دراسات افريقيةدراسات سياسية

النظام السياسي في رواندا منذ عام 1994

بقلم آية حسين محمود، المركز العربي للبحوث والدراسات.

حققت رواندا درجة نادرة من الاستقرار السياسي والسلامة العامة والنمو الاقتصادي في منطقة فرعية تعاني من النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، إن مكاسب رواندا في مجالي التنمية والأمن ملحوظة بشكل خاص في أعقاب الإبادة الجماعية التي حدثت في عام 1994، حيث حققت رواندا معدلات نمو ملحوظة في العديد من المجالات وخاصةً الإقتصاد . كما زادت نسبة تمثيل المراة في البرلمان لتصل إلي 69% في الوقت الحالي وهو مايعبر عن إرتفاع مستوي الديموقراطية في رواندا بالمقارنة مع باقي دول إفريقيا جنوب الصحراء.

المحور الأول- بيئة النظام في رواندا

بيئة النظام في رواندا تنقسم إلي بيئة داخلية وخارجية محددات البيئة الداخلية التي تتناولها هي النطاق الجغرافي لرواندا والإقتصاد الرواندي بينما البيئة الخارجية تتضمن العلاقات الرواندية مع دول الجوار ومع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة.

أولاً: البيئة الداخلية

1- النطاق الجغرافي

تقع رواندا في وسط القارة الأفريقية إلى الجنوب من الدائرة الاستوائية، ضمن نطاق هضبة البحيرات، تحدها من الشرق تنزانيا ومن الغرب جمهورية الكونغو الديمقراطية ومن الجنوب بوروندي ومن الشمال أوغندا، وعاصــمتها كيجالـي ، وتبلغ مساحتها:  26.338 كم مربع. عدد سكانها 12 مليون نسمة لعام 2018، معدل النمو السكاني بها: 2,3% لعام 2018، اللغات : اللغة الرسمية الكينيا رواندية  93.2٪، وهناك لغات رسمية أخرى وهي الفرنسية – الأنجليزية، أما اللغة السواحلية تستخدم في المراكز التجارية، الديانة : الكاثولكية 43.7% – البروتستانت 49.5% – المسلمون 2% -لا دينيون ومعتقدات أخرى .4.8% (1)

2- الإقتصاد

تمتلك رواندا القليل من الموارد الطبيعية وقطاع الصناعات التحويلية الخفيفة فيها غير قادر على المنافسة دولياً. ولا تزال الزراعة التي تعيش على الكفاف في الأراضي الصغيرة تشكل النشاط الاقتصادي الرئيسي. ومع ذلك قامت الحكومة الرواندية بوضع خطة تهدف إلى تحقيق تحول كامل في البلاد بحلول عام 2020 من دولة فقيرة في مرحلة ما بعد الصراع إلى مركز تجارة واستثمار إقليمي مزدهر واقتصاد قائم على المعرفة مع طبقة وسطى نابضة بالحياة من رجال الأعمال ووجود منتج ومثمرو الزراعة الموجهة نحو السوق ، وتحقيق دخل الفرد في بلد متوسط الدخل.(2)

وشهدت البلاد معدلات نمو اقتصادي ملحوظة في العقدين الأخيرين حيث تم تحديث البنية التحتية للبلاد وتحسين الرعاية الصحية وتوسيع نظام التعليم. لكن التصنيع لا يزال محدودا ، والبلد أبعد ما يكون عن أن يصبح المحور الإقليمي المتوخى. يعد هذا النجاح نسبيًا ، حيث شهدت دول مجتمع شرق إفريقيا الأخرى تقدمًا كبيرًا أيضًا. فيما يتعلق بمؤشر التنمية البشرية ، تفوقت رواندا على بوروندي وتعادلت حتى مع أوغندا.

تساهم الخدمات في أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، و تتزايد الخدمات المتعلقة بالاتصالات والمعلومات والخدمات المالية ، مما يدل على أن الجهود المبذولة لتصبح مركزًا قائمًا على المعرفة في شرق إفريقيا تؤتي ثمارها. كما لا تزال حصة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي – على الرغم من تناقصها-  تبلغ 33 ٪  تليها الصناعة والتصنيع. في حين أن هناك حاجة إلى مزيد من المواد الغذائية الأساسية لتلبية مطالب السكان المتزايدين ، فإن المحاصيل النقدية لا تزال ركيزة مهمة للصادرات. ومع ذلك  وبسبب الظروف الدولية والمنافسة الشديدة ظل العائد على التصدير أكثر أو أقل على نفس المستوى على الرغم من الكميات الكبيرة. وبسبب إنخفاض صادرات المعادن بسبب تقلص حجمها وانخفاض الأسعار دولياً. تذبذب العجز التجاري لسنوات عديدة ، أكثر أو أقل بين 14 ٪ و 16 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يعني عجزًا متزايدًا في الحساب الجاري ، يتم خفضه جزئيًا فقط عن طريق المنح والتحويلات الرأسمالية للمساعدات الإنمائية والتحويلات والاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI). ومنذ الإعفاء من الديون الدولية في عام 2006  ازداد الدين الخارجي العام بشكل مطرد ، حيث وصل إلى ما يقرب من 2 مليار يورو في عام 2016 (25 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي)- على الرغم من الدعم الحازم من جانب الحكومة- فإن الاستثمار الأجنبي المباشر ساهم فقط في تحقيق توازن أفضل. (3)

لذلك، فإن للمساعدات الخارجية وزن اقتصادي كلي في رواندا ، على عكس أي بلد آخر جنوب الصحراء الكبرى، حيث تصل إلى حوالي 15 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي ويساهم بنحو 35 ٪ في الميزانية. لكنها تعتمد اعتمادا كليا على المساعدات الخارجية وإذا تم تقليص المساعدات إلى حد كبير  فقد ينهار الاقتصاد الرواندي. أصبح هذا التهديد واضحًا عندما تم حجب المساعدات الخارجية في 2012/2013 مؤقتًا بسبب تورط رواندا في نزاع منطقة كيفو المجاورة في جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث لاحق انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي على الفور بنسبة 50 ٪.(4)

وينعكس التحول الهيكلي لرواندا في الحصة المتغيرة لكل قطاع في الاقتصاد ، حيث تتحول حصة العمالة والناتج المحلي الإجمالي في الزراعة بمرور الوقت إلى الصناعة  و الخدمات. وستبقى حصة الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي مستقرة نسبيًا ، مع زيادة متواضعة فقط من 47.7٪ في عام 2017 إلى 48.3٪ في عام 2024. سترتفع حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من 16.5٪ في عام 2017 إلى 21.8٪ في عام 2024 في حين أن حصة الزراعة في سينخفض الناتج المحلي الإجمالي من 29.6 ٪ إلى 22.9 ٪ خلال نفس الفترة. سيكون هذا التحول الهيكلي ضروريًا لمستقبل رواندا الاقتصادي.

