قضايا سياسية

النظرية البنائية الوظيفية

تمثل النظرية البنائية الوظيفية أكثر الاتجاهات النظرية رواجًا في علم الاجتماع و تعد من المعالم الرئيسية لعلم الاجتماع الأكاديمي المعاصر.

ويرجع تسمية هذه النظرية بالبنائية الوظيفية إلى اعتمادها على مفهومين أساسيين في تحليل المجتمع وتفسيره، وهما “البناء” Structure و”الوظيفة” Function ويمثل هذان المفهومان العمود الفقري لهذه النظرية.

النظرية البنائية الوظيفية:

البناء الاجتماعي هو مجموعة العلاقات الاجتماعية الثابتة والدائمة التي تربط بين أعضاء المجتمع الذين يلعبون أدوارًا معينة S. Roles ويشغلون مكانات اجتماعية محددة، ويِّكونون بالتالي جماعات اجتماعية متعددة داخل المجتمع.(كريب،1999م)

و البناء الاجتماعي هو شبكة من العلاقات الاجتماعية الثابتة والدائمة بين أفراد يشغلون مكانات اجتماعية محددة، مما يؤدي إلى وجود مجموعة من النظم الاجتماعية المتساندة، يؤدي كل نظام وظيفة محددة لهم في بقاء البناء الاجتماعي ككل.

والافتراض الأساسي هنا هو بقاء هذا البناء يتوقف على العلاقات بين النظم المختلفة وأدائها لوظائفها.

أما مفهوم الوظيفة Function فيعني أن الوظيفة هي الإسهام الذي يقدمه الجزء للكل أي النسق الديني للنسق التربوي و كلاهما للمجتمع السعودي ككل ، وهذا هو المعنى الذي نجده عند دوركايم ورادكليف براون ومالينوفسكي، وهناك معانٍ أخرى للوظيفة، مثل الإسهام الذي تقدمه الجماعة لأعضائها، كما تستخدم بمعنى المهنة أو العمل، أو الإشارة إلى المنفعة التي يحصل عليها الشخص نتيجة ممارسته لأعمال معينة .

أفكار النظرية :

ويمكن القول بوجه عام إن النظرية الوظيفية تقوم على ست أفكار رئيسية:

  1. يمكن النظر إلى أي شيء – سواء أكان كائنًا حيًا أو اجتماعيًا أو فردًا أو مجموعة، أو تنظيمًا رسميًا أو مؤسسة أو مجتمعًا أو حتى العالم بأسره على أنه نسق أو نظام System وهذا النسق يتألف من عدد من الأجزاء المترابطة، لكل جزء وظيفة محددة يقوم بها للمحافظة على النسق. (الحامد،1415هـ، ص76-77)
  2. لكل نسق احتياجات أساسية لابد من الوفاء بها، وإلا فإن النسق سيفنى أو يتغير تغيرًا جوهريًا، فالمجتمع في حاجة لتنظيم أساليب السلوك وفي حاجة لإضافة أفراد جدد وفي حاجة لمجموعة لرعاية الأطفال و في حاجة إلى القيم و الضبط وهكذا.
  3. يمكن تحقيق كل حاجة من حاجات النسق بواسطة عدة متغيرات أو بدائل alternatives فحاجة المجتمع للتماسك تتحقق عن طريق قوة العادات والتقاليد، وسيادة قدسية الدين، و حاجة المجتمع إلى الأخلاق والقيم تتحقق عن طريق الدين و التربية .
  4. توازن النسق قضية جوهرية، فلابد أن يكون المجتمع في حالة توازن Equilibrium ولكي يتحقق هذا التوازن لابد أن تلبى كل حاجات النسق، و التوازن يتم من خلال تكامل مكونات النسق وترابطها، بحيث تقاوم أي تغيرات قد تضر بقاء النسق، وإذا حدث أي تغير، فإن النسق يرجع إلى حالة التوازن بصورة تلقائية, ففي النسق الديني في المجتمع السعودي هناك حاجات لتوازن هذا النسق تتمثل في الحفاظ على ثوابت الدين الإسلامي من خلال العلماء أصحاب الثقة و أنه حينما يكون هناك انحراف في الفكر الدين فغالبا ما يعود الناس للثوابت الراسخة و من ثم يستعيد النسق توازنه رافضا أي انحراف و بالتالي يمتد أثر ذلك التوازن في النسق الديني إلى توازن النسق التربوي الذي يدين في كثير من مقوماته في المجتمع السعودي على النسق الديني حيث أن ثقافة المجتمع السعودي مبنية على الإسلام في كافة جوانب الحياة .
  5. لكل جزء من أجزاء النسق سمة تؤثر في بقائه وتوازنه، فقد يكون وظيفيًا أي يسهم في تحقيق التوازن، وقد يكون معوقًا وظيفيًا أي يقلل من عدم التوازن، أو قد يكون غير وظيفي أي ،عديم القيمة بالنسبة للنسق.
  6. وحدة التحليل هي الأنشطة والنماذج المتكررة والصور العامة للسلوك، وليست وحدات فردية محددة فالتحليل الوظيفي لا يحاول أن يشرح كيف ترعى و تربي أسرة معينة أطفالها، وإنما يهتم بكيفية تحقيق الأسرة -كنظام- لهذا الهدف من خلال الاستفادة من معطيات النسق الديني .

