتشكيل مجموعات صغيرة حول مشاريع ذات مصلحة مشتركة».

قد لا يثبت الكومونولث كرابطة اقتصادية على المدى الطويل فتجد بعض دوله روابط اقتصادية بل وثقافية أفضل مع دول أخرى فتنعتق من الكومونولث مما يؤدي إلى انهياره. وانهيار الكومونولث أو انعتاق دول منه لا يعني انعتاق هذه الدول من المجال الحيوي الروسي. وكما يقول وزير الخارجية فإن روسيا ستجد روابط أخرى. وسيكون تحديد المجال الحيوي الروسي موضع خلاف مع أميركا مما يجعل من مخاض ولادته مخاضاً عسيراً وقد يكون مؤلماً.

خاضت الولايات المتحدة صراعاً مع الاتحاد السوفياتي، ولم يكن ذلك الصراع لأن الاتحاد السوفياتي كان دولة مبدئية فحسب، وإنما أيضاً لأنه كان يملك قوة قادرة على تدمير أميركا تدميراً شاملاً ومؤكداً. ولم يتوقف الصراع باحتواء أميركا للشيوعية مما أفقدها أثرها في العالم، بل امتد لاحتواء الاتحاد السوفياتي كقوة عسكرية. فكانت حقيقة الصراع ومحتواه تمثل بمعادلة ناتجها صفر. أي أن يدمر أحد العملاقين الآخر أو كل منهما الآخر. وقد ورثت روسيا قوة الاتحاد السوفياتي العسكرية، ومن المفروض إذن أن ترث أيضاً عداء أميركا. وستستمر أميركا في احتواء القوة الروسية بأشكال مختلفة. إن تخلّي روسيا عن المبدأ الشيوعي، وتحولها للمبدأ الرأسمالي، وتخليها عن الدور العالمي يقلل من أسباب الاحتكاك ولا يقتلعها فوجود هذا الكم من الأسلحة لدى روسيا سبب كافٍ لوجود نوع من الصراع. ومن هنا فإن روسيا تخشى من أن تنضم دول أوروبا الشرقية إلى حلف الأطلسي فتصبح حدود نشاطه على حدود روسيا نفسها.

كانت الصين قد قنعت بمركز الدولة الإقليمية الكبرى. ومع نمو قوتها العسكرية، وزيادة قدراتها الاقتصادية قد تطالب بزيادة دورها العالمي. إن ما يهم الصين في الوقت الحاضر كأولوية هو الإصلاحات الاقتصادية، أي ما أطلق عليه التحديث. وسيبقى دور الصين خارج الأمم المتحدة إقليمياً تعمل فيه الصين على توسيع مجالها الحيوي.

قال الاستراتيجي شونفيلد في محاضراته له من إذاعة لندن عن المتغيرات التي أوجدتها حرب فيتنام «أن تأثير الأسلحة في السياسة الدولية لم يَعُد يتناسب مع حجم هذه الأسلحة». وقال بمثل هذا المحللان الأميركيان جوزف ناي وروبرت كوهن. وإذا كانت قوة الدولة تتمثل في قدرتها على التأثير في قرارات الدول الأخرى، فإن قوة أميركا قد انحدرت كثيراً عما كانت عليه بُعيد الحرب العالمية. وتدليلاً على ذلك أسوق بعض الأمثلة. هددت أميركا بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 بأنها ستفرض على بريطانيا حظراً بترولياً إذا لم تنسحب من منطقة قناة السويس المحتلّة، فقال وزير الخزانة البريطاني: إنه الإفلاس إذن، فأذعنت بريطانيا وانسحبت.