من المتوقع أن يرتفع إجمالي الاستثمار كحصة من الناتج المحلي الإجمالي من 22.6 ٪ في عام 2017 إلى 31.1 ٪ في عام 2024 ، مدفوعا بالزيادات في كل من الاستثمار العام والخاص. ومن المقرر أن يرتفع الاستثمار العام  بما في ذلك دور الحكومة في تعادلات القوة الشرائية تدريجياً من 8.3 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 إلى 9.9 ٪ في عام 2024. وسيتم توجيه حصة مهمة من هذه الزيادة نحو الإنفاق على التعليم ورأس المال البشري.(5)

سيوفر الاستثمار العام للخدمات العامة الأساسية وكذلك التوجه نحو تحويل الاقتصاد تحسين إنتاجية العمل، سيتم توجيه الإنفاق العام نحو تحسين نظام التعليم ، ودعم الجهود التكنولوجية لتحقيق مكاسب الكفاءة في الأراضي والزراعة ، وتحسين نوعية البنية التحتية. ستعمل هذه المساعي العامة على تقوية البيئة الاقتصادية ، مما يسمح بمبادرات أفضل للقطاع الخاص مع الشركات التي تستفيد من وفورات الحجم. وسيساهم ذلك في زيادة القدرة على الابتكار بقيادة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، وتعزيز حصة السلع والخدمات القابلة للتداول ، ويؤدي إلى تحقيق مكاسب إنتاجية عامة في الاقتصاد الرواندي.

سيتم تمويل الزيادات في الاستثمارات العامة إلى حد كبير من الإيرادات الضريبية وغير الضريبية المرتفعة ، والتي سترتفع من 18.3 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 إلى 20.4 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024. وسيتم تمويل النفقات المتبقية بشكل رئيسي عن طريق الاقتراض الخارجي الميسر ، في المتوسط مستوى 4.4 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي سنويا. (6)

واحتلت رواندا المرتبة 29 من أصل 190 في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2019 الصادر عن البنك الدولي ، وهي الدولة الوحيدة ذات الدخل المنخفض وواحدة من بلدين أفريقيين فقط (إلى جانب موريشيوس) في أعلى 50 دولة. وتعكس التحسينات المستمرة لرواندا في التصنيف السنوي جهودها للحد من الروتين البيروقراطي ، وحماية حقوق الملكية ، وتحسين الوصول إلى الائتمان ، وتوسيع إمدادات الكهرباء الموثوقة ، وضمان إنفاذ العقود. على الرغم من ذلك وثقت وزارة الخارجية العديد من التحديات للمستثمرين الأجانب ، بما في ذلك تأجيل الدفع بالعقود الحكومية، والالتزام غير المتسق بالحوافز التي يقدمها مجلس التنمية الرواندي ، والتعديات على حقوق الملكية ، و “المنافسة من جانب الشركات المملوكة للدولة والمحاكم للحزب. (7)

ثانياً- البيئة الخارجية

أقامت الولايات المتحدة ورواندا علاقات وثيقة منذ منتصف التسعينيات ، مدعومة بالمساعدات الإنمائية الأمريكية ودعمها لمشاركة رواندا القوية في حفظ السلام الدولي. كما ساعد الكونغرس في تشكيل مشاركة الولايات المتحدة من خلال تخصيص المساعدات الخارجية والمبادرات التشريعية الأخرى  إلى جانب الإشراف والتواصل المباشر مع الأعضاء المسؤولين الروانديين. واستمرت على مدار العقد الماضي  الإدارات والكونغرس المتعاقبون في دعم شراكة الولايات المتحدة مع رواندا في مجال التنمية وحفظ السلام ، مع إنتقاد سجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان والدور الدوري في النزاعات الإقليمية. سن الكونغرس بشكل خاص أحكامًا في تشريعات مخصصات المساعدات التي تقيد المساعدات العسكرية الأمريكية لرواندا إذا ثبت أنها تدعم الجماعات المتمردة في الدول المجاورة وطبقت إدارة أوباما هذه القيود مؤقتًا. (8)

وأعرب الرئيس ترامب بعد اجتماعه مع الرئيس كاغامي في أوائل عام 2018  أعرب الرئيس ترامب عن تقديره للعلاقات الإقتصادية بين الولايات المتحدة ورواندا ، ومساهمات رواندا في حفظ السلام ، ومتابعة كاغامي للإصلاحات المؤسسية للاتحاد الأفريقي. تماشياً مع مقترحات الإدارة بتخفيض المساعدات الخارجية في جميع أنحاء العالم ، فإن طلب ميزانية السنة المالية 2020 سيوفر 117 مليون دولار كمساعدات ثنائية إلى رواندا ، أي بانخفاض قدره 28٪ عن مستويات السنة المالية 2011. استمدت المساعدات العسكرية الأمريكية المتعلقة بحفظ السلام لرواندا من الأموال المدارة إقليميا. (9)

رواندا هي أحد كبار المساهمين بقوات حفظ السلام في أفريقيا حيث يقدر مسؤولو الأمم المتحدة والجهات المانحة احترافها العسكري والتزامها بحماية المدنيين . كرئيس للإتحاد الأفريقي في عام 2018  سعى الرئيس كاغامي أيضًا إلى تعزيز الاستدامة المالية لعمليات الاستقرار التي تقودها إفريقيا. في الوقت نفسه ، تتمتع رواندا بتاريخ من التدخل العسكري الأحادي في جمهورية الكونغو الديمقراطية ، ويقال إنها قدمت الدعم بشكل دوري للجماعات المتمردة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي . وقد تعكس أسباب ذلك مزيجًا من مخاوف الأمن القومي (مثل الرغبة في مواجهة الجماعات المسلحة المتمركزة في جمهورية الكونغو الديمقراطية بقيادة أفراد متورطين في الإبادة الجماعية عام 1994) والتضامن العرقي مع أقلية التوتسي في بوروندي والمجتمعات المضطهدة المنحدرة من أصل رواندي في جمهورية الكونغو الديمقراطية ، والدوافع الاقتصادية المرتبطة بتهريب الموارد في جمهورية الكونغو الديمقراطية. (10)