يتضح مما سبق أن النظرية البنائية الوظيفية تنظر إلى المجتمع باعتباره نسق في حالة توازن، وهذا النسق هو بناء منظم وثابت مكون من عدد من الأجزاء المترابطة، ولكل جزء (أو نظام) من هذه الأجزاء وظيفة يؤديها للحفاظ على بقاء النسق وتوازنه. (الحامد،1415هـ، ص78-79)

نقد النظرية البنائية الوظيفية:

يمكن استعراض أبرز الانتقادات التي وجهت للنظرية البنائية الوظيفية في النقاط التالية :

1-لقد انصب التركيز على الجوانب الثابتة من النسق الاجتماعي اكثر من الاهتمام بالأبعاد الديناميكية المتغيرة, وكانت الابعاد الثقافية للنسق الاجتماعي اكثر استخداما في التفسير من غيرها من مكونات النسق

2-المبالغة في محاكاة نموذج العلوم الطبيعية, وخاصة نموذج علوم الحياة, وكأن النسق الاجتماعي كائن عضوي تحكمه نفس القوانين التي تحكم حركة الكائنات الحية

3-يؤخذ على الاتجاه البنائي الوظيفي انه احادي النظرة, بمعنى أنه لا يرى ويبحث في النسق الاجتماعي الا ابعاد التوازن والوظائف وتحقيق الاهداف, فلا يهتم بتحليل ابعاد اخرى مثل ابعاد التغير والاضطراب والامراض والمشكلات الاجتماعية

4- استبعاد فكرة التغير الاجتماعي وخاصة الجذري والشامل , وحتى وان اعترف النموذج البنائي الوظيفي بشيء من التغير الاجتماعي النابع من عوامل كائنة داخل النسق , فانه لا يعطي أي اهتمام, بل لا يهتم مطلقا بالتغير الاجتماعي الذي يتم بفعل عوامل من خارج النسق الاجتماعي

5-اهمل الاتجاه البنائي الوظيفي فكرة الصراع الاجتماعي, مع ان هذا المتغير اساسي في فهم تغير وتطور المجتمعات الانسانية الصناعية والنامية منها على حد سواء(الحوات ، 1998م، ص104)

6- صعوبة اختبار كثير من المفاهيم والتصورات والقضايا التي يستند اليها الاتجاه البنائي الوظيفي في فهم المجتمع

7- لا يطرح اسئلة رئيسية وجذرية حول غاية الفعل الاجتماعي ,فهو يهتم فقط بنتائج الفعل واستمراره دون النظر في مضامينه وغاياته البعيدة

الانتقادات التي وجهت لبارسونز:

 أهم نقد وجه لبارسونز بأنه استخدم مصطلحات علم النفس كالدوافع، الشخصية حيث وصفت نظريته بأنها ذات طابع سيكولوجي أكثر منه سوسيولوجي.(الفوال، 2005م ، ص166)

وهناك تساؤلا مهما نتج عن حملة الانتقادات التي وجهت إلى بارسونز عما إذا كان نسق المفهومات عند بارسونز يرتبط بأحداث تقع في العالم الحقيقي.

لا جدال أن هذا الاتجاه النقدي الموجه إلى بارسونز له أهميته ، لأن استراتيجية بارسونز تفترض أنه من الضروري أن نصيغ نسقا محكما من المفهومات ، يدرك إدراكا ملائما السمات الظاهرة للعالم الاجتماعي ، و منه تبرز مجموعة من القضايا النهائية ، و التحدي الأكبر الذي يواجه استراتيجيته و جوهر شكل التنظير الوظيفي عند بارسونز هو التأكيد بأن النسق الكامل النضج للمفهومات لا يعكس إلا سمات غير ملائمة عن الأنساق الاجتماعية الواقعية .

و قد صاغ دارندوف مجموعة من الانتقادات عندما شبه النزعة الوظيفية باليوتوبيا ، و أكد دارندوف أن مفهومات بارسونز تشبه كثيرا السمات البارزة في عالم اليوتوبيا الاجتماعية لأنها تشير إلى عالم :

 أ ) جماد لا يتطور.

ب ) يؤكد على الاتفاق حول القيم و المعايير فقط .

ج ) يعرض درجة عالية من التكامل بين عناصره .

