mohamed basyoni

انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، أواخر سبتمبر الماضي، وبالتحديد في 24 سبتمبر، شائعات حول حدوث انقلاب في الصين، والإطاحة بالرئيس الصيني شي جين بينج. وهي الشائعات التي تأكد كذبها بعدما عاود الرئيس الصيني الظهور على التلفزيون الحكومي، في 27 سبتمبر، وهو يزور معرضاً في قاعة معارض بكين بعنوان “المضي قدماً في العصر الجديد”، وهو معرض لإنجازات العصر الجديد للصين. ورغم تكذيب الشائعة بظهور “شي”، لكنها تأتي واحدة ضمن شائعات تظهر بين الحين والآخر عن الاقتتال السياسي أو محاولات الانقلاب في الصين؛ الأمر الذي يعزوه البعض إلى غموض النظام في الصين. وتثير شائعة الانقلاب على الرئيس الصيني وغيابه، وعدم تكذيبها السريع، وعدم التأكد من صحتها لعدة أيام، الحديث عن مسألة انغلاق النظام الصيني، وكيف تتحكم السلطات الصينية في المعلومات عن أوضاع بلادها الداخلية بالشكل الذي يُصعب أحياناً متابعة ما يجري وحقيقته على وجه الدقة.

آليات التحكم

يستخدم النظام الصيني أدوات وآليات مختلفة للتحكم في المعلومات التي يعرفها العالم الخارجي عن الصين والأوضاع السياسية، منها:

1- حماية خصوصية بيانات المستخدمين الصينيين: تدرك الحكومة الصينية أهمية بيانات المستخدمين الصينيين في حماية الأمن القومي للبلاد، وتعمل على حماية تلك البيانات من توظيفها من قبل الشركات الأجنبية الكبرى وحكومات الدول الأخرى. وعملت بكين على تحجيم عمل بعض شركات التكنولوجيا والخدمات الكبرى، وخاصة الشركات المدرجة في الولايات المتحدة؛ حيث تتفاقم مخاوف الصين بشأن البيانات الشخصية وتعرضها لخطر السيطرة عليها بشكل قد يخدم المصالح الأمريكية. وقد تجلت هذه المخاوف مع الحملة التي شنتها الحكومة الصينية ضد شركة “ديدي”؛ حيث بررت الحكومة الصينية هذه الحملة بإساءة الشركة التعامل مع بيانات حساسة حول مستخدميها في الصين، واتهمتها إدارة الفضاء الإلكتروني بارتكاب انتهاكات خطيرة للقوانين واللوائح في جمع واستخدام المعلومات الشخصية، وأفضت هذه الحملة إلى إزالة بكين تطبيق الشركة من متاجر التطبيقات في الصين.

2- حظر مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي العالمية: إذ عملت الصين على حظر عدد من مواقع الإنترنت الرئيسية ومنصات التواصل الاجتماعي الأجنبية، وإنشاء مواقع بديلة ذات صبغة محلية، تشرف عليها إدارة الفضاء الإلكتروني، بالشكل الذي يحول دون انفتاح المجتمع الصيني على وسائل التواصل الاجتماعي على غيره من المجتمعات، ومن ثم تكون عملية تناقل البيانات والأخبار بين المستخدمين الصينيين أنفسهم إلى حد كبير، وليس على مستوى عالمي ومفتوح. فعلى سبيل المثال، لا يوجد في الصين فيسبوك، ولا تويتر، ولا يوتيوب، ولا جوجل. وهناك عدة مواقع بديلة لتلك المواقع.

فقد استعاضت بكين عن موقع فيسبوك وتطبيق “واتساب” بموقعي “وي تشات” و”دينج توك”، فضلاً عن موقع الدردشة “رن رن”. واستعاضت عن موقع “تويتر” وغيره من المدونات بمواقع مثل “كايشين” و”سينا” و”تيسينت” و”ويبو”. فيما استعاضت عن “جوجل” بموقع “بايدو”. وتوجد بدائل صينية لموقع يوتيوب للأفلام والفيديوهات مثل “تودو” و”يوكو”. وكذلك استعاضت عن موقع تبادل الصور “فليكر” بموقعي “إيكاشا” و”إيكسون”. كما حظرت بكين تطبيقات مثل “إنستجرام” و”سيجنال” و”سناب شات”، فضلاً عن حظر السلطات الصينية تطبيق “كلوب هاوس” باعتبار أنه يناقش موضوعات حساسة، مثل قضية تايوان وقضايا الأقليات المسلمة، مع الأشخاص بالخارج، واعتبرته منتدى غير خاضع للرقابة.