أما في حرب الفوكلاند سنة 1982 فقد اتصل ريغان برئيسه وزراء بريطانيا، تاتشر، يطلب منها أن تعيد القوات البريطانية من عرض البحار، وأنه سيضع الفوكلاند تحت إشراف دولة محايدة حتى تقرر مفاوضات بريطانية ـ أرجنتينية مصيرها، فتعطى لصاحب الحق. فصرخت تاتشر في وجهه على الهاتف قائلة له بأنه لو كان الدم الذي أريق دماً أميركياً لما قبل ريغان بالانسحاب، وأنها لا تجد ما تبرر به الانسحاب للشعب البريطاني، ورفضت طلب ريغان واحتلت القوات البريطانية الفوكلاند. وإذا كان قد كشف عن هذا الاتصال فإن المخفي أعظم.

وكانت ألمانيا لا ترد للولايات المتحدة طلباً. وفي حزيران سنة 1992 رفعت ألمانيا نسبة الفائدة بسبب مقتضيات الاقتصاد الألماني مما أثر على الدولار. فضغطت أميركا على المستشار كول للعودة عن رفع الفائدة فرفض. فبعث رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي. سكوكروفت برسالة خطية إلى المستشار كول يتهمه فيها بنكران الجميل بالرغم من مساهمة أميركا الفعالة في توحيد ألمانيا.

ومواقف اليابان من ضغوط أميركا في الأمور التجارية هي من الكثرة بحيث لا تحتاج إلى تدليل. وقد وصل الحلف الياباني إلى درجة أن وجه رئيس البرلمان الياباني تهمة الكسل والغباء للعمال الأميركيين بمناسبة زيارة الرئيس بوش لليابان في كانون ثاني سنة 1992، مما يعتبر إهانة لأميركا بأسرها. وسياسة فرنسا الرئيسية تتمثل في الوقوف في وجه أميركا في أوروبا. وليس موقف فرنسا في مباحثات الجات سوى مظهر لهذه السياسة.

كان صراع الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كصراع جبّارَيْن في عض الأصابع، فعندما يستسلم أحدهما صارخاً من الألم، فإنه يفعل ذلك بعد أن يكون قد أصاب الآخر بأذى بليغ. هذا هو حال الولايات المتحدة لدى تفكك الاتحاد السوفياتي، انحدار اقتصادي، تمزق في الشعب الأميركي وتشكك في القيم الأميركية وفي القيادات السياسية. والقوة نسبية، فلا تقاس قوة الدولة بمعايير مجردة، وإنما تقاس منسوبة إلى قوة أخرى. وبقياس قوة أميركا منسوبة إلى قوة غيرها تجد أن هذه القوة قد انخفضت اليوم كثيراً عما كانت عليه في السابق. كان مركز الولايات المتحدة في العائلة الدولية سنة 1945 كمركز أب لعيال صِبْيَة، بينما أصبح مركزها اليوم في العائلة الدولية كمركز أب لعيال كبرت، يعتمد في تدبير أمور نفسه على ما يقدمونه له من مساعدات. ومن المتوقع أن يزداد مركز الولايات المتحدة ضعفاً في المستقبل لتوفر أسباب أخرى. ففي الصراع تقتصر الدولة نفسها وقدراتها وطاقاتها من أجل الغلبة، وحجم الصراع يبرز حجم مركز الدولة. وما أن ينتهي الصراع حتى يخبو التحفز وتضعف الطاقات. فالأوراق التي سمحت لقادة أميركا بالحفاظ على مركزها وابتزاز الحفاظ على مركزها أخذت تتفلّت منهم شيئاً فشيئاً، واختفاء الاتحاد السوفياتي كان ولا شك الضربة الأكثر قسوة. وسيؤدي غياب الاتحاد السوفياني كعدو مشترك للدول الغربية إلى مزيد من تفكك حلفها وإلى تصاعد في تنازعها. لذلك يجوب ساسة أميركا العالم، كما كان يفعل دون كيشوت، للتفتيش عن خصوم وهميين يجعلون منهم ورثة هتلر وستالين فيجرّدون جيوشهم عليهم في محاولة يائسة لتثبيت الوهم بأن مركز أميركا لا يزال كما كان. ويروى أن عنترة العبسي سئل ذات مرة عن سر بطولته فأجاب أنه يتخيّر الضعيف الجبان فيضربه ضربة ينخلع منها قلب الشجاع فبهذا الأسلوب تعمل أميركا على فرض هيبتها.