د ) و يشير إلى أساليب تحافظ على الوضع الراهن , بإيجاز فإن صورة المجتمع التي عرضها بارسونز هي صورة يوتوبية ، لأنها تستبعد حدوث ظواهر مثل الانحراف و الصراع و التغير .

و لقد تزايدت حملة الاتهامات بعد نشر كتاب النسق الاجتماعي ، الذي عرض فيه بارسونز عرضا واضحا لفكرة تكامل الأنساق الاجتماعية ، وبطريقة تماثل ما عرضه راد كليف بارون و دوركايم من أن التأكيد على الحاجة أو لزوميات التكامل في الأنساق الاجتماعية يؤدي في راي النقاد إلى اهتمام غير مناسب و غير متوازن بتلك العمليات التي تحدث داخل الأنساق الاجتماعية ليواجه و يشبع هذه الحاجة إلى التكامل .

كما كان من ضمن الانتقادات التي وجهت لبارسونز مشكلة الحشو وتكرار المعنى و هي إحدى الانتقادات الأساسية التي تعترض منظور بارسونز الوظيفي ، و المقصود بالحشو و تكرار المعنى في فكر بارسونز نجده في صياغة بارسونز عن الحاجات الأربعة للنظام حيث نجد أنها مبنية على افتراض أن تلك الحاجات غير محققة و لذلك فإن بقاء النظام يكون مهددا أو معرضا للخطر ، و مع ذلك فعندما طبق بارسونز هذا الافتراض أصبح من الضروري التعرف على مستوى الفشل في مقابلة كلا من هذه الحاجات لإبراز أزمة النظام من أجل البقاء ، كيف يستطيع الفرد أن يحدد متى لا تكون حاجات التكيف مقابلة للنظام .

إنه لما لم يكن هناك بعض الطرق لتحديد ما يعين على بقاء النظام أو عدم بقاءه فإن الافتراضات المدعمة بالوثائق عن مشاركة إو إسهام البنود بالنسبة لمقابلة حاجات البقاء تصبح حشوا أو تكرارا للمعنى ، فالجزء أو العنصر يقابل حاجات بقاء أو عدم بقاء النظام ، لأن النظام موجود و بناء على ذلك يجب على النظام أن يكون باقيا .

إذا فبارسونز لم يقدم إجابة على التساؤلات المتعلقة بمشكلة الحشو و تكرار المعنى حيث أنه لم يعطي إجابات على المستويات أو المعايير التي بواسطتها يمكننا التعرف على مدى قابلية النظام للحاجات الوظيفية الأربعة من أجل الحفاظ على بقائه و استمراره ، فعلينا أن نعرف متى تكون حاجات النظام متقابلة أو غير متقابلة .

و بجانب ذلك فإنه كان على بارسونز أن يمدنا بالمستويات الدنيا المطلوبة لمقابلة كل حاجة من حاجات النظام الأربعة لبقائه ، و بمعنى آخر عند أي حد يمكننا القول بأن النظام يمكن مقابلة حاجاته التكاملية و عند أي وضع يمكننا من خلاله تحديد بقاء النظام أو فشله ، لأن المستويات الدنيا المطلوبة لحاجاته تكون متقابلة .

فأي افتراض عن بقاء النظام بواسطة مقابلة حاجاته الأربعة الأساسية يكون عديم المعنى أو الاستعمال ، ما لم يتوافر لدينا بعض المعايير التي بواسطتها نستطيع التعرف على المستويات الدنيا اللازمة لمقابلة حاجات النظام ، و ما يترتب على ذلك من بقائه أو عدم بقائه .

و يبدو أن بارسونز كان لديه وعي بهذه المشكلة الخاصة بمنهجه و لكنه كان غير قادر على حلها و التغلب عليها .(جلبي، 1998م)

الخاتمة:

الحمد لله و الصلاة و السلام على نبينا محمد و بعد .

فقد استعرضنا فيما سبق النظرية البنائية الوظيفية و قمنا باستعراض أهم أوجه النقد التي وجهت لها و لبارسونز , ونأمل أن نكون قد وفقنا في هذا العرض.

قائمة المراجع:

  • جلبي ، علي عبد الرزاق و آخرون ، نظرية علم الاجتماع و الاتجاهات الحديثة و المعاصرة ، الإسكندرية ، دار المعرفة الجامعية ، 1998م
  • الحامد ، محمد بن معجب (1415هـ) دور المؤسسات التربوية غير الرسمية في عملية الضبط الاجتماعي، مركز مكافحة الجريمة، الرياض.
  • الحوات، علي (1998م) النظرية الاجتماعية (اتجاهات أساسية)،منشورات ألجا ، مالطة.
  • صلاح مصطفى (2005م) معالم الفكر السوسيولوجي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • كريب، إيان (1999) النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة محمد حسين غلوم، عالم المعرفة، ع (244)، الكويت.

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock