بقلم الطالبة// دعاء فتحي الحلو

غزة – فلسطين

من أبرع ما أنتج ابن خلدون في تفسير فلسفة التاريخ ابداعه في نظريته للحضارة، حيث يرى ابن خلدون أن التطور سنة من سنن الله في الحياة الاجتماعية، ويقول:” إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول”.

فنظر ابن خلدون إلى الدولة ككائن حي يولد وينمو ويهرم ليفنى، ويُشبهها بدورة حياة الإنسان التي ذكرها رب العزة في قوله تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ” سورة الروم :54.

وأهم ما يوجه التطور الاجتماعي والعمراني عند ابن خلدون هو نظريته في “العصبية” ويعني بها الالتحام الذي يكون بين الأقارب أو القبائل والعشائر، يدفع للمناصرة والمطالبة بالملك، والمغالبة في سبيله ويدخل فيه الحلف والولاء.

والعصبية من خصائص البادية، وهي مما يفسد بحياة الحضر، ولها أثرها المهم في الحياة الاجتماعية، لأن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل.

إذ بها يتم التغلب، وبالتغلب يحصل الملك وهكذا فإن العصبية لها دور مهم في تأسيس الملك وتكوين الدولة، فاتساع الدولة يكون متناسباً مع قوة تلك العصبية، فإن ابن خلدون يدرس كيف تصل جماعة ما، إلى إسقاط نظام ما ثم ماذا يحدث عندما تنهار.

ويؤكد في نظريته على العصبية القائمة على الدم أو الدين عندما تقوى وتشتد توصل أصحابها إلى السلطة، وعندما تصل بهم إلى السلطة تضعف هذه الرابطة شيئا فشيئا إلى أن ينهار هذا النظام ويقوم نظام جديد.

فالحضارة عند ابن خلدون تتعاقب، على الأمم في ثلاثة أطوار: هي طور البداوة ثم طور التحضر، ثم طور التدهور الذي يؤدي إلى السقوط، ويرجع انهيارها لأسباب اقتصادية وأخلاقية ونفسية، لكن ابن خلدون يرى أن العصبية إذا اقترنت بالدين لا يقف أمامها شيء، “فالصبغة الدينية تذهب التحاسد والتنافس الذي في أهل العصبية (العرقية) وتفرد الوجهة إلى الحق.

ومنهجية ابن خلدون في بحثه يركز على الدول، فهو لا ينظر إلى منظومات كبيرة، لكنه ينظر إلى الدول في أحوالها المختلفة، فهو يرى في نموذج القبيلة أنها حينما لا تكون في السلطة، فإنها تمتلك لحمة الدم، وإذا نادتها عاطفة دينية فهي تنطلق، ولا يوقفها شيء لإسقاط وضع قائم.

وضرب لذلك مثالاً جلياً على ذلك هو بناء رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم دولته في المدينة، فإن وجود جماعة مثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزعمهم النبي وتحمل فكرة دينية وتتبناها وبهذا ستحقق مصلحتين:

1-وجود العصبية التي تتم بها المدافعة والجماعة التي تدافع.

2-وجود الفكرة (الدين) التي تستجلب العصبية وتهذبها وتنقيها من الشوائب الذي يفرزها التعصب، فالعصبية في الإسلام قوية إذ أنها تجمع كل الأجناس والأعراق والألوان واللغات.

 ويرى ابن خلدون إذا انتزع هذان العاملان الفكرة (الدين) والرابطة (الجماعة) فستنجرف العصبية إلى الخضوع والانقياد ومنظومة تؤدي إلى الترف والنعيم والانغماس في الدنيا وبذلك لا يعود للعصبية أي فائدة.

والذي يتأمل في تاريخ واقعنا المعاصر من حركات وتنظيمات إسلامية وغير إسلامية ودول كبرى نجد أن كل حركة بدأت بفكرة وليدة ثم تتحول إلى حركة فتية شابة، فإما أن تنجح في تحقيق أهدافها وتنتصر، وإما تنهار وتتضاءل وتفشل، ثم تبدأ أعراض الشيخوخة تظهر عليها لانخفاض سقف الأهداف ووضوحها وجمود الأفكار وبذلك تعطي فرصة لظهور حركات وتنظيمات جديدة لإحداث التغيير والتحول الاجتماعي المنشود.

([1] ) الخلدونية نسبة إلى ابن خلدون: وهو هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي التونسي (732-808ه) أصله من حضرموت، نزح أجداده إلى بلاد المغرب أثناء الفتح الإسلامي للأندلس، نشأ في بيت علم ودين، فكان أبوه المعلم الأول وتتلمذ على يد مجموعة من العلماء حتى صارت ثقافته موسوعية، وكتب مقدمته المشهورة والتي أصبحت فيما بعد أساس “علم العمران” لاعتماده على الاستقراء والتحليل والاستنتاج والنقد للحوادث التاريخية ، وابن خلدون أول من بدأ يقرأ التاريخ قراءة مختلفة فهو رائد فلسفة التاريخ.