ولا بد من التساؤل بعد كل هذا عما إذا كان إعلان الرئيس بوش عن ولادة النظام الدولي الجديد يحمل الجدّية التي تفترض أن تتميّز بها تصريحات رئيس الدولة الأولى في العالم. أم أن إعلان هذا كإعلانه في قمة الأرض في البرازيل، وهو يقف وحيداً في مواجهة مع زعماء العالم، بأنه زعيم البيئة الأول. ولذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن لملمة النظام الدولي القديم المتصدع وفرض إرادتها بالشكل الذي كانت تفعله من قبل، وإذا كان هذا النظام مرشحاً لمزيد من التسرّب من بين يديها فأي نظام عالمي جديد تريد؟!! وكيف ستفرضه؟

نظام عالمي؟! أم بلطجة أميركية؟!

تبيّن من استعراض العلاقات الدولية وواقع الولايات المتحدة لدى إعلان الرئيس بوش عن ولادة النظام العالمي الجديد، أن الولايات المتحدة كانت عملاقاً منهكاً ومصاباً بطعنة هنا وطعنة هناك. وسواء أكان انحدارها نسبياً أم مطلقاً، فالنتيجة واحدة، فالانحدار النسبي يمكن أن يصبح انحداراً مطلقاً. لقد أعطى الرئيسان كارتر وريغان الأولوية للإصلاحات الداخلية، الاقتصادية والاجتماعية، ففشلا في تغيير الواقع، ولم يتابع الرئيس بوش مشوار الإصلاحات باستهداف مواطن الانحدار يأساً، وفضل الالتفاف عليها من الخارج بإيجاد معطيات على الحلبة الدولية توقف الانحدار أو تدفع بالدول المنافسة للولايات المتحدة للانحدار. ولكن أسباب الانحدار الأميركي أوسع وأعمق من أن تحل خارج الولايات المتحدة. تقول ماري ـ فرانسي توانيه مديرة الأبحاث في المعهد القومي للعلوم السياسية بباريس، في مقالة لها في صحيفة اللوموند ديبلوماتيك «وأيضاً فإن الأمور الجديرة بالاعتبار التي تميز هذا الانحدار هي في أنه يمسّ تقريباً جميع مجالات القوة في الولايات المتحدة، وتشلّ في الوقت نفسه الولايات المتحدة في ممارستها لما يبقيها قوة كبرى… وبلا شك فإن الانحدار الاقتصادي ليس أكثرها وضوحاً بالرغم من أنه لا ينكر».