في الفترة 2012-2013 واجهت رواندا انتقادات دولية حادة وتخفيضات في معونات المانحين – بما في ذلك من الولايات المتحدة والدول الأوروبية – لتوفير الدعم لجماعة متمردة مقرها في جمهورية الكونغو الديمقراطية تعرف باسم M23. نشأت حركة M23 في مارس كتمرد بين أعضاء جماعة مسلحة سابقة مدعومة من رواندا ، وكانت الأحدث في سلسلة من التمردات المدعومة من رواندا والتي نشأت بين مجتمعات من أصل رواندي في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ أواخر التسعينيات. في عامي 2015 و 2016 ، وأشارت التقارير إلى تورط الروانديين في تجنيد اللاجئين البورونديين وتدريبهم على التمرد ضد حكومة بوروندي ، مما أثار انتقادات المانحين مرة أخرى. (11)

ومنذ ذلك الحين تضاءلت التقارير الموثوق بها عن تورط رواندا المباشر في النزاعات الإقليمية ، على الرغم من أن علاقات البلاد مع جمهورية الكونغو الديمقراطية لا تزال متقلبة. كما استمرت التوترات مع بوروندي ، حيث اتهمت رواندا السلطات البوروندية بإذكاء التوترات العرقية ، بينما اتهمت بوروندي رواندا بالتجسس والتدخل. كما توترت العلاقات مع أوغندا الحليفة أحيانًا في السنوات الأخيرة. واتهمت أوغندا بدعم المنشقين المسلحين الروانديين (وهذه إشارة إلي المجلس الوطني الرواندي) وكذلك القوات الديمقراطية لتحرير رواندا ، بينما اتهم المسؤولون الأوغنديون رواندا بالتجسس.

لا يزال استمرار انعدام الأمن واستخراج الموارد غير المشروع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية من بؤر التوتر الإقليمي وتفاقم النزاعات، حيث في أواخر عام 2018  أفاد مراقبو عقوبات الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية أن الجيش الوطني الكونغولي كان يحشد المقاتلين المسلحين في مقاطعة جنوب كيفو في جمهورية الكونغو الديمقراطية ، بدعم بوروندي واضح. يعتقد بعض الباحثين أن الاحتكاكات بين رواندا وأوغندا تضرب بجذورها في المنافسة على الوصول إلى معادن جمهورية الكونغو الديمقراطية ؛ أفاد محققو العقوبات التابعون لجمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 2018 أن الذهب الذي تم الحصول عليه من مناطق شديدة الخطورة والنزاعات – في جمهورية الكونغو الديمقراطية- تم تصديره بشكل غير قانوني إلى أوغندا ورواندا. (12)

المحور الثاني- مؤسسات النظام السياسي في رواندا

وضع دستور عام 2003 الأساس للنظام السياسي في رواندا. وهو يحدد طبيعة النظام السياسي ويقدم معلومات عن العلاقات القائمة بين مختلف السلطات المؤسسية بإجراء تحليل لنظام كل منها وطرائق عملها. وينص الدستور على المبدأ الأساسي القاضي بإنشاء هيئات السلطتين التنفيذية والتشريعية عن طريق انتخابات متعددة الأحزاب. والدولة الرواندية جمهورية مستقلة وديمقراطية وعلمانية وذات سيادة وذات توجه اجتماعي. أما المبدأ الذي يحكم الجمهورية فهو “حكم الشعب، بواسطة الشعب، ولصالح الشعب”. وهي تستمد كل سلطاتها من الشعب. ولا يمكن لمجموعة من الناس أو فرد أن يخوّلوا لأنفسهم ممارسة السلطة. فالسيادة الوطنيّة ملك للشعب الذي يمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء أو عن طريق ممثليه .

وتتمثل الإستراتيجية الرئيسية في الإدارة الرواندية في عملية تحقيق السلام في إقامة اتصال بين مختلف العملاء في المجتمع ؛ بين الأعضاء السابقين  داخل المؤسسة العسكرية وخارجها ، وبين الجماعات العرقية السابقة المنفصلة ، وبين المجتمع المدني والجيش. الهدف الأساسي من ذلك هو خلق والحفاظ على السلام من خلال إعادة بناء العلاقات التالفة بين أعضاء المجتمع. (13)

أولاً: المؤسسات الرسمية

تنص المادة 60 من الدستور على أن الفروع الثلاثة للحكومة هي التالية: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. والفروع الثلاثة منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض ولكنها متكاملة. ويحدد الدستور مسؤولياتها ونظامها وطريقة عملها. وتكفل الدولة إسناد ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى أشخاص يتمتعون بالكفاءة والنزاهة المطلوبة للوفاء بالمسؤوليات الممنوحة للفروع الثلاثة. (14)

1- السلطة التنفيذية (15)

تتمتع رواندا بنظام سياسي رئاسي وبرلماني موحّد، وينتخب الرئيس مباشرة من الشعب لولاية مدتها سبع سنوات – والرئيس الحالي في رواندا هو كاغامي- وهو يمارس السلطة التنفيذية ويتمتع بصلاحيات واسعة بصفته رئيس الدولة ورئيس الحكومة. ويحدد الرئيس السياسة العامة ويقودها ويتمتع بالسلطة التنظيمية ويسن القوانين التي يعتمدها البرلمان، ويعين أعضاء الحكومة، ويحدّد صلاحياّتهم وينهي ولاياتهم. ويتألف مجلس الوزراء من رئيس الوزراء، والوزراء، ووزراء الدولة وأعضاء آخرين قد يحدّدهم رئيس الجمهورية، عند الاقتضاء. ويتولى رئيس الجمهورية ترشيح رئيس الوزراء، وتعيينه وعزله من منصبه. ويتولى رئيس الجمهورية تعيين أعضاء آخرين في مجلس الوزراء وعزلهم من منصبهم بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء. ويجري اختيار أعضاء مجلس الوزراء من المنظّمات السياسية على أساس عدد مقاعدها في مجلس النواب دون استبعاد إمكانية تعيين أشخاص أكفاء آخرين في مجلس الوزراء لا ينتمون إلى منظّمات سياسية. ومع ذلك، يتعين على منظمة سياسية تملك أغلبية المقاعد في مجلس النواب ألا تتجاوز نسبتها خمسين في المائة من جميع أعضاء مجلس الوزراء.

ويتولى مجلس الوزراء تنفيذ السياسة الوطنيّة التي وافق عليها رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ويتحمل مجلس الوزراء المسؤولية أمام رئيس الجمهورية والبرلمان. ويؤدي المجلس أعماله على أساس التشارك في المسؤولية. وتنظر اجتماعات مجلس الوزراء في جميع القرارات السياسية العامة التي اتخذتها الدولة، من مشاريع القوانين ومشاريع المراسيم بقوانين، ومشاريع الأوامر الرئاسية، وأوامر رئيس الوزراء، والأوامر الوزارية، والأوامر الصادرة عن وزراء الدولة وأعضاء آخرين في مجلس الوزراء، وأية مسائل أخرى تعهد مسؤوليتها إلى مجلس الوزراء بموجب الدستور والقوانين الأخرى.

2- السلطة التشريعية (16)

يتولى البرلمان السلطة التشريعية ويتألف من مجلسين: مجلس النواب، ويعرف أعضاؤه باسم “النواب”، ومجلس الشيوخ” الذي يعرف أعضاؤه باسم “أعضاء مجلس الشيوخ”. ويجري البرلمان مداولات ويسنّ القوانين ويراقب أعمال السلطة التنفيذية وفقاً للإجراءات التي يحددها الدستور. ويتألف مجلس النواب من 80 نائباً ينتخبون لمدة خمس سنوات، من بينهم 53 نائباً ينتخبون وفقاً لأحكام المادة 77 من الدستور ؛ و24 امرأة منتخبة من قبل مجالس محددة وفقاً للكيانات الإدارية للدولة؛ ونائبين منتخبين من قبل المجلس الوطني للشباب؛ ونائب منتخب من قبل المجلس الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة. أما المجلس الأعلى فهو مجلس الشيوخ المؤلّف من 26 عضواً منتخباً أو معيّناً لمدة ثماني سنوات: منهم 12 نائب تنتخبهم مجالس الأقاليم والقطاعات، و8 نواب يعيّنهم رئيس الجمهورية لضمان تمثيل المجتمعات المحلية المهمشة تاريخياً، و4 نواب يعيّنهم منتدى التنظيمات السياسية، ونائبان ينتخبهما موظفو الجامعات. وبالإضافة إلى ذلك، يصبح رؤساء الدولة السابقين أعضاء في مجلس الشيوخ بناء على طلب يتقدمون به أمام المحكمة العليا، شريطة أن يكونوا قد أتموا ولايتهم بصورة مشرّفة أو استقالوا طواعيّة من منصبهم. وتوجد سبعة أحزاب سياسية ممثلة في مجلس النواب في البرلمان، وهي: الجبهة الوطنيّة الرواندية، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، والحزب الليبرالي، وحزب الوسط الديمقراطي، والحزب الديمقراطي المثالي، والحزب الاشتراكي الرواندي، وحزب التقدم والوفاق.

 ويمثل كل عضو في البرلمان الأمّة بأكملها وليس فقط أولئك الذين انتخبوه أو رشحوه أو التنظيم السياسي الذي ترشح على قائمته للمشاركة في الانتخابات. وتعتبر أي ولاية مفروضة لاغية وباطلة. أما حق عضو البرلمان في التصويت، فهو إعلان شخصي. ولا يمكن لأي شخص أن يكون في الوقت نفسه عضو اً في مجلس النواب وعضو اً في مجلس الشيوخ ويتعارض منصب النائب أو العضو في مجلس الشيوخ مع منصب العضو في مجلس الوزراء. والبرلمان في رواندا، هو الجهة الوحيدة المخوّلة بسنّ القوانين. ويعمل البرلمان أثناء اضطلاعه بمهمته على النظر في مشاريع القوانين المتعلقة بتسيير شؤون الدولة والتمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية للفرد وتعديلها حتي يتم اعتمادها. ويتعهّد البرلمان في عمله التشريعي بسنّ قوانين تكفل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية المعترف بها في الدستور، وتضمين التشريعات المحلية أحكام الصكوك الدولية لحقوق الإنسان. ويشارك البرلمان أيضاً في صياغة القوانين والإجراءات المتعلقة بالهيكل الحكومي، وتوزيع الصلاحيات بين السلطات الحكوميّة والمحلية، وإنشاء المؤسسات العامة أو الشركات الوطنيّة، وفرض القيود على ممارسة الحريات المدنية لأسباب تتعلق بالدفاع الوطني.

ويصادق مجلس النواب على الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، وتنفّذ بذلك إدماجها في التشريعات الوطنيّة. ويحق للبرلمان الحصول على المعلومات ومراقبة الإجراءات والإدارة الحكوميّة. ويعتمد مجلس النواب في كل سنة مالية، ميزانية الدولة (قوانين المالية)، ويراقب تنفيذها (القوانين التنظيمية)، ويوافق على الأهداف المحددة لعمل الدولة الاقتصادي والاجتماعي (قوانين التخطيط)، مما له أثر حاسم على إعمال حقوق الإنسان الأساسية. ويتّخذ البرلمان في النهاية موقفاً من التوجه العام للسياسة الضريبية والنقدية والمصرفية للبلد من خلال الوسائل القانونية المنصوص عليها في الدستور (الأسئلة الشفوية أو الخطية، وجلسات الاستماع أمام لجان، ولجان برلمانية للتحقيق أو الاستجواب). (17)

ويتمتّع مجلس الشيوخ بصلاحية الموافقة على تعيين رئيس المحكمة العليا ونائبه وقضاتها، ورئيس كل من المحكمة العليا للجمهورية والمحكمة التجارية العليا ونائبه، والمدعي العام ونائبه. ويحظى مجلس الشيوخ بصلاحية الموافقة على تعيين رؤساء اللجان الوطنيّة وأعضائها، وأمين المظالم/ونوابه، والمراجع العام لمالية الدولة/ونائبه والسفراء والممثلين الدائمين لدى المنظّمات الدولية، ومحافظي المقاطعات ورؤساء المؤسسات العامة والمنظّمات شبه الحكوميّة التي لها شخصية اعتبارية وغيرهم من الموظفين العموميين على النحو الذي يحدده القانون الأساسي.

ويختص البرلمان أيضاً بتأييد أي إعلان حرب تقدمه السلطة التنفيذية أو رفضه. ورغم أن رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء يعلنان حالة الحصار أو حالة الطوارئ، فإنه لا يجوز تمديدها لأكثر من خمسة عشر يوماً إلا بموافقة مسبقة من البرلمان. وبالإضافة إلى الاستقلالية المالية التي تمنحها الأحكام الدستورية للبرلمان، فإن هذه الأحكام تؤمّن الاستقلال عن السلطة التشريعية وتكفل الحصانة

 – المادة 69-  لأعضاء البرلمان الذين لا يمكن القبض عليهم أو تقديمهم للمحاكمة بسبب تصويتهم أو ما يعربون عنه من آراء أثناء اضطلاعهم بوظائفهم. ولغرض تقاسم السلطة، يجب ألا ينتمي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب إلى المنظمة السياسية نفسها.

3- السلطة القضائية  (18)

إن السلطة القضائية مستقلة ومنفصلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. وتتمتع السلطة القضائية بالاستقلال المالي والإداري. ويقام العدل باسم الشعب ولا يجوز لأي أحد أن يكون قاضياً في قضية تخصه . والقضاء الرواندي مسؤول عن ضمان احترام الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور. وتمارس السلطة القضائية من قبل المحكمة العليا؛ والمحاكم العليا للجمهورية ذات الأربع دوائر وتوجد في موزانسي، ونيانزا، ورواماغانا، وروسيزي؛ والمحكمة التجارية العليا؛ وثلاث محاكم تجارية؛ و12 محكمة متوسطة تتكون من 3 دوائر متخصصة: دائرة الأحداث، والدائرة الإدارية، ودائرة العمل؛ و60 محكمة ابتدائية؛ ومحكمة عسكرية عليا ومحكمة عسكرية. وتحدد الأحكام القانونية الواردة في القانون الأساسي رقم 51/2008 المؤرخ 9 /سبتمبر 2008 نظام المحاكم وطرائق عملها واختصاصها على أساس نظام قانوني واحد وإعمال مبدأ الحق في الاستئناف أمام محكمة ذات درجة أعلى.

وتضم المحكمة الإبتدائية التي تفصل في القضايا قاضياً واحداً يساعده رئيس قلم المحكمة -المادة 7 من القانون الأساسي رقم 51/2008 المؤرخ 9 أيلول/سبتمبر 2008-. ويجب على المحاكم الابتدائية محاكمة جميع الجرائم باستثناء تلك التي حكم فيها بالسجن لمدة تزيد على خمس سنوات وكذلك تلك المتعلقة بقواعد المرور (المادة 66).

وتنظر كل المحاكم المتوسطة في القضايا المدنية والجنائية ابتدائياً وفي مرحلة الاستئناف وهي تتألف من قاض واحد يساعده رئيس قلم المحكمة. ومع ذلك، يجوز لرئيس المحكمة التصرف بحرية مطلقة وتعيين فريق من ثلاثة قضاة  أو أكثر يساعدهم رئيس قلم المحكمة تبعاً لتقييمه لمدى صعوبة وأهمية القضية (المادة 14). وللمحاكم المتوسطة اختصاص أيضاً بالنظر في القضايا المتعلقة بالجرائم التي تزيد مدة الحبس فيها على خمس سنوات، باستثناء الجرائم التي يسندها القانون الأساسي إلى محاكم أخرى.

والمحكمة العليا هي أعلى محكمة في البلد. ويرأسها رئيس ويساعده نائب الرئيس واثني عشر قاضياً آخرين. ولا تخضع قرارات المحكمة العليا للطعن باستثناء الالتماسات التي تقدم لممارسة امتياز العفو أو إعادة النظر في قرار قضائي. وتكون قراراتها ملزمة لجميع الأطراف المعنية سواء أجهزة الدولة، أو المسؤولين الحكوميين، أو المدنيين، أو العسكريين، أو موظفي الجهاز القضائي أو الأفراد.

4- المؤسسة العسكرية

مرّ الجيش الرواندي بعد عام 1994  بعملية إزالة التمييز العرقي ، وأضفى الطابع المؤسسي على الإصلاحات بقصد نقل الجنود من التركيز على هويات الهوتو والتوتسي “العرقية” إلى امتلاك هوية رواندية وطنية في محاولة لبناء الدولة الرواندية. برز الجيش الوطني الرواندي كلاعب رئيسي في الجهود المبذولة لإعادة بناء وإعادة بناء رواندا بعد عام 1994. لقد بنى الجيش نفسه كمثالية لما يعنيه أن يكون روانديًا. من خلال إعادة التنشئة الاجتماعية في المؤسسة العسكرية عن طريق إعادة تثقيف عامة السكان ومن خلال صورة الأبطال  كان الجيش مؤسسة رئيسية في إعادة بناء رواندا. (19)

إن استراتيجية ربط المؤسسة العسكرية بالاندماج وبناء الوعي الوطني المشترك تتفق مع نموذج الجيش باعتباره منشئي الأمة. إن فكرة المؤسسة العسكرية كمدرسة للأمة معترف بها على نطاق واسع كنموذج دولي. يُعتبر الجيش مؤسسة مثالية لخلق شعور بالانتماء القومي للأفراد لأن المؤسسة “مبنية كمسعى جماعي يسعى إلى الوحدة ، ويعتمد عملها و الغرض منها وفعاليتها على الجماعية بدلاً من الفردية”. إلى  ويري الكثير أنه من المعتاد بالنسبة للحكومات استخدام الجيوش كأداة للتواصل الاجتماعي في السعي إلى “تلقين الجماهير” في الوعي الوطني وأن نهج الحكومة الرواندية لبناء هوية وطنية رواندية يتوافق مع هذا النموذج.