3- ممارسة جهات متعددة الرقابة على الإنترنت: تمارس الصين رقابة تقييدية على الإنترنت داخل حدودها؛ حيث لا تعترف بوجود حرية رقمية كاملة، كانعكاس لواقع النظام السياسي في الصين وقضية الحريات بشكلٍ عام؛ فقد دشنت بكين عدداً من الضوابط الرئيسية لاستخدام الإنترنت، وخاصة في قمة الإنترنت الصينية التي عُقدت في 2013 في جونجو بإقليم خونان. وهذه الضوابط تؤكد عدم إمكانية التعرض لبعض القضايا الرئيسية على غرار الاشتراكية، والنظام السياسي، ومصلحة الدولة، والأنظمة الاجتماعية.

وتمارس جهات متعددة الرقابة على الإنترنت في الصين، على رأسها الحكومة الصينية، فضلاً عن الدور الذي تلعبه شركات الإنترنت نفسها. وعلى المستوى المجتمعي تشير بعض التقارير إلى أن المواطنين أنفسهم شركاء في هذه الرقابة؛ حيث ظهرت عدة جماعات وحركات مجتمعية لمساعدة الحكومة الصينية في عملية الرقابة على مواقع الإنترنت. وتشير تقارير صحفية إلى وجود أكثر من مليوني عامل من محللي الرأي العام مسؤولين عن مراجعة منشورات الإنترنت باستخدام عمليات البحث عن الكلمات الرئيسية وتجميع التقارير، وتعينهم الدولة والشركات الخاصة لمراقبة الإنترنت في الصين باستمرار.

وقد أصدرت الحكومة الصينية عام 2017 لوائح تشدد سيطرتها على محتوى الأخبار عبر الإنترنت؛ حيث فرضت على الشركات التي تنشر الأخبار على الإنترنت أو تشاركها أو تعدلها الحصول على ترخيص حكومي، مع خضوع الموظفين للتدريب والتقييم الحكومي، والحصول على الاعتماد الرسمي، مع عدم السماح للمنظمات التي ليس لديها ترخيص بنشر أخبار أو تعليقات حول الحكومة أو الاقتصاد أو الجيش أو الشؤون الخارجية أو المجالات الأخرى ذات الاهتمام العام. ويُلزم مقدمو الأخبار على الإنترنت باتباع “بروتوكولات أمن المعلومات”، بما في ذلك إجراءات “الاستجابة للطوارئ” مثل زيادة التدقيق في أعقاب الكوارث، كما بذلت إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين (CAC) جهوداً متزايدة لتشديد تنظيم وسائل الإعلام عبر الإنترنت، خاصة أن البث المباشر وتدوين الفيديو أصبح وسيلة شائعة لنشر وتداول الأخبار؛ حيث قررت بكين قواعد لمستخدمي منصات البث المباشر لتتم مراقبتها بدوام كامل، وأعلنت أن جميع مستخدمي البث المباشر يحتاجون إلى تصريح.

4- تعزيز الرقابة على وسائل الإعلام: بخلاف السيطرة على المنصات الإلكترونية، تعمل بكين على تشديد الرقابة على وسائل الإعلام، خاصةً التقليدية منها. ومنذ أن تولى الرئيس شي جين بينج، مهام منصبه رسمياً أميناً عاماً للحزب الشيوعي الصيني، عام 2012، ورئيساً لجمهورية الصين الشعبية عام 2013، شهدت بكين تشديداً موسعاً ومكثفاً للرقابة على وسائل الإعلام التقليدية، فضلاً عن اللوائح المنظمة لعمل وسائل الإعلام الصينية التي تسمح للسلطات بمنع الأخبار من خلال الادعاء بأنها تكشف أسرار الدولة وتعرض البلاد للخطر، في حين يظل تعريف أسرار الدولة غامضاً، بالشكل الذي يسهل الرقابة الحكومية على أي معلومات تعتبرها السلطات ضارة بمصالحها السياسية أو الاقتصادية. وبشكل عام، تشير لجنة حماية الصحفيين إلى خضوع وسائل الإعلام الخاصة والمملوكة للدولة لإشراف السلطات الصينية، وتعرِّض وسائل الإعلام التي تتقاعس عن الامتثال لتوجيهات الحزب الشيوعي الصيني لتعليق عملها أو لاتخاذ إجراءات عقابية بشأنها.

واستهدفت هذا الرقابة تعزيز التحكم الرسمي في مصادر المعلومات من المنبع، وأن تكون قنواتها ومنصاتها الإعلامية هي مصدر المعلومات الرئيسي، بحيث تقصر المعلومات المتداولة على تلك التي نشرتها مصادر رسمية موثوقة، مثل وكالة أنباء شينخوا والتلفزيون المركزي الصيني.

5- شكاوى من انتهاكات لعمل الصحفيين الصينيين: في إطار مساعي التحكم في المحتوى الإخباري الصيني، تشير تقارير إلى اتخاذ بكين عدداً من الإجراءات لتقييد عمل الصحفيين الصينيين، والتحكم فيه؛ فقد وجد إحصاء الصحفيين السجناء لعام 2021 الذي أجرته “لجنة حماية الصحفيين” أن الصين هي البلد الذي يسجن أكبر عدد من الصحفيين؛ وذلك للسنة الثالثة على التوالي؛ إذ يقبع في سجونها 50 صحفياً، وفقاً لتقرير اللجنة الصادر في ديسمبر 2021، كما تستخدم الحكومة مجموعة متنوعة من الأساليب لحث الصحفيين على فرض رقابة على أنفسهم، بما في ذلك الفصل من العمل وتخفيض درجاتهم، ودعاوى التشهير، والغرامات، وصولاً إلى التوقيف والاحتجاز.

6- التحكم في الأخبار بالخارج عبر اتفاقات دولية: سعت الصين إلى احتكار تصدير أخبارها إلى العالم الخارجي، ليس فقط بإجراءات تقييدية، بل أيضاً بإجراءات خارجية تعاونية وتنسيقية؛ حيث تعمل بكين على تعزيز توفير محتواها الإعلامي في الخارج، ودفع تكاليف ملاحق وصفحات كاملة في الصحف الأجنبية المرموقة لنشر روايتها، وإطلاق منصات إعلامية بلغات مختلفة، مع توقيع اتفاقيات تعاون ثنائية للاعتماد على المصادر الحكومية الصينية في تغطية أخبار الصين في الدول الأخرى.

فعلى سبيل المثال، وقعت الصين، عام 2019، سلسلة من الاتفاقيات الإعلامية مع كيانات إعلامية إيطالية، فوقعت وكالة الأنباء الإيطالية الحكومية مذكرة تفاهم مع وكالة الأنباء الصينية الحكومية لإطلاق خدمة مشتركة؛ بحيث تنشر الوكالة الإيطالية 50 خبراً من الوكالة الصينية يومياً على رسالتها الإخبارية، وبموجبها تتولى الأولى المسؤولية التحريرية عن المحتوى، وتعمل الثانية أداةً للتوزيع. كما توصلت هيئة الإذاعة العامة الإيطالية إلى العديد من الاتفاقيات مع مجموعة الصين للإعلام، التي يعمل في إطارها التلفزيون الوطني الصيني (CCTV) وراديو الصين الدولي (CRI)؛ حيث منح الوجود الصيني المتزايد في وسائل الإعلام الإيطالية بكين منبراً لنشر وجهات نظرها الرسمية، مع الحيلولة بشكل كبير دون ظهور المزيد من الانتقادات في تلك المنصات. وأقامت الصين علاقات مماثلة مع دول أخرى مثل الفلبين وصربيا والتشيك.

7- تقييد عمل المراسلين الأجانب في الصين: تشير التقارير الدولية إلى عمل السلطات الصينية على تقييد عمل المراسلين الأجانب في البلاد؛ فعلى سبيل المثال، ذكر نادي المراسلين الأجانب في الصين (FCCC)، في بيان أصدره عام 2021، أن بكين طردت 18 صحفياً أجنبياً على الأقل في عام 2020 وجمدت الموافقات على تأشيرات دخول الصحفيين الجديدة، فضلاً عن اتخاذ إجراءات قانونية ضد الصحفيين الأجانب.

فيما يذكر تقرير “الاتحاد الدولي للصحفيين” عن الصين الصادر عام 2020 أن تقليص عدد المراسلين الأجانب قد أدى إلى فراغ في التغطية الإعلامية الخاصة بالدولة وما يجري داخلها؛ حيث رصد التقرير عدم وجود صحفيين من بعض الدول مقيمين داخل الصين؛ ما يؤثر على نقل الأنباء الصينية إلى تلك الدول، واللجوء إلى المصادر الصينية التي تديرها الدولة التي يغلب عليها التغطية الإيجابية، كما أن التوجيه الصادر في يوليو 2014 بشأن جوازات سفر الصحفيين يمنع المراسلين من الإفراج عن معلومات من المقابلات أو المؤتمرات على وسائل التواصل الاجتماعي دون إذن؛ حيث تطلب الصين من المراسلين الأجانب الحصول على إذن قبل تقديم التقارير، وقد استخدمت ذلك حاجزاً إدارياً لمنع الصحفيين من الإبلاغ عن مواضيع قد تكون حساسة مثل الفساد، والتطورات الاقتصادية والمالية.