كما تبيّن أن الولايات المتحدة لم تكن الدولة الوحيدة الفاعلة في المسرح الدولي، وإنما كان إلى جانبها دول أخرى، وإن كانت الولايات المتحدة تتفوق عليها في القوة العسكرية. ولما كان النظام الدولي ثمرة مزاوجة بين العلاقات الدولية للدول الكبرى، فإن إقامته تكون بعد مباحثات بين الدول الكبرى. أما النظام الدولي الذي يفرض من طرف واحد، فإنه يكون نظاماً لقيطاً لا يلبث أن يطاح به كما أطيح بنظام نابليون الدولي. فقد أخذ روزفلت في التباحث مع خليفته تشرشل وستالين منذ أن التقى بهما لأول مرة إبان الحرب العالمية الثانية على النظام الدولي الذي وقع ميثاقه سنة 1945 ـ 1946، فكان وليد مباحثاته طويلة وإن شابها الابتزاز الأميركي. وكان ما أجراه نيكسون في استراتيجية تعديلاً في السياسة الأميركية أكثر منه تعديلاً في النظام الدولي، ومع ذلك فقد تباحث مطولاً مع قادة الصين لأنها كانت الطرف المستجد في العلاقات الدولية. أما الرئيس بوش فقد فاجأ العالم بإعلانه عن النظام العالمي الجديد، وهذا يعني إما عدم الجدية، وأن إعلانه كان للاستهلاك المحلي بعد حرب الخليج أو أنه سيعمل على فرضه بطريقة أو بأخرى على المجتمع الدولي. وقد صاحب تصريح الرئيس بوش هذا تسريب نص وثيقتين صادرتين عن البنتاغون وبخاصة الوثيقة الأولى التي نشرتها صحيفتا نيويورك تايمز والهيرالدتربيون في 8 ـ 9 من آذار سنة 1991. فقد صدرت هذه الوثيقة عن وزارة الدفاع بالتعاون مع مجلس الأمن القومي وبالتشاور مع مستشاري الرئيس ومع الرئيس نفسه. وتضع هذه الوثيقة الفلسفة لرسوخ أميركي دائم في عالم متغير، وتبيّن تصميم أميركا على الحفاظ على تفرّدها بمركز الدولة العملاقة في العالم، وعلى تفرّدها في الهيمنة، وعلى الحيلولة دون أن يعرّض هذا المركز وهذا الدور لخطر بروز أي مركز للقوة في العالم، وعلى ردع المنافسين المحتملين عن أن يأملوا في لعب دور إقليمي أو عالمي أكبر، سواء أكانوا منافسين سابقين أم حلفاء. وهذا لا يدع مجالاً للشك في أن المقصود بالنظام العالمي الجديد هيمنة أميركا على العالم ومقدراته فحسب. وليس سيادة العدل والسلم والقيم الإنسانية. تقول ماري ـ فرانس تعليقاً على توجه الوثيقة في هذه الظروف الدولية: «ومن هنا فإن وثيقة البنتاغون الأولى التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز ليست إشارة على الرغبة في السيطرة من منطلق جنون العظمة. فالنتيجة التي لا مفر منها للتقييم والتي ليس بالإمكان التصريح بها للرأي العام الأميركي أو للعالم، والتي تشكل الأساس لجميع التوجهات السياسية لرئيسها بوش هي أن التخلّي عن الهيمنة سيسرع الانحدار، وسيحمل مخاطر الإطاحة بالتوازن الاقتصادي والنقدي المتزعزع بدرجة كبيرة والخاص بالولايات المتحدة بل وببقية العالم، إذ يعتمد أحدها على الآخر مما يجعل من المستحيل التخلّي عن أن يكون الدولار العملة المرجعية في العالم»، ثم تقول: «ويعلم الرئيس بوش أنه يتوجب عليه، ومن غير أن يملك الوسيلة، وفقط لأنه لا يملك الوسيلة، أن يحدد منفرداً النظام العالمي الجديد، في الشرق الأوسط، في الصين أو في روسيا. حق الولايات المتحدة وضع المفهوم، وواجب الحلفاء دفع الحساب».

وقول ماري ـ فرانس من أن الحافز هو أن التخلّي عن الهيمنة سيسرّع من الانحدار أمرٌ واردُ، فالخمول مع الانحدار سيؤدي إلى مزيد من الانحدار، كالعضو الذي لا يستعمل فإنه يضمر، ولكنه بالتأكيد ليس الحافز الرئيسي. فبالرجوع إلى الأعراف والتقاليد السياسية الأميركية نجد أن الاستئثار بالغنيمة والانفراد في القيادة من أهم تلك الأعراف والتقاليد. وإذا قبلت الولايات المتحدة أن يشاركها غيرها في شيء من هذا فإن ذلك يكون مرحلياً ولأسباب آنية. فقد قبلت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية أن تشترك الدول الأربع الكبرى في تصريف شؤون العالم، ثم ما لبثت أن أسقطت بريطانيا وفرنسا، لتصرفها بالمشاركة مع الاتحاد السوفياتي، ثم أسقطت الاتحاد السوفياتي لتنفرد بها. لذلك ليس غريباً أن تتشبّث أميركا بتفردها من منطلق جنون العظمة بالرغم من أن الظروف الدولية غير مؤاتية لتكريس هذا التفرّد. وحقيقة الحال أن الاتحاد السوفياتي لم يكن يلجم الولايات المتحدة. وإنما كان وجوده يهيئ لها الظروف ويعطيها المبرر ويعطيها حجمها الدولي. ومن المتناقضات السياسية أن القضاء على الاتحاد السوفياتي كان الأولوية الأهم في السياسة الأميركية، وأن زواله كان العامل الأهم في انحدار مركزها الدولي. لذلك فإن إعلان الرئيس بوش عن النظام العالمي الجديد كان اغتناماً لظرف وليس توقيتاً للحدث، فالحدث قديم والإعلان عنه هو الجديد، والظرف الذي بشّر فيه الرئيس بوش بولادة النظام العالمي الجديد هو هزيمة الشيوعية وانتهاؤها كنظام، وتفكك الإمبراطورية السوفياتية، ونهاية الحرب الباردة وانتصار أميركا في حرب الخليج، أي باختصار قمة الانتصارات الأميركية. وكما يساهم هذا الظرف في تحديد محتوى هذا النظام العالمي، فإن يشكل رسالة للعالم فحواها تصميم أميركا على الحفاظ على مركزها العالمي وعلى تفردها فيه، ثم جاء تسريب الوثيقتين المذكورتين ليعزز هذه الرسالة.

وطريقة تنفيذ النظام هي بدرجة أهمية محتوى النظام نفسه. وهي جزء لا تجزأ من النظام يجري تحديدها كما يجري تحديد النظام. هذا هو حال عصبة الأمم والأمم المتحدة، بل هذا هو حال استراتيجية نيكسون. ولذلك فإن التساؤل عن كيفية النظام العالمي الجديد يفرض نفسه. لقد ذكرت الهيرالد تربيون في افتتاحيتها في 14 أيار سنة 1992 أن الرئيس بوش قال لطلاب جامعة ميتشغان: «لقد سار كل شيء، من بداية التسعينات، نحو الأفضل، ولمصلحة الأفضل في هذا العالم، لقد تبخّر الاتحاد السوفياتي، وغدت الولايات المتحدة الدولة العملاقة الوحيدة، وستبقى الوحيدة القادرة على تحديد النظام العالمي الجديد، وعلى تأكيد تشغيله». وكما لم يحدد الرئيس بوش ماهية النظام العالمي ومحتواه، فإنه لم يحدد طريقة تشغيله، وترك الذين رأوا الجدية في الإعلان في تيه. ولا يُخرج الاستئناس بالوثيقتين المذكورتين من هذا التيه، لأن أياً منهما لم تلق ضوءاً كافياً على طريقة تشغيل القطاع العالمي. لقد أبرزت الوثيقة الأولى سياسة أميركا التقليدية المتمثلة بالجزرة والعصا، فبينما تنص على أن يتم حفاظ أميركا على المركز المتفرّد بالسلوك المتمثل في أن يأخذ ساسة أميركا في الحساب مصالح الدول المتقدمة صناعياً لثنيها عن تحدّي مركز أميركا هذا، أو تعريض النظام الاقتصادي أو السياسي للخطر، فإنها تنصّ أيضاً على وجوب الحفاظ تفوق القوة العسكرية الأميركية لردع المنافسين المحتملين. أما الوثيقة الثانية فقد ذكرت سبعة سيناريوهات لحروب محتملة قد تضطر أميركا في بعضها لخوص الحرب على أكثر من جبهة، وخصّ اثنان منها بالذكر حرباً محتملة مع روسيا بسبب دول بحر البلطيق أو أوروبا الشرقية.