ثانياً- المؤسسات الغير رسمية

يخضع تسجيل المنظّمات غير الحكوميّة والإشراف عليها للقانون الأساسي رقم 10 لعام 2013 الذي يحكم نشاط المنظّمات السياسية والسياسيين. ويحدّد القانون رقم 6 لعام 2012 نظام وطرائق عمل المنظّمات القائمة على الدين؛ ويحدّد القانون رقم 4 لعام2012 المؤرخ  نظام وطرائق عمل المنظّمات غير الحكوميّة الوطنيّة.(20)

كما يكفل دستور رواندا حرية تكوين الجمعيات والتجمع، لا توجد أي قيود غير معقولة بموجب القانون على المنظمات المدنية والاجتماعية طالما أنها تتبع تفسير الحكومة “للوحدة الوطنية”  الذي تفرضه بأساليب علنية وسرية.

1- الأحزاب السياسية

تهيمن سبعة أحزاب سياسية علي المشهد السياسي في رواندا وهي الأحزاب الممثلة في مجلس النواب في البرلمان: الجبهة الوطنيّة الرواندية، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، والحزب الليبرالي، وحزب الوسط الديمقراطي، والحزب الديمقراطي المثالي، والحزب الاشتراكي الرواندي، وحزب التقدم والوفاق.

وتعد الجبهة الوطنية الرواندية من أكثر الأحزاب تأثيراً في النظام السياسي في رواندا فمنذ الأيام الأولى صرحت بتصميمها على إقامة ديمقراطية حقيقية على أساس برنامج حقيقي يوحد جميع الروانديين.

وتنتمي الأحزاب السياسية المسجلة رسميًا إلي المنتدى الإستشاري الوطني للمنظمات السياسية (NFPO)، يتلقى المنتدى دعماً مالياً سنوياً من الميزانية الوطنية التي يتم الوصول إليها على أساس الحاجة والأنشطة المحددة مثل بناء القدرات. مخطط التمويل هذا هو التمويل الحكومي الوحيد للأحزاب المسموح بها ويتم تخصيصه مباشرة من قبل الحكومة لدعم الأنشطة السياسية للأحزاب، بيد أن الأحزاب السياسية لا تسيطر بالكامل على هذه الموارد لأنها لا تحصل على الدعم نقدًا، بل يتم تعويضها عن الأنشطة التي تنظمها. (21)

2- المجتمع المدني

تضطلع منظّمات المجتمع المدني، بما في ذلك المنظّمات الدّينيّة، بوظيفة تثقيفيّة هامّة أيضاً . ففي رواندا مجموعة من المنظّمات غير الحكوميّة القويّة والنشطة التي تؤدي دوراً مزدوجاً في مجال التثقيف بحقوق الإنسان. فهي تقدم إلى الحكومة معلومات حاسمة عن قضايا حقوق الإنسان التي تعني السكان على المستوى الشعبي، من خلال منتديات محدّدة تعقدها الحكومة مع المنظّمات غير الحكوميّة. وفي الوقت ذاته تعمل هذه المنظّمات على تثقيف الجمهور ببرامج حقوق الإنسان وسبل الحماية التي تتوفّر لهم (22). وتستهدف هذه الأنشطة التوعويّة بشكل رئيسيّ المجتمعات المحليّة، والطّلاب، والمدرّسين، وموظفّي الخدمة العامّة، والقادة المحلّيين، والجنود المسرّحين ولكن خاصّة اللاّجئين والمتمرّدين السّابقين الذين يهربون من أفراد القوّات الدّيمقراطية لتحرير رواندا ويعادون إلى الوطن. وتؤدّي معاهد البحوث الخاصّة أيضاً دوراً رئيسياً في مكافحة التّمييز في المجتمع الرّواندي وخصوصاً المعهد الرّواندي للحوار والسّلام والدّيمقراطية ومركز إدارة النّزاعات التّابع للجامعة الوطنيّة في رواندا. (23)

تم إنشاء منتدى تطوير العمل المشترك أيضًا بهدف السماح لأصحاب المصلحة المحليين بأن يكونوا على دراية بتدخلات النظراء لتحسين التنسيق، ويعتمد المنتدى بشكل جوهري على مبادئ تعزز الكفاءة التخصيصية كما هو موضح في مهمته، تشمل هذه المبادئ تعزيز الحوار والمشاركة الفعالة والمساءلة بالإضافة إلى التنسيق من أجل تقديم خدمات عالية الجودة. ويتكون أعضاء المنتدى من المجتمعات المحلية والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية بالإضافة إلى ممثلي القطاعين العام والخاص العاملين في المقاطعة. وفيما يتعلق بالمشاركة ، يجب أن يشارك أعضاء الصندوق في مجمل عملية التخطيط والميزانية وأيضًا في رصد وتقييم مشاريع كل منطقة. نظرًا لأن JADF تشكل قناة رائعة للمشاركة على المستوى المحلي ، فإن أي ضعف في مشاركة المواطنين من شأنه أن يشكك في قدرة المنصة على ضمان الكفاءة التخصيصية. (24)