غموض استراتيجي

تساعد أدوات وآليات التحكم الصيني في المعلومات والمنظومة الإعلامية على تشكيل حالة من “الغموض الاستراتيجي” تستغلها بكين لتحقيق عدد من الأهداف، ومنها:

1- التغطية على الكوارث الكبرى في البلاد: تهدف السلطات الصينية من خلال تحكمها في المحتوى الإعلامي إلى محاولة التغطية على الكوارث الكبرى التي قد تؤثر على معدلات الرضا الداخلي، أو على الصورة الخارجية، فضلاً عن الحيلولة دون طرح الأسئلة الصحفية الاستقصائية حول الحوادث الكبرى مثلما هو الحال في تغطية انقلاب سفينة أورينتال ستار السياحية عام 2015، التي كان على متنها 454 فرداً لم ينج منهم سوى 12 فقط؛ حيث اتسمت المعالجة الإعلامية بالسيطرة الحكومية على المعلومات، ولم تتح الفرصة بشكل كبير لإجراء تحقيقات عن إجراءات السلامة والاستغاثة واستجابات الطوارئ. وفرضت إدارة الدعاية المركزية قيوداً كبيرة على تغطية الحادث؛ ففي غضون 12 ساعة من وقوع الكارثة، صدر توجيه إلى وسائل الإعلام يخبرهم بسحب مراسليهم والابتعاد عن مكان الحادث، والاعتماد على النشرات الإخبارية الرسمية فقط.

2- الحيلولة دون تقويض الشرعية السياسية: يرتبط سعي الحكومة الصينية إلى تقييد المعالجات الإعلامية للكوارث والأزمات الكبرى بخوف الحزب الشيوعي الصيني من تأثيرات تلك الحوادث على الاستقرار؛ حيث يعتبر القادة الصينيون، على سبيل المثال، أن الكوارث تشكل تهديداً أمنياً وسياسياً؛ لأنها تستدعي المشاعر الإنسانية التي يمكن أن تنفجر بشكل يقوض الشرعية السياسية.

ولا يرتبط ذلك بالكوارث فقط بل أيضاً قد تدفع التقارير غير الرسمية التي تتحدث عن محاولات انقلابية أو صراعات سياسية، البعض نحو التفكير في ذلك، أو تدفع المواطنين نحو التشكيك في قدرة الحكومة على الإمساك بزمام السلطة وإدارة الدولة، أو تدفع دولاً خارجية نحو دعم بعض الجماعات بدرجة أكثر جدية سياسياً أو مادياً أو إعلامياً أو بغير ذلك من أشكال الدعم.

3- منع الانتقادات الخارجية للحكومة الصينية: لا تقف المخاوف الصينية على السياق الداخلي فقط، بل يرتبط جانب مهم منها بعملية الحيلولة دون التعرض للانتقادات الخارجية، التي قد تلتقطها أطراف داخلية؛ حيث تعمل بكين على تقييد وصول المنصات الإعلامية الأجنبية إلى الأنباء التي قد تجلب انتقادات خارجية، سواء فيما يتعلق بملفات سوء الإدارة كالكوارث والأزمات والأوبئة، أو فيما يتعلق بالمعايير الغربية لملف الحقوق والحريات والانتقادات الموجهة للأداء السياسي للحزب الشيوعي الصيني، إلا أن تقييد العمل الإعلامي يمثل بحد ذاته أحد أبرز الانتقادات الخارجية للصين، ويسهم في تزايدها من المدخل الحقوقي من جهة، فضلاً عن استغلال حالة الغموض المعلوماتي في توجيه انتقادات حتى إن كانت بناء على معلومات يتم التشكيك في دقتها بعد ذلك، بعدما تُحدث آثارها السياسية بالفعل.

4- التحكم في الصورة الخارجية عن الصين: تعتبر وسائل الإعلام من أهم أدوات تشكيل الصور الذهنية والخارجية عن الدول، وتعمل بكين عبر التحكم في المحتوى الإعلامي المنشور عنها، على التحكم في الصورة الخارجية للدولة نفسها، وهو ما يتم العمل عليه بأكثر من وسيلة، كما سبقت الإشارة، منها ما يتعلق بتقييد نشر المحتوى السلبي، ومنها ما يتعلق بالتحكم في منصات نشر الأخبار، وتولي عملية نشر الأخبار في الخارج عبر منصات رسمية أو مدفوعة لنشر الرواية الصينية التي تعزز الصورة الخارجية عن الصين التي يرغب القادة الصينيون في الترويج لها؛ الأمر الذي يخدم في نهاية المطاف أجندة الأهداف الصينية في مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وغير ذلك، والتي ترتبط في جانب رئيسي منها بالصورة المتخيلة عن الصين وأوضاعها في تلك المجالات.

5- إضعاف مصداقية التناول الإعلامي الغربي: تُربك حالة الغموض الاستراتيجي التي تتبعها الحكومات الصينية الإعلام الغربي، خاصةً في ظل عدم قدرته على تتبع الأخبار الصينية الحساسة بحرية. وفيما تنتهج منصات الإعلام الغربي أجندة تحريرية تنتقد الأوضاع الصينية، فإنها تعمل على نشر التقارير والأخبار التي تخدم أهدافها السياسية والإعلامية. وفي ظل تقييد عملها، فإنها تلجأ في بعض الأحيان إلى الاعتماد على أخبار مجهولة أو ضعيفة المصدر، أو لم يتم التأكد منها، خاصةً تلك المتعلقة بالشؤون السياسية والخلافات داخل النخبة السياسية الصينية. بل في بعض الأحيان تعمد الصين إلى عدم تكذيب بعض الأخبار لفترة من الوقت لإتاحة فرصة انتشارها بين المنصات الغربية؛ حتى يتسبب التثبت من عدم دقة تلك الأخبار بعد ذلك في إضعاف مصداقية الإعلام الغربي فيما يتعلق بتغطيته للملف الصيني، والتشكيك بعد ذلك في الأخبار والتقارير الأخرى، حتى تلك التي تعتمد على مصادر قوية أو تكشف وقائع حقيقية داخل الصين.

6- الحد من القدرات التنبؤية الغربية وإرباكها: يعتمد أي تحليل سياسي أو استخباري أو إعلامي على المعلومة والخبر. وفيما تنتهج الصين استراتيجية للتحكم في الأخبار المنشورة عنها من المنبع إلى حد كبير، فإنها بذلك تحد من القدرات التنبؤية الغربية وتربكها، خاصةً مع توافر معلومات غير مؤكدة، أو مشوهة، أو مشوشة. وفي غياب المعلومة الدقيقة عن حقيقة ما يجري داخل الصين، فإن تقديرات المواقف قد تكون غير دقيقة، ومن ثم يصعب بناء تنبؤ ذي نسبة حدوث يقينية مرتفعة. وتهدف الصين من جراء ذلك إلى إرباك الحسابات الغربية باعتبار أن محدودية المعروض من المعلومات المؤكدة، ووجود صور مشوشة عن حقيقة ما يجري داخل الصين يضعف القدرات التنبؤية الغربية بمستقبل تلك التفاعلات والصراعات، ويضع الغرب أمام سيناريوهات متعددة حول حقيقة ما جرى، وبالتبعية حول ما يمكن أن يجري.

ختاماً، تعمل الصين من خلال تشكيل نظام معلوماتي مغلق على التحكم في دائرة المعلومات عما يجري داخلها. ولا تعد المصاعب التي تحيط بعملية معرفة حقيقة ما يجري داخل الصين أحياناً صدفة، إنما يمكن اعتبارها أحد ملامح استراتيجية للغموض والانغلاق والتحكم المعلوماتي الذي تعمل بكين على ترسيخه من جهة، وتوظفه لتحقيق عدد من الأهداف السياسية من جهة أخرى، فيما يعبر الصمت الذي تنتهجه الصين تجاه بعض الشائعات لبعض الوقت، مثلما حدث مع شائعة الانقلاب على الرئيس الصيني، عن نهج يهدف إلى الإضرار بالمنظومة الدعائية الغربية وإضعاف الثقة بما تنشره عن بكين من جهة، وجذب العالم نحو المنصات الإعلامية الصينية كوسيلة إعلامية وحيدة وموثوق بها للاطلاع على حقيقة ما يجري في الصين، فضلاً عن تغذية حالة الغموض الاستراتيجي بشكل عام.