وبادرت اللّجنة الوطنيّة لحقوق الإنسان بإنشاء منتدى استشارياً للمنظّمات غير الحكوميّة، لتعزيز القدرة على إقامة شراكات مستدامة والتّعاون مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني. ويجتمع المنتدى مرّتين في السّنة، ونجح في تشجيع الشراكة بين اللّجنة الوطنيّة والجهات الفاعلة في المجتمع المدني. وتجدر الإشارة إلى أنه يجوز دعوة الجهات الفاعلة في المجتمع المدني للمشاركة في حملات الدّعوة وأنشطة التّوعية العامّة والتّدريب لمكافحة كل شكل من أشكال التّمييز العنصريّ وأيّ شكل آخر من أشكال انتهاكات حقوق الإنسان. وأنشأ المجتمع المدني الرّواندي تحالف اً ضدّ العنف القائم على نوع الجنس تنسّقه منظّمة جامعة، وهي جمعيّة “مناصرة المرأة – تويس هاموي”، ويشمل مركز الرجال لمكافحة العنف القائم على نوع الجنس، وهو مركز رواندا للرّجال الخبراء الذي يسعى جاهد اً لتوعية المجتمع من خلال مشاركة الرجال في مكافحة العنف القائم على نوع الجنس، وتحديد اً العنف ضد المرأة. وتضطلع العديد من المنظّمات غير الحكوميّة الأخرى بدور رئيسي في التثقيف بشأن حقوق الإنسان، ومنها رابطة تعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها في رواندا والرابطة الرواندية للدفاع عن حقوق الإنسان، (وهي المجموعة الجامعة الرئيسية لمنظّمات حقوق الإنسان الخمس الأعضاء)، وجمعية الدفاع عن حقوق المرأة والطفل، وجمعية الشباب لتعزيز حقوق الإنسان، وشبكة مواطنين من أجل العدالة والديمقراطية، وبعثة العدالة الدولية، والهيئة السبتية للتنمية والإغاثة الإنسانية لرواندا. (25)

المحور الثالث: تقييم النظام السياسي الرواندي

أولاً: مدي الكفاءة الوظيفية للنظام الرواندي

وجهات النظر الدولية بشأن رواندا تميل إلى الاستقطاب. حيث يؤكد أنصار الرئيس كاغاما أنه صاحب رؤية وأن رواندا تمثل قصة نجاح غير عادية بعد انتهاء الصراع. في حين أن هناك آخرون يجادلون بأن القيود المفروضة على الحقوق السياسية والمدنية قد تقوض في النهاية الاستقرار الذي تحقق بشق الأنفس في رواندا ، وأن القيود المفروضة على الحريات المدنية قد تخفي التوترات العرقية والسياسية والاجتماعية. وشكك بعض النقاد بشكل منفصل في موثوقية إحصاءات التنمية في رواندا – وهو ما يعد مبرر رئيسي لمساعدة المانحين- . و يفترض النقاد أيضًا أن تورط الحزب الحاكم على نطاق واسع في الاقتصاد قد يقيد نمو القطاع الخاص المستقل.

إن المركزية للسلطة حول مجموعة صغيرة يقودها كاجامي تمكن درجة عالية من استقلالية الدولة لفرض الإصلاحات الجذرية التي حولت الإدارة العامة الرواندية بشكل كبير. وكان هذا ضروريًا لتحقيق برنامج الجبهة الوطنية الرواندية لإعادة الإعمار الوطني. ومع ذلك  فإن مركزية السلطة المهمة ليست شرطا مسبقا كافيا لتشجيع التحول في نموذج مكافحة الفساد.

على النقيض من تقلص الحيز غير الرسمي في القطاع العام ، أشار البحث إلى أن التصعيد والتشارك غير الرسمي والسيطرة يتمان فيما يتعلق بالجماعات السياسية الأخرى. كما ذُكر سابقًا ، وفقًا لدستور 2003 ، فإن المنافسة السياسية مفتوحة لجميع تلك القوى التي تنبذ الانقسام العرقي وإيديولوجيات الإبادة الجماعية. تجادل بعض المصادر أنه في الممارسة العملية تُستخدم هذه المعايير لإزالة المتنافسين على السلطة الذين يحتمل أن يكونوا خطرين من المناصب الانتخابية المتنافس عليها رسميًا، والتي ستشكل شكلاً من أشكال السيطرة غير الرسمية. من ناحية أخرى ، يتم قبول أحزاب المعارضة الرسمية في الواقع لأنها صديقة للجبهة الوطنية الرواندية (أو التي تم اختيارها) ولا تشكل أي بديل سياسي جاد. علاوة على ذلك ، يمكن القول أن المبادئ المعلنة التي تنص على إدراج المعارضة الموالية من خلال تقاسم السلطة وصنع القرار بتوافق الآراء. (26)

كما يضمن الدستور جميع الحقوق المدنية القياسية، ولكن في الممارسة العملية  تظل القيود المشددة على حرية التعبير والصحافة والتجمع وتكوين الجمعيات قائمة. حيث قامت الحكومة بتقييد ومضايقة المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية ، فضلاً عن وسائل الإعلام وبرامج حقوق الإنسان الممولة من الخارج. كما أغلقت البرامج التي تديرها منظمة الشفافية الدولية والمحامون بلا حدود والرابطة الرواندية لتعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها بسبب ضغط الحكومة.

ثانياً: شكل العلاقة بين السلطات الثلاثة

حدد دستور عام 2003 الأساس للنظام السياسي في رواندا وطبيعة النظام السياسي ويقدم معلومات عن العلاقات القائمة بين مختلف السلطات المؤسسية بإجراء تحليل لنظام كل منها. وينص الدستور على المبدأ الأساسي القاضي بإنشاء هيئات السلطتين التنفيذية والتشريعية عن طريق انتخابات متعددة الأحزاب. كما تنص المادة 60 من الدستور على أن الفروع الثلاثة للحكومة هي التالية: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. والفروع الثلاثة منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض ولكنها متكاملة. ويحدد الدستور مسؤولياتها ونظامها وطريقة عملها. وتكفل الدولة إسناد ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى أشخاص يتمتعون بالكفاءة والنزاهة المطلوبة للوفاء بالمسؤوليات الممنوحة للفروع الثلاثة. (27)

ثالثاً: مستقبل النظام السياسي في رواندا

رغم أن هناك العديد من الإنتقادات الموجهة ناحية النظام السياسي الرواندي وسيطرة الجبهة الوطنية الرواندية علي المشهد السياسي في رواندا إلا أن النظام الرواندي مستقر نسبياً، وتري الدراسة إحتمالية حدوث ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول هو استمرار إستقرار النظام السياسي وخاصةً أن الجبهة الوطنية لها تأثير قوي علي أحزاب المعارضة مما يجعلها تقف في صفها، هناك إمكانية لتغير المشهد السياسي ولكن ذلك التغير سيكون في الإنتخابات الرئاسية الرواندية القادمة المتوقع حدوثها عام 2024.

السيناريو الثاني يفسر إستمرار الإستقرار السياسي ناتج عن التقدم الذي حققته رواندا في مجال التصنيع والتكنولوجيا، وإرتفاع مستوي الرفاهية ومستوي دخل الفرد في الدولة، و الخلل الذي من المرجح حدوثه سيكون في فترة الإنتخابات الرئاسية القادمة نتيجة رغبة بعض الأحزاب الوصول لسدة الحكم و الإطاحة بحزب الجبهة الوطنية الرواندية المسيطر علي المشهد السياسي في رواندا منذ عام 1994.

بينما السيناريو الثالث يري أنه برغم منح الدستور حق حرية التعبير عن الرأي في رواندا إلا أن  قمع الجبهة الوطنية الرواندية للأحزاب السياسية الأخري وخاصةً أحزاب المعارضة –ماعدا الموالية لها- وذلك من الممكن أن يؤدي إلي إقامة تحالف حزبي يطيح بالجبهة، ويمكن الأحزاب الأخري من خوض منافسة حقيقية للوصول للسلطة.

خاتمة

تحظي رواندا بمكانة مميزة وسط دول شرق إفريقا خاصة ودول القارة عامةً بعد التقدم الذي حققته في مجال التكنولوجيا، وكذلك جذبت إليها الأنظار بعدما إرتفع التمثيل النسبي للنساء في البرلمان مقارنة بالدول الإفريقية الأخري وتم مقارنتها بالدول الإسكندنافية.

من خلال الدراسة يمكننا ملاحظة النمو الإقتصادي المطرد خلال العقدين السابقين، وكان من أهم الأسباب التي أدت إلي النمو هي المساعدات والمنح الخارجية وخاصةً من الولايات المتحدة الأمريكية فهي تعد الداعم الخارجي الرئيسي للنظام السياسي الرواندي واقتصاده.

كما أن سيطرة الجبهة الوطنية الرواندية علي النظام السياسي في رواندا من الممكن أن يثير الكثير من المشاكل في غضون خمس سنوات، نتيجة إحتكاره للسلطة رغم إعطاء الدستور حق التعددية الحزبية، ولكن لا يتجرأ أي حزب معارضة الجبهة معارضة صريحة.

المراجع

1)    الهيئة العامة للإستعلامات،” رواندا”، متاح علي http://www.sis.gov.eg/Story/193152/%D8%AC%D9%85%D9%87%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AF%D8%A7?lang=ar ، اخر تاريخ للدخول 2/12/2019.

2)           BTI 2018 Country Report, Rwanda (Bertelsmann Stiftung’s Transformation Index (BTI) , 2018) available at http://www.bti-project.org  .

3)            Idem.

4)            Rwanda: In Brief, Congressional Research Service (Washington: Congressional Research Service, 2019) available at  https://crsreports.congress.gov .

5)            Idem.

6)            Cross-border dynamics, Brief Rwanda  (Switzerland : social science in Humanitarian action, April 2019) Available at https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/SSHAP%20-%20Cross-border%20dynamics%2C%20Rwanda-DRC.PDF   .

7)            Idem.

8)            Rwanda Governance Review,” Good Governance and Decentralization in Rwanda” (Kigali: Rwanda Governance Board (RGB), June 2018) available at http://www.rgb.rw/fileadmin/Publications/Rwanda_Governance_Review/Rwanda_Governance_Review_2018.pdf   .

9)            Idem.

10)   Brief Rwanda, Ibid.

11)    Good Governance and Decentralization in Rwanda, Ibid.

12)    Idem.

13)    Rwanda’s Constitution of 2003 with Amendments through 2015 (28 Mar 2017, available at https://www.constituteproject.org/constitution/Rwanda_2015.pdf?lang=en   ).

14)   Idem.

15)    Rwanda’s Constitution, Ibid.

16)    Idem.

17)    Claudia Baez Camargo and Tharcisse Gatwa, “Informal Governance and Corruption Transcending the Principal Agent and Collective Action Paradigms Rwanda Country Report” (UK: Basel Institute on Governance, July 2018) available at https://www.baselgovernance.org/publications/informal-governance-and-corruption-transcending-principal-agent-and-collective-1 )  .

18)    Rwanda’s Constitution, Ibid.

19)    Josefine Kühnel Larsen , “State Formation through a military construction of Rwandans”, Center for Military Studies (University of Copenhagen: Center for Military Studies, 5 July 2014) available at https://ecpr.eu/filestore/paperproposal/417cc8f2-46c4-4cb0-9c29-29d16ffdc073.pdf   .

20)    Rwanda’s Constitution, Ibid.

21)    Laura Mann and Marie Berry, “Understanding the political motivations that shape Rwanda’s emergent developmental state”, London School Of Economy and Political Science (London: London School Of Economy and Political Science (LSE), November 2017) Available at http://eprints.lse.ac.uk/85047/  .

22)    Masabo Francois, Role of Civil Society Organizations in Conflict and Post-Conflict Situations in Rwanda, Journal of African Conflicts and Peace Studies ( University of South Florida: Scholar Commons, Vol. 3: Iss. 2, June 2017) PP 16-37, available at http://scholarcommons.usf.edu/jacaps/vol3/iss2/2   .

23)    Balthazar Nizeyimana, Civil society organizations in the public policy process in Rwanda ( Master Thesis ,Kigali: University of Rwanda, College of Arts, August, 2013) Available at http://dr.ur.ac.rw/bitstream/handle/123456789/311/Barthazar%20Nzeyimana.pdf?sequence=1&isAllowed=y  .

24)    Transparency International Rwanda, “Rwanda Civil Society Development”( Kigali: Transparency International Rwanda, December 2015) available at http://www.rgb.rw/fileadmin/Publications/Rwanda_Civil_Society_Barometer_2015.pdf   .

25)    Zenobia Ismail, Civil Society and Accountability in Rwanda, Helpdesk reports (London: Helpdesk reports, University of Birmingham, 22 August 2018) available at https://gsdrc.org/wp-content/uploads/2019/02/412_Civil_Society_in_Rwanda.pdf  ).

26)   Informal Governance and Corruption Transcending the Principal Agent and Collective Action Paradigms Rwanda Country Report, Ibid.

27)   Rwandas constitution, Ibid

(Read more)  مساهمة المحاكم الجنائية الدولية الخاصة (ليوغسلافيا السابقة و رواندا) في تطوير القانون الدولي